الجمعة، 20 مايو 2022

مجلد 25. و26. من كتاب : الكامل في التاريخ ابن الأثير


=========
مجلد 25. و26. من كتاب : الكامل في التاريخ ابن الأثير
 
وكان يمين الدولة كلما فتح من الهند فتحاً، وكسر صنماً يقول الهنود: إن هذه الأصنام قد سخط عليها سومنات، ولو أنه راض عنها لأهلك من تقصدها بسوء، فلما بلغ ذلك يمين الدولة عزم على غزوه وإهلاكه، ظناً منه أن الهنود إذا فقدوه، ورأوا كذب ادعائهم الباطل، دخلوا في الإسلام، فاستخار الله تعالى وسار عن غزنة عاشر شعبان من هذه السنة، في ثلاثين ألف فارس من عساكره سوى المتطوعة، وسلك سبيل الملتان، فوصلها منتصف شهر رمضان.
وفي طريقه إلى الهند برية قفر، لا ساكن فيها، ولا ماء، ولا ميرة، فتجهز هو وعسكره على قدرها، ثم زاد بعد الحاجة عشرين ألف جمل تحمل الماء والميرة، وقصد أنهلوارة، فلما قطع المفازة رأى في طرفها حصوناً مشحونة بالرجال، وعندها آبار قد غوروها ليتعذر عليه حصرها، فيسر الله تعالى فتحها عند قربه منها بالرعب الذي قذفه في قلوبهم، وتسلمها، وقتل سكانها وأهلك أوثانها، وامتاروا منها الماء وما يحتاجون إليه.
وسار إلى أنهلوارة فوصلها مستهل ذي القعدة، فرأى صاحبها المدعو بهيم قد أجفل عنها وتركها وأمعن في الهرب وقصد حصناً له يحتمي به فاستولى يمين الدولة على المدينة، وسار إلى سومنات، فلقي في طريقه عدة حصون فيها كثير من الأوثان شبه الحجاب والنقباء لسومنات، على ما سول لهم الشيطان، فقاتل من بها، وفتحها وخربها، وكسر أصنامها، وسار إلى سومنات في مفازة قفرة قليلة الماء، فلقي فيها عشرين ألف مقاتل من سكانها لم يدينوا للملك، فأرسل إليهم السرايا، فقاتلوهم، فهزموهم وغنموا مالهم، وامتاروا من عندهم، وساروا حتى بلغوا دبولوارة، وهي على مرحلتين من سومنات، وقد ثبت أهلها له ظناً منهم أن سومنات يمنعهم ويدفع عنهم، فاستولى عليها، وقتل رجالها، وغنم أموالها، وسار عنها إلى سومنات، فوصلها يوم الخميس منتصف ذي القعدة، فرأى حصناً حصيناً مبنياً على ساحل البحر بحيث تبلغه أمواجه، وأهله على الأسوار يتفرجون على المسلمين، واثقين أن معبودهم يقطع دابرهم ويهلكهم.
فلما كان من الغد، وهو يوم الجمعة، زحف وقاتل من به، فرأى الهنود من المسلمين قتالاً لم يعهدوا مثله، ففارقوا السور، فنصب المسلمون عليه السلاليم، وصعدوا إليه، وأعلنوا بكلمة الإخلاص، وأظهروا شعار الإسلام، فحينئذ اشتد القتال، وعظم الخطب وتقدم جماعة الهنود إلى سومنات، فعفروا له خدودهم، وسألوه النصر، وأدركهم الليل فكف بعضهم عن بعض.
فلما كان الغد بكر المسلمون إليهم وقاتلوهم، فأكثروا في الهنود القتل، وأجلوهم عن المدينة إلى بيت صنمهم سومنات، فقاتلوا على بابه أشد قتال، وكان الفريق منهم بعد الفريق يدخلون إلى سومنات فيعتنقونه ويبكون، ويتضرعون إليه، ويخرجون فيقاتلون إلى أن يقتلوا، حتى كاد الفناء يستوعبهم، فبقي منهم القليل، فدخلوا البحر إلى مركبين لهم لينجو فيهما، فأدركهم المسلمون فقتلوا بعضاً وغرق بعض.
وأما البيت الذي فيه سومنات فهو مبني على ست وخمسين سارية من الساج المصفح بالرصاص، وسومنات من حجر طوله خمسة أذرع: ثلاثة مدورة ظاهرة، وذراعان في البناء، وليس بصورة مصورة، فأخذه يمين الدولة فكسره، وأحرق بعضه، وأخذ بعضه معه إلى غزنة، فجعله عتبة الجامع.
وكان بيت الصنم مظلماً، وإنما الضوء الذي عنده من قناديل الجوهر الفائق، وكان عنده سلسلة ذهب فيها جرس، وزنها مائتا من، كلما مضى طائفة معلومة من الليل حركت السلسلة فيصوت الجرس فيقوم طائفة من البرهميين إلى عبادتهم، وعنده خزانة فيها عدة من الأصنام الذهبية والفضية، وعليها الستور المعلقة المرصعة بالجوهر، كل واحد منها منسوب إلى عظيم من عظمائهم، وقيمة ما في البيوت تزيد على عشرين ألف ألف دينار، فأخذ الجميع، وكانت عدة القتلى تزيد على خمسين ألف قتيل.
ثم إن يمين الدولة ورد عليه الخبر أن بهيم صاحب أنهلوارة قد قصد قلعة تسمى كندهة في البحر، بينها وبين البر من جهة سومنات أربعون فرسخاً، فسار إليها يمين الدولة من سومنات، فلما حاذى القلعة رأى رجلين من الصيادين، فسألهما عن خوض البحر هناك، فعرفاه أنه يمكن خوضه لكن إن تحرك الهواء يسيراً غرق من فيه. فاستخار الله تعالى، وخاضه هو ومن معه، فخرجوا سالمين، فرأوا بهيم وقد فارق قلعته وأخلاها فعاد عنها، وقصد المنصورة، وكان صاحبها قد ارتد عن الإسلام، فلما بلغه خبر مجيء يمين الدولة فارقها واحتمى بغياض أشبة، فقصده يمين الدولة من موضعين، فأحاط به وبمن معه، فقتل أكثرهم، وغرق منهم كثير، ولم ينج منهم إلا القليل.
ثم سار إلى بهاطية، فأطاعه أهلها، ودانوا له، فرحل إلى غزنة، فوصلها عاشر صفر من سنة سبع عشرة وأربعمائة.
ذكر وفاة مشرف الدولة
وملك أخيه جلال الدولةفي هذه السنة، في ربيع الأول، توفي الملك مشرف الدولة أبو علي بن بهاء الدولة بمرض حاد، وعمره ثلاث وعشرون سنة وثلاثة أشهر، وملكه خمس سنين وخمسة وعشرون يوماً، وكان كثير الخير، قليل الشر، عادلاً، حسن السيرة، وكانت والدته في الحياة، وتوفيت سنة خمس وعشرين.
ولما توفي مشرف الدولة خطب ببغداد، بعد موته، لأخيه أبي طاهر جلال الدولة، وهو بالبصرة، وطلب إلى بغداد، فلم يصل إليها، وإنما بلغ إلى واسط وأقام بها، ثم عاد إلى البصرة، فقطعت خطبته، وخطب لابن أخيه الملك أبي كاليجار بن سلطان الدولة بن بهاء الدولة في شوال، وهو حينئذ صاحب خوزستان، والحرب بينه وبين عمه أبي الفوارس، صاحب كرمان، بفارس، فلما سمع جلال الدولة بذلك أصعد إلى بغداد، فانحدر عسكرها ليردوه عنها، فلقوه بالسيب من أعمال النهروان، فردوه فلم يرجع، فرموه بالنشاب، ونهبوا بعض خزائنه، فعاد إلى البصرة، وأرسلوا إلى الملك أبي كاليجار ليصعد إلى بغداد ليملكوه، فوعدهم الإصعاد، ولم يمكنه لأجل صاحب كرمان، ولما أصعد جلال الدولة كان وزيره أبا سعد بن ماكولا.
ذكر ملك نصر الدولة بن مروان مدينة الرهاوفي هذه السنة ملك نصر الدولة بن مروان، صاحب ديار بكر، مدينة الرها.
وكان سبب ملكها أن الرها كانت لرجل من بني نمير يسمى عطيراً، وفيه شر وجهل، واستخلف عليها نائباً له اسمه أحمد بن محمد، فأحسن السيرة، وعدل في الرعية، فمالوا إليه.
وكان عطير يقيم بحلته، ويدخل البلد في الأوقات المتفرقة، فرأى أن نائبه يحكم في البلد، ويأمر وينهى، فحسده، فقال له يوماً: قد أكلت مالي، واستوليت على بلدي، وصرت الأمير وأنا النائب، فاعتذر إليه، فلم يقبل عذره وقتله. فأنكرت الرعية قتله، وغضبوا على عطير، وكاتبوا نصر الدولة ابن مروان ليسلموا إليه البلد، فسير إليهم نائباً كان له بآمد يسمى زنك، فتسلمها وأقام بها ومعه جماعة من الأجناد، ومضى عطير إلى صالح بن مرداس، وسأله الشفاعة له إلى نصر الدولة، فشفع فيه، فأعطاه نصف البلد، ودخل عطير إلى نصر الدولة بميافارقين، فأشار أصحاب نصر الدولة بقبضه، فلم يفعل وقال: لا أغدر به وإن كان أفسد، وأرجو أن أكف شره بالوفاء.
وتسلم عطير نصف البلد ظاهراً وباطناً، وأقام فيه مع نائب نصر الدولة. ثم إن نائب نصر الدولة عمل طعاماً ودعاه، فأكل وشرب، واستدعى ولداً كان لأحمد الذي قتله عطير، وقال: أتريد أن تأخذ بثأر أبيك؟ قال: نعم! قال: هذا عطير عندي في نفر يسير، فإذا خرج فتعلق به في السوق وقل له: يا ظالم قتلت أبي، فإنه سيجرد سيفه عليك، فإذا فعل فاستنفر الناس عليه واقتله وأنا من ورائك. ففعل ما أمره، وقتل عطيراً ومعه ثلاثة نفر من العرب.
فاجتمع بنو نمير وقالوا: هذا فعل زنك، ولا ينبغي لنا أن نسكت عن ثأرنا، ولئن لم نقتله ليخرجنا من بلادنا. فاجتمعت نمير، وكمنوا له بظاهر البلد كميناً، وقصد فريق منهم البلد، فأغاروا على ما يقاربه. فسمع زنك الخبر، فخرج فيمن عنده من العساكر، وطلب القوم، فلما جاوز الكمناء خرجوا عليه، فقاتلهم، فأصابه حجر مقلاع، فسقط وقتل، وكان قتله سنة ثماني عشرة وأربعمائة في أولها، وخلصت المدينة لنصر الدولة.
ثم إن صالح بن مرداس شفع في ابن عطير وابن شبل النميريين ليرد الرها إليهما، فشفعه وسلمها إليهما، وكان فيها برجان أحدهما أكبر من الآخر، فأخذ ابن عطير البرج الكبير، وأخذ ابن شبل البرج الصغير، وأقاما في البلد، إلى أن باعه ابن عطير من الروم، على ما نذكره إن شاء الله تعالى.
ذكر غرق الأسطول بجزيرة صقليةفي هذه السنة خرج الروم إلى جزيرة صقلية في جمع كثير، وملكوا ما كان للمسلمين في جزيرة قلورية، وهي مجاورة لجزيرة صقلية، وشرعوا في بناء المساكن ينتظرون وصول مراكبهم وجموعهم مع ابن أخت الملك. فبلغ ذلك المعز بن باديس، فجهز أسطولاً كبيراً: أربعمائة قطعة، وحشد فيها، وجمع خلقاً كثيراً، وتطوع جمع كثير بالجهاد، رغبة في الأجر، فسار الأسطول في كانون الثاني، فلما قرب من جزيرة قوصرة، وهي قريب من بر أفريقية، خرج عليهم ريح شديدة، ونوء عظيم، فغرق أكثرهم، ولم ينج إلا اليسير.
ذكر عدة حوادثفي هذه السنة ظهر أمر العيارين ببغداد، وعظم شرهم، فقتلوا النفوس، ونهبوا الأموال، وفعلوا ما أرادوا، وأحرقوا الكرخ، وغلا السعر بها حتى بيع كر الحنطة بمائتي دينار قاسانية.
وفيها قبض جلال الدولة على وزيره أبي سعد بن ماكولا، واستوزر ابن عمه أبا علي بن ماكولا.
وفيها أرسل القادر بالله القاضي أبا جعفر السمناني إلى قرواش يأمره بإبعاد الوزير أبي القاسم المغربي، وكان عنده، فأبعده، فقصد نصر الدولة بن ميافارقين وقد تقدم السبب فيه.
وفيها توفي الوزير أبو منصور محمد بن الحسن بن صالحان، وزير مشرف الدولة أبي الفوارس، وعمره ست وسبعون سنة.
وقاضي القضاة أبو الحسن أحمد بن محمد بن أبي الشوارب، ومولده في ذي القعدة سنة تسع عشرة وثلاثمائة، وكان عفيفاً، نزهاً، وقيل توفي سنة سبع عشرة.
وبسيل ملك الروم، وملك بعده أخوه قسطنطين.
وفيها ورد رسول محمود بن سبكتكين إلى القادر بالله ومعه خلع قد سيرها له الظاهر لإعزاز دين الله العلوي، صاحب مصر، ويقول: أنا الخادم الذي أرى الطاعة فرضاً، ويذكر إرسال هذه الخلع إليه، وأنه سيرها إلى الديوان ليرسم فيها بما يرى، فأحرقت على باب النوبي، فخرج منها ذهب كثير تصدق به على ضعفاء بني هاشم.
وفيها توفي سابور بن أردشير، وزير بهاء الدولة، وكان كاتباً سديداً، وعمل دار الكتب ببغداد سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة، وجعل فيها أكثر من عشرة آلاف مجلد، وبقيت إلى أن احترقت عند مجيء طغرلبك إلى بغداد سنة خمسين وأربعمائة.
وفيها توفي عثمان الخركوشي، الواعظ النيسابوري، وكان صالحاً، خيراً، وكان إذا دخل على محمود بن سبكتكين يقوم ويلتقيه، وكان محمود قد قسط على نيسابور مالاً يأخذه منهم، فقال له الخركوشي: بلغني أنك تكدي الناس، وضاق صدري، فقال: وكيف؟ قال: بلغني أنك تأخذ أموال الضعفاء، وهذه كدية فترك القسط وأطلقه.
وفيها بطل الحج من العراق وخراسان.
ثم دخلت سنة سبع عشرة وأربعمائة
ذكر الحرب بين علاء الدولة والجوزقانفي هذه السنة كانت حرب شديدة بين عساكر علاء الدولة بن كاكويه وبين الأكراد الجوزقان.
وكان سببها أن علاء الدولة استعمل أبا جعفر ابن عمه على سابور خواست وتلك النواحي، فضم إليه الأكراد الجوزقان، وجعل معه على الأكراد أبا الفرج البابوني، منسوب إلى بطن منهم، فجرى بين أبي جعفر وأبي الفرج مشاجرة أدت إلى المنافرة، فأصلح بينهما علاء الدولة، وأعادهما إلى عملهما.
فلم يزل الحقد يقوى، والشر يتجدد، فضرب أبو جعفر أبا الفرج بلت كان في يده فقتله، فنفر الجوزقان بأسرهم، ونهبوا وأفسدوا، فطلبهم علاء الدولة، وسير عسكراً، واستعمل عليهم أبا منصور ابن عمه أخا أبي جعفر الأكبر، وجعل معه فرهاذ بن مرداويج، وعلي بن عمران.
فلما علم الجوزقان ذلك أرسلوا إلى علي بن عمران يسألونه أن يصلح حالهم مع علاء الدولة، وقصده جماعة منهم، فشرع في الإصلاح، فطالبه أبو جعفر وفرهاذ بالجماعة الذين قصدوه ليسلمهم إليهما، وأرادا أخذهم منه قهراً، فانتقل إلى الجوزقان، واحتمى كل منهم بصاحبه، وجرى بين الطائفتين قتال غير مرة كان في آخره لعلي بن عمران والجوزقان، فانهزم فرهاذ، وأسر أبو منصور وأبو جعفر، ابنا عم علاء الدولة. فأما أبو جعفر فقتل قصاصاً بأبي الفرج، وأما أبو منصور فسجن. فلما قتل أبو جعفر علم علي بن عمران أن الأمر قد فسد مع علاء الدولة، ولا يمكن إصلاحه، فشرع في الاحتياط.
ذكر الحرب بين قرواش وبني أسد وخفاجةفي هذه السنة اجتمع دبيس بن علي بن مزيد الأسدي وأبو الفتيان منيع بن حسان، أمير بني خفاجة، وجمع عشائرهما وغيرهم، وانضاف إليهما عسكر بغداد على قتال قرواش بن المقلد العقيلي.
وكان سببه أن خفاجة تعرضوا إلى السواد وما بيد قرواش منه، فانحدر من الموصل لدفعهم، فاستعانوا بدبيس، فسار إليهم، واجتمعوا، فأتاهم عسكر بغداد، فالتقوا بظاهر الكوفة، وهي لقرواش، فجرى بين مقدمته ومقدمتهما مناوشة.
وعلم قرواش أنه لا طاقة له بهم، فسار ليلاً جريدة في نفر يسير، وعلم أصحابه بذلك، فتبعوه منهزمين، فوصلوا إلى الأنبار، وسارت أسد وخفاجة خلفهم، فلما قاربوا الأنبار فارقها قرواش إلى حلله، فلم يمكنهم الإقدام عليه، واستولوا على الأنبار، ثم تفرقوا.
ذكر الفتنة ببغداد وطمع الأتراك والعيارينفي هذه السنة كثر تسلط الأتراك ببغداد، فأكثروا مصادرات الناس، وأخذوا الأموال، حتى إنهم قسطوا على الكرخ خاصة مائة ألف دينار، وعظم الخطب، وزاد الشر، وأحرقت المنازل، والدروب، والأسواق، ودخل في الطمع العامة والعيارون، فكانوا يدخلون على الرجل فيطالبونه بذخائره، كما يفعل السلطان بمن يصادره، فعمل الناس الأبواب على الدروب، فلم تغن شيئاً، ووقعت الحرب بين الجند والعامة، فظفر الجند، ونهبوا الكرخ وغيره، فأخذ منه مال جليل، وهلك أهر الستر والخير.
فلما رأى القواد وعقلاء الجند أن الملك أبا كاليجار لا يصل إليهم، وأن البلاد قد خربت، وطمع فيهم المجاورون من العرب والأكراد، راسلوا جلال الدولة في الحضور إلى بغداد، فحضر، على ما نذكره سنة ثماني عشرة وأربعمائة.
ذكر إصعاد الأثير إلى الموصل والحرب الواقعة بين بني عقيلفي هذه السنة أصعد الأثير عنبر إلى الموصل من بغداد.
وكان سببه أن الأثير كان حاكماً في الدولة البويهية، ماضي الحكم، نافذ الأمر، والجند من أطوع الناس له، وأسمعهم لقوله. فلما كان الآن زال ذلك، وخالفه الجند، فزالت طاعته عنهم، فلم يلتفتوا إليه، فخافهم على نفسه، فسار إلى قرواش، فندم الجند على ذلك، وسألوه أن يعود، فلم يفعل وأصعد إلى الموصل مع قرواش، فأخذ ملكه وإقطاعه بالعراق.
ثم إن نجدة الدولة بن قراد ورافع بن الحسين جمعا جمعاً كثيراً من عقيل، وانضم إليهم بدران أخو قرواش، وساروا يريدون حرب قرواش، وكان قرواش لما سمع خبرهم قد اجتمع هو وغريب بن مقن، والأثير عنبر، وأتاه مدد من ابن مروان، فاجتمع في ثلاثة عشر ألف مقاتل، فالتقوا عند بلد واقتتلوا، وثبت بعضهم لبعض، وكثر القتل، ففعل ثروان بن قراد فعلاً جميلاً، وذاك أنه قصد غريباً في وسط المصاف واعتنقه وصالحه، وفعل أبو الفضل بدران بن المقلد بأخيه قرواش كذلك، فاصطلح الجميع، وأعاد قرواش إلى أخيه بدران مدينة نصيبين.
ذكر إحراق خفاجة الأنبار وطاعتهم لأبي كاليجارفي هذه السنة سار منيع بن حسان أمير خفاجة إلى الجامعين، وهي لنور الدولة دبيس، فنهبها، فسار دبيس في طلبه إلى الكوفة، ففارقها وقصد الأنبار، وهي لقرواش كان استعادها بعد ما ذكرناه قبل. فلما نازلها منيع قاتله أهلها، فلم يكن لهم بخفاجة طاقة، فدخل خفاجة الأنبار ونهبوها، وأحرقوا أسواقها، فانحدر قرواش إليهم ليمنعهم، وكان مريضاً، ومعه غريب والأثير عنبر، إلى الأنبار ثم تركها ومضى إلى القصر، فاشتد طمع خفاجة، وعادوا إلى الأنبار فأحرقوها مرة ثانية.
وسار قرواش إلى الجامعين، فاجتمع هو ونور الدولة دبيس بن مزيد في عشرة آلاف مقاتل، وكانت خفاجة في ألف، فلم يقدم قرواش في ذلك الجيش العظيم على هذه الألف، وشرع أهل الأنبار في بناء سور على البلد، وأعانهم قرواش وأقام عندهم الشتاء، ثم إن منيع بن حسان سار إلى الملك أبي كاليجار، فأطاعه، فخلع عليه، وأتى منيع الخفاجي إلى الكوفة فخطب فيها لأبي كاليجار، وأزال حكم عقيل عن سقي الفرات.
ذكر الصلح بإفريقية بين كتامة وزناتة
وبين المعز بن باديسفي هذه السنة وردت رسل زناتة وكتامة إلى المعز بن باديس، صاحب إفريقية، يطلبون منه الصلح، وأن يقبل منهم الطاعة والدخول تحت حكمه، وشرطوا أنهم يحفظون الطريق، وأعطوا على ذلك عهودهم، ومواثيقهم، فأجابهم إلى ما سألوا، وجاءت مشيخة زناتة وكتامة إليه، فقبلهم وأنزلهم ووصلهم، وبذل لهم أموالاً جليلة.
ذكر وفاة حماد بن المنصور وولاية ابنه القائدفي هذه السنة توفي حماد بن بلكين، عم المعز بن باديس، صاحب إفريقية، وكان خرج من قلعته متنزهاً، فمرض ومات وحمل إلى القلعة فدفن بها، وولي بعده ابنه القائد، وعظم على المعز موته، لأن الأمر بينهما كان قد صلح، واستقامت الأمور للمعز بعده، وأذعن له أولاد عمه حماد بالطاعة.
ذكر عدة حوادثفي هذه السنة كان بالعراق برد شديد جمد فيه الماء في دجلة والأنهار الكبيرة، فأما السواقي فإنها جمدت كلها، وتأخر المطر وزيادة دجلة، فلم يزرع في السواد إلا القليل.
وفيها بطل الحج من خراسان والعراق.
وفيها انقض كوكب عظيم استنارت له الأرض، فسمع له دوي عظيم، كان ذلك في رمضان.
وفيها مات أبو سعد بن ماكولا، وزير جلال الدولة، في محبسه، وأبو خازم عمر بن أحمد بن إبراهيم العبدوي النيسابوري الحافظ، وهو من مشايخ خطيب بغداد، وأبو الحسن علي بن أحمد بن عمر الحمامي المقريء، مولده سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة.
ثم دخلت سنة ثماني عشرة وأربعمائة
ذكر الحرب بين علاء الدولة وأصبهبذ
ومن معه وما تبع ذلك من الفتنفي هذه السنة، في ربيع الأول، كانت حرب شديدة بين علاء الدولة بن كاكويه وبين الأصبهبذ ومن معه.
وكان سببها ما ذكرناه من خروج علي بن عمران عن طاعة علاء الدولة. فلما فارقه اشتد خوفه من علاء الدولة، فكاتب أصبهبذ صاحب طبرستان، وكان مقيماً بالري مع ولكين بن وندرين، وحثه على قصد بلاد الجبل، وكاتب أيضاً منوجهر بن قابوس بن وشمكير، واستمده، وأوهم الجميع أن البلاد في يده لا دافع له عنها.
وكان أصبهبذ معادياً لعلاء الدولة، فسار هو وولكين إلى همذان فملكاها وملكا أعمال الجبل، وأجليا عنها عمال علاء الدولة، وأتاهم عسكر منوجهر وعلي بن عمران، فازدادوا قوة، وساروا كلهم إلى أصبهان، فتحصن علاء الدولة بها، وأخرج الأموال، فحصروه، وجرى بينهم قتال استظهر فيه علاء الدولة، وقصده كثير من ذلك العسكر، وهو يبذل لمن يجيء إليه المال الجزيل ويحسن إليهم، فأقاموا أربعة أيام، وضاقت عليهم الميرة، فعادوا عنها.
وتبعهم علاء الدولة، واستمال الجوزقان، فمال إليه بعضهم، وتبعهم إلى نهاوند، فالتقوا عندها، واقتتلوا قتالاً كثر فيه القتلى والأسرى، فظفر علاء الدولة، وقتل ابنين لولكين في المعركة، وأسر الأصبهبذ وابنان له ووزيره، ومضى ولكين في نفر يسير إلى جرجان. وقصد علي بن عمران قلعة كنكور فتحصن بها، فسار إليه علاء الدولة، فحصره بها، وبقي أصبهبذ محبوساً عند علاء الدولة إلى أن توفي في رجب سنة تسع عشرة وأربعمائة.
ثم إن ولكين بن وندرين سار بعد خلاصه من الوقعة إلى منوجهر بن قابوس، وأطعمه في الري وملكها، وهون عليه أمر البلاد لا سيما مع اشتغال علاء الدولة بمحاصرة علي بن عمران، وانضاف إلى ذلك أن ولد ولكين كان صهر علاء الدولة على ابنته، وقد أقطعه علاء الدولة مدينة قم، فعصى عليه وصار مع أبيه، وأرسل إليه يحثه على قصد البلاد، فسار إليها ومعه عساكره، وعساكر منوجهر، حتى نزلوا على الري، وقاتلوا مجد الدولة بن بويه ومن معه، وجرى بين الفريقين وقائع استظهر فيها أهل الري. فلما رأى علاء الدولة ذلك صالح علي بن عمران.
فلما بلغ ولكين الصلح بين علاء الدولة وعلي بن عمران رحل عن الري من غير بلوغ غرض، فتوجه علاء الدولة إلى الري، وراسل منوجهر، ووبخه وتهدده، وأظهر قصد بلاده، فسمع أن علي بن عمران قد كاتب منوجهر وأطمعه، ووعده النصرة، وحثه على العود إلى الري، فعاد علاء الدولة عن قصد بلاد منوجهر، وتجهز لقصد علي بن عمران، فأرسل ابن عمران إلى منوجهر يستمده، فسير إليه ستمائة فارس وراجل مع قائد من قواده، وتحصن ابن عمران، وجمع عنده الذخائر بكنكور، وقصده علاء الدولة وحصره وضيق عليه، ففني ما عنده، فأرسل يطلب الصلح، فاشترط علاء الدولة أن يسلم قلعة كنكور والذين قتلوا أبا جعفر ابن عمه، والقائد الذي سيره إليه منوجهر، فأجابه إلى ذلك وسيرهم إليه، فقتل قتلة ابن عمه، وسجن القائد، وتسلم القلعة، وأقطع علياً عوضاً عنها مدنية الدينور، وأرسل منوجهر إلى علاء الدولة فصالحه، فأطلق صاحبه.
ذكر عصيان البطيحة على أبي كاليجارفي هذه السنة عصى أهل البطيحة على الملك أبي كاليجار، ومقدمهم أبو عبد الله الحسين بن بكر الشرابي، الذي كان قديماً صاحب البطيحة، وقد تقدم خبره.
وكان سبب هذا الخلاف أن الملك أبا كاليجار سير وزيره أبا محمد بن بابشاذ إلى البطيحة، فعسف الناس وأخذ أموالهم، وأمر الشرابي فوضع على كل دار بالصليق قسطاً، وكان في صحبته، ففعل ذلك، فتفرقوا في البلاد، وفارقوا أوطانهم، فعزم من بقي على أن يستدعوا من يتقدم عليهم في العصيان على أبي كاليجار، وقتل الشرابي، وكانوا ينسبون كل ما يجري عليهم إلى الشرابي. فعلم الشرابي بذلك، فحضر عندهم، واعتذر إليهم، وبذل من نفسه مساعدتهم على ما يريدونه، فرضوا به، وحلفوا له، وحلف لهم، وأمرهم بكتمان الحال.
وعاد إلى الوزير فأشار عليه بإرسال أصحابه إلى جهات ذكرها ليحصلوا الأموال، فقبل منه، ثم أشار عليه بإحدار سفنه إلى مكان ذكره ليصلح ما فسد منها، ففعل. فلما تم له ذلك وثب هو وأهل البطيحة عليه، وأخرجوه من عندهم، وكان عندهم جماعة من عسكر جلال الدولة في الحبس، فأخرجوهم، واستعانوا بهم، واتفقوا معهم، وفتحوا السواقي، وعادوا إلى ما كانوا عليه أيام مهذب الدولة، وقاتلوا كل من قصدهم، وامتنعوا فتم لهم ذلك. ثم قصده ابن المعبراني فاستولى على البطيحة، وفارقها الشرابي إلى دبيس بن مزيد، فأقام عنده مكرماً.
ذكر صلح أبي كاليجار مع عمهفي هذه السنة استقر الصلح بين أبي كاليجار وبين عمه أبي الفوارس، صاحب كرمان، وكان أبو كاليجار قد سار إلى كرمان لقتال عمه وأخذ كرمان منه، فاحتمى منه بالجبال، وحمي الحر على أبي كاليجار وعسكره، فكثرت الأمراض، فتراسلا في الصلح، فاصطلحا على أن تكون كرمان لأبي الفوارس، وبلاد فارس لأبي كاليجار، ويحمل إلى عمه كل سنة عشرين ألف دينار.
ولما عاد أبو كاليجار إلى الأهواز جعل أمور دولته إلى العادل بن مافنة، فأجابه بعد امتناع، وكان مولد العادل بكازرون سنة ستين وثلاثمائة، وشرط العادل أن لا يعارض في الذي يفعله، فأجيب إلى ذلك.
ذكر الخطبة لجلال الدولة ببغداد
وإصعاده إليهافي هذه السنة، في جمادى الأولى، خطب للملك جلال الدولة أبي طاهر بن بهاء الدولة ببغداد، وأصعد إليها من البصرة فدخلها ثالث شهر رمضان.
وكان سبب ذلك أن الأتراك لما رأوا أن البلاد تخرب، وأن العامة والعرب والأكراد قد طمعوا، وأنهم ليس عندهم سلطان يجمع كلمتهم، قصدوا دار الخلافة، وأرسلوا يعتذرون إلى الخليفة من انفرادهم بالخطبة لجلال الدولة أولاً، ثم برده ثانياً، وبالخطبة لأبي كاليجار، ويشكرون الخليفة حيث لم يخالفهم في شيء من ذلك، وقالوا: إن أمير المؤمنين صاحب الأمر، ونحن العبيد، وقد أخطأنا ونسأل العفو، وليس عندنا الآن من يجمع كلمتنا، ونسأل أن ترسل إلى جلال الدولة ليصعد إلى بغداد، ويملك الأمر، ويجمع الكلمة، ويخطب له فيها، ويسألون أن يحلفه الرسول السائر لإحضاره لهم. فأجابهم الخليفة إلى ما سألوا، وراسله هو وقواد الجند في الإصعاد واليمين للخليفة والأتراك، فحلف لهم، وأصعد إلى بغداد، وانحدر الأتراك إليه، فلقوه في الطريق، وأرسل الخليفة إليه القاضي أبا جعفر السمناني، فأعاد تجديد العهد عليه للخليفة والأتراك، ففعل.
ولما وصل إلى بغداد نزل النجمي، فركب الخليفة في الطيار وانحدر يلتقيه، فلما رآه جلال الدولة قبل الأرض بين يديه، وركب في زبزبه، ووقف قائماً، فأمره الخليفة بالجلوس، فخدم وجلس ودخل إلى دار المملكة، بعد أن مضى إلى مشهد موسى بن جعفر فزار، وقصد الدار فدخلها، وأمر بضرب الطبل أوقات الصلوات الخمس، فراسله الخليفة في منعه، فقطعه غضباً، حتى أذن له في إعادته ففعل.
وأرسل جلال الدولة مؤيد الملك أبا علي الرخجي إلى الأثير عنبر الخادم، وهو عند قرواش، وقد ذكرنا ذلك، يعرفه اعتضاده به، واعتماده عليه، ومحبته له، ويعتذر إليه عن الأتراك، فعذرهم وقال: هم أولاد وإخوة.
ذكر وفاة أبي القاسم بن المغربي
وأبي الخطابأما أبو القاسم بن المغربي فتوفي هذه السنة بميافارقين، وكان عمره ستاً وأربعين سنة، ولما أحس بالموت كتب كتباً عن نفسه إلى كل من يعرفه من الأمراء والرؤساء الذين بينه وبين الكوفة، ويعرفهم أن حظية له توفيت، وأنه قد سير تابوتها إلى مشهد أمير المؤمنين علي، عليه السلام، وخاطبهم في المراعاة لمن في صحبته. وكان قصده أن لا يتعرض أحد لتابوته بمنع، وينطوي خبره. فلما توفي سار به أصحابه، كما أمرهم، وأوصلوا الكتب، فلم يعرض أحد إليه، فدفن بالمشهد، ولم يعلم به أحد إلا بعد دفنه.
ولأبي القاسم شعر حسن، فمنه هذه الأبيات:
وما ظبية أدماء تحنو على طلاً، ... ترى الإنس وحشاً وهي تأنس بالوحش
غدت فارتعت ثم انثنت لرضاعه، ... فلم تلف شيئاً من قوائمه الحمش
فطافت بذاك القاع ولهى، فصادفت ... سباع الفلا ينهشنه أيما نهش
بأوجع مني يوم ظلت أنامل ... تودعني بالدر من شبك النقش
وأجمالهم تحدى وقد خيل الهوى ... كأن مطاياهم على ناظري تمشي
وأعجب ما في الأمر أن عشت بعدهم، ... على أنهم ما خلفوا لي من بطش
وأما أبو الخطاب حمزة بن إبراهيم فإنه مات بكرخ سامرا مفلوجاً، غريباً، قد زال عنه أمره وجاهه، وكان مولده سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة، ورثاه المرتضى، وكان سبب اتصاله ببهاء الدولة معرفة النجوم، وبلغ منه منزلة لم يبلغها أمثاله، فكان الوزراء يخدمونه، وحمل إليه فخر الملك مائة ألف دينار فاستقلها، وصار أمره إلى ما صار من الضيق والفقر والغربة.
ذكر عدة حوادثفي هذه السنة سقط في العراق جميعه برد كبار يكون في الواحدة رطل أو رطلان، وأصغر كالبيضة، فأهلك الغلات، ولم يصح منها إلا القليل.
وفيها آخر تشرين الثاني هبت ريح باردة بالعراق جمد منها الماء والخل، وبطل دوران الدواليب على دجلة.
وفيها انقطع الحج من خراسان والعراق.
وفيها نقضت الدار المعزية، وكان معز الدولة بن بويه بناها وعظمها، وغرم عليها ألف ألف دينار، وأول من شرع في تخريبها بهاء الدولة، فإنه لما عمر داره بسوق الثلاثاء نقل إليها من أنقاضها، وأخذ سقفاً منها وأراد أن ينقله إلى شيراز، فلم يتم ذلك، فبذل فيه من يحك ذهبه ثمانية آلاف دينار، ونقضت الآن، وبيع أنقاضها.
وفيها توفي هبة الله بن الحسن بن منصور أبا القاسم اللالكائي الرازي، سمع الحديث الكثير، وتفقه على أبي حامد الأسفراييني، وصنف كتباً، وأبو القاسم طباطبا الشريف العلوي، وله شعر جيد، فمنه أن صديقاً له كتب إليه رقعة على ظهرها هذه الأبيات:
وقرأت الذي كتبت، وما زا ... ل نجيي ومؤنسي وسميري
وغدا الفأل بامتزاج السطور ... حاكماً بامتزاج ما في الضمير
واقتران الكلام لفظاً وخطاً ... شاهداً باقتران ود الصدور
وتبركت باجتماع الكلامي ... ن رجاء اجتماعنا في سرور
وتفاءلت بالظهور على الوا ... شي، فصارت إجابتي في الصدور
ثم دخلت سنة تسع عشرة وأربعمائة
ذكر الحرب بين بدران ونصر الدولة
في هذه السنة، في جمادى الأولى، سار بدران بن المقلد العقيلي في جمع من العرب إلى نصيبين وحصرها، وكانت لنصر الدولة بن مروان، فخرج إليه عسكر نصر الدولة الذين بها، وقاتلوه، فهزمهم، واستظهر عليهم، وقتل جماعة من أهل نصيبين والعسكر، فسير نصر الدولة عسكراً آخر نجدة لمن بنصيبين، فأرسل إليهم بدران عسكراً، فلقوهم، فقاتلوهم وهزموهم، وقتلوا أكثرهم. فأزعج ذلك ابن مروان، وأقلقه، فسير عسكراً آخر ثلاثة آلاف فارس، فدخلوا نصيبين، واجتمعوا بمن فيها، وخرجوا إلى بدران فاقتتلوا، فانهزم بدران ومن معه بعد قتال شديد، وقت الظهر، وتبعهم عسكر ابن مروان.
ثم عطف عليهم بدران وأصحابه، فلم يثبتوا له، فأكثر فيهم القتل والأسر، وغنم الأموال، فعاد عسكر ابن مروان مفلولين، فدخلوا نصيبين، فاجتمعوا بها واقتتلوا مرة أخرى، وكانوا على السواء، ثم سمع بدران بأن أخاه قروشاً قد وصل إلى الموصل، فرحل خوفاً منه لأنهما كانا مختلفين.
ذكر شغب الأتراك ببغداد على جلال الدولةفي هذه السنة ثار الأتراك ببغداد على جلال الدولة، وشغبوا، وطالبوا الوزير أبا علي بن ماكولا بما لهم من العلوفة والادرار، ونهبوا داره ودور كتاب الملك وحواشيه حتى المغنين والمخنثين، ونهبوا صياغات أخرجها جلال الدولة لتضرب دنانير ودراهم، وتفرق فيهم، وحصروا جلال الدولة في داره، ومنعوه الطعام والماء حتى شرب أهله ماء البئر، وأكلوا ثمرة البستان. فسألهم أن يمكنوه من الانحدار، فاستأجروا له ولأهله وأثقاله سفناً، فجعل بين الدار والسفن سرداقاً لتجتاز حرمه فيه، لئلا يراهم العامة والأجناد، فقصد بعض الأتراك السرادق، فظن جلال الدولة أنهم يريدون الحرم، فصاح بهم يقول لهم: بلغ أمركم إلى الحرم! وتقدم إليهم، وبيده طبر، فصاح صغار الغلمان والعامة: جلال الدولة يا منصور، ونزل أحدهم عن فرسه وأركبه إياه، وقبلوا الأرض بين يديه.
فلما رأى قواد الأتراك ذلك هربوا إلى خيامهم بالرملة، وخافوا على نفوسهم، وكان في الخزانة سلاح كثير، فأعطاه جلال الدولة أصاغر الغلمان وجعلهم عنده، ثم أرسل إلى الخليفة ليصلح الأمر مع أولئك القواد، فأرسل إليهم الخليفة القادر بالله، فأصلح بينهم وبين جلال الدولة، وحلفوا، فقبلوا الأرض بين يديه، ورجعوا إلى منازلهم، فلم يمض غير أيام حتى عادوا إلى الشغب، فباع جلال الدولة فرشه وثيابه وخيمه وفرق ثمنه فيهم حتى سكنوا.
ذكر الاختلاف بين الديلم والأتراك بالبصرةفي هذه السنة ولي النفيس أبو الفتح محمد بن أردشير البصرة، استعمله عليها جلال الدولة، فلما وصل إلى المشان منحدراً إليها وقع بينه وبين الديلم الذين بالمشان وقعة فاستظهر عليهم وقتل منهم.
وكانت الفتن بالبصرة بين الأتراك والديلم، وبها الملك العزيز أبو منصور ابن جلال الدولة، فقوي الأتراك بها، فأخرجوا الديلم، فمضوا إلى الأبلة، وصاروا مع بختيار بن علي، فسار إليهم الملك العزيز بالأبلة ليعيدهم ويصلح بينهم وبين الأتراك، فكاشفوه وحملوا عليه، ونادوا بشعار أبي كاليجار، فعاد منهزماً في الماء إلى البصرة، ونهب بختيار نهر الدير والأبلة وغيرهما من السواد، وأعانه الديلم، ونهب الأتراك أيضاً، وارتكبوا المحظور، ونهبوا دار بنت الأوحد بن مكرم زوجة جلال الدولة.
ذكر استيلاء أبي كاليجار على البصرةلما بلغ الملك أبا كاليجار ما كان بالبصرة سير جيشاً إلى بختيار، وأمره أن يقصد البصرة فيأخذها. فساروا إليها، وبها الملك العزيز جلال الدولة، فقاتلهم ليمنعهم، فلم يكن له بهم قوة، فانهزم منهم، وفارق البصرة، وكاد يهلك هو ومن معه عطشاً، فمن الله عليهم بمطر جود، فشربوا منه، وأصعدوا إلى واسط.
وملك عسكر أبي كاليجار البصرة، ونهب الديلم أسواقها، وسلم منها البعض بمال بذلوه لمن يحميهم، وتتبعوا أموال أصحاب جلال الدولة من الأتراك وغيرهم. فلما بلغ جلال الدولة الخبر أراد الانحدار إلى واسط، فلم يوافقه الجند، وطلبوا منه مالاً يفرق فيهم، فلم يكن عنده، فمد يده في مصادرات الناس وأخذ أموالهم لا سيما أرباب الأموال، فصادر جماعة.
ذكر وفاة صاحب كرمان
واستيلاء أبي كاليجار عليها
في هذه السنة، في ذي القعدة، توفي قوام الدولة أبو الفوارس بن بهاء الدولة، صاحب كرمان، وكان قد تجهز لقصد بلاد فارس، وجمع عسكراً كثيراً، فأدركه أجله. فلما توفي نادى أصحابه بشعار الملك أبي كاليجار، وأرسلوا إليه يطلبونه إليهم، فسار مجداً، وملك البلاد بغير حرب ولا قتال، وأمن الناس معه، وكانوا يكرهون عمه أبا الفوارس لظلمه وسوء سيرته، وكان إذا شرب ضرب أصحابه، وضرب وزيره يوماً مائتي مقرعة، وحلفه بالطلاق أنه لا يتأوه، ولا يخبر بذلك أحداً، فقيل إنهم سموه فمات.
ذكر استيلاء منصور بن الحسين على الجزيرة الدبيسيةكان منصور بن الحسين الأسدي قد ملك الجزيرة الدبيسية، وهي تجاور خوزستان، ونادى بشعار جلال الدولة، وأخرج صاحبها طراد بن دبيس الأسدي سنة ثماني عشرة وأربعمائة، فمات طراد عن قريب، فلما مات طراد سار ابنه أبو الحسين علي إلى بغداد يسأل أن يرسل جلال الدولة معه عسكراً إلى بلده ليخرج منصوراً منه ويسلمه إليه، وكان منصور قد قطع خطبة جلال الدولة وخطب للملك أبي كاليجار، فسير معه جلال الدولة طائفة من الأتراك، فلما وصلوا إلى واسط لم يقف علي بن طراد حتى تجتمع معه طائفة من عسكر واسط، وسار عجلاً.
واتفق أن أبا صالح كوركير كان قد هرب من جلال الدولة، وهو يريد اللحاق بأبي كاليجار، فسمع هذا الخبر، فقال لمن معه: المصلحة أننا نعين منصوراً، ولا نمكن عسكر جلال الدولة من إخراجه، ونتخذ بهذا الفعل يداً عند أبي كاليجار. فأجابوه إلى ذلك، فسار إلى منصور واجتمع معه، والتقوا هم وعسكر جلال الدولة الذين مع علي بن طراد ببسبروذ، فاقتتلوا، فانهزم عسكر جلال الدولة، وقتل علي بن طراد وجماعة كثيرة من الأتراك، وهلك كثير من المنهزمين بالعطش، واستقر ملك منصور بها.
ذكر عدة حوادثفي هذه السنة سار الدزبري وعساكر مصر إلى الشام، فأوقعوا بصالح بن مرداس وابن الجراح الطائي، فهزمهما، وقتل صالحاً وابنه الأصغر، وملك جميع الشام، وقيل سنة عشرين.
وفيها توفيت أم مجد الدولة بن فخر الدولة بن بويه، وهي التي تدبر المملكة وترتب الأمور.
وفيها عزل الحسن بن علي بن جعفر أبو علي بن ماكولا من وزارة جلال الدولة، وولي الوزراة بعده أبو طاهر المحسن بن طاهر، ثم عزل بعد أربعين يوماً، وولي بعده أبو سعد بن عبد الرحيم.
وفيها توفي قسطنطين ملك الروم، وانتقل الملك إلى بنت له، وقام بتدبير الملك والجيوش زوجها، وهو ابن خالها.
وفيها توفي الوزير أبو القاسم جعفر بن محمد بن فسانجس بأربق.
وفيها عدمت الأرطاب بالعراق للبرد الذي تقدم في السنة قبلها، وكان يحمل من الأماكن البعيدة الشيء اليسير منه.
وفيها انقطع الحج من العراق، فمضى بعض حجاج خراسان إلى كرمان، وركبوا في البحر إلى جدة، وحجوا.
وتوفي في هذه السنة محمد بن محمد بن إبراهيم بن مخلد أبو الحسن التاجر، وهو آخر من حدث عن إسماعيل بن محمد الصفار، ومحمد بن عمرو الرزاز، وعمر بن الحسن الشيباني، وكان له مال كثير، فسافر إلى مصر خوف المصادرة، فأقام بها سنة، ثم عاد إلى بغداد، فأخذ ماله في التقسيط على الكرخ الذي ذكرناه سنة ثماني عشرة وأربعمائة، فافتقر، فلما مات لم يوجد له كفن، فأرسل له القادر بالله ما يكفن فيه.
ثم دخلت سنة عشرين وأربعمائة
ذكر ملك يمين الدولة الري
وبلد الجبلفي هذه السنة سار يمين الدولة محمود بن سبكتكين نحو الري، فانصرف منوجهر بن قابوس من بين يديه، وهو صاحب جرجان وطبرستان، وحمل إليه أربعمائة ألف دينار وأنزالاً كثيرة.
وكان مجد الدولة بن فخر الدولة بن بويه، صاحب الري، قد كاتبه يشكو إليه جنده، وكان متشاغلاً بالنساء، ومطالعة الكتب ونسخها، وكانت والدته تدبر مملكته، فلما توفيت طمع جنده فيه، واختلت أحواله، فحين وصلت كتبه إلى محمود سير إليه جيشاً، وجعل مقدمهم حاجبه، وأمره أن يقبض على مجد الدولة. فلما وصل العسكر إلى الري ركب مجد الدولة يلتقيهم، فقبضوا عليه وعلى أبي دلف ولده.
فلما انتهى الخبر إلى يمين الدولة بالقبض عليه سار إلى الري، فوصلها في ربيع الآخر، ودخلها وأخذ من الأموال ألف ألف دينار، ومن الجواهر ما قيمته خمسمائة ألف دينار، ومن الثياب ستة آلاف ثوب، ومن الآلات وغيرها ما لا يحصى، وأحضر مجد الدولة، وقال له: أما قرأت شاهنامه، وهو تاريخ الفرس، وتاريخ الطبري، وهو تاريخ المسلمين؟ قال: بلى! قال: ما حالك حال من قرأها، أما لعبت بالشطرنج؟ قال: بلى! قال: فهل رأيت شاهاً يدخل على شاه؟ قال: لا. قال: فما حملك على أن سلمت نفسك إلى من هو أقوى منك؟ ثم سيره إلى خراسان مقبوضاً، ثم ملك قزوين وقلاعها، ومدينة ساوة وآبة، ويافت، وقبض على صاحبها ولكين بن وندرين، وسيره إلى خراسان.
ولما ملك محمود الري كتب إلى الخليفة القادر بالله يذكر أنه وجد لمجد الدولة من النساء الحرائر ما يزيد على خمسين امرأة، ولدن له نيفاً وثلاثين ولداً، ولما سئل عن ذلك قال: هذه عادة سلفي. وصلب من أصحابه الباطنية خلقاً كثيراً، ونفى المعتزلة إلى خراسان، وأحرق كتب الفلسفة ومذاهب الإعتزال والنجوم، وأخذ من الكتب ما سوى ذلك مائة حمل.
وتحصن منه منوجهر بن قابوس بن وشمكير بجبال حصينة، وعرة المسالك، فلم يشعر إلا وقد أطل عليه يمين الدولة، فهرب منه إلى غياض حصينة، وبذلك خمسمائة ألف دينار ليصلحه، فأجابه إلى ذلك، فأرسل المال إليه، فسار عنه إلى نيسابور.
ثم توفي منوجهر عقيب ذلك، وولي ابنه أنوشروان، فأقره محمود على ولايته، وقرر عليه خمسمائة ألف دينار أخرى، وخطب لمحمود في أكثر بلاد الجبل إلى حدود أرمينية، وافتتح ابنه مسعود زنجان وأبهر، وخطب له علاء الدولة بأصبهان، وعاد محمود إلى خراسان واستخلف بالري ابنه مسعوداً، فقصد أصبهان، وملكها من علاء الدولة، وعاد عنها، واستخلف بها بعض أصحابه، فثار به أهلها فقتلوه، فعاد إليهم فقتل منهم مقتلة عظيمة نحو خمسة آلاف قتيل، وسار إلى الري فأقام بها.
ذكر ما فعله السالار إبراهيم بن المرزبان بعد عود يمين الدولة عن الريهذا السالار هو إبراهيم بن المرزبان بن إسماعيل بن وهسوذان بن محمد ابن مسافر الديلمي، وكان له من بلاد سرجهان، وزنجان، وأبهر، وشهرزور، وغيرها، وهي ما استولى عليها بعد وفاة فخر الدولة بن بويه. فلما ملك يمين الدولة محمود بن سبكتكين الري سير المرزبان بن الحسن بن خراميل، وهو من أولاد ملوك الديلم، وكان قد التجأ إلى يمين الدولة، فسيره إلى بلاد السالار إبراهيم ليملكها، فقصدها واستمال الديلم، فمال إليه بعضهم.
واتفق عود يمين الدولة إلى خراسان، فسار السالار إبراهيم إلى قزوين، وبها عسكر يمين الدولة، فقاتلهم، فأكثر القتل فيهم، وهرب الباقون، وأعانه أهل البلد، وسار السالار أيضاً إلى مكان بقرب سرجهان تطيف به الأنهار والجبال فتحصن به. فسمع مسعود بن يمين الدولة، وهو بالري، بما فعل، فسار مجداً إلى السالار فجرى بينهما وقائع كان الاستظهار فيها للسالار.
ثم إن مسعوداً راسل طائفة من جند السالار، واستمالهم، وأعطاهم الأموال فمالوا إليه، ودلوه على عورة السالار، وحملوا طائفة من عسكره في طريق غامضة، حتى جعلوه من ورائهم، وكبسوا السالار أول رمضان، وقاتله مسعود من بين يديه، وأولئك من خلفه، فاضطرب السالار ومن معه، وانهزموا وطلب كل إنسان منهم مهرباً، واختفى السالار في مكان، فدلت عليه امرأة سوادية، فأخذه مسعود وحمله إلى سرجهان، وبها ولده، فطلب منه أن يسلمها، فلم يفعل، فعاد عنها وتسلم باقي قلاعه وبلاده، وأخذ أمواله، وقرر على ابنه المقيم بسرجهان مالاً، وعلى كل من جاوره من مقدمي الأكراد، وعاد إلى الري.
ذكر ملك أبي كاليجار مدينة واسط
ومسير جلال الدولة إلى الأهواز ونهبها وعود واسط إليهفي هذه السنة صعد الملك أبو كاليجار إلى مدينة واسط فملكها، وكان ابتداء ذلك أن نور الدولة دبيس بن علي بن مزيد، صاحب الحلة، والنيل، ولم تكن الحلة بنيت ذلك الوقت، وخطب لأبي كاليجار في أعماله.
وسببه أن أبا حسان المقلد بن أبي الأغر الحسن بن مزيد كان بينه وبين نور الدولة عداوة، فاجتمع هو ومنيع أمير بني خفاجة، وأرسلا إلى بغداد يبذلان مالاً يتجهز به العسكر لقتال نور الدولة، فاشتد الأمر على نور الدولة، فخطب لأبي كاليجار، وراسله يطمعه في البلاد.
ثم اتفق أنه ملك البصرة، على ما ذكرناه، فقوي طمعه، فسار من الأهواز إلى واسط، وبها الملك العزيز بن جلال الدولة، ومعه جمع من الأتراك، ففارقها العزيز وقصد النعمانية، ففجر عليه نور الدولة البثوق من بلده، فهلك كثير من أثقالهم، وغرق جماعة منهم، وخطب في البطيحة لأبي كاليجار، وورد إليه نور الدولة.
وأرسل أبو كاليجار إلى قرواش، صاحب الموصل، وعنده الأثير عنبر، يطلب منه أن ينحدر إلى العراق ليبقى جلال الدولة بين الفريقين، فانحدر إلى الكحيل، فمات به الأثير عنبر، ولم ينحدر معه قرواش، وجمع جلال الدولة عساكره، واستنجد أبا الشوك وغيره، وانحدر إلى واسط، ولم يكن بين العسكرين قتال، وتتابعت الأمطار حتى هلكوا.
واشتد الأمر على جلال الدولة لفقره، وقلة الأموال وغيرها عنده، فاستشار أصحابه فيما يفعل، فأشاروا أن يقصدوا الأهواز وينهبها، ويأخذ ما بها من أموال أبي كاليجار وعسكره.
فسمع أبو كاليجار ذلك، فاستشار أيضاً أصحابه، فقال بعضهم: ما عدل جلال الدولة عن القتال إلا لضعف فيه، والرأي أن تسير إلى العراق فتأخذ من أموالهم ببغداد أضعاف ما يأخذون منا، فاتفقوا على ذلك، فأتاهم جاسوس من أبي الشوك يخبر بمجيء عساكر محمود بن سبكتكين إلى طخر، وأنهم يريدون العراق، ويشير بالصلح، واجتماع الكلمة على دفعهم عن البلاد. فأنفذ أبو كاليجار الكتاب إلى جلال الدولة، وقد سار إلى الأهواز، وأقام ينتظر الجواب، ظناً منه أن جلال الدولة يعود بالكتاب، فلم يلتفت جلال الدولة، ومضى إلى الأهواز فنهبها، وأخذ من دار الإمارة مائتي ألف دينار، وأخذوا ما لا يحصى، ودخل الأكراد والأعراب وغيرهم إلى البلد، فأهلكوا الناس بالنهب والسبي، وأخذت والدة أبي كاليجار وابنته وأم ولده وزوجته، فماتت أمه وحمل من عداها إلى بغداد.
ولما سمع أبو كاليجار الخبر سار ليلقى جلال الدولة، فتخلف عنه دبيس ابن مزيد، خوفاً على أهله وحلله من خفاجة، والتقى أبو كاليجار وجلال الدولة آخر ربيع الأول سنة إحدى وعشرين، فاقتتلوا ثلاثة أيام، وانهزم أبو كاليجار، وقتل من أصحابه ألفا رجل، ووصل إلى الأهواز بأسوأ حال، فأتاه العادل بن مافنة بمال، فحسنت حاله.
وأما جلال الدولة فإنه عاد واستولى على واسط، وجعل ابنه العزيز بها، وأصعد إلى بغداد، ومدحه المرتضى ومهيار وغيرهما، وهنأوه بالظفر.
ذكر حال دبيس بن مزيد بعد الهزيمةلما عاد دبيس بن مزيد الأسدي، وفارق أبا كاليجار، وصل إلى بلده، وكان قد خالف عليه قوم من بني عمه، ونزلوا الجامعين، وأتاهم وقاتلهم، فظفر بهم، وأسر منهم جماعة منهم شبيب، وسرايا، ووهب، بنو حماد بن مزيد، وأبو عبد الله الحسن بن أبي الغنائم بن مزيد، وحملهم إلى الجوسق.
ثم إن المقلد بن أبي الأغر بن مزيد وغيره اجتمعوا معهم عسكر من جلال الدولة، وقصدوا دبيساً وقاتلوه، فانهزم منهم، وأسر من بني عمه خمسة عشر رجلاً، فنزل المعتقلون بالجوسق، وهم شبيب وأصحابه، إلى حلله فحرسوها، وسار دبيس منهزماً إلى السندية، إلى نجدة الدولة أبي منصور كامل بن قراد، فاستصحبه إلى أبي سنان غريب بن مقن، حتى أصلح أمره مع جلال الدولة وعسكره، وتكفل به، وضمن عنه عشرة آلاف دينار سابورية إذا أعيد إلى ولايته، فأجيب إلى ذلك، وخلع عليه.
فعرف المقلد الحال ومعه جمع من خفاجة فنهبوا مطيراباذ، والنيل، وسورا، أقبح نهب، واستاقوا مواشيها، وأحرقوا منازلها، وعبر المقلد دجلة إلى أبي الشوك، وأقام عنده إلى أن أحكم أمره.
ذكر عصيان زناتة ومحاربتهم بإفريقيةفي هذه السنة تجمعت زناتة وعاودت الخلاف على المعز بإفريقية، فبلغ ذلك المعز، فجمع عساكره وسار إليهم بنفسه، فالتقوا بموضع يعرف بحمديس الصابون، ووقعت الحرب بين الطائفتين، واشتد القتال، فانهزمت زناتة وقتل منهم عدد كثير، أسر مثلهم، وعاد المعز ظافراً غانماً.
ذكر ما فعله يمين الدولة وولده بعده بالغزفي هذه السنة أوقع يمين الدولة بالأتراك الغزية، وفرقهم في بلاده، لأنهم كانوا قد أفسدوا فيها، وهؤلاء كانوا أصحاب أرسلان بن سلجوقي التركي، وكانوا بمفازة بخارى، فلما عبر يمين الدولة النهر إلى بخارى هرب علي تكين صاحبها منه، على ما نذكره.
وحضر أرسلان بن سلجوق عند يمين الدولة، فقبض عليه وسجنه ببلاد الهند، وأسرى إلى خركاهاته، فقتل كثيراً من أصحابه، وسلم منهم خلق كثير، فهربوا منه ولحقوا بخراسان فأفسدوا فيها، ونهبوا هذه السنة، فأرسل إليهم جيشاً فسبوهم وأجلوهم عن خراسان، فسار منهم أهل ألفي خركاة، فلحقوا بأصبهان، فكتب يمين الدولة إلى علاء الدولة بإنفاذهم، أو إنفاذ رؤوسهم، فأمر نائبه أن يعمل طعاماً ويدعوهم إليه ويقتلهم، فأرسل إليهم وأعلمهم أنه يريد إثبات أسمائهم ليستخدمهم، وكمن الديلم في البساتين، فحضر جمع كثير منهم، فلقيهم مملوك تركي لعلاء الدولة، فأعلمهم الحال، فعادوا، فأراد نائب علاء الدولة أن يمنعهم من العود، فلم يقبلوا منه، فحمل ديلمي من قواد الديلم على إنسان منهم، فرماه التركي بسهم فقتله.
ووقع الصوت بذلك، فخرجت الديلم وانضاف إليهم أهل البلد، فجرى بينهم حرب، فهزموهم، فقلع الترك خركاهاتهم وساروا، ولم يجتازوا على قرية إلا نهبوها إلى أن وصلوا إلى وهسوذان بأذربيجان، فراعاهم وتفقدهم.
وبقي بخراسان أكثر ممن قصد أصبهان، فأتوا جبل بلجان وهو الذي عنده خوارزم القديمة، فنزل كثير منهم من الجبل إلى البلاد، فنهبوا وأخربوا وقتلوا، فجرد محمود بن سبكتكين إليهم أرسلان الجاذب، أمير طوس، فسار إليهم، ولم يزل يتبعهم نحو سنتين في جموع كثيرة من العساكر، فاضطر محمود إلى قصد خراسان بسببهم، فسار يطلبهم من نيسابور إلى دهستان، فساروا إلى جرجان، ثم عاد عنهم، وجعل ابنه مسعوداً بالري، على ما ذكرناه، فاستخدم بعضهم وقدمهم يغمر.
فلما مات محمود بن سبكتكين سار مسعود ابنه إلى خراسان وهم معه، فلما ملك غزنة سألوه فيمن بقي منهم بجبل بلجان، فأذن لهم في العود على شرط الطاعة والاستقامة.
ثم إن مسعوداً قصد بلاد الهند عند عصيان أحمد ينالتكين، فعاودوا الفساد، فسير تاش فراش في عسكر كثير إلى الري لأخذها من علاء الدولة، فلما بلغ نيسابور، ورأى سوء فعلهم، دعا مقدميهم، وقتل نيفاً وخمسين رجلاً، فيهم يغمر، فلم ينتهوا، وساروا إلى الري.
وبلغ مسعوداً ما هم عليه من الشر والفساد، فأخذ حللهم وسيرها إلى الهند، وقطع أيدي كثير منهم وأرجلهم وصلبهم.
هذه أخبار عشيرة أرسلان بن سلجوق، وأما أخبار طغرلبك، وداود، وأخيهما بيغو، فإنهم كانوا بما وراء النهر، وكان من أمرهم ما نذكره بعد إن شاء الله تعالى لأنهم صاروا ملوكاً تجيء أخبارهم على السنين.
ولما وقع تاش فراش حاجب السلطان مسعود بالغز ساروا إلى الري يزعمون أنهم يريدون أذربيجان، واللحاق بمن مضى منهم أولاً هناك، ويسمون العراقية، وكان اسم أمراء هذه الطائفة كوكتاش، وبوقا، وقزل، ويغمر، وناصغلي، فوصلوا إلى الدامغان، فخرج إليهم عسكرها وأهل البلد ليمنعوهم عنه، فلم يقدروا، فصعدوا الجبل وتحصنوا به، ودخل الغز، البلد ونهبوه، وانتقلوا إلى سمنان ففعلوا فيها مثل ذلك، ودخلوا خوار الري ففعلوا مثله، ونهبوا إسحاق آباذ وما يجاورها من القرى، وساروا إلى مشكويه من أعمال الري فنهبوها.
وتجهز أبو سهل الحمدوني، وتاش فراش، وكاتبا الملك مسعوداً، وصاحب جرجان وطبرستان بالحال، وطلبا النجدة، وأخذ تاش ثلاثة آلاف فارس، وما عنده من الفيلة والسلاح، وسار إلى الغز ليواقعهم، وبلغهم خبره، فتركوا نساءهم، وأموالهم، وما غنموا من خراسان، وهذه البلاد المذكورة، وساروا جريدة، فالتقوا فركب تاش الفيل، ووقعت الحرب بين الفريقين، فكانت أولاً لتاش، ثم إن الغز أسروا مقدم الأكراد الذين مع تاش، وأرادوا قتله، فقال لهم: استبقوني حتى آمر الأكراد الذين مع تاش بترك قتالهم، فتركوه، وعاهدوه على إطلاقه، فأرسل إلى الأكراد يقول لهم: إن قاتلتم قتلت، ففتروا في القتال.
وحملت الغز، وكانوا خمسة آلاف، على تاش فراش وعسكره، فانهزم الأكراد، وثبت تاش وأصحابه، فقتل الغز الفيل الذي تحته فسقط، فقتلوه وقطعوه أخذاً بثأر من قتل منهم، وقتل معه عدد كثير من الخراسانية، وأكابر القواد، وغنموا بقية الفيلة، وأثقال العسكر، وساروا إلى الري فاقتتلوا هم وأبو سهل الحمدوني ومن معه من الجند وأهل البلد، فصعد هو ومن معه قلعة طبرك، ودخل الغز البلد، ونهبوا عدة محال نهباً اجتاحوا به الأموال، ثم اقتتلوا هم وأبو سهل، فأسر منهم ابن أخت ليغمر أمير الغز، وقائداً كبيراً من قوادهم، فبذلوا فيهما إعادة ما أخذوا من عسكر تاش، وإطلاق الأسرى، وحمل ثلاثين ألف دينار، فقال: لا أفعل إلا بأمر السلطان.
وخرج الغز عن البلد، ووصل عسكر من جرجان، فلما قربوا من الري سار إليهم الغز فكبسوهم، وأسروا مقدمهم، وأسروا معه ألفي رجل، وانهزم الباقون وعادوا، وكان هذا سنة سبع وعشرين وأربعمائة.
ذكر وصول علاء الدولة إلى الري
واتفاقه مع الغز وعودهم إلى الخلاف عليهلما فارق الغز الري إلى أذربيجان علم علاء الدولة ذلك، فسار إليها، ودخلها، وهو يظهر طاعة السلطان مسعود بن سبكتكين، فأرسل إلى أبي سهل الحمدوني يطلب منه أن يقرر الذي عليه بمال يؤديه، فامتنع من إجابته مخافة علاء الدولة، فأرسل إلى الغز يستدعيهم ليعطيهم الأقطاع، ويتقوى بهم على الحمدوني، فعاد منهم نحو ألف وخمسمائة، مقدمهم قزل، وسار الباقون إلى أذربيجان.
فلما وصل الغز إلى علاء الدولة أحسن إليهم، وتمسك بهم، وأقاموا عنده، ثم ظهر على بعض القواد الخراسانية الذين عنده أنه دعا الغز إلى موافقته على الخروج عليه والعصيان، فأرسل إليه علاء الدولة وأحضره وقبض عليه، وسجنه في قلعة طبرك، فاستوحش الغز لذلك ونفروا، فاجتهد علاء الدولة في تسكينهم، فلم يفعلوا، وعاودوا الفساد والنهب وقطع الطريق، وعاد علاء الدولة فراسل أبا سهل الحمدوني، وهو بطبرستان، وقرر معه أمر الري ليكون في طاعة مسعود، فأجابه إلى ذلك، وسار إلى نيسابور وبقي علاء الدولة بالري.
ذكر ما كان من الغز الذين بأذربيجانقد ذكرنا أن طائفة من الغز وصلوا إلى أذربيجان، فأكرمهم وهسوذان، وصاهرهم، رجاء نصرهم وكف شرهم.
وكان أسماء مقدميهم: بوقا، وكوكتاش، ومنصور، ودانا، وكان ما أمله بعيداً، فإنهم لم يتركوا الشر والفساد، والقتل والنهب، وساروا إلى مراغة، فدخلوها سنة تسع وعشرين وأحرقوا جامعها، وقتلوا من عوامها مقتلة كثيرة، ومن الأكراد الهذبانية كذلك، وعظم الأمر، واشتد، البلاء.
فلما رأى الأكراد ما حل بهم وبأهل البلاد شرعوا في الصلح والإتفاق على دفع شرهم، فاصطلح أبو الهيجاء بن ربيب الدولة ووهسوذان صاحب أذربيجان واتفقت كلمتهما، واجتمع معهما أهل تلك البلاد، فانتصفوا من الغز. فلما رأوا اجتماع أهل البلاد على حربهم انصرفوا عن أذربيجان، وتعذر عليهم المقام بها، ثم إنهم افترقوا، فسار طائفة إلى الذين على الري، ومقدمهم بوقا، وسار طائفة منهم، مقدمهم منصور وكوكتاش، إلى همذان فحصروها، وبها أبو كاليجار بن علاء الدولة بن كاكويه، فاتفق هو وأهل البلاد على قتالهم ودفعهم عن أنفسهم وبلدهم، فقتل بين الفريقين جماعة كثيرة، وطال مقامهم على همذان، فلما رأى أبو كاليجار بن علاء الدولة ذلك، وضعفه عن مقاومتهم، راسل كوكتاش وصالحه وصاهره.
وأما الذين قصدوا الري فإنهم حصروها، وبها علاء الدولة بن كاكويه، واجتمع معهم فناخسرو بن مجد الدولة، وكامرو الديلمي، صاحب ساوة، فكثر جمعهم، واشتدت شوكتهم.
فلما رأى علاء الدولة أنهم كلما جاء أمرهم ازدادوا قوة، وضعف هو، خاف على نفسه، وفارق البلد في رجب ليلاً، ومضى هارباً إلى أصبهان، وأجفل أهل البلد وتمزقوا، وعدلوا عن القتال إلى الاحتيال للهرب، وغاداهم الغز من الغد للقتال، فلم يثبتوا لهم، ودخلوا البلد، ونهبوا نهباً فاحشاً، وسبوا النساء، وبقوا كذلك خمسة أيام، حتى لجأ الحرم إلى الجامع، وتفرق الناس في كل مذهب ومهرب، وكان السعيد من نجل بنفسه. وكانت هذه الوقعة بعد التي تقدمتها مستأصلة، حتى قيل إن بعض الجمع لم يكن بالجامع إلا خمسون نفساً.
ولما فارق علاء الدولة الري تبعه جمع من الغز فلم يدركوه، فعدلوا إلى كرج فنهبوها، وفعلوا فيها الأفاعيل القبيحة. ومضى طائفة منهم، ومقدمهم ناصغلي، إلى قزوين، فقاتلهم أهلها، ثم صالحوهم على سبعة آلاف دينار، وصاروا في طاعته.
وكان بأرمية طائفة منهم، فساروا إلى بلد الأرمن، فأوقعوا بهم، وأثخنوا فيهم، وأكثروا القتل، وغنموا وسبوا، وعادوا إلى أرمية وأعمال أبي الهيجاء الهذباني، فقاتلهم أكرادها لما أنكروه من سوء مجاورتهم، فقتل خلق كثير، ونهب الغز سواد البلاد هناك، وقتلوا من الأكراد كثيراً.
ذكر ملك الغز همذانقد ذكرنا حصار الغز همذان وصلحهم مع صاحبها أبي كاليجار بن علاء الدولة بن كاكويه، فلما كان الآن، وملك الغز الري، عاودوا حصار همذان، وساروا إليها من الري، ما عدا قزل وجماعته، واجتمعوا مع من بها من الغز. فلما سمع أبو كاليجار بهم علم أنه لا قدوة له عليهم، فسار عنها ومعه وجوه التجار وأعيان البلد، وتحصن بكنكور.
ودخل الغز همذان سنة ثلاثين وأربعمائة، واجتمع عليها من مقدميهم: كوكتاش، وبوقا، وقزل، ومعهم فناخسرو بن مجد الدولة بن بويه في عدة كثيرة من الديلم، فلما دخلوها نهبوها نهباً منكراً لم يفعلوه بغيرها من البلاد، غيظاً منهم، وحنقاً عليهم، حيث قاتلوهم أولاً، وأخذوا الحرم، وضربت سراياهم إلى أسداباذ وقرى الدينور، واستباحوا تلك النواحي وكان الديلم أشدهم. فخرج إليهم أبو الفتح بن أبي الشوك، صاحب الدينور، فواقعهم، واستظهر عليهم، وأسر منهم جماعة، فراسله أمراؤهم في إطلاقهم، فامتنع إلا على صلح وعهود، فأجابوه وصالحوه فأطلقهم.
ثم إن الغز بهمذان راسلوا أبا كاليجار بن علاء الدولة وصالحوه، وطلبوا إليه أن ينزل إليهم ليدبر أمرهم، ويصدرون عن رأيه، وأرسلوا إليه زوجته التي تزوجها منهم، فنزل إليهم، فلما صار معهم وثبوا عليه فانهزم، ونهبوا ماله وما كان معه من دواب وغيرها. فسمع أبوه فخرج من أصبهان إلى أعماله بالجبل ليشاهدها، فوقع بطائفة كثيرة من الغز، فظفر بهم، وقتل منهم فأكثر، وأسر مثلهم، ودخل أصبهان منصوراً.
ذكر قتل الغز بمدينة تبريز
وفراقهم أذربيجان إلى الهكاريةفي سنة اثنتين وثلاثين قتل وهسوذان بن مهلان جمعاً كثيراً من الغز بمدينة تبريز.
وكان سبب ذلك أنه دعا جمعاً كثيراً منهم إلى طعام صنعه لهم، فلما طعموا وشربوا قبض على ثلاثين رجلاً منهم من مقدميهم، فضعف الباقون، فأكثر فيهم القتل، فاجتمع الغز المقيمون بأرمية وساروا نحو بلاد الهكارية من أعمال الموصل، فقاتلهم أكرادها، وقاتلوهم قتالاً عظيماً، فانهزم الأكراد وملك الغز حللهم وأموالهم، ونساءهم وأولادهم، وتعلق الأكراد بالجبال والمضايق، وسار الغز في أثرهم فواقعوهم، فظفر بهم الأكراد، فقتلوا منهم ألفاً وخمسمائة رجل، وأسروا جمعاً فيه سبعة من أمرائهم، ومائة نفس من وجوههم، وغنموا سلاحهم ودوابهم وما معهم من غنيمة استردوها، وسلك الغز طريق الجبال فتمزقوا وتفرقوا.
وسمع ابن ربيب الدولة الخبر، فسير في آثراهم من يفني باقيهم، ثم توفي أمير الغز المقيم بالري، وخرج إبراهيم ينال أخو السلطان طغرلبك إلى الري، فلما سمع به الغز المقيمون بها أجفلوا من بين يديه، وفارقوا بلاد الجبل خوفاً منه، وقصدوا ديار بكر والموصل في سنة ثلاث وثلاثين.
ذكر دخول الغز ديار بكرفي سنة ثلاث وثلاثين فارق الغز أذربيجان.
وسبب ذلك أن إبراهيم ينال، وهو أخو طغرلبك، سار إلى الري، فلما سمع الغز الذين بها خبره أجفلوا من بين يديه، وفارقوا بلاد الجبل خوفاً، وقصدوا أذربيجان، ولم يمكنهم المقام بها لما فعلوا بأهلها، ولأن إبراهيم ينال وراءهم، وكانوا يخافونه لأنهم كانوا له ولأخويه طغرلبك وداود رعية، فأخذوا بعض الأكراد، وعرفهم الطريق، فأخذ بهم في جبال وعرة على الزوزان، وخرجوا إلى جزيرة ابن عمر، فسار بوقا وناصغلي وغيرهما إلى ديار بكر، ونهبوا قردى، وبازبدى، والحسنية، وفيشابور وبقي منصور ابن غرغلي بالجزيرة من الجانب الشرقي.
فراسله سليمان بن نصر الدولة بن مروان المقيم بالجزيرة في المصالحة والمقام بأعمال الجزيرة إلى أن ينكشف الشتاء، ويسير مع باقي الغز إلى الشام، فتصالحا وتحالفا، وأضمر سليمان الغدر به، فعمل له طعاماً احتفل فيه ودعاه، فلما دخل الجزيرة قبض عليه وحبسه، وانصرف أصحابه متفرقين في كل جهة.
فلما علم بذلك قرواش سير جيشاً كثيفاً إليهم، واجتمع معهم الأكراد البشنوية، أصحاب فنك، وعسكر نصر الدولة، فتبعوا الغز، فلحقوهم وقاتلوهم، فبذل الغز جميع ما غنموه على أن يؤمنوهم، فلم يفعلوا، فقاتلوا قتال من لا يخاف الموت، فجرحوا من العرب كثيراً، وافترقوا.
وكان بعض الغز قد قصد نصيبين وسنجار للغارة، فعادوا إلى الجزيرة وحصروها، وتوجهت العرب إلى العراق ليشتوا به، فأخربت الغز ديار بكر، ونهبوا وقتلوا، فأخذ نصر الدولة منصوراً أمير الغز من ابنه سليمان، وراسل الغز، وبذل لهم مالاً، وإطلاق منصور ليفارقوا عمله، فأجابوه، فأطلق منصوراً، وأرسل بعض المال، فغدروا، وزادوا في الشر، وسار بعضهم إلى نصيبين وسنجار والخابور، فنهبوا وعادوا، وسار بعضهم إلى جهينة وأعمال الفرج فنهبوها، فدخل قرواش الموصل خوفاً منهم.
ذكر ملك الغز مدينة الموصللما خرجوا من أذربيجان إلى جزيرة ابن عمر، وهي من أعمال نصر الدولة ابن مروان، سار بعضهم إلى ديار بكر مع أمرائهم المذكورين، وسار الباقون إلى البقعاء، ونزلوا برقعيد، فأرسل إليهم قرواش صاحب الموصل من ينظر فيهم، ويغير عليهم. فلما رأوا ذلك تقدموا إلى الموصل، فأرسل إليهم يستعطفهم ويلين لهم، وبذلك لهم ثلاثة آلاف دينار، فلم يقبلوا، فأعاد مراسلتهم ثانية، فطلبوا خمسة عشر ألف دينار، فالتزمها، وأحضر أهل البلد وأعلمهم الحال.
فبينما هو بجمع المال وصل الغز إلى الموصل ونزلوا بالحصباء، فخرج إليهم قرواش وأجناده والعامة، فقاتلوهم عامة نهارهم، وأدركهم الليل فافترقوا، فلما كان الغد عادوا إلى القتال، فانهزمت العرب وأهل البلد، وهرب قرواش في سفينة نزلها من داره، وخرج من جميع ماله إلا الشيء اليسير، ودخل الغز البلد فنهبوا كثيراً منه، ونهبوا جميع ما لقرواش من مال وجوهر وحلي وثياب وأثاث، ونجا قرواش في السفينة ومعه نفر، فوصل إلى السن وأقام بها، وأرسل إلى الملك جلال الدولة يعرفه الحال، ويطلب النجدة، وأرسل إلى دبيس بن مزيد وغيره من أمراء العرب والأكراد يستمدهم ويشكو ما نزل به.
وعمل الغز بأهل الموصل الأعمال الشنيعة من الفتك وهتك الحريم ونهب المال، وسلم عدة محال منها سكة أبي نجيح، والجصاصة، وجارسوك، وشاطيء نهر، وباب القصابين على مال ضمنوه، فكفوا عنهم.
ذكر وثوب أهل الموصل بالغز
وما كان بينهمقد ذكرنا ملك الغز الموصل، فلما استقروا فيها قسطوا على أهلها عشرين ألف دينار وأخذوها، ثم تتبعوا الناس وأخذوا كثيراً من أموالهم بحجة أموال العرب، ثم قسطوا أربعة آلاف دينار أخرى، فحضر جماعة من الغر عند ابن فرغان الموصلي، وطالبوا إنساناً بحضرته، وأساءوا الأدب والقول.
وجرى بين بعض الغز وبعض المواصلة مشاجرة، فجرحه الغزي وقطع شعره، وكان للموصلي والدة سليطة، فلطخت وجهها بالدم، وأخذت الشعر بيدها وصاحت: المستغاث بالله وبالمسلمين، قد قتل لي ابن وهذا دمه، وابنة وهذا شعرها! وطافت في الأسواق، فثار الناس وجاؤوا إلى ابن فرغان فقتلوا من عنده من الغز، وقتلوا من ظفروا به منهم، ثم حصروهم في دار، فقاتلوا من بسطحها، فنقب الناس عليهم الدار وقتلوهم جميعهم، غير سبعة أنفس منهم أبو علي ومنصور، فخرج منصور إلى الحصباء، ولحق به من سلم منهم.
وكان كوكتاش قد فارق الموصل في جمع كثير، فأرسلوا إليه يعلمونه الحال، فعاد إليهم، ودخل البلد عنوة في الخامس والعشرين من رجب سنة خمس وثلاثين ووضعوا السيف في أهله، وأسروا كثيراً، ونهبوا الأموال، وأقاموا على ذلك اثني عشر يوماً يقتلون وينهبون، وسلمت سكة أبي نجيح، فإن أهلها أحسنوا إلى الأمير منصور، فرعى لهم ذلك، والتجأ من سلم إليها، وبقي القتلى في الطريق، فأنتنوا لعدم من يواريهم، ثم طرحوا بعد ذلك كل جماعة في حفيرة. وكانوا يخطبون للخليفة، ثم لطغرلبك.
ولما طال مقامهم بهذه البلاد، وجرى منهم ما ذكرناه، كتب الملك جلال الدولة بن بويه إلى طغرلبك يعرفه ما يجري منهم، وكتب إلى نصر الدولة بن مروان يشكو منهم، فكتب إلى نصر الدولة يقول له: بلغني أن عبيدنا قصدوا بلادك، وأنك صانعتهم بمال بذلته لهم، وأنت صاحب ثغر ينبغي أن تعطي ما تستعين به على قتال الكفار، ويعده أنه يرسل إليهم يرحلهم من بلده.
وكانوا يقصدون بلاد الأرمن وينهبون ويسبون، حتى إن الجارية الحسناء بلغت قيمتها خمسة دنانير، وأما الغلمان فلا يرادون. فأما كتاب طغرلبك إلى جلال الدولة، فيعتذر بأن هؤلاء التركمان كانوا لنا عبيداً، وخدماً، ورعايا، وتبعاً، يمتثلون الأمر، ويخدمون الباب، ولما نهضنا لتدبير خطب آل محمود بن سبكتكين، وانتدبنا لكفاية أمر خوارزم، انحازوا إلى الري فعاثوا فيها وأفسدوا، فزحفنا بجنودنا من خراسان إليهم مقدرين أنهم يلجأون إلى الأمان، ويلوذون بالعفو والغفران، فملكتهم الهيبة، وزحزحتهم الحشمة، ولا بد من أن نردهم إلى راياتنا خاضعين، ونذيقهم من بأسنا جزاء المتمردين، قربوا أم بعدوا، أغاروا أم أنجدوا.
ذكر ظفر قرواش صاحب الموصل بالغزقد ذكرنا انحدار قرواش إلى السن، ومراسلته سائر أصحاب الأطراف في طلب النجدة منهم، فأما الملك جلال الدولة فلم ينجده لزوال طاعته عن جنده االأتراك، وأما دبيس بن مزيد فسار إليه، واجتمعت عليه عقيل كافة، وأتته أمداد أبي الشوك وابن ورام وغيرهما، فلم يدركوا الوقعة، فإن قرواشاً لما اجتمعت عقيل ودبيس عنده سار إلى الموصل.
وبلغ الخبر إلى الغز، فتأخروا إلى تلعفر، وبومارية، وتلك النواحي، وراسلوا الغز الذين كانوا بديار بكر ومقدمهم ناصغلي وبوقا، وطلبوا منهم المساعدة على العرب، فساروا إليهم.
وسمع قرواش بوصولهم، فلم يعلم أصحابه لئلا يفشلوا ويجبنوا، وسار حتى نزل على العجاج، وسارت الغز فنزلوا برأس الأيل من الفرج، وبينهما نحو فرسخين، وقد طمع الغز في العرب، فتقدموا حتى شارفوا حلل العرب ووقعت الحرب في العشرين من شهر رمضان من أول النهار، فاستظهرت الغز، وانهزمت العرب حتى صار القتال عند حللهم، ونساؤهم يشاهدون القتال، فلم يزل الظفر للغز إلى الظهر، ثم أنزل الله نصره على العرب، وانهزمت الغز وأخذهم السيف وتفرقوا، وكثر القتل فيهم، فقتل ثلاثة من مقدميهم، وملك العرب حلل الغز وخركاهاتهم، وغنموا أموالهم، فعمتهم الغنيمة، وأدركهم الليل فحجز بينهم.
وسير قرواش رؤوس كثير من القتلى في سفينة إلى بغداد، فلما قاربتها أخذها الأتراك ودفنوها، ولم يتركوها تصل أنفة وحمية للجنس، وكفى الله أهل الموصل شرهم، وتبعهم قرواش إلى نصيبين، وعاد عنهم، فقصدوا ديار بكر فنهبوها، ثم مالوا على الأرمن والروم فنهبوهم، ثم قصدوا بلاد أذربيجان، وكتب قرواش إلى الأطراف يبشر بالظفر بهم، وكتب إلى ابن ربيب الدولة، صاحب أرمية، يذكر له أنه قتل منهم ثلاثة آلاف رجل، فقال للرسول: هذا عجيب! فإن القوم لما اجتازوا ببلادي أقمت على قنطرة لا بد لهم من عبورها من عدهم، فكانوا نيفاً وثلاثين ألفاً مع لفيفهم، فلما عادوا بعد هزيمتهم لم يبلغوا خمسة آلاف رجل، فإما أن يكونوا قتلوا أو هلكوا. ومدح الشعراء قرواشاً بهذا الفتح، وممن مدحه ابن شبل بقصيدة منها:
بأبي الذي أرست نزار بيتها ... في شامخ من عزه المتخير
وهي طويلة. هذه أخبار الغز العراقيين، وإنما أوردناها لأن دولتهم لم تطل حتى نذكر حوادثها في السنين، وإنما كانت سحابة صيف تقشعت عن قريب.
وأما السلجوقية فنحن نذكر حوادثهم في السنين ونذكر ابتداء أمرهم سنة اثنتين وثلاثين إن شاء الله تعالى.
ذكر عدة حوادثوفي هذه السنة سير الظاهر جيشاً من مصر، مقدمهم أنوشتكين الزبري، فقتل صالح بن مرداس، وملك نصر بن صالح مدينة حلب، وقد تقدم ذكره في سنة اثنتين وأربعمائة.
وفيها سقط في البلاد برد عظيم، وكان أكثره بالعراق، وارتفعت بعده ريح شديدة سوداء، فقلعت كثيراً من الأشجار بالعراق، فقلعت شجراً كباراً من الزيتون من شرقي النهراون وألقته على بعد من غربيها، وقلعت نخلة من أصلها وحملتها إلى دار بينها وبين موضع هذه الشجرة ثلاث دور، وقلعت سقف مسجد الجامع ببعض القرى.
وفيها، في ذي القعدة، تولى عبد الله بن ماكولا قضاء القضاة.
وفيها توفي أبو الحسن علي بن عيسى الربعي النحوي عن نيف وتسعين سنة، وأخذ النحو عن أبي علي الفارسي، وأبي سعيد السيرافي، وكان فكهاً، كثير الدعابة، فمن ذلك أنه كان يوماً على شاطيء دجلة ببغداد، والملك جلال الدولة، والمرتضى والرضي كلاهما في سميرية، ومعهما عثمان بن جني النحوي، فناداه الربعي: أيها الملك ما أنت صادق في تشيعك لعلي بن أبي طالب، يكون عثمان إلى جانبك، وعلي، يعني نفسه، هاهنا! فأمر بالسميرية فقربت إلى الشاطيء وحمله معه.
وقيل إن هذا القول كان للشريف الرضي وأخيه المرتضى، ومعهما عثمان ابن جني، فقال: ما أعجب أحوال الشريفين! يكون عثمان معهما، وعلي يمشي على الشط.
وفيها أيضاً توفي أبو المسك عنبر، الملقب بالأثير، وكان قد أصعد إلى الموصل مغاضباً لجلال الدولة، فلقيه قرواش وأهله، وقبلوا الأرض بين يديه، فأقام عندهم، وكان خصياً لبهاء الدولة بن بويه، وكان قد بلغ مبلغاً عظيماً، لم يخل أمير ولا وزير في دولة بني بويه من تقبيل يده والأرض بين يديه، وكان قد استقر بينه وبين قرواش وأبي كاليجار قاعدة أن يصعد أبو كاليجار من واسط، وينحدر الأثير وقرواش من الموصل لقصد جلال الدولة، وكان الأثير قد انحدر من الموصل، فلما وصل مشهد الكحيل توفي فيه.
وفيها انقطع كوكب عظيم، في رجب، أضاءت منه الأرض، وسمع له صوت عظيم كالرعد، وتقطع أربع قطع، وانقض بعده بليلتين كوكب آخر دونه، وانقض بعدهما كوكب أكبر منهما وأكثر ضوءاً.
وفيها كانت ببغداد فتناً قوي فيها أمر العيارين واللصوص، فكانوا يأخذون العملات ظاهراً.
وفيها قطعت الجمعة من جامع براثا، وسببها أنه كان يخطب فيها إنسان يقول في خطبته: بعد الصلاة على النبي وعلى أخيه أمير المؤمنين على بن أبي طالب، مكلم الجمجمة، ومحييها البشري الإلهي، مكلم الفتية أهل الكهف، إلى غير ذلك من الغلو المبتدع، فأقام الخليفة خطيباً، فرجمه العامة، فانقطعت الصلاة فيه، فاجتمع جماعة من أعيان الكرخ مع المرتضى، واعتذروا إلى الخليفة بأن سفهاء لا يعرفون فعلوا ذلك، وسألوا إعادة الخطبة، فأجيبوا إلى ما طلبوا، وأعيدت الصلاة والخطبة فيه.
وفيها توفي ابن أبي الهبيش الزاهد المقيم بالكوفة، وهو من أرباب الطبقات الغالية في الزهد، وقبره يزار إلى الآن وقد زرته.
وفيها توفي منوجهر بن قابوس بن وشمكير، وملك ابنه أنوشروان.
ثم دخلت سنة إحدى وعشرين وأربعمائة
ذكر ملك مسعود بن سبكتكين همذانفي هذه السنة سير مسعود بن يمين الدولة محمود جيشاً إلى همذان، فملكوها، وأخرجوا نواب علاء الدولة بن كاكويه عنها، وسار هو إلى أصبهان، فلما قاربها فارقها علاء الدولة، فغنم مسعود ما كان له بها من دواب وسلاح وذخائر، فإن علاء الدولة أعجل عن أخذه، فلم يأخذ إلا بعضه، وسار إلى خوزستان، فبلغ إلى تستر ليطلب من أبي كاليجار نجدة، ومن الملك جلال الدولة، ويعود إلى بلاده يستنقذها، فبقي عند أبي كاليجار مدة، وهو عقيب انهزامه من جلال الدولة ضعيف، ومع هذا فهو يعده النصرة، وتسيير العساكر، إذا اصطلح هو وجلال الدولة.
فبينما هو عنده إذ أتاه خبر وفاة يمين الدولة محمود، ومسير مسعود إلى خراسان، فسار علاء الدولة إلى بلاده، على ما نذكره إن شاء الله تعالى.
ذكر غزوة للمسلمين إلى الهندفي هذه السنة غزا أحمد بن ينالتكين، النائب عن محمود بن سبكتكين ببلاد الهند، مدينة للهنود هي من أعظم مدنهم، يقال لها نرسى، ومع أحمد نحو مائة ألف فارس وراجل، وشن الغارة على البلاد، ونهب، وسبى، وخرب الأعمال، وأكثر القتل والأسر، فلما وصل إلى المدينة دخل من أحد جوانبها ونهب المسلمون في ذلك الجانب يوماً من بكرة إلى آخر النهار، ولم يفرغوا من نهب سوق العطارين والجوهريين، حسب، وباقي أهل البلد لم يعلموا بذلك، لأن طوله منزل من منازل الهنود، وعرضه مثله، فلما جاء المساء لم يجسر أحد على المبيت فيه لكثرة أهله، فخرج منه ليأمن على نفسه وعسكره.
وبلغ من كثرة ما نهب المسلمون أنهم اقتسموا الذهب والفضة كيلاً، ولم يصل إلى هذه المدينة عسكر للمسلمين قبله ولا بعده، فلما فارقه أراد العود إليه، فلم يقدر على ذلك، منعه أهله عنه.
ذكر ملك بدران ابن المقلد نصيبين
قد ذكرنا محاصرة بدران نصيبين وأنه رحل عنها خوفاً من قرواش، فلما رحل شرع في إصلاح الحال معه فاصطلحا. ثم جرى بين قرواش ونصر الدولة ابن مروان نفرة كان سببها أن نصر الدولة كان قد تزوج ابنة قرواش ونصر فآثر عليها غيرها، فأرسلت إلى أبيها تشكو منه، فأرسل يطلبها إليه، فسيرها فأقامت بالموصل. ثم إن ولد مستحفظ جزيرة ابن عمر وهي لابن مروان هرب إلى قرواش وأطمعه في الجزيرة فأرسل إلى نصر الدولة يطلب منه صداق ابنته وهو عشرون ألف دينار، ويطلب الجزيرة لنفقتها، ويطلب نصيبين لأخيه بدران ويحتج بما أخرج بسببها عام أول، وترددت الرسل بينهما في ذلك فلم يستقر حال، فسير جيشاً لمحاصرة الجزيرة وجيشاً مع أخيه بدران إلى نصيبين، فحصرها بدران وأتاه قرواش فحصرها معه فلم يملك واحد من البلدين وتفرق من كان معه من العرب والأكراد. فلما رأى بدران تفرق الناس عن أخيه سار إلى نصر الدولة بن مروان بميافارقين يطلب منه نصيبين، فسلمها إليه وأرسل من صداق ابنة قرواش خمسة عشر ألف دينار واصطلحا.
ذكر ملك أبي الشوك دقوقاوفيها حصر أبو الشوك دقوقا، وبها مالك بن بدران بن المقلد العقيلي، فطال حصاره، وكان قد أرسل إليه يقول له: إن هذه المدينة كانت لأبي، ولا بد لي منها، والصواب أن تنصرف عنها. فامتنع من تسليمها، فحصره بها، ثم استظهر، وملك البلد، فطلب منه مالك الأمان على نفسه وماله وأصحابه، فأمنه على نفسه حسب، فلما خرج إليه مالك قال له أبو الشوك: قد كنت سألتك أن تسلم البلد طوعاً، وتحقن دماء المسلمين، فلم تفعل. فقال: لو فعلت لعيرتني العرب، وأما الآن فلا عار علي. فقال أبو الشوك: إن من إتمام الصنيعة تسليم مالك وأصحابك إليك، فأعطاه ما كان له أجمع، فأخذه وعاد سالماً.
ذكر وفاة محمود بن سبكتكين
وملك ولده محمدفي هذه السنة، في ربيع الآخر، توفي يمين الدولة أبو القاسم محمود بن سبكتكين، ومولده يوم عاشوراء سنة ستين وثلاثمائة، وقيل إنه توفي أحد عشر صفر، وكان مرضه سوء مزاج وإسهالاً، وبقي كذلك نحو سنتين، وكان قوي النفس لم يضع جنبه في مرضه بل كان يستند إلى مخدته، فأشار عليه الأطباء بالراحة، وكان يجلس للناس بكرة وعشية، فقال: أتريدون أن أعتزل الإمارة؟ فلم يزل كذلك حتى توفي قاعداً.
فلما حضره الموت أوصى بالملك لابنه محمد، وهو ببلخ، وكان أصغر من مسعود، إلا أنه كان معرضاً عن مسعود، لأن أمره لم يكن عنده نافذاً، وسعى بينهما أصحاب الأغراض، فزادوا أباه نفوراً عنه، فلما وصى بالملك لولده محمد توفي، فخطب لمحمد من أقاصي الهند إلى نيسابور، وكان لقبه جلال الدولة، وأرسل إليه أعيان دولة أبيه يخبرونه بموت أبيه ووصيته له بالملك، ويستدعونه، ويحثونه على السرعة، ويخوفونه من أخيه مسعود، فحين بلغه الخبر سار إلى غزنة، فوصلها بعد موت أبيه بأربعين يوماً، فاجتمعت العساكر على طاعته، وفرق فيهم الأموال والخلع النفيسة، فأسرف في ذلك.
ذكر ملك مسعود وخلع محمدلما توفي يمين الدولة كان ابنه مسعود بأصبهان، فلما بلغه الخبر سار إلى خراسان، واستخلف بأصبهان بعض أصحابه في طائفة من العسكر، فحين فارقها ثار أهلها بالوالي عليهم فقتلوه، وقتلوا من معه من الجند.
وأتى مسعوداً الخبر، فعاد إليها، وحصرها، وفتحها عنوة، وقتل فيها فأكثر، ونهب الأموال، واستخلف فيها رجلاً كافياً، وكتب إلى أخيه محمد يعلمه بذلك، وأنه لا يريد من البلاد التي وصى له أبوه بها شيئاً، وأنه يكتفي بما فتحه من بلاد طبرستان، وبلد الجبل، وأصبهان، وغيرها، ويطلب منه الموافقة، وأن يقدمه في الخطبة على نفسه، فأجابه محمد جواب مغالط.
وكان مسعود قد وصل إلى الري، فأحسن إلى أهلها، وسار منها إلى نيسابور ففعل مثل ذلك، وأما محمد فإنه أخذ على عسكره العهود والمواثيق على المناصحة له، والشد منه، وسار في عساكره إلى أخيه مسعود محارباً له، وكان بعض عساكره يميل إلى أخيه مسعود لكبره وشجاعته، ولأنه قد اعتاد التقدم على الجيوش، وفتح البلاد، وبعضها يخافه لقوة نفسه.
وكان محمد قد جعل مقدم جيشه عمه يوسف بن سبكتكين، فلما هم بالركوب، في داره بغزنة، ليسير سقطت قلنسونه من رأسه، فتطير الناس من ذلك، وأرسل إليه التونتاش، صاحب خوارزم، وكان من أعيان أصحاب أبيه محمود، يشير عليه بموافقة أخيه وترك مخالفته، فلم يصغ إلى قوله، وسار فوصل إلى تكناباذ أول يوم رمضان، وأقام إلى العيد، فعيد هناك، فلما كان ليلة الثلاثاء، ثالث شوال، ثار به جنده، فأخذوه وقيدوه وحبسوه، وكان مشغولاً بالشراب واللعب عن تدبير المملكة، والنظر في أحوال الجند والرعايا.
وكان الذي سعى في خذلانه علي خويشاوند، صاحب أبيه، وأعانه على ذلك عمه يوسف بن سبكتكين. فلما قبضوا عليه نادوا بشعار أخيه مسعود، ورفعوا محمداً إلى قلعة تكناباذ، وكتبوا إلى مسعود بالحال. فلما وصل إلى هراة لقيته العساكر مع الحاجب علي خويشاوند، فلما لقيه الحاجب علي قبض عليه وقتله، وقبض بعد ذلك أيضاً على عمه يوسف، وهذه عاقبة الغدر، وهما سعيا له في رد الملك إليه، وقبض أيضاً على جماعة من أعيان القواد في أوقات متفرقة، وكان اجتماع الملك له واتفاق الكلمة عليه في ذي القعدة، وأخرج الوزير أبا القاسم أحمد بن الحسن الميمندي الذي كان وزير أبيه من محبسه، واستوزره، ورد الأمر إليه، وكان أبوه قد قبض عليه سنة اثنتي عشرة وأربعمائة لأمور أنكرها، وقيل شره في ماله، وأخذ منه لما قبض عليه مالاً وأعراضاً بقيمة خمسة آلاف ألف دينار.
وكان وصول مسعود إلى غزنة ثامن جمادى الآخرة من سنة اثنتين وعشرين وأربعمائة، فلما وصل إليها وثبت ملكه بها أتته رسل الملوك من سائر الأقطار إلى بابه، واجتمع له ملك خراسان، وغزنة، وبلاد الهند والسند، وسجستان، وكرمان، ومكران، والري، وأصبهان، وبلد الجبل، وغير ذلك، وعظم سلطانه وخيف جانبه.
ذكر بعض سيرة محمود بن سبكتكينكان يمين الدولة محمود بن سبكتكين عاقلاً، ديناً، خيراً، عنده علم ومعرفة، وصنف له كثير من الكتب في فنون العلوم، وقصده العلماء من أقطار البلاد، وكان يكرمهم، ويقبل عليهم، ويعظمهم، ويحسن إليهم، وكان عادلاً، كثير الإحسان إلى رعيته والرفق بهم، كثير الغزوات، ملازماً للجهاد، وفتوحه مشهورة مذكورة، وقد ذكرنا منها ما وصل إلينا على بعد الدهر، وفيه ما يستدل به على بذل نفسه لله تعالى واهتمامه بالجهاد.
ولم يكن فيه ما يعاب إلا أنه كان يتوصل إلى أخذ الأموال بكل طريق، فمن ذلك أنه بلغه أن إنساناً من نيسابور كثير المال، عظيم الغنى، فأحضره إلى غزنة وقال له: بلغنا أنك قرمطي، فقال: لست بقرمطي، ولي مال يؤخذ منه ما يراد وأعفى من هذا الاسم، فأخذ منه مالاً، وكتب معه كتاباً بصحة اعتقاده.
وجدد عمارة المشهد بطوس الذي فيه قبر علي بن موسى الرضا، والرشيد، وأحسن عمارته، وكان أبوه سبكتكين أخربه، وكان أهل طوس يؤذون من يزوره، فمنعهم عن ذلك.
وكان سبب فعله أنه رأى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، عليه السلام، في المنام وهو يقول له: إلى متى هذا؟ فعلم أنه يريد أمر المشهد، فأمر بعمارته.
وكان ربعة مليح اللون، حسن الوجه، صغير العينين، أحمر الشعر، وكان ابنه محمد يشبهه، وكان ابنه مسعود ممتليء البدن، طويلاً.
ذكر عودة علاء الدولة إلى أصبهان وغيرها وما كان منهلما مات محمود بن سبكتكين طمع فناخسرو بن مجد الدولة بن بويه في الري، وكان قد هرب منها لما ملكها عسكر يمين الدولة محمود، فقصد قصران، وهي حصينة، فامتنع بها. فلما توفي يمين الدولة وعاد ابنه مسعود إلى خراسان جمع فناخسرو هذا جمعاً من الديلم والأكراد وغيرهم، وقصدوا الريي، فخرج إليه نائب مسعود بها ومن معه من العسكر، فقاتلوه، فانهزم منهم وعاد إلى بلده، وقتل جماعة من عسكره.
ثم إن علاء الدولة بن كاكويه، لما بلغه وفاة يمين الدولة، كان بخوستان عند الملك أبي كاليجار، كما ذكرنا، وقد أيس من نصره، وتفرق بعض من عنده من عسكره وأصحابه، والباقون على عزم مفارقته، وخائف من مسعود أن يسير إليه من أصبهان فلا يقوى هو وأبو كاليجار به، فأتاه من الفرج بموت يمين الدولة ما لم يكن في حسابه، فلما سمع الخبر سار إلى أصبهان فملكها، وملك همذان، وغيرهما من البلاد، وسار إلى الري فملكها، وامتد إلى أعمال أنوشروان بن منوجهر بن قابوس، فأخذ منه خوار الري ودنباوند.
فكتب أنوشروان إلى مسعود يهنئه بالملك، وسأله تقرير الذي عليه بمال يحمله، فأجابه إلى ذلك، وسير إليه عسكراً من خراسان، فساروا إلى دنباوند فاستعادوها، وساروا نحو الري، فأتاهم المدد والعسكر، وممن أتاهم علي بن عمران، فكثر جمعهم، فحصروا الري، وبها علاء الدولة، فاشتد القتال في بعض الأيام، فدخل العسكر الري قهراً، والفيلة معهم، فقتل جماعة من أهل الري والديلم، ونهب المدينة، وانهزم علاء الدولة، وتبعه بعض العسكر وجرحه في رأسه وكتفه، فألقى لهم دنانير كانت معه، فاشتغلوا بها عنه، فنجا، وسار إلى قلعة فردجان، على خمسة عشر فرسخاً من همذان، فأقام بها إلى أن برأ من جراحته، وكان من أمره ما نذكر، إن شاء الله تعالى، وخطب بالري وأعمال أنوشروان لمسعود، فعظم شأنه.
ذكر الحرب بين عسكر جلال الدولة وأبي كاليجارفي هذه السنة، في شوال، سير جلال الدولة عسكراً إلى المذار، وبها عسكر أبي كاليجار، فالتقوا واقتتلوا، فانهزم عسكر أبي كاليجار، واستولى أصحاب جلال الدولة على المذار، وعملوا بأهلها كل محظور.
فلما سمع أبو كاليجار الخبر سير إليهم عسكراً كثيفاً، فاقتتلوا بظاهر البلد، فانهزم عسكر جلال الدولة، وقتل أكثرهم، وثار أهل البلد بغلمانهم فقتلوهم، ونهبوا أموالهم لقبيح سيرتهم معهم، وعاد من سلم من المعركة إلى واسط.
ذكر الحرب بين قرواش وغريب بن مقنفي هذه السنة، في جمادى الأولى، اختلف قرواش وغريب بن مقن.
وكان سبب ذلك أن غريباً جمع جمعاً كثيراً من العرب والأكراد، واستمد جلال الدولة، فأمده بجملة صالحة من العسكر، فسار إلى تكريت فحصرها، وهي لأبي المسيب رافع بن الحسين، وكان قد توجه إلى الموصل، وسأل قرواشاً النجدة، فجمعا وحشدا وسارا منحدرين فيمن معهما، فبلغا الدكة، وغريب يحاصر تكريت، وقد ضيق على من بها، وأهلها يطلبون منه الأمان، فلم يؤمنهم، فحفظوا نفوسهم وقاتلوا أشد قتال.
فلما بلغه وصول قرواش ورافع سار إليهم، فالتقوا بالدكة واقتتلوا، فغدر بغريب بعض من معه، ونهبوا سواده وسواد الأجناد الجلالية، فانهزم، وتبعهم قرواش ورافع، ثم كفوا عنه وعن أصحابه، ولم يتعرضوا إلى حلته وما له فيها، وحفظوا ذلك أجمع، ثم إنهم تراسلوا واصطلحوا وعادوا إلى ما كانوا عليه من الوفاق.
ذكر خروج ملك الروم إلى الشام وانهزامهفي هذه السنة خرج ملك الروم من القسطنطينية في ثلاث مائة ألف مقاتل إلى الشام، فلم يزل بعساكره حتى بلغوا قريب حلب، وصاحبها شبل الدولة نصر بن صالح بن مرداس، فنزلوا على يوم منها، فلحقهم عطش شديد، وكان الزمان صيفاً، وكان أصحابه مختلفين عليه، فمنهم من يحسده، ومنهم من يكرهه.
وممن كان معه ابن الدوقس، ومن أكابرهم، وكان يريد هلاك الملك ليملك بعده، فقال الملك: الرأي أن نقيم حتى تجيء الأمطار وتكثر المياه. فقبح ابن الدوقس هذا الرأي، وأشار بالإسراع قصداً لشر يتطرق إليه، ولتدبير كان قد دبره عليه. فسار، ففارقه ابن الدوقس، وابن لؤلؤ في عشرة آلاف فارس، وسلكوا طريقاً آخر، فخلا بالملك بعض أصحابه وأعلمه أن ابن الدوقس وابن لؤلؤ قد حالفا أربعين رجلاً، هو أحدهم، على الفتك به، واستشعر من ذلك وخاف، ورحل من يومه راجعاً.
ولحقه ابن الدوقس، وسأله عن السبب الذي أوجب عوده، فقال له: قد اجتمعت علينا العرب وقربوا منا، وقبض في الحال على ابن الدوقس وابن لؤلؤ وجماعة معهما، فاضطرب الناس واختلفوا، ورحل الملك، وتبعهم العرب وأهل السواد حتى الأرمن يقتلون وينهبون، وأخذوا من الملك أربعمائة بغل محملة مالاً وثياباً، وهلك كثير من الروم عطشاً، ونجا الملك وحده، ولم يسلم معه من أمواله وخزائنه شيء البتة، وكفى الله المؤمنين القتال وكان الله قوياً عزيزاً.
وقيل في عوده غير ذلك، وهو أن جمعاً من العرب ليس بالكثير عبر على عسكره، وظن الروم أنها كبسة، فلم يدروا ما يفعلون، حتى إن ملكهم لبس خفاً أسود، وعادة ملوكهم لبس الخف الأحمر، فتركه ولبس الأسود ليعمى خبره على من يريده، وانهزموا، وغنم المسلمون جميع كان معهم.
ذكر مسير أبي علي بن ماكولا إلى البصرة وقتله
لما استولى الملك جلال الدولة على واسط، وجعل ولده فيها، سير وزيره أبا علي بن ماكولا إلى البطائح والبصرة ليملكها، فملك البطائح، وسار إلى البصرة في الماء، وأكثر من السفن والرجال.
وكان بالبصرة أبو منصور بختيار بن علي نائباً لأبي كاليجار، فجهز جيشاً في أربعمائة سفينة، وجعل عليهم أبا عبد الله الشرابي الذي كان صاحب البطيحة، وسيره، فالتقى هو والوزير أبو علي، فعند اللقاء والقتال هبت ريح شمال كانت على البصريين ومعونة للوزير، فانهزم البصريون وعادوا إلى البصرة، فعزم بختيار على الهرب إلى عبادان، فمنعه من سلم عنده من عسكره، فأقام متجلداً.
وأشار جماعة على الوزير أبي علي أن يعجل الانحدار، ويغتنم الفرصة قبل أن يعود بختيار يجمع. فلما قاربهم، وهو في ألف وثلاثمائة عدد من السفن، سير بختيار ما عنده من السفن، وهي نحو ثلاثين قطعة، وفيها المقاتلة، وكان قد سير عسكراً آخر في البر، وكان له في فم نهر أبي الخصيب نحو خمسمائة قطعة فيها ماله، ولجميع عسكره من المال والأثاث والأهل، فلما تقدمت سفنه صاح من فيها، وأجابه من في السفن التي فيها أهلوهم وأموالهم، وورد عليهم العسكر الذي في البر، فقال الوزير لمن أشار عليه بمعالجة بختيار: ألستم زعمتم أنه في خف من العسكر، وأن معالجته أولى، ورأى الدنيا مملوءة عساكر؟ فهونوا عليه الأمر، فغضب، وأمر بإعادة السفن إلى الشاطيء، إلى الغد، ويعود إلى القتال.
فلما أعاد سفنه ظن أصحابه أنه قد انهزم، فصاحوا: الهزيمة؟؟! فكانت هي. وقيل: بل لما أعاد سفنه لحقهم من في سفن بختيار، وصاحوا: الهزيمة! الهزيمة! وأجابهم من في البر من عسكر بختيار، ومن في سفنهم التي فيها أموالهم، فانهزم أبو علي حقاً، وتبعه أصحاب بختيار وأهل السواد، ونزل بختيار في الماء، واستصرخ الناس، وسار في آثارهم يقتل ويأسر، وهم يغرقون، فلم يسلم من السفن كلها أكثر من خمسين قطعة.
وسار الوزير أبو علي منهزماً، فأخذ أسيراً، وأحضر عند بختيار، فأكرمه وعظمه، وجلس بين يديه، وقال له: ما الذي تشتهي أن أفعل معك؟ قال: ترسلني إلى الملك أبي كاليجار.
فأرسله إليه فأطلقه، فاتفق أن غلاماً له وجارية اجتمعا على فساد، فعلم بهما، وعرفا أنه قد علم حالهما، فقتلاه بعد أسره بنحو من شهر.
وكان قد أحدث في ولايته رسوماً جائرة، وسن سنناً سيئة، ومنها جباية سوق الدقيق، ومقالي الباذنجان، وسميريات المشارع، ودلالة ما يباع من الأمتعة، وأجر الحمالين الذين يرفعون التمور إلى السفن، وبما يعطيه الذباحون لليهود، فجرى في ذلك مناوشة بين العامة والجند.
ذكر استيلاء جلال الدولة على البصرة
وأخذها منهملما انحدر الوزير أبو علي بن ماكولا إلى البصرة، على ما ذكرناه، لم يستصحب معه الأجناد البصريين الذين مع جلال الدولة، تأنيساً للديلم الذين بالبصرة، فلما أصيب، على ما ذكرنا، تجهز هؤلاء البصريون وانحدروا إلى البصرة، فوصلوا إليها، وقاتلوا من بها من عسكر أبي كاليجار، فانهزم عسكر أبي كاليجار، ودخل عسكر جلال الدولة البصرة في شعبان.
واجتمع عسكر أبي كاليجار بالأبلة مع بختيار، فأقاموا بها يستعدون للعود وكتبوا إلى كاليجار يستمدونه، فسير إليهم عسكراً كثيراً مع وزيره ذي السعادات أبي الفرج بن فسانجس، فقدموا إلى الأبلة، واجتمعوا مع بختيار، ووقع الشروع في قتال من بالبصرة من أصحاب جلال الدولة، فسير بختيار جمعاً كثيراً في عدة من سفن، فقاتلوهم، فنصر أصحاب جلال الدولة عليهم وهزموهم، فوبخهم بختيار، وسار من وقته في العدد الكثير، والسفن الكثيرة، فاقتتلوا، واشتد القتال، فانهزم بختيار، وقتل من أصحابه جماعة كثيرة، وأخذ هو فقتل من غير قصد لقتله، وأخذوا كثيراً من سفنه، وعاد كل فريق إلى موضعه.
وعزم الأتراك من أصحاب جلال الدولة على مباكرة الحرب، وإتمام الهزيمة، وطالبوا العامل الذي على البصرة بالمال، فاختلفوا، وتنازعوا في الإقطاعات، فأصعد ابن المعبراني، صاحب البطيحة، فسار إليه جماعة من الأتراك الواسطيين ليردوه، فلم يرجع، فتبعوه، وخاف من بقي بعضهم من بعض أن لا يناصحوهم، ويسلموهم عند الحرب، فتفرقوا، واستأمن بعضهم إلى ذي السعادات، وقد كان خائفاً منهم، فجاءه ما لم يقده من الظفر، ونادى من بقي بالبصرة بشعار أبي كاليجار، فدخلها عسكره، وأرادوا نهبها، فمنعهم ذو السعادات.
ذكر غزو فضلون الكردي الخزر وما كان منهكان فضلون الكردي هذا بيده قطعة من أذربيجان قد استولى عليها، وملكها، فاتفق أنه غزا الخزر، هذه السنة، فقتل منهم، وسبى، وغنم شيئاً كثيراً، فلما عاد إلى بلده أبطأ في سيره وأمل الاستظهار في أمره، ظناً منه أنه قد دوخهم وشغلهم بما عمله بهم، فاتبعوه مجدين، وكيسوه، وقتلوا من أصحابه والمطوعة الذين معه أكثر من عشرة آلاف قتيل، واستردوا الغنائم التي أخذت منهم، وغنموا أموال العساكر الإسلامية وعادوا.
ذكر البيعة لولي العهدفي هذه السنة مرضض القادر بالله، وأرجف بموته، فجلس جلوساً عاماً وأذن للخاصة والعامة فوصلوا إليه، فلما اجتمعوا قام الصاحب أبو الغنائم فقال: خدم مولانا أمير المؤمنين داعون له بإطالة البقاء، وشاكرون لما بلغهم من نظره لهم وللمسلمين، باختيار الأمير أبي جعفر لولاية العهد.
فقال الخليفة للناس: قد أذنا في العهد له، وكان أراد أن يبايع له قبل ذلك، فثناه عنه أبو الحسن بن حاجب النعمان. فلما عهد إليه ألقيت الستارة، وقعد أبو جعفر على السرير الذي كان قائماً عليه، وخدمه الحاضرون وهنأوه، وتقدم أبو الحسن بن حاجب النعمان فقبل يده وهنأه، فقال: " ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيراً، وكفى الله المؤمنين القتال " يعرض له بإفساده رأي الخليفة فيه، فأكب على تقبيل قدمه، وتعفير خده بين يديه والاعتذار. فقبل عذره، ودعي له على المنابر يوم الجمعة لتسع بقين من جمادى الأولى.
ذكر عدة حوادثفي هذه السنة استوزر جلال الدولة أبا سعد عبد الرحيم بعد ابن ماكولا، ولقبه عميد الدولة.
وفيها توفي أبو الحسن بن حاجب النعمان، ومولده سنة أربعين وثلاثمائة، وكان خصيصاً بالقادر بالله، حاكماً في دولته كلها، وكتب له وللطائع أربعين سنة.
وفيها ظهر متلصصة ببغداد من الأكراد، فكانوا يسرقون دواب الأتراك، فنقل الأتراك خيلهم إلى دورهم، ونقل جلال الدولة دوابه إلى بيت في دار المملكة.
وفيها توفي أبو الحسن بن عبد الوارث الفسوي، النحوي، بفسا، وهو نسيب أبي علي الفارسي.
وفيها توفي أبو محمد الحسن بن يحيى العلوي، النهرسابسي، الملقب بالكافي، وكان موته بالكوفة.
وفيها، في رجب، جاء في غزنة سيل عظيم أهلك الزرع والضرع، وغرق كثيراً من الناس لا يحصون، وخرب الجسر الذي بناه عمرو بن الليث، وكان هذا الحادث عظيماً.
وفيها، في رمضان تصدق مسعود بن محمود بن سبكتكين، في غزنة، بألف ألف درهم، وأدر على الفقراء من العلماء والرعايا إدرارات كثيرة.
ثم دخلت سنة اثنتين وعشرين وأربعمائة
ذكر ملك مسعود بن سبكتكين التيز ومكرانفي هذه السنة سير السلطان مسعود بن محمود بن سبكتكين عسكراً إلى التيز، فملكها وما جاورها.
وسبب ذلك أن صاحبها معدان توفي، وخلف ولدين أبا العساكر وعيسى، فاستبد عيسى بالولاية والمال، فسار أبو العساكر إلى خراسان، وطلب من مسعود النجدة، فسير معه عسكراً، وأمرهم بأخذ البلاد من عيسى، أو الاتفاق مع أخيه على طاعته، فوصلوا إليها، ودعوا عيسى إلى الطاعة والموافقة، فأبى وجمع جمعاً كثيراً بلغوا ثمانية عشر ألفاً، وتقدم إليهم، فالتقوا، فاستأمن كثير من أصحاب عيسى إلى أخيه أبي العساكر، فانهزم عيسى ثم عاد وحمل في نفر من أصحابه، فتوسط المعركة فقتل، واستولى أبو العساكر على البلاد، ونهبها ثلاثة أيام، فأجحف بأهلها.
ذكر ملك الروم مدينة الرها
في هذه السنة ملك الروم مدينة الرها، وكان سبب ذلك أن الرها كانت بيد نصر الدولة بن مروان، كما ذكرناه، فلما قتل عطير الذي كان صاحبها، شفع صالح بن مرداس، صاحب حلب، إلى نصر الدولة ليعيد الرها إلى ابن عطير، وإلى ابن شبل، بينهما نصفين، فقبل شفاعته، وسلمها إليهما.
وكان له في الرها برجان حصينان أحدهما أكبر من الآخر، فتسلم ابن عطير الكبير، وابن شبل الصغير، وبقيت المدينة معهما إلى هذه السنة، فراسل ابن عطير أرمانوس ملك الروم، وباعه حصته من الرها بعشرين ألف دينار، وعدة قرايا من جملتها قرية تعرف إلى الآن بسن ابن عطير، وتسلموا البرج الذي له، ودخلوا البلد فملكوه، وهرب منه أصحاب ابن شبل، وقتل الروم المسلمين، وخربوا المساجد.
وسمع نصر الدولة الخبر، فسير جيشاً إلى الرها، فحصروها وفتحوها عنوة، واعتصم من بها من الروم بالبرجين، واحتمى النصارى بالبيعة التي لهم، وهي من أكبر البيع وأحسنها عمارة، فحصرهم المسلمون بها، وأخرجوهم، وقتلوا أكثرهم، ونهبوا البلد، وبقي الروم في البرجين، وسير إليهم عسكراً نحو عشرة آلاف مقاتل، فانهزم أصحاب ابن مروان من بين أيديهم، ودخلوا البلد وما جاورهم من بلاد المسلمين، وصالحهم ابن وثاب النميري على حران وسروج وحمل إليهم خراجاً.
ذكر ملك مسعود كرمان
وعود عسكره عنهاوفيها سارت عساكر خراسان إلى كرمان فملكوها، وكانت للملك أبي كاليجار، فاحتمى عسكره بمدينة بردسير، وحصرهم الخراسانيون فيها، وجرى بينهم عدة وقائع، وأرسلوا إلى الملك أبي كاليجار يطلبون المدد، فسير إليهم العادل بهرام بن مافنة في عسكر كثيف، ثم إن الذين ببردسير خرجوا إلى الخراسانية فواقعوهم، واشتد القتال، وصبوا لهم، فأجلت الوقعة عن هزيمة الخراسانية، وتبعهم الديلم حتى أبعدوا، ثم عادوا إلى بردسير.
ووصل العادل عقيب ذلك إلى جيرفت، وسير عسكره إلى الخراسانية، وهم بأطراف البلاد، فواقعوهم، فانهزم الخراسانية، ودخلوا المفازة عائدين إلى خراسان، وأقام العادل بكرمان إلى أن أصلح أمورها وعاد إلى فارس.ز
ذكر وفاة القادر بالله وشيء من سيرته وخلافة القائم بأمر اللهفي هذه السنة، في ذي الحجة، توفي الإمام القادر بالله، أمير المؤمنين، وعمره ست وثمانون سنة وعشرة أشهر، وخلافته إحدى وأربعون سنة وثلاثة أشهر وعشرون يوماً، وكانت الخلافة قبله قد طمع فيها الديلم والأتراك، فلما وليها القادر بالله أعاد جدتها، وجدد ناموسها، وألقى الله هيبته في قلوب الخلق، فأطاعوه أحسن طاعة وأتمها.
وكان حليماً، كريماً، خيراً يحب الخير وأهله، ويأمر به، وينهى عن الشر ويبغض أهله، وكان حسن الاعتقاد، صنف فيه كتاباً على مذهب السنة.
ولما توفي صلى عليه ابنه القائم بأمر الله، وكان القادر بالله أبيض، حسن الجسم، كث اللحية، طويلها، يخضب، وكان يخرج من داره في زي العامة، ويزور قبور الصالحين، كقبر معروف وغيره، وإذا وصل إليه حال أمر فيه بالحق.
قال القاضي الحسين بن هارون: كان بالكرخ ملك ليتيم، وكان له فيه قيمة جيدة، فأرسل إلي ابن حاجب النعمان، وهو حاجب القادر، يأمرني أن أفك عنه الحجر ليشتري بعض أصحابه ذلك الملك، فلم أفعل، فأرسل يستدعيني، فقلت لغلامه: تقدمني حتى ألحقك، وخفته، فقصدت قبر معروف، فدعوت الله أن يكفيني شره، وهناك شيخ، فقال لي: على من تدعو؟ فذكرت له ذلك، ووصلت إلى ابن حاجب النعمان، فأغلظ لي في القول، ولم يقبل عذري، فأتاه خادم برقعة، ففتحها وقرأها وتغير لونه، ونزل من الشدة، فاعتذر إلي ثم قال: كتبت إلى الخليفة قصة؟ فقلت: لا. وعلمت أن ذلك الشيخ كان الخليفة.
وقيل: كان يقسم إفطاره كل ليلة ثلاثة أقسام: فقسم كان يتركه بين يديه، وقسم يرسله إلى جامع الرصافة، وقسم يرسله إلى جامع المدينة، يفرق على المقيمين فيهما، فاتفق أن الفراش حمل ليلة الطعام إلى جامع المدينة، ففرقه على الجماعة، فأخذوا، إلا شاباً فإنه رده.
فلما صلوا المغرب خرج الشاب، وتبعه الفراش، فوقف على باب فاستطعم، فأطعموه كسيرات فأخذها وعاد إلى الجامع، فقال له الفراش: ويحك ألا تستحي؟ ينفذ إليك خليفة الله بطعام حلال فترده وتخرج وتأخذ من الأبواب! فقال: والله ما رددته إلا لأنك عرضته علي قبل المغرب، وكنت غير محتاج إليه، فلما احتجت طلبت، فعاد الفراش فأخبر الخليفة بذلك فبكى وقال له: راع مثل هذا، واغتنم أخذه، وأقم إلى وقت الإفطار.
وقال أبو الحسن الأبهري: أرسلني بهاء الدولة إلى القادر بالله في رسالة، فسمعته ينشد:
سبق القضاء بكل ما هو كائن، ... والله يا هذا لرزقك ضامن
تعنى بما يفنى، وتترك ما به ... تغنى، كأنك للحوادث آمن
أوما ترى الدنيا ومصرع أهلها، ... فاعمل ليوم فراقها، يا حائن
واعلم بأنك لا أبا لك في الذي ... أصبحت تجمعه لغيرك خازن
يا عامر الدنيا أتعمر منزلاً ... لم يبق فيه مع المنية ساكن
الموت شيء أنت تعلم أنه ... حق، وأنت بذكره متهاون
إن المنية لا تؤامر من أتت ... في نفسه يوماً ولا تستأذن
فقلت: الحمد لله الذي وفق أمير المؤمنين لإنشاد مثل هذه الأبيات. فقال: بل لله المنة إذ ألزمنا بذكره، ووفقنا لشكره، ألم تسمع قول الحسن البصري في أهل المعاصي: هانوا عليه فعصوه، ولو عزوا عليه لعصمهم، ومناقبه كثيرة.
؟؟؟
ذكر خلافة القائم بأمر اللهلما مات القادر بالله جلس ابنه القائم بأمر الله، وأبو جعفر عبد الله، وجددت له البيعة، وكان أبوه قد بايع له بولاية العهد سنة إحدى عشرين، كما ذكرناه، واستقرت الخلافة له، وأول من بايعه الشريف أبو القاسم المرتضى، وأنشده:
فإما مضى جبل وانقضى ... فمنك لنا جبل قد رسا
وإما فجعنا ببدر التمام، ... فقد بقيت منه شمس الضحى
لنا حزن في محل السرور، ... وكم ضحك في خلال البكا
فيا صارم أغمدته يد، ... لنا بعدك الصارم المنتضى
وهي أكثر من هذا. وأرسل القائم بأمر الله قاضي القضاة أبا الحسن الماوردي إلى الملك أبي كاليجار ليأخذ عليه البيعة، ويخطب له في بلاده، فأجاب وبايع، وخطب له في بلاده، وأرسل إليه هدايا جليلة وأموالاً كثيرة.
؟؟؟؟
ذكر الفتنة ببغدادفي هذه السنة، في ربيع الأول، تجددت الفتنة ببغداد بين السنة والشيعة.
وكان سبب ذلك أن الملقب بالمذكور أظهر العزم على الغزاة، واستأذن الخليفة في ذلك، فأذن له، وكتب له منشور من دار الخلافة، وأعطى علماً، فاجتمع له لفيف كثير، فسار واجتاز بباب الشعير، وطاق الحراني، وبين يديه الرجال بالسلاح، فصاحوا بذكر أبي بكر وعمر، رضي الله عنهما، وقالوا: هذا يوم معاوية، فنافرهم أهل الكرخ ورموهم، وثارت الفتنة، ونهبت دور اليهود لأنهم قيل عنهم إنهم أعانوا أهل الكرخ.
فلما كان الغد اجتمع السنة من الجانبين، ومعهم كثير من الأتراك، وقصدوا الكرخ، فأحرقوا وهدموا الأسواق، وأشرف أهل الكرخ على خطة عظيمة. وأنكر الخليفة ذلك إنكاراً شديداً، ونسب إليهم تخريق علامته التي مع الغزاة، فركب الوزير، فوقعت في صدره آجرة، فسقطت عمامته،وقتل من أهل الكرخ جماعة، وأحرق وخرب في هذه الفتنة سوق العروس، وسوق الصفارين، وسوق الأنماط، وسوق الدقاقين، وغيرها، واشتد الأمر، فقتل العامة الكلالكي، وكان ينظر في المعونة، وأحرقوه.
ووقع القتال في أصقاع البلد من جانبيه، وقتل أهل الكرخ، ونهر طابق، والقلائين، وباب البصرة، وفي الجانب الشرقي أهل سوق الثلاثاء، وسوق يحيى، وباب الطاق، والأساكفة، والرهادرة، ودرب سليمان، فقطع الجسر ليفرق بين الفريقين، ودخل العيارون البلد، وكثر الاستقفاء بها والعملات ليلاً ونهاراً. وأظهر الجند كراهة الملك جلال الدولة، وأرادوا قطع خطبته، ففرق فيهم مالاً وحلف لهم فسكنوا، ثم عاودوا الشكوى إلى الخليفة منه، وطلبوا أن يأمر بقطع خطبته، فلم يجبهم إلى ذلك، فامتنع حينئذ جلال الدولة من الجلوس، وضربه النوبة أوقات الصلوات، وانصرف الطبالون لانقطاع الجاري لهم، ودامت هذه الحال إلى عيد الفطر، فلم يضرب بوق، ولا طبل، ولا أظهرت الزينة، وزاد الاختلاط.
ثم حدث في شوال فتنة بين أصحاب الأكيسة وأصحاب الخلعان، وهما شيعة، وزاد الشر، ودام إلى ذي الحجة، فنودي في الكرخ بإخراج العيارين، فخرجوا، واعترض أهل باب البصرة قوماً من قم أرادوا زيارة مشهد علي والحسين، عليهما السلام، فقتلوا منهم ثلاثة نفر، وامتنعت زيارة مشهد موسى ابن جعفر.
ذكر ملك الروم قلعة أفاميةفي هذه السنة ملك الروم قلعة أفامية بالشام.
وسبب ملكها أن الظاهر خليفة مصر سير إلى الشام الدزبري، وزيره، فملكه، وقصد حسان بن المفرج الطائي، فألح في طلبه، فهرب منه، ودخل بلد الروم، ولبس خلعة ملكهم، وخرج من عنده وعلى رأسه علم فيه صليب، ومعه عسكر كثير، فسار إلى أفامية فكبسها، وغنم ما فيها، وسبى أهلها، وأسرهم، وسير الدزبري إلى البلاد يستنفر الناس للغزو.
ذكر الوحشة بين بارسطغان وجلال الدولةاجتمع أصاغر الغلمان هذه السنة إلى جلال الدولة، وقالوا له: قد هلكنا فقراً وجوعاً، وقد استبد القواد بالدولة والأموال عليك وعلينا، وهذا بارسطغان ويلدرك قد أفقرانا وأفقراك أيضاً.
فلما بلغهما ذلك امتنعا من الركوب إلى جلال الدولة، واستوحشا، وأرسل إليهما الغلمان يطالبونهما بمعلومهم، فاعتذرا بضيق أيديهما عن ذلك، وسارا إلى المدائن. فندم الأتراك على ذلك، وأرسل إليهما جلال الدولة إلى أن نهبوا من داره فرشاً، وآلات، ودواب، وغير ذلك، فركب وقت الهاجرة إلى دار الخلافة، ومعه نفر قليل من الركابية والغلمان وجمع كثير من العامة وهو سكران، فانزعج الخليفة من حضوره، فلما علم الحال أرسل إليه يأمره بالعود إلى داره، ويطيب قلبه، فقبل قربوس سرجه، ومسح حائط الدار بيده وأمرها على وجهه، وعاد إلى داره والعامة معه.
ذكر عدة حوادثفي هذه السنة قبل قاضي القضاة أبو عبيد الله بن ماكولا شهادة أبي الفضل محمد بن عبد العزيز بن الهادي، والقاضي أبي الطيب الطبري، وأبي الحسين ابن المهتدي، وشهد عنده أبو القاسم بن بشران، وكان قد ترك الشهادة قبل ذلك.
وفيها فوض مسعود بن محمود بن سبكتكين إمارة الري، وهمذان، والجبال إلى تاش فراش، وكتب له إلى عامل نيسابور بإنفاق الأموال على حشمه، ففعل ذلك وسار إلى عمله، وأساء السيرة فيه.
وفيها، في رجب، أخرج الملك جلال الدولة دوابه من الإصطبل، وهي خمس عشرة دابة، وسيبها في المديان بغير سائس، ولا حافظ، ولا علف، فعل ذلك لسببين: أحدهما عدم العلف، والثاني أن الأتراك كانوا يلتمسون دوابه، ويطلبونها كثيراً، فضجر منهم، فأخرجها وقال: هذه دوابي منها: خمس لمركوبي، والباقي لأصحابي، ثم صرف حواشيه، وفراشيه، وأتباعه، وأغلق باب داره لانقطاع الجاري له، فثارت لذلك فتنة بين العامة والجند، وعظم الأمر، وظهر العيارون.
وفيها عزل عميد الدولة وزير جلال الدولة، ووزر بعده أبو الفتح محمد ابن الفضل بن أردشير، فبقي أياماً، ولم يستقم أمره، فعزل، ووزر بعده أبو إسحاق إبراهيم بن أبي الحسين، وهو ابن أخي أبي الحسين السهلي، وزير مأمون صاحب خوارزم، فبقي في الوزارة خمسة وخمسين يوماً وهرب.
وفيها توفي عبد الوهاب بن علي بن نصر أبو نصر الفقيه المالكي بمصر، وكان ببغداد، ففارقها إلى مصر عن ضائقة، فأغناه المغاربة.
ثم دخلت سنة ثلاث وعشرين وأربعمائة
ذكر وثوب الأجناد بجلال الدولة
وإخراجه من بغداد
في هذه السنة، في ربيع الأول، تجددت الفتنة بين جلال الدولة وبين الأتراك، فأغلق بابه، فجاءت الأتراك ونهبوا داره، وسلبوا الكتاب وأرباب الديوان ثيابهم، وطلبوا الوزير أبا إسحاق السهلي، فهرب إلى حلة كمال الدولة غريب بن محمد، وخرج جلال الدولة إلى عكبرا في شهر ربيع الآخر، وخطب الأتراك ببغداد للملك أبي كاليجار، وأرسلوا إليه يطلبونه وهو بالأهواز، فمنعه العادل بن مافنة عن الإصعاد إلى أن يحضر بعض قوادهم.
فلما رأوا امتناعه من الوصول إليهم، أعادوا خطبة جلال الدولة، وساروا إليه، وسألوه العود إلى بغداد، واعتذروا، فعاد إليها بعد ثلاثة وأربعين يوماً، ووزر له أبو القاسم بن ماكولا، ثم عزل، ووزر بعده عميد الدولة أبو سعد ابن عبد الرحيم، فبقي وزيراً أياماً ثم استتر.
وسبب ذلك أن جلال الدولة تقدم إليه بالقبض على أبي المعمر إبراهيم بن الحسين البسامي، طمعاً في ماله، فقبض عليه، وجعله في داره، فثار الأتراك وأرادوا منعه، وقصدوا دار الوزير، وأخذوه وضربوه، وأخرجوه من داره حافياً، ومزقوا ثيابه، وأخذوا عمامته وقطعوها، وأخذوا خواتيمه من يده، فدميت أصابعه، وكان جلال الدولة في الحمام، فخرج مرتاعاً، فركب وظهر لينظر ما الخبر، فأكب الوزير يقبل الأرض، ويذكر ما فعل به، فقال جلال الدولة: أنا ابن بهاء الدولة، وقد فعل بي أكثر من هذا، ثم أخذ من البسامي ألف دينار وأطلقه، واختفى الوزير.
ذكر انهزام علاء الدولة بن كاكويه من عسكر مسعود بن محمود بن سبكتكينقد ذكرنا انهزام علاء الدولة أبي جعفر من الري ومسيره عنها، فلما وصل إلى قلعة فردجان أقام بها لتندمل جراحه، ومعه فرهاذ بن مرداويج، وكان قد جاءه مدداً له، وتوجهوا منها إلى بروجرد، فسير تاش فراش مقدم عسكر خراسان إلى علاء الدولة، واستعمل عليهم علي بن عمران، فسار يقص أثر علاء الدولة، فلما قارب بروجرد صعد فرهاذ إلى قلعة سليموه، ومضى أبو جعفر إلى سابور خواست، ونزل عند الأكراد الجوزقان.
وملك عسكر خراسان بروجرد، وراسل فرهاذ الأكراد الذي مع علي ابن عمران، واستمالهم، فصاروا معه، وأرادوا أن يفتكوا بعلي، وبلغه الخبر فركب ليلاً في خاصته وسار نحو همذان، ونزل في الطريق بقرية تعرف بكسب، وهي منيعة، فاستراح فيها، فلحقه فرهاذ وعسكره والأكراد الذين صاروا معه وحصروه في القرية، فاستسلم وأيقن بالهلاك، فأرسل الله تعالى ذلك اليوم مطراً وثلجاً، فلم يمكنهم المقام عليه لأنهم كانوا جريدة بغير خيام ولا آلة شتاء، فرحلوا عنه، وراسل علي بن عمران الأمير تاش فراش يستنجده ويطلب العسكر إلى همذان، ثم اجتمع فرهاذ وعلاء الدولة ببروجرد، واتفقا على قصد همذان، وسير علاء الدولة إلى أصبهان، وبها ابن أخيه، يطلبه، وأمره بإحضار السلاح والمال، ففعل وسار. فبلغ خبره علي بن عمران، فسار إليه من همذان جريدة، فكبسه بجرباذقان، وأسره واسر كثيراً من عسكره، وقتل منهم، وغنم ما معه من سلاح ومال غير ذلك.
ولما سار علي عن همذان دخلها علاء الدولة، وملكها ظناً منه أن علياً سار منهزماً، وسار علاء الدولة من همذان إلى كرج، فأتاه خبر ابن أخيه ففت في عضده.
وكان علي بن عمران قد سار بعد الوقعة إلى أصبهان طامعاً في الاستيلاء عليها، وعلى مال علاء الدولة وأهله، فتعذر عليه ذلك، ومنعه أهلها والعسكر الذي فيها، فعاد عنها، فلقيه علاء الدولة وفرهاذ، فاقتتلوا، فانهزم منهما، واخذا ما معه من الأسرى، إلا أبا منصور ابن أخي علاء الدولة، فإنه كان قد سيره إلى تاش فراش، وسار علي من المعركة منهزماً نحو تاش فراش، فلقيه بكرج فعاتبه على تأخره عنه، واتفقا على المسير إلى علاء الدولة وفرهاذ، وكان قد نزل بجبل عند بروجرد متحصناً فيه، فافترق تاش وعلي وقصداه من جهتين: إحداهما من خلفه، والأخرى من الطريق المستقيم، فلم يشعر إلا وقد خالطه العسكر، فانهزم علاء الدولة وفرهاذ، وقتل كثير من رجالهما، فمضى علاء الدولة إلى أصبهان، وصعد فرهاذ إلى قلعة سليموه فتحصن بها.
ذكر عدة حوادثفي هذه السنة توفي قدرخان ملك الترك بمار وراء النهر.
وفيها ورد أحمد بن محمد المنكدري الفقيه الشافعي رسولاً من مسعود ابن سبكتكين إلى القائم بأمر الله معزياً له بالقادر بالله.
وفيها نقل تابوت القادر بالله إلى المقبرة بالرصافة، وشهده الخلق العظيم، وحجاج خراسان، وكان يوماً مشهوداً.
وفيها كان بالبلاد غلاء شديد، واستسقى الناس فلم يسقوا، وتبعه وباء عظيم، وكان عاماً في جميع البلاد بالعراق، والموصل، والشام، وبلد الجبل، وخراسان، وغزنة، والهند، وغير ذلك، وكثر الموت، فدفن في أصبهان، في عدة أيام، أربعون ألف ميت، وكثر الجدري في الناس، فأحصي بالموصل أنه مات به أربعة آلاف صبي، ولم تخل دار من مصيبة لعموم المصائب، وكثرة الموت، وممن جدر القائم بأمر الله وسلم.
وفيها جمع نائب نصر الدولة بن مروان بالجزيرة جمعاً ينيف على عشرة آلاف رجل، وغزا من يقاربه من الأرمن، وأوقع بهم، وأثخن فيهم، وغنم وسبى كثيراً، وعاد ظافراً منصوراً.
وفيها كان بن أهل تونس من إفريقية خلف، فسار المعز بن باديس إليهم بنفسه، فأصلح بينهم، وسكن الفتنة وعاد.
وفيها اجتمع ناس كثير من الشيعة بإفريقية، وساروا إلى أعمال نفطة، فاستولوا على بلد منها وسكنوه، فجرد إليهم المعز عسكراً، فدخلوا البلاد وحاربوا الشيعة وقتلوهم أجمعين.
وفيها خرجت العرب على حاج البصرة ونهبوهم، وحج الناس من سائر البلاد إلا من العراق.
وفيها توفي أبو الحسن بن رضوان المصري، النحوي، في رجب.
وفيها قتل الملك أبو كاليجار صندلاً الخصي، وكان قد استولى على المملكة، وليس لأبي كاليجار معه غير الاسم.
وفيها توفي علي بن أحمد بن الحسن بن محمد بن نعيم أبو الحسن النعيمي البصري، حدث عن جماعة، وكان حافظاً، شاعراً، فقيهاً على مذهب الشافعي.
ثم دخلت سنة أربع وعشرين وأربعمائة
ذكر عود مسعود إلى غزنة
والفتن بالري وبلد الجبلفي هذه السنة، في رجب، عاد الملك مسعود بن سبكتكين من نيسابور إلى غزنة وبلاد الهند.
وكان سبب ذلك أنه لما كان قد استقر له الملك بعد أبيه أقر بما كان قد فتحه أبوه من الهند نائباً يسمى أحمد ينالتكين، وقد كان أبوه محمد استنابه بها ثقة بجلده ونهضته، فرست قدمه فيها، وظهرت كفايته.
ثم إن مسعوداً بعد فراغه من تقرير قواعد الملك، والقبض على عمه يوسف والمخالفين له، سار إلى خراسان عازماً على قصد العراق، فلما أبعد عصى ذلك النائب بالهند، فاضطر مسعود إلى العود، فأرسل إلى علاء الدولة بن كاكويه وأمره على أصبهان بقرار يؤديه كل سنة، وكان علاء الدولة قد أرسل يطلب ذلك، فأجابه إليه، وأقر ابن قابوس بن وشمكير على جرجان وطبرستان على مال يؤديه إليه، وسير أبا سهل الحمدوني إلى الري للنظر في أمور هذه البلاد الجبلية، والقيام بحفظها، وعاد إلى الهند، فأصلح الفاسد، وأعاد المخالف إلى طاعته، وفتح قلعة حصينة تسمى سرستي، على ما نذكره، وقد كان أبوه حصرها غير مرة فلم يتهيأ له فتحها.
ولما سار أبو سهل إلى الري أحسن الناس، وأظهر العدل، فأزال الأقساط والمصادرات، وكان تاش فراش قد ملأ البلاد ظلماً وجوراً، حتى تمنى الناس الخلاص منهم ومن دولتهم، وخربت البلاد، وتفرق أهلها، فلما ولي الحمدوني، وأحسن، وعدل، عادت البلاد فعمرت، والرعية أمنت، وكان الإرجاف شديداً بالعراق، لما كان الملك مسعود بنيسابور، فلما عاد سكن الناس واطمأنوا.
ذكر ظفر مسعود بصاحب ساوة وقتلهفيها قبض عسكر السلطان مسعود بن محمود على شهريوش بن ولكين، فأمر به مسعود فقتل وصلب على سور ساوة.
وكان سبب ذلك أن شهريوش كان صاحب ساوة وقم وتلك النواحي، فلما اشتغل مسعود بأخيه محمد بعد موت والده جمع شهريوش جمعاً وسار إلى الري محاصراً لها، فلم يتم ما أراده، وجاءت العساكر فعاد عنها.
ثم في هذه السنة اعترض الحجاج الواردين من خراسان، وعمهم أذاه، وأخذ منهم ما لم تجر عادة، وأساء إليهم، وبلغ ذلك إلى مسعود، فتقدم إلى تاش فراش، وإلى أبي الطيب طاهر بن عبد الله خليفته معه، يطلب شهريوش وقصده أين كان، واستنفاد الوسع في قتاله، فسارت العساكر في أثره، فاحتمى بقلعة تقارب قم تسمى فستق، وهي حصينة، عالية المكان، وثيقة البنيان، فأحاطوا به وأخذوه، وكتبوا إلى مسعود في أمره، فأمرهم بصلبه على سور ساوة.
ذكر استيلاء جلال الدولة على البصرة
وخروجها عن طاعتهفي هذه السنة سارت عساكر جلال الدولة مع ولده الملك العزيز فدخلوا البصرة في جمادى الأولى.
وكان سبب ذلك أن بختيار متولي البصرة تولى فقام بعد ظهير الدين أبو القاسم خال ولده لجلد كان فيه، وكفاية، وهو في طاعة الملك أبي كاليجار، ودام كذلك، فقيل لأبي كاليجار: إن أبا القاسم ليس لك من طاعته غير الاسم، ولو رمت عزله لتعذر عليك.
وبلغ ذلك ابا القاسم، فاستعد للامتناع، وأرسل أبو كاليجار إليه ليعزله فامتنع، وأظهر طاعة جلال الدولة، وخطب له، وأرسل إلى ابنه، وهو بواسط، يطلبه، فانحدر إليه في عساكر أبيه التي كانت معه بواسط، ودخلوا البصرة مع أبي القاسم إلى أن دخلت سنة خمس وعشرين وليس له معه أمر، والحكم إلى أبي القاسم.
ثم إنه أراد القبض على بعض الديلم، فهرب ودخل دار الملك العزيز مستجيراً، فاجتمع الديلم إليه، وشكوا من أبي القاسم، فصادفت شكواهم صدراً موغراً حنقاً عليه لسوء صحبته، فأجابهم إلى ما أرادوه من إخراجه عن البصرة، واجتمعوا، وعلم أبو القاسم بذلك، فامتنع بالأبلة، وجمع أصحابه، وجرى بين الفريقين حروب كثيرة أجلت عن خروج العزيز عن البصرة وعوده إلى واسط، وعود أبي القاسم إلى طاعة أبي كاليجار.
ذكر إخراج جلال الدولة من دار المملكة
وإعادته إليهافي هذه السنة، في رمضان، شغب الجند على جلال الدولة، وقبضوا عليه، ثم أخرجوه من داره، ثم سألوه ليعود إليها فعاد.
وسبب ذلك أنه استقدم الوزير أبا القاسم من غير أن يعلموا، فلما قدم ظنوا أنه إنما ورد للتعرض إلى أموالهم ونعمهم، فاستوحشوا واجتمعوا إلى داره وهجموا عليه، وأخرجوه إلى مسجد هناك، فوكلوا به فيه، ثم إنهم أسمعوه ما يكره، ونهبوا بعض ما في داره، فلما وكلوا به جاء بعض القواد في جماعة من الجند، ومن انضاف إليه من العامة والعيارين، فأخرجه من المسجد وأعاده إلى داره، فنقل جلال الدولة ولده وحرمه وما بقي له إلى الجانب الغربي، وعبر هو في الليل إلى الكرخ، فلقيه أهل الكرخ بالدعاء، فنزل بدار المرتضى، وعبر الوزير أبو القاسم معه.
ثم إن الجند اختلفوا، فقال بعضهم: نخرجه من بلادنا ونملك غيره. وقال بعضهم: ليس من بني بويه غير وغير أبي كاليجار، وذلك قد عاد إلى بلاده، ولا بد من مداراة هذا. فأرسلوا إليه يقولون له: نريد أن تنحدر عنا إلى واسط، وأنت ملكنا، وتترك عندنا بعض أولادك الأصاغر. فأجابهم إلى ذلك، وأرسل سراً إلى الغلمان الأصاغر فاستمالهم، إلى كل واحد من الأكابر، وقال: إنما أثق بك، وأسكن إليك، واستمالهم أيضاً، فعبروا إليه، وقبلوا الأرض بين يديه، وسألوه العود إلى دار الملك، فعاد، وحلف لهم على إخلاص النية، والإحسان إليهم، وحلفوا له على المناصحة، واستقر في داره.
ذكر عدة حوادثفي هذه السنة توفي الوزير أحمد بن الحسن الميمندي، وزير مسعود بن سبكتكين، ووزر بعده أبو نصر أحمد بن علي بن عبد الصمد، وكان وزير هارون التونتاش، صاحب خوارزم، ووزر بعده لهارون ابنه عبد الجبار.
وفيها ثار العيارون ببغداد، وأخذوا أموال الناس ظاهراً، وعظم الأمر على أهل البلد، وطمع المفسدون إلى حد أن بعض القواد الكبار أخذ أربعة من العيارين، فجاء عقيدهم وأخذ من اصحاب القائد أربعة، وحضر باب داره ودق عليه الباب، فكلمه من داخل، فقال العقيد: قد أخذت من أصحابك أربعة، فإن أطلقت من عندك أطلقت من عندي، وإلا قتلتهم، وأحرقت دارك! فأطلقهم القائد.
وفيها تأخر الحاج من خراسان.
وفيها خرج حجاج البصرة بخفير، فغدر بهم ونهبهم.وفيها، في جمادى الأولى، توفي أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن البيضاوي، الفقيه الشافعي، عن نيف وثمانين سنة.
وفيها، في شوال، توفي أبو الحسن بن السماك القاضي عن خمس وتسعين سنة.
ثم دخلت سنة خمس وعشرين وأربعمائة
ذكر فتح قلعة سرستي
وغيرها من بلد الهندفي هذه السنة فتح السلطان مسعود بن محمود بن سبكتكين قلعة سرستي وما جاورها من بلد الهند.
وكان سبب ذلك ما ذكرناه من عصيان نائبه بالهند أحمد ينالتكين عليه ومسيره إليه فلما عاد أحمد إلى طاعته أقام بتلك البلاد طويلاً حتى أمنت واستقرت، وقصد قلعة سرستي، وهي من أمنع حصون الهند وأحصنها، فحصرها، وقد كان أبوه حصرها غير مرة، فلم يتهيأ له فتحها، فلما حصرها مسعود راسله صاحبها، وبذل له مالاً على الصلح، فأجابه إلى ذلك.
وكان فيها قوم من التجار المسلمين، فعزم صاحبها على أخذ أموالهم وحملها إلى مسعود من جملة القرار عليه، فكتب التجار رقعة في نشابة ورموا إليه يعرفونه فيها ضعف الهنود بها، وأنه إن صابرهم ملكهم فرجع عن الصلح إلى الحرب، وطم خندقها بالشجر وقصب السكر وغيره، وفتح الله عليه، وقتل كل من فيها، سبى ذراريهم، وأخذ ما جاورها من البلاد، وكان عازماً على طول المقام والجهاد، فأتاه من خراسان خبر الغز، فعاد، على ما نذكره إن شاء الله تعالى.
ذكر حصر قلعة بالهند أيضاً
لما ملك مسعود قلعة سرستي رحل عنها إلى قلعة نغسى، فوصل إليها عاشر صفر، وحصرها فرآها عالية لا ترام، يرتد البصر دونها وهو حسير، إلا أنه أقام عليها يحصرها، فخرجت عجوز ساحرة، فتكلمت باللسان الهندي طويلاً، وأخذت مكنسة فبلتها بالماء ورشته منها إلى جهة عسكر المسلمين، فمرض وأصبح ولا يقدر أن يرفع رأسه، وضعفت قوته ضعفاً شديداً، فرحل عن القلعة لشدة المرض، فحين فارقها زال ما كان به، وأقبلت الصحة والعافية إليه، وسار نحو غزنة.
؟؟
ذكر الفتنة بنيسابورلما اشتد أمر الأتراك بخراسان، على ما نذكره، تجمع كثير من المفسدين وأهل العيث والشر، وكان أول من أثار الشر أهل أبيورد وطوس، واجتمع معهم خلق كثير، وساروا إلى نيسابور لينهبوها، وكان الوالي عليها قد سار عنها إلى الملك مسعود، فخافهم خوفاً عظيماً، وأيقنوا بالهلاك.
فبينما هم يترقبون البوار والاستئصال، وذهاب الأنفس والأموال، إذ وصل إليهم أمير كرمان في ثلاثمائة فارس، قدم متوجهاً إلى مسعود أيضاً، فاستغاث به المسلمون، وسألوه أن يقيم عندهم ليكف عنهم الأذى، فأقام عليهم، وقاتل معهم، وعظم الأمر، واشتدت الحرب، وكان الظفر له ولأهل نيسابور، فانهزم أهل طوس وأبيورد ومن تبعهم، وأخذتهم السيوف من كل جانب، وعمل بهم أمير كرمان أعمالاً عظيمة، وأثخن فيهم، وأسر كثيراً منهم، وصلبهم على الأشجار وفي الطرق، فقيل إنه عدم من أهل طوس عشرون ألف رجل.
ثم إن أمير كرمان أحضر زعماء قرى طوس، وأخذ أولادهم وإخوانهم وغيرهم من أهليهم رهائن، فأودعهم السجون، وقال: إن اعترض منكم واحد إلى أهل نيسابور أو غيرهم، أو قطع طريقاً، فأولادكم، وإخوانكم، ورهائنكم مأخوذون بجناياتكم. فسكن الناس، وفرج الله عن أهل نيسابور بما لم يكن في حسابهم.
ذكر الحرب بين علاء الدولة وعسكر خراسانفي هذه السنة اجتمع علاء الدولة بن كاكويه وفرهاذ بن مرداويج، واتفقا على قتال عسكر مسعود بن محمود بن سبكتكين، وكانت العساكر قد خرجت من خراسان مع أبي سهل الحمدوني، فالتقوا واقتتلوا قتالاً شديداً صبر فيه الفريقان، ثم انهزم علاء الدولة، وقتل فرهاذ، واحتمى علاء الدولة بجبال بين أصبهان وجرباذقان، ونزل عسكر مسعود بكرج.
وأرسل أبو سهل إلى علاء الدولة يقول له ليبذل المال، ويراجع الطاعة ليقره على ما بقي من البلاد، ويصلح حاله مع مسعود. فترددت الرسل، فلم يستقر بينهم أمر فسار أبو سهل إلى أصبهان فملكها، وانهزم علاء الدولة من بين يديه لما خاف الطلب إلى إيذج، وهي للملك أبي كاليجار.
ولما استولى أبو سهل على أصبهان نهب خزائن علاء الدولة وأمواله، وكان أبو علي بن سينا في خدمة علاء الدولة، فأخذت كتبه حملت إلى غزنة فجعلت في خزائن كتبها إلى أن أحرقها عساكر الحسين بن الحسين الغوري، على ما نذكره إن شاء الله تعالى.
ذكر الحرب بين نور الدولة دبيس وأخيه ثابتفي هذه السنة كانت حرب شديدة بين دبيس بن علي بن مزيد وأخيه أبي قوام ثابت بن علي بن مزيد.
وسبب ذلك أن ثابتاً كان يعتضد بالبساسيري ويتقرب إليه، فلما كان سنة أربع وعشرين وأربعمائة سار البساسيري معه إلى قتال أخيه دبيس، فدخلوا النيل واستولوا عليه وعلى أعمال نور الدولة، فسير نور الدولة إليهم طائفة من أصحابه، فقاتلوهم فانهزموا، فلما رأى دبيس هزيمة أصحابه سار عن بلده، وبقي ثابت فيه إلى الآن، فاجتمع دبيس وأبو المغرا عنازا ابن المغرا، وبنو أسد وخفاجة، وأعانه ابو كامل منصور بن قراد، وساروا جريدة لإعادة دبيس إلى بلده وأعماله، وتركوا حللهم بين خصاوحربى.
فلما ساروا لقيهم ثابت عند جرجرايا، وكانت بينهم حرب قتل فيها جماعة من الفريقين، ثم تراسلوا واصطلحوا ليعود دبيس إلى أعماله، ويقطع أخاه ثابتاً إقطاعاً، وتحالفوا على ذلك، وسار البساسيري نجدة لثابت، فلما وصل إلى النعمانية سمع بصلحهم، فعاد إلى بغداد.
ذكر ملك الروم قلعة بركويهذه قلعة متاخمة للأرمن في يد أبي الهيجاء بن ربيب الدولة، ابن أخت وهسوذان بن مملان، فتنافر هو وخاله، فأرسل خاله إلى الروم فأطمعهمم فيها، فسير الملك إليها جمعاً كثيراً فملكوها، فبلغ الخبر إلى الخليفة، فأرسل إلى أبي الهيجاء وخاله من يصلح بينهما ليتفقا على استعادة القلعة، فاصطلحا، ولم يتمكنا من استعادتها، واجتمع إليهما خلق كثير من المتطوعة، فلم يقدروا على ذلك لثبات قدم الروم بها.
ذكر عدة حوادثفي هذه السنة استوزر جلال الدولة عميد الدولة أبا سعد بن عبد الرحيم، وهي الوزارة الخامسة، وكان قبله في الوزارة ابن ماكولا، ففارقها وسار إلى عكبرا، فرده جلال الدولة إلى الوزارة، وعزل أبا سعد، فبقي أياماً، ثم فارقها إلى أوانا.
وفيها استخلف البساسيري في حماية الجانب الغربي ببغداد لأن العيارين اشتد أمرهم وعظم فسادهم، وعجز عنهم نواب السلطان، فاستعملوا البساسيري لكفايته ونهضته.
وفيها توفي أبو سنان غريب بن محمد بن مقن في شهر ربيع الآخر، في كرخ سامرا، وكان يلقب سيف الدولة، وكان قد ضرب دراهم سماها السيفية، وقام بالأمر بعده ابنه أبو الريان، وخلف خمسمائة ألف دينار، وأمر فنودي :قد أحللت كل من لي عنده شيء فحللوني كذلك، فحللوه، وكان عمره سبعين سنة.
وفيها توفي بدران بن المقلد، وقصد ولده عمه قرواشاً، فأقر عليه حاله وماله وولاية نصيبين، وكان بنو نمير قد طمعوا فيها وحصروها، فسار إليهم ابن بدران فدفعهم عنها.
وفيها توفي أرمانوس ملك الروم، وملك بعده رجل صيرفي ليس من بيت الملك، وإنما بنت قسطنطين اختارته.
وفيها كثرت الزلازل بمصر والشام، وكان أكثرها بالرملة، فإن أهلها فارقوا منازلهم عدة أيام، وانهدم منها نحو ثلثها، وهلك تحت الهدم خلق كثير.
وفيها كان بإفريقية مجاعة شديدة وغلاء.
وفيها قبض قرواش على البرجمي العيار وغرقه، وكان سبب ذلك أن قرواشاً قبض على ابن القلعي عامل عكبرا، فحضر البرجمي العيار عند قرواش مخاطباً في أمره لمودة بينهما، فأخذه قرواش وقبض عليه، فبذل مالاً كثيراً ليطلقه، فلم يفعل وغرقه، وكان هذا البرجمي قد عظم شأنه وزاد شره، وكبس عدة مخازن بالجانب الشرقي، وكبس دار المرتضى، ودار ابن عديسة، وهي مجاورة دار الوزير، وثار العامة بالخطيب يوم الجمعة، وقالوا: إما أن تخطب للبرجمي، وإلا فلا تخطب لسلطان ولا غيره، وأهلك الناس ببغداد، وحكاياته كثيرة، وكان مع هذا فيه فتوة، وله مروءة، لم يعرض إلى امرأة، ولا إلى من يستسلم إليه.
وفيها هبت ريح سوداء بنصيبين فقلعت من بساتينها كثيراً من الأشجار، وكان في بعض البساتين قصر مبني بجص وآجر وكلس، فقلعته من أصله.
وفيها كثر الموت بالخوانيق في كثير من بلاد العراق، والشام، والموصل، وخوزستان، وغيرها حتى كانت الدار يسد بابها لموت أهلها.
وفيها، في ذي القعدة انقض كوكب هال منظره الناس، وبعد بليلتين انقض شهاب آخر أعظم منه كأنه البرق ملاصق الأرض، وغلب على ضوء المشاعل، ومكث طويلاً حتى غاب أثره.
وفيها توفي أبو العباس الأيبوردي، الفقيه الشافعي، قاضي البصرة، وأبو بكر محمد بن أحمد بن غالب البرقاني، المحدث، الإمام المشهور، وكانت وفاته في رجب، والحسين بن عبد الله بن يحيى أبو علي البندنيجي، الفقيه الشافعي، وهو من أصحاب أبي حامد الأسفراييني، وعبد الوهاب بن عبد العزيز بن الحارث بن أسد أبو الفرج التميمي الفقيه الحنبلي.
ثم دخلت سنة ست وعشرين وأربعمائة
ذكر حال الخلافة والسلطنة ببغدادفي هذه السنة انحل أمر الخلافة والسلطنة ببغداد، حتى إن بعض الجند خرجوا إلى قرية يحيى، فلقيهم أكراد، فأخذوا دوابهم، فعادوا إلى قراح الخليفة القائم بأمر الله، فنهبوا شيئاً من ثمرته، وقالوا للعمالين فيه: أنتم عرفتم حال الأكراد ولم تعلمونا.
فسمع الخليفة الحال، فعظم عليه، ولم يقدر جلال الدولة على أخذ أولئك الأكراد لعجزه ووهنه، واجتهد في تسليم الجند إلى نائب الخليفة، فلم يمكنه ذلك، فتقدم الخليفة إلى القضاة بترك القضاء والامتناع عنه، وإلى الشهود بترك الشهادة، وإلى الفقهاء بترك الفتوى.
فلما رأى جلال الدولة ذلك سأل أولئك الأجناد ليجيبوه إلى أن يحملهم إلى ديوان الخلافة، ففعلوا، فلما وصلوا إلى دار الخلافة أطلقوا، وعظم أمر العيارين، وصاروا يأخذون الأموال ليلاً ونهاراً، ولا مانع لهم لأن الجند يحمونهم على السلطان ونوابه، والسلطان عاجز عن قهرهم، وانتشر العرب في البلاد فنهبوا النواحي، وقطعوا الطريق، وبلغوا إلى أطراف بغداد، حتى وصلوا إلى جامع المنصور، وأخذوا ثياب النساء في المقابر.
ذكر إظهار أحمد ينالتكين العصيان وقتلهفي سنة خمس وعشرين عاد مسعود بن محمود من الهند لقتال الغز، كما ذكرناه، فعاد أحمد ينالتكين إلى إظهار العصيان ببلاد الهند، وجمع الجموع، وقصد البلاد بالأذى، فسير إليه مسعود جيشاً كثيفاً، وكانت ملوك الهند تمنعه من الدخول إلى بلادهم، وسد منافذ هربه.
ولما وصل الجيش المنفذ إليه قاتلهم، فانهزم ومضى هارباً إلى الملتان، وقصد بعض ملوك الهند بمدينة بهاطية ومعه جمع كثير من عساكره الذين سلموا، فلم يكن لذلك الملك قدرة على منعه، وطلب منه سفناً ليعبر نهر السند، فأحضره له السفن.
وكان في وسط النهر جزيرة ظنها أحمد ومن معه متصلة بالبر من الجانب الآخر، ولم يعلموا أن الماء محيط بها، فتقدم ملك الهند إلى أصحاب السفن بإنزالهم في الجزيرة والعود عنهم، ففعلوا ذلك، وبقي أحمد ومن معه فيها وليس معهم طعام إلا ما معهم، فبقوا بها تسعة أيام، ففني زادهم، وأكلوا دوابهم، وضعفت قواهم، فأرادوا خوض الماء فلم يتمكنوا منه لعمقه وشدة الوحل فيه، فعبر الهند إليهم عسكرهم في السفن، وهم على تلك الحال، فأوقعوا بهم وقتلوا أكثرهم، وأخذوا ولداً لأحمد أسيراً، فلما رآه أحمد على تلك الحال قتل نفسه، واستوعب أصحابه القتل والأسر والغرق.
ذكر ملك مسعود جرجان وطبرستانكان الملك مسعود قد أقر دارا بن منوجهر بن قابوس على جرجان وطبرستان وتزوج أيضاً بابنة أبي كاليجار القوهي، مقدم جيش دارا، واقيم بتدبير أمره استمالة. فلما سار إلى الهند منعوا ما كان استقر عليهم من المال، وراسلوا علاء الدولة بن كاكويه وفرهاذ بالاجتماع على العصيان والمخالفة، وقوي عزمهم على ذلك ما بلغهم من خروج الغز بخراسان.
فلما عاد مسعود من الهند وأجلى الغز وهزمهم سار إلى جرجان فاستولى عليها وملكها، وسار إلى آمل طبرستان، وقد فارقها أصحابها، واجتمعوا بالغياض والأشجار الملتفة، الضيقة المدخل ، الوعرة المسلك، فسار إليهم واقتحمها عليهم فهزمهم وأسر منهم وقتل، ثم راسله دارا وأبو كاليجار وطلبوا منه العفو وتقرير البلاد عليهم، فأجابهم إلى ذلك، وحملوا من الأموال ما كان عليهم، وعاد إلى خراسان.
ذكر مسير ابن وثاب والروم إلى بلد ابن مروانفيها جمع ابن وثاب النميري جمعاً كثيراً من العرب وغيرهم، واستنجد من بالرها من الروم، فسار معه منهم جيش كثيف، وقصد بلد نصر الدولة بن مروان، ونهب وأخرب. فجمع ابن مروان جموعه وعساكره واستمد قرواشاً وغيره، وأتته الجنود من كل ناحية، فلما رأى ابن وثاب ذلك وأنه لا يتم له غرض عاد عن بلاده.
وأرسل ابن مروان إلى ملك الروم يعاتبه على نقض الهدنة وفسخ الصلح الذي كان بينهما، وراسل أصحاب الأطراف يستنجدهم للغزاة، فكثر جمعه من الجند والمتطوعة، وعزم على قصد الرها ومحاصرتها، فوردت رسل ملك الروم يعتذر، ويحلف أنه لم يعلم بما كان، وأرسل إلى عسكره الذين بالرها والمقدم عليهم ينكر ذلك، وأهدى إلى نصر الدولة هدية سنية، فترك ما كان عازماً عليه من الغزو، وفرق العساكر المجتمعة عنده.
ذكر عدة حوادثفيها خرج أبو سعد، وزير جلال الدولة، إلى أبي الشوك مفارقاً للوزارة، ووزر بعده أبو القاسم، وكثرت مطالبات الجند، فهرب، فأخرج وحمل إلى دار المملكة مكشوف الرأس في قميص خفيف، وكانت وزارته هذه شهرين وثمانية أيام، وعاد أبو سعد بن عبد الرحيم إلى الوزارة.
وفيها، في ذي الحجة، وثب الحسن بن أبي البركات بن ثمال الخفاجي بعمه علي بن ثمال أمير بني خفاجة، فقتله، وقام بإمارة بني خفاجة.
وفيها جمعت الروم وسارت إلى ولاية حلب، فخرج إليهم صاحبها شبل الدولة بن صالح بن مرداس، فتصافوا واقتتلوا، فانهزمت الروم، وتبعهم إلى عزاز، وغنم غنائم كثيرة وعاد سالماً.
وفيها قصدت خفاجة الكوفة، ومقدمهم الحسن بن أبي البركات بن ثمال، فنهبوها، وأرادوا تخريبها، ومنعوا النخل من الماء فهلك أكثره.
وفيها هرب الزكي أبو علي النهرسابسي من محبسه، وكان قرواش قد اعتقله بالموصل، فبقي سنتين إلى الآن، ولم يحج هذه السنة من العراق أحد.
وفي هذه السنة توفي أحمد بن كليب، الأديب، الشاعر الأندلسي، وحديثه مع أسلم بن أحمد بن سعيد مشهور، وكان يهواه، فقال فيه:
أسلمني في هواه ... أسلم هذا الرشا
غزال له مقلة ... يصيب بها من يشا
وشى بيننا حاسد ... سيسأل عما وشى
ولو شاء أن يرتشي ... على الوصل روحي ارتشى
ومات كمداً من هواه.
وتوفي في جمادى الأولى منها أحمد بن عبد الملك بن أحمد بن شهيد الأديب الأندلسي، ومن شعره:
إن الكريم إذا نالته مخمصة ... أبدى إلى الناس شبعاً، وهو طيان
يحني الضلوع على مثل اللظى حرقاً ... والوجه غمر بماء البشر ملآن
وله أيضاً:
كتبت لها انني عاشق ... على مهرق اللثم بالناظر
فردت علي جواب الهوى ... بأحور عن مائه حائر
منعمة نطقت بالجفون، ... فدلت على دقة الخاطر
كأن فؤادي، إذا أعرضت، ... تعلق في مخلبي طائر
وفيها توفي أبو المعالي بن سخطة العلوي النقيب بالبصرة، وأبو محمد بن معية العلوي بها أيضاً، وأبو علي الحسين بن أحمد بن شاذان، المحدث الأشعري مذهباً، وكان مولده ببغداد سنة سبع وثلاثين وثلاثمائة، وحمزة بن يوسف الجرجاني، وكان من أهل الحديث.
ثم دخلت سنة سبع وعشرين وأربعمائة
ذكر وثوب الجند بجلال الدولةفي هذه السنة ثار الجند ببغداد بجلال الدولة، وأرادوا إخراجه منها، فاستنظرهم ثلاثة أيام، فلم ينظروه، ورموه بالآجر، فأصابه بعضهم، واجتمع الغلمان فردوهم عنه، فخرج من باب لطيف في سميرية متنكراً، وصعد راجلاً منها إلى دار المرتضى بالكرخ، وخرج من دار المرتضى، وسار إلى رافع بن الحسين بن مقن بتكريت، وكسر الأتراك أبواب داره ودخلوها ونهبوها، وقلعوا كثيراً من ساجها وأبوابها، فأرسل الخليفة إليه، وقرر أمر الجند وأعاده إلى بغداد.ز
ذكر الحرب بين أبي سهل الحمدوني وعلاء الدولةفي هذه السنة سار طائفة من العساكر الخراسانية التي مع الوزير أبي سهل الحمدوني بأصبهان يطلبون الميرة، فوضع عليهم علاء الدولة من أطعمهم في الامتياز من النواحي القريبة منه، فساروا إليها، ولا يعلمون قربه منهم، فلما أتاه خبرهم خرج إليهم وأوقع بهم وغنم ما معهم.
وقوي طمعه بذلك، فجمع جمعاً من الديلم وغيرهم وسار إلى أصبهان، وبها أبو سهل في عساكر مسعود بن سبكتكين، فخرجوا إليه وقاتلوه، فغدر الأتراك بعلاء الدولة، فانهزم ونهب سواده، فسار إلى بروجرد، ومنها إلى الطرم، فلم يقبله ابن السلار، وقال: لا قدرة لي على مباينة الخراسانية، فتركه وسار عنه.
ذكر وفاة الظاهر وولاية ابنه المستنصرفي هذه السنة، في منتصف شعبان توفي الظاهر لإعزاز دين الله أبو الحسن علي بن أبي علي المنصور الحاكم، الخليفة العلوي، بمصر، وكان عمره ثلاثاً وثلاثين سنة، وكانت خلافته خمس عشرة سنة وتسعة أشهر وسبعة عشر يوماً، وكان له مصر، والشام، والخطبة له بإفريقية، وكان جميل السيرة، حسن السياسة، منصفاً للرعية، إلا أنه مشتغل بلذاته محب للدعة والراحة، قد فوض الأمور إلى وزيره أبي القاسم علي بن أحمد الجرجرائي لمعرفته بكفايته وأمانته.
ولما مات ولي بعده ابنه تميم معد، ولقب المستنصر بالله، ومولده بالقاهرة سنة عشر وأربعمائة، وفي أيامه كانت قصة البساسيري، وخطب له ببغداد سنة خمسين وأربعمائة.
وكان الحاكم في دولته بدر بن عبد الله الجمال الملقب بالأفضل، أمير الجيوش، وكان عادلاً، حسن السيرة.
وفي سنة تسع وسبعين وصل الحسن بن الصباح الإسماعيلي في زي تاجر إلى المستنصر بالله، وخاطبه في إقامته الدعوة له بخراسان وبلاد العجم، فأذن له في ذلك، فعاد ودعا إليه سراً، وقال للمستنصر: من إمامي بعدك؟ فقال: ابني نزار. والإسماعيلية يعتقدون إمامة نزار، وسيرد كيف صرف الأمر عنه سنة سبع وثمانين إن شاء الله تعالى.
ذكر فتح السويداء وربض الرهافي رجب من هذه السنة اجتمع ابن وثاب وابن عطير، وجمعا، وأمدهما نصر الدولة بن مروان بعسكر كثيف، فساروا جميعهم إلى السويداء، وكان الروم قد أحدثوا عمارتها في ذلك الوقت، واجتمع إليها أهل القرى المجاورة لها، فحصرها المسلمون وفتحوها عنوة، وقتلوا فيها ثلاثة آلاف وخمسمائة رجل، وغنموا ما فيها، وسبوا خلقاً كثيراً، وقصدوا الرها فحصروها، وقطعوا الميرة عنها، حتى بلغ مكوك الحنطة ديناراً، واشتد الأمر، فخرج البطريق الذي فيها متخفياً، ولحق بملك الروم، وعرفه الحال، فسير معه خمسة آلاف فارس، فعاد بهم.
فعرف ابن وثاب ومقدم عساكر نصر الدولة الحال، فكمنا لهم، فلما قاربوهم خرج الكمين عليهم، فقتل من الروم خلق كثير، وأسر مثلهم، وأسر البطريق وحمل إلى باب الرها، وقالوا لمن فيها إما أن تفتحوا البلد لنا، وإما قتلنا البطريق والأسرى الذين معه! ففتحوا البلد للعجز عن حفظه، وتحصن أجناد الروم بالقلعة، ودخل المسلمون، وغنموا ما فيها، وامتلأت أيديهم من الغنائم والسبي، وأكثروا القتل، وأرسل ابن وثاب إلى آمد مائة وستين راحلة عليها رؤوس القتلى وأقام محاصراً للقلعة.
ثم إن حسان بن الجراح الطائي سار في خمسة آلاف فارس من العرب والروم نجدة لمن بالرها، فسمع ابن وثاب بقربه، فسار إليه مجداً ليلقاه قبل وصوله، فخرج من الرها من الروم إلى حران، فقاتلهم أهلها، وسمع ابن وثاب الخبر فعاد مسرعاً، فوقع على الروم، فقتل منهم كثيراً، وعاد المنهزمون إلى الرها.
ذكر غدر السناسنة وأخذ الحاج وإعادة ما أخذوهفي هذه السنة ورد خلق كثير من أذربيجان، وخراسان، وطبرستان، وغيرها من البلاد يريدون الحج، وجعلوا طريقهم على أرمينية وخلاط، فوردوا إلى آني ووسطان، فثار بهم الأرمن من تلك البلاد، وأعانهم السناسنة، وهم من الأرمن أيضاً إلا أنهم لهم حصون منيعة تجاور خلاط، وهم صلح مع صاحب خلاط.
ولم تزل هذه الحصون بأيديهم منفردين بها، إلا أنهم متعاهدون إلى سنة ثمانين وخمسمائة، فملكها المسلمون منهم، وأزالوهم عنها، على ما نذكره إن شاء الله تعالى.
فلما اتفقوا مع الأرمن من رعية البلاد أخذوا الحاج فقتلوا منهم كثيراً، وأسروا، وسبوا، ونهبوا الأموال، وحملوا ذلك أجمع إلى الروم، وطمع الأرمن في تلك البلاد، فسمع نصر الدولة بن مروان الخبر، فجمع العساكر وعزم على غزوهم، فلما سمعوا ذلك، ورأوا جده فيه، راسله ملك السناسنة، وبذل إعادة جميع ما أخذ أصحابه، وإطلاق الأسرى والسبي، فأجابهم إلى الصلح، وعاد عنهم لحصانة قلاعهم، وكثرة المضايق في بلادهم، ولأنهم بالقرب من الروم، فخاف أن يستنجدوهم ويمتنعوا بهم، فصالحهم.
ذكر الحرب بين المعز وزناتةفي هذه السنة اجتمعت زناتة بإفريقية ، وزحفت في خيلها ورجلها يريدون مدينة المنصورة، فلقيهم جيوش المعز بن باديس، صاحبها، بموضع يقال له الجفنة قريب من القيروان، فاقتتلوا قتالاً شديداً، وانهزمت عساكر المعز، ففارقت المعركة، وهم على حامية، ثم عاودوا القتال، وحرض بعضهم بعضاً فصبرت صنهاجة، وانهزمت زناتة هزيمة قبيحة، وقتل منهم عدد كثير، وأسر خلق عظيم، وتعرف هذه الوقعة بوقعة الجفنة، وهي مشهورة لعظمها عندهم.
ذكر عدة حوادثفي هذه السنة، في رجب، انقض كوكب عظيم غلب نوره على نور الشمس وشوهد في آخرها مثل التنين يضرب إلى السواد، وبقي ساعة وذهب.
وفيها كانت ظلمة عظيمة اشتدت حتى أن إنساناً كان لا يبصر جليسه، وأخذ بأنفاس الخلق، فلو تأخر انكشافها لهلك أكثرهم.
وفيها قبض على الوزير أبي سعد بن عبد الرحيم، وزير جلال الدولة، وهي الوزارة السادسة.
وفيها، في رمضان، توفي رافع بن الحسين بن مقن، وكان حازماً شجاعاً، وخلف بتكريت ما يزيد على خمس مائة ألف دينار، فملكها ابن أخيه خميس بن ثعلب، وكان طريداً في أيام عمه، وحمل إلى جلال الدولة ثمانين ألف دينار فأصلح بها الجند، وكانت يده قد قطعت لأن بعض عبيد بني عمه كان يشرب معه، فجرى بينه وبين آخر خصومة، فجردا سيفيهما، فقام رافع ليصلح بينهما، فضرب العبد يده فقطعها غلطاً، ولرافع فيها شعر، ولم تمنعه من قتال فقد عمل له كفاً أخرى يمسك بها العنان ويقاتل، وله شعر جيد، من ذلك قوله:
لها ريقة، استغفر الله، إنها ... ألذ وأشهى في النفوس من الخمر
وصارم طرف لا يزايل جفنه، ... ولم أر سيفاً قط في جفنه يفري
فقلت لها، والعيس تحدج بالضحى: ... أعدي لفقدي ما استطعت من الصبر
سأنفق ريعان الشبيبة آنفاً ... على طلب العلياء أو طلب الأجر
أليس من الخسران أن ليالياً ... تمر بلا نفع وتحسب من عمري
وفيها، في صفر، أمر القائم بأمر الله بترك التعامل بالدنانير المغربية، وأمر الشهود أن لا يشهدوا في كتاب ابتياع ولا غيره يذكر فيه هذا الصنف من الذهب، فعدل الناس إلى القادرية، والسابورية، والقاسانية.
ثم دخلت سنة ثمان وعشرين وأربعمائة
ذكر الفتنة بين جلال الدولة وبارسطغانفي هذه السنة كانت الفتنة بين جلال الدولة وبين بارسطغان، وهو من أكابر الأمراء ويلقب حاجب الحجاب.
وكان سبب ذلك أن جلال الدولة نسبه إلى فساد الأتراك، والأتراك نسبوه إلى أخذ الأموال، فخاف على نفسه، فالتجأ إلى دار الخلافة في رجب من السنة الخالية.
وترددت الرسل بين جلال الدولة والقائم بأمر الله في أمره، فدافع الخليفة عنه، وبارسطغان يراسل الملك أبا كاليجار، فأرسل أبو كاليجار جيشاً، فوصلوا إلى واسط، واتفق معهم عسكر واسط، وأخرجوا الملك العزيز بن جلال الدولة، فأصعد إلى أبيه، وكشف بارسطغان القناع، فاستتبع أصاغر المماليك ونادوا بشعار أبي كاليجار، وأخرجوا جلال الدولة من بغداد، فسار إلى أوانا ومعه البساسيري، وأخرج بارسطغان الوزير أبا الفضل العباس بن الحسن بن فسانجس، فنظر في الأمور نيابة عن الملك أبي كاليجار، وأرسل بارسطغان إلى الخليفة يطلب الخطبة لأبي كاليجار، فاحتج بعهود جلال الدولة، فأكره الخطباء على الخطبة لأبي كاليجار، ففعلوا.
وجرى بين الفريقين مناوشات، وسار الأجناد الواسطيون إلى بارسطغان ببغداد، فكانوا معه، وتنقلت الحال بين جلال الدولة وبارسطغان، فعاد جلال الدولة إلى بغداد، ونزل بالجانب الغربي ومعه قرواش بن المقلد العقيلي، ودبيس بن علي بن مزيد الأسدي، وخطب لجلال الدولة به، وبالجانب الشرقي لأبي كاليجار، وأعان أبو الشوك، وأبو الفوارس منصور بن الحسين بارسطغان على طاعة أبي كاليجار.
ثم سار جلال الدولة إلى الأنبار، وسار قرواش إلى الموصل، وقبض بارسطغان على ابن فسانجس، فعاد منصور بن الحسين إلى بلده، وأتى الخبر إلى بارسطغان بعود الملك أبي كاليجار إلى فارس، ففارقه الديلم الذين جاؤوا نجدة له، فضعف أمره، فدفع ماله وحرمه إلى دار الخلافة، وانحدر إلى واسط، وعاد جلال الدولة إلى بغدا، وأرسل البساسيري والمرشد وبني خفاجة في أثره، فتبعهم جلال الدولة ودبيس بن علي بن مزيد، فلحقوه بالخيزرانية، فقاتلوه، فسقط عن فرسه، فأخذ أسيراً وحمل إلى جلال الدولة، فقتله وحمل رأسه، وكان عمره نحو سبعين سنة.
وسار جلال الدولة إلى واسط فملكها، وأصعد إلى بغداد، فضعف أمر الأتراك، وطمع فيهم الأعراب، واستولوا على إقطاعاتهم، فلم يقدروا على كف أيديهم عنها، وكانت مدة بارسطغان من حين كاشف جلال الدولة إلى أن قتل ستة أشهر وعشرة أيام.
ذكر الصلح بين جلال الدولة وأبي كاليجار والمصاهرة بينهما
في هذه السنة ترددت الرسل بين جلال الدولة وابن أخيه أبي كاليجار، سلطان الدولة، في الصلح والاتفاق، وزوال الخلف، وكان الرسل أقضى القضاة أبا الحسن الماوردي، وأبا عبد الله المردوستي، وغيرهما، فاتفقا على الصلح، وحلف كل واحد من الملكين لصاحبه، وأرسل الخليفة القائم بأمر الله إلى أبي كاليجار الخلع النفيسة، ووقع العقد لأبي منصور بن أبي كاليجار على ابنة جلال الدولة، وكان الصداق خمسين ألف دينار قاسانية.
ذكر عدة حوادثفيها توفي أبو القاسم علي بن الحسين بن مكرم، صاحب عمان، وكان جواداً، ممدحاً، وقام ابنه مقامه.
وفيها توفي الأمير أبو عبد الله الحسين بن سلامة، أمير تهامة، باليمن، وولي ابنه بعده، فعصى عليه خادم كان لوالده، وأراد أن يملك، فجرى بينهما حروب كثيرة تمادت أيامها، ففارق أهل تهامة أوطانهم إلى غير مملكة ولد الحسين هرباً من الشر وتفاقم الأمر.
وفيها توفي مهيار الشاعر، وكان مجوسياً، فأسلم سنة أربع وتسعين وثلاثمائة، وصحب الشريف الرضي، وقال له أبو القاسم بن برهان: يا مهيار قد انتقلت بإسلامك في النار من زاوية إلى زاوية! قال: كيف؟ قال: لأنك كنت مجوسياً، فصرت تسب أصحاب النبي، صلى الله عليه وسلم، في شعرك.
وفيها توفي أبو الحسين القدوري الفقيه الحنفي، والحاجب أبو الحسين هبة الله بن الحسين ، المعروف بابن أخت الفاضل، وكان من أهل الأدب وله شعر جيد، وأبو علي بن أبي الريان بمطيراباذ، ومولده سنة أربع وخمسين وثلاثمائة، وقد مدحه الرضي وابن نباتة وغيرهما.
وفيها عاود المعز بن باديس حرب زناتة بإفريقية، فهزمهم وأكثر القتل فيهم، وخرب مساكنهم وقصورهم.
وفي شعبان توفي أبو علي بن سينا الحكيم، الفيلسوف المشور، صاحب التصانيف السائرة على مذاهب الفلاسفة، وكان موته بأصبهان، وكان يخدم علاء الدولة أبا جعفر بن كاكويه، ولا شك أن أبا جعفر كان فاسد الاعتقاد، فلهذا أقدم ابن سينا على تصانيفه في الإلحاد، والرد على الشرائع في بلده.
ثم دخلت سنة تسع وعشرين وأربعمائة
ذكر محاصرة الأبخاز تفليس وعودهم عنهافي هذه السنة حصر ملك الأبخاز مدينة تفليس، وامتنع أهلها عليه، فأقام عليهم محاصراً ومضيقاً، فنفدت الأقوات، وانقطعت الميرة، فأنفذ أهلها إلى أذربيجان يستنفرون المسلمين، ويسألونهم إعانتهم، فلما وصل الغز إلى أذربيجان، وسمع الأبخاز بقربهم، ومما فعلوا بالأرمن، رحلوا عن تفليس مجفلين خوفاً. ولما رأى وهسوذان صاحب أذربيجان قوة الغز، وأنه لا طاقة له بهم، لاطفهم وصاهرهم واستعان بهم، وقد تقدم ذكر ذلك.
ذكر ما فعله طغرلبك بخراسانفي هذه السنة دخل ركن الدين أبو طالب طغرلبك محمد بن ميكائيل بن سلجوق مدينة نيسابور مالكاً لها.
وكان سبب ذلك أن الغز السلجقية لما ظهروا بخراسان أفسدوا، ونهبوا، وخربوا البلاد، وسبوا، على ما ذكرناه، وسمع الملك مسعود بن محمود بن سبكتكين الخبر، فسير إليهم حاجبه سباشي في ثلاثين ألف مقاتل، ! فسار إليهم من غزنة، فلما بلغ خراسان ثقل على ما سلم من البلد بالإقامات، فخرب السالم من تخريب الغز، فأقام مدة سنة على المدافعة والمطاولة، لكنه كان يتبع أثرهم إذا بعدوا، ويرجع عنهم إذا أقبلوا استعمالاً للمحاجزة، وإشفاقاً من المحاربة، حتى إذا كان في هذه السنة، وهو بقرية بظاهر سرخس، والغز بظاهر مرو مع طغرلبك، وقد بلغهم خبره، أسروا إليه وقاتلوه يوم وصلوا، فلما جنهم الليل أخذ سباشي ما خف من مال وهرب في خواصه، وترك خيمه ونيرانه على حالها، قيل فعل ذلك مواطأة للغز على الهزيمة، فلما أسفر الصبح عرف الباقون من عسكره خبره، فانهزموا، واستولى الغز على ما وجدوه في معسكرهم من سوادهم، وقتلوا من الهنود الذي تخلفوا مقتلة عظيمة.
وأسرى داود أخو طغرلبك، وهو والد السلطان ألب أرسلان، إلى نيسابور، وسمع أبو سهل الحمدوني ومن معه بها، ففارقوها، ووصل داود ومن معه إليها، فدخلوها بغير قتال، ولم يغيروا شيئاً من أمورها، ووصل بعدهم طغرلبك ثم وصلت إليهم رسل الخليفة في ذلك الوقت، وكان قد أرسل إليهم وإلى الذين بالري وهمذان وبلد الجبل ينهاهم عن النهب والقتل والإخراب، ويعظهم، فأكرموا الرسل، وعظموهم، وخدموهم.
وخاطب داود طغرلبك في نهب البلد، فمنعه فامتنع واحتج بشهر رمضان، فلما انسلخ رمضان صمم داود على نهبه، فمنعه طغرلبك، واحتج علهي برسل الخليفة وكتابه، فلم يلتفت داود إليه، وقوي عزمه على النهب، فأخرج طغرلبك سكيناً وقال له: والله لئن نهبت شيئاً لأقتلن نفسي! فكف عن ذلك، وعدل إلى التقسيط، فقسط على أهل نيسابور نحو ثلاثين ألف دينار، وفرقها في أصحابه.
وأقام طغرلبك بدار الإمارة، وجلس على سرير الملك مسعود، وصار يقعد للمظالم يومين في الأسبوع على قاعدة ولاة خراسان، وسير أخاه داود إلى سرخس فملكها، ثم استولوا على سائر بلاد خراسان سوى بلغ، وكانوا يخطبون للملك مسعود على سبيل المغالطة. وكانوا ثلاثة أخوة: طغرلبك، وداود، وبيغو، وكان ينال، واسمه إبراهيم، أخا طغرلبك وداود لأمهما، ثم خرج مسعود من غزنة وكان ما نذكره إن شاء الله تعالى.
ذكر مخاطبة جلال الدولة بملك الملوكفي هذه السنة سأل جلال الدولة الخليفة القائم بأمر الله ليخاطب بملك الملوك، فامتنع، ثم أجاب إليه إذا أفتى الفقهاء بجوازه، فكتب فتوى إلى الفقهاء في ذلك، فأفتى القاضي أبو الطيب الطبري، والقاضي أبو عبد الله الصيمري، والقاضي ابن البيضاوي، وأبو القاسم الكرخي بجوازه، وامتنع منه قاضي القضاة أبو الحسن الماوردي، وجرى بينه وبين من أفتى بجوازه مراجعات، وخطب لجلال الدولة بملك الملوك.
وكان الماوردي من أخص الناس بجلال الدولة، وكان يتردد إلى دار المملكة كل يوم، فلما أفتى بهذه الفتيا انقطع ولزم بيته خائفاً، وأقام منقطعاً من شهر رمضان إلى يوم عيد النحر، فاستدعاه جلال الدولة، فحضر خائفاً، فأدخله وحده وقال له: قد علم كل أحد أنك من أكثر الفقهاء مالاً، وجاهاً، وقرباً منا، وقد خالفتهم فيما خالف هواي، ولم تفعل ذلك إلا لعدم المحاباة منك، واتباع الحق، وقد بان لي موضعك من الدين، ومكانك من العلم، وجعلت جزاء ذلك إكرامك بأن أدخلتك إلي، وجعلت أذن الحاضرين إليك، ليتحققوا عودي إلى ما تحب. فشكره ودعا له، وأذن لكل من حضر بالخدمة والانصراف.
ذكر عدة حوادثفي هذه السنة قتل شبل الدولة نصر بن صالح بن مرداس، صاحب حلب، قتله الدزبري وعساكر مصر، وملكوا حلب.
وفيها أنكر العلماء على أبي يعلى بن الفراء الحنبلي ما ضمنه كتابه من صفات الله، سبحانه وتعالى، المشعرة بأنه يعتقد التجسم، وحضر أبو الحسن القزويني الزاهد بجامع المنصور، وتكلم في ذلك، تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً.
وفيها صالح ابن وثاب النميري، صاحب حران، الروم الذين بالرها لعجزه عنهم، وسلم إليهم ربض الرها، وكان تسلمه على ما ذكرناه أولاً، فنزلوا من الحصن الذي للبلد إليه، وكثر الروم بها، وخاف المسلمون على حران منهم، وعمر الروم الرها العمارة الحسنة وحصنوها.
وفيها هادن المستنصر بالله الخليفة العلوي، صاحب مصر، ملك الروم، وشرط عليه إطلاق خمسة آلاف أسير، وشرط الروم عليه أن يعمروا بيعة قمامة، فأرسل الملك إليها من عمرها، وأخرج مالاً جليلاً.
وفي هذه السنة سارت عساكر المعز بن باديس بإفريقية إلى بلد الزاب، ففتحوا مدينة تسمى بورس، وقتلوا من البربر خلقاً كثيراً، وفتح من بلاد زناتة قلعة تسمى كروم.
وفيها توفي إسحاق بن إبراهيم بن مخلد أبو الفضل المعروف بابن الباقرحي في ربيع الآخر.
ثم دخلت سنة ثلاثين وأربعمائة
ذكر وصول الملك مسعود إلى خراسان
وإجلاء السلجقية عنهافي صفر من هذه السنة وصل الملك مسعود إلى بلخ من غزنة، وزوج ابنه من ابنة بعض ملوك الخانية، كان يتقي جانبه، وأقطع خوارزم لشاه ملك الجندي، فسار إليها، وبها خوارزمشاه إسماعيل بن التوتناش، فجمع أصحابه، ولقي شاه ملك وقاتله، ودامت الحرب بينهما مدة شهر، وانهزم إسماعيل، والتجأ إلى طغرلبك وأخيه داود السلجقية، وملك شاه ملك خوارزم.
وكان مسير مسعود من غزنة أول سنة ثمان وعشرين، وسبب خروجه ما وصل إليه من أخبار الغز، وما فعلوه بالبلاد وأهلها من الإخراب والقتل والسبي والاستيلاء، وأقام ببلخ حتى أراح واستراح، وفرغ من أمر خوارزم والخانية ثم أمد سباشي الحاجب بعسكر ليتقوى بهم ويهتم بأمر الغز واستئصالهم، فلم يكن عنده من الكفاية ما يقهرهم بل أخلد إلى المطاولة التي هي عادته.
وسار مسعود بن سبكتكين من بلخ بنفسه، وقصد سرخس، فتجنب الغز لقاءه، وعدلوا إلى المراوغة والمخاتلة، وأظهروا العزم على دخول المفازة التي بين مرو وخوارزم، فبينما عساكر مسعود تتبعهم وتطلبهم إذ لقوا طائفة منهم، فقاتلوهم وظفروا بهم وقتلوا منهم.
ثم إنه واقعهم بنفسه، في شعبان من هذه السنة، وقعة استظهر فيها عليهم، فأبعدوا عنه، ثم عاودوا القرب منه بنواحي مرو، فواقعوهم وقعة أخرى قتل منهم فيها نحو ألف وخمسمائة قتيل، وهرب الباقون فدخلوا البرية التي يحتمون بها.
وثار أهل نيسابور بمن عندهم منهم، فقتلوا بعضاً، وانهزم الباقون إلى أصحابهم بالبرية وعدل مسعود إلى هراة ليتأهب في العساكر للمسير خلفهم وطلبهم أين كانوا، فعاد طغرلبك إلى الأطراف النائية عن مسعود، فنهبها وأثخن فيها، وكان الناس قد تراجعوا، فملأوا أيديهم من الغنائم، فحينئذ سار مسعود يطلبه، فلما قاربه انزاح طغرلبك من بين يديه إلى أستوا وأقام بها، وكان الزمان شتاء، ظناً منه أن الثلج والبرد يمنع عنه، فطلبه مسعود إليها، ففارقه طغرلبك وسلك الطريق على طوس، واحتمى بجبال منيعة، ومضايق صعبة المسلك، فسير مسعود في طلبه وزيره أحمد بن محمد بن عبد الصمد في عساكر كثيرة، فطوى المراحل إليه جريدة، فلما رأى طغرلبك قربه منه فارق مكانه إلى نواحي أبيورد.
وكان مسعود قد سار ليقطعه عن جهة إن أرادها، فلقي طغرلبك مقدمته، فواقعوهم فانتصروا عليه، واستأمن من أصحابه جماعة كثيرة، ورأى الطلب له من كل جانب، فعاود دخول المفازة إلى خوارزم وأوغل فيها.
فلما فارق الغز خراسان قصد مسعود جبلاً من جبال طوس منيعاً لا يرام، وكان أهله قد وافقوا الغز وأفسدوا معهم، فلما فارق الغز تلك البلاد تحصن هؤلاء بجبلهم ثقة منهم بحصانته وامتناعه، فسرى مسعود إليهم جريدة، فلم يرعهم إلا وقد خالطهم، فتركوا أهلهم وأموالهم وصعدوا إلى قلة الجبل واعتصموا بهال وامتنعوا، وغنم عسكر مسعود أموالهم وما ادخروه.
ثم أمر مسعود أصحابه أن يزحفوا إليهم في قلة الجبل، وباشر هو القتال بنفسه، فزحف الناس إليهم، وقاتلوهم قتالاً لم يروا مثله، وكان الزمان شتاء، والثلج على الجبل كثيراً، فهلك من العسكر في مخارم الجبل وشعابه كثير، ثم إنهم ظفروا بأهله وأكثروا فيهم القتل والأسر وفرغوا منهم وأراحوا المسلمين من شرهم.
وسار مسعود إلى نيسابور في جمادى الأولى سنة إحدى وثلاثين وأربعمائة، ليريح ويستريح، وينتظر الربيع ليسير خلف الغز، ويطلبهم في المفاوز التي احتموا بها. وكانت هذه الوقعة، وإجلاء الغز عن خراسان، سنة إحدى وثلاثين، على ما نذكره إن شاء الله تعالى.
ذكر ملك أبي الشوك مدينة خولنجانكان حسام الدولة أبو الشوك قد فتح قرميسين من أعمال الجبل، وقبض على صاحبها، وهو من الأكراد القوهية، فسار أخوه إلى قلعة أرنبة، فاعتصم بها من أبي الشوك، وجعل أصحابه في مدينة خولنجان يحفظونها منه أيضاً.
فلما كان الآن سير أبو الشوك عسكراً إلى خولنجان فحصروها فلم يظفروا منها بشيء، فأمر العسكر فعاد فأمن من في البلد بعود العسكر عنه.
ثم جهز عسكراً آخر جريدة لم يعلم بهم أحد، وسيرهم ليومهم، وأمرهم بنهب ربض قلعة أرنبة، وقتل من ظفروا به والإتمام لوقتهم إلى خولنجان ليسبقوا خبرهم إليها، ففعلوا ذلك، ووصلوا إليها ومن بها غير متأهبين، فاقتتلوا شيئاً من قتال، ثم استسلم من بالمدينة إليهم فتسلموها، وتحصن من كان بها من الأجناد في قلعة في وسط البلد، فحصروها أصحاب أبي الشوك، فملكوها في ذي القعدة من هذه السنة.
ذكر الخطبة العباسية بحران والرقةفي هذه السنة خطب شبيب بن وثاب النميري، صاحب حران والرقة، للإمام القائم بأمر الله، وقطع خطبة المستنصر بالله العلوي.
وكان سببها أن نصر الدولة بن مروان كان قد بلغه عن الدزبري نائب العلويين بالشام أنه يتهدده، ويريد قصد بلاده، فراسل قرواشاً، صاحب الموصل، وطلب منه عسكراً، وراسل شبيباً النميري يدعوه إلى الموافقة، ويحذره من المغاربة، فأجابه إلى ذلك، وقطع الخطبة العلوية، وأقام الخطبة العباسية، فأرسل إليه الدزبري يتهدده، ثم أعاد الخطبة العلوية بحران في ذي الحجة من السنة.
ذكر عدة حوادث
فيها توفي الملك أبو علي الحسين بن الحسن الرخجي، وكان وزيراً لملوك بني بويه، ثم ترك الوزارة، وكان في عطلته يتقدم على الوزراء.
وفيها أيضاً توفي أبو الفتوح الحسن بن جعفر العلوي أمير مكة.
وفيها توفي الوزير أبو القاسم بن ماكولا محبوساً بهيت، وكان مقامه في الحبس سنتين وخمسة أشهر، ومولده سنة خمس وستين وثلاثمائة، وكان وزير جلال الدولة، وهو والد الأمير أبي نصر، مصنف كتاب الإكمال في المؤتلف والمختلف، وكان جلال الدولة سلمه إلى قرواش، فحبسه بهيت.
وفيها سقط الثلج ببغداد لست بقين من ربيع الأول، فارتفع على الأرض شبراً، ورماه الناس عن السطوح إلى الشوارع، وجمد الماء ستة أيام متوالية، وكان أول ذلك الثالث والعشرين من كانون الثاني.
وتوفي هذه السنة أبو نعيم أحمد بن عبد الله بن أحمد بن إسحاق الأصبهاني الحافظ، وأبو الرضا الفضل بن منصور بن الظريف الفارقي، الأمير الشاعر، له ديوان حسن، وشعر جيد، فمنه:
ومخطف الخصر مطبوع على صلف ... عشقته، ودواعي البين تعشقه
وكيف أطمع منه في مواصلة، ... وكل يوم لنا شمل يفرقه
وقد تسامح قلبي في مواصلتي ... على السلو ولكن من يصدقه
أهابه، وهو طلق الوجه مبتسم، ... وكيف يطمعني في السيف رونقه
ثم دخلت سنة إحدى وثلاثين وأربعمائةفي هذه السنة فتح الملك مسعود بن محمود بن سبكتكين قلعة بخراسان كانت بيد الغز، وقتل فيها جماعة منهم، وكانت بينه وبينهم وقعات أجلت عن فراقهم خراسان إلى البرية، وقد ذكرناه سنة ثلاثين.
ذكر ملك الملك أبي كاليجار البصرةفي هذه السنة سير الملك أبو كاليجار عساكره مع العادل أبي منصور بن مافنة إلى البصرة، فملكها في صفر، وكانت بيد الظهير أبي القاسم، وقد ذكرنا أنه وليها بعد بختيار، وأنه عصى على أبي كاليجار مرة، وصار في طاعة جلال الدولة ، ثم فارق طاعته وعاد إلى طاعة الملك أبي كاليجار، وكان يترك محاقته ومعارضته فيما يفعله، ويضمن الظهير أن يحمل إلى أبي كاليجار كل سنة سبعين ألف دينار، وكثرت أمواله، ودامت أيامه، وثبت قدمه، وطار اسمه.
واتفق أنه تعرض إلى أملاك أبي الحسن بن أبي القاسم بن مكرم، صاحب عمان، وأمواله، وكاتب أبو الحسن الملك أبا كاليجار، وبذل له زيادة ثلاثين ألف دينار في ضمان البصرة كل سنة، وجرى الحديث في قصد البصرة، فصادف قلباً موغراً من الظهير، فحصلت الإجابة، وجهز الملك العساكر مع العادل أبي منصور، فسار إليها وحصرها.
وسارت العساكر من عمان أيضاً في البحر وحصرت البصرة وملكت، وأخذ الظهير وقبض عليه، وأخذ جميع ماله، وقرر عليه مائة ألف وعشرة آلاف دينار، يحملها في أحد عشر يوماً، بعد تسعين ألف دينار أخذت منه قبلها، ووصل الملك أبي كاليجار إلى البصرة، فأقام بها، ثم عاد إلى الأهواز، وجعل ولده عز الملوك فيها، ومعه الوزير أبو الفرج بن فسانجس، ولما سار أبو كاليجار عن البصرة أخذ معه الظهير إلى الأهواز.
ذكر ما جرى بعمان بعد موت أبي القاسم بن مكرملما توفي أبو القاسم بن مكرم خلف أربعة بنين: أبو الجيش، والمهذب، وأبو محمد، وآخر صغير، فولي بعده ابنه أبو الجيش، وأقر علي بن هطال المنوجاني، صاحب جيش أبيه، على قاعدته، وأكرمه، وبالغ في احترامه، فكان إذا جاء إليه قام له، فأنكر هذه الحال عليه أخوه المهذب، فطعن على ابن هطال، وبلغه ذلك، فأضمر له سوءاً، واستأذن أبا الجيش في أن يحضر أخاه المهذب لدعوة عملها له، فأذن له في ذلك، فلما حضر المهذب عنده خدمه، وبالغ في خدمته، فلما أكل وشرب وانتشى، وعمل السكر فيه، قال له ابن هطال: إن أخاك أبا الجيش فيه ضعف، وعجز عن الأمر، والرأي أننا نقوم معك، وتصير أنت الأمير، وخدعه، فمال إلى هذا الحديث، فأخذ ابن هطال خطه بما يفوض إليه، وبما يعطيه من الأعمال إذا عمل معه هذا الأمر. فلما كان الغد حضر ابن هطال عند أبي الجيش، وقال له: إن أخاك كا نقد أفسد كثيراً من أصحابك عليك، وتحدث معي، واستمالني فلم أوافقه، فلهذا كان يذمني، ويقع في، وهذا خطه بما استقر هذه الليلة. فلما رأى خط أخيه أمره بالقبض عليه، ففعل ذلك واعتقله، ثم وضع عليه من خنقه وألقى جثته إلى منخفض من الأرض، وأظهر أنه سقط فمات.
ثم توفي أبو الجيش بعد ذلك بيسير، وأراد ابن هطال أن يأخذ أخاه أبا محمد فيوليه عمان ثم يقتله، فلم تخرجه إليه والدته، وقالت له: أنت تتولى الأمور، وهذا صغير لا يصلح لها. ففعل ذلك، وأساء السيرة، وصادر التجار، وأخذ الأموال.
وبلغ ما كان منه مع بني مكرم إلى الملك أبي كاليجار، والعادل أبي منصور ابن مافنة، فأعظما الأمر واستكبراه، وشد العادل في الأمر، وكاتب نائباً كان لأبي القاسم بن مكرم بجبال عمان يقال له المرتضى، وأمره بقصد ابن هطال، وجهز العساكر من البصرة لتسير إلى مساعدة المرتضى، فجمع المرتضى الخلق، وتسارعوا إليه وخرجوا عن طاعة ابن هطال، وضعف أمره، واستولى المرتضى على أكثر البلاد، ثم وضعوا خادماً كان لابن مكرم، وقد التحق بابن هطال، على قتله، وساعده على ذلك فراش كان له، فما سمع العادل بقتله سير إلى عمان من أخرج أبا محمد بن مكرم، ورتبه في الإمارة، وكان قد استقر أن الأمر لأبي محمد في هذه السنة.
ذكر الحرب بين أبي الفتح ابن أبي الشوك وبين عمه مهلهلفي هذه السنة كان بين أبي الفتح ابن أبي الشوك وبين عمه مهلهل حرب شديدة.
وكان سبب ذلك أن أبا الفتح كان نائباً عن والده في الدينور، وقد عظم محله، وافتتح عدة قلاع، وحمى أعماله من الغز، وقتل فيهم، فأعجب بنفسه، وصار لا يقبل أمر والده.
فلما كان هذه السنة، في شعبان، سار إلى قلعة بلوار ليفتحها، وكان فيها زوجة صاحبها، وكان من الأكراد، فعلمت أنها تعجز عن حفظها، فراسلت مهلهل بن محمد بن عناز، وهو بحلله في نواحي الصامغان، واستدعته لتسلم إليه القلعة، فسأل الرسول عن أبي الفتح: هل هو بنفسه على القلعة أم عسكره؟ فأخبره أنه عاد عنها وبقي عسكره، فسار مهلهل إليها، فلما وصل رأى أبا الفتح قد عاد إلى القلعة، فقصد موضعاً يوهم أبا الفتح أنه لم يرد هذه القلعة، ثم رجع عائداً، وتبعه أبا الفتح ولحقه وتراءت الفئتان، فعاد مهلهل إليه، فاقتتلوا، فرأى أبو الفتح من أصحابه تغيراً، فخافهم، فولى منهزماً، وتبعه أصحابه في الهزيمة، وقتل عسكر مهلهل من كان في عسكر أبي الفتح من الرجالة، وساروا في أثر المنهزمين يقتلون ويأسرون، ووقف فرس أبي الفتح به فأسر وأحضر عند عمه مهلهل، فضربه عدة مقارع، وقيده، وحبسه عنده وعاد.
ثم إن أبا الشوك جمع عساكره وسار إلى شهرزور وحصرها، وقصد بلاد أخيه ليخلص ابنه أبا الفتح، فطال الأمر ولم يخلص ابنه، وحمل مهلهل اللجاج على أن استدعى علاء الدولة بن كاكويه إلى بلد أبي الفتح، فدخل الدينور وقرميسين، وأساء إلى أهلها وظلمهم وملكها، وكان ذلك سنة اثنتين وثلاثين وأربعمائة.
ذكر شغب الأتراك على جلال الدولة ببغدادفي هذه السنة شغب الأتراك على الملك جلال الدولة ببغداد، وأخرجوا خيامهم إلى ظاهر البلد، ثم أوقعوا النهب في عدة مواضع، فخافهم جلال الدولة، فعبر خيامه إلى الجانب الغربي، وترددت الرسل بينهم في الصلح، وأراد الرحيل عن بغداد، فمنعه أصحابه، فراسل دبيس بن مزيد، وقرواشاً، صاحب الموصل، وغيرهما، وجمع عنده العساكر، فاستقرت القواعد بينهم وعاد إلى داره، وطمع الأتراك، وآذوا الناس، ونهبوا وقتلوا، وفسدت الأمور بالكلية إلى حد لا يرجى صلاحه.
ذكر عدة حوادثفي هذه السنة، في جمادى الآخرة، ولد للخليفة القائم بأمر الله ولده أبو العباس، وهوذخيرة الدين.
وفيها توفي شبيب بن وثاب النميري، صاحب الرقة وسروج وحران.
وفيها توفي أبو نصر بن مشكان، كاتب الإنشاد لمحمود بن سبكتكين ولولده مسعود، وكان من الكتاب المفلقين، رأيت له كتابة في غاية الجودة.
ثم دخلت سنة اثنتين وثلاثين وأربعمائة
ذكر ابتداء الدولة السلجوقية
وسياقة أخبارهم متتابعةفي هذه السنة اشتد ملك السلطان طغرلبك محمد وأخيه جغري بك داود ابني ميكائيل بن سلجوق بن تقاق، فنذكر أولاً حال آبائه، ثم نذكر حاله كيف تنقلت حتى صار سلطاناً، على أنني قد ذكرت أكثر أخبارهم متقدمة على السنين، وإنما أوردناها هاهنا مجموعة لترد سياقاً واحداً، فهي أحسن، فأقول:
فأما تقاق فمعناه القوس الجديد، وكان شهماً، ذا رأي وتدبير، وكان مقدم الأتراك الغز، ومرجعهم إليه، لا يخالفون له قولاً، ولا يتعدون أمراً. فاتفق يوماً من الأيام أن ملك الترك الذي يقال له بيغو جمع عساكره، وأراد المسير إلى بلاد الإسلام، فنهاه تقاق عن ذلك، وطال الخطاب بينهما فيه فأغلظ له ملك الترك الكلام، فلطمه تقاق فشج رأسه، فأحاط به خدم ملك الترك، وأرادوا أخذه، فمانعهم وقاتلهم، واجتمع معه من أصحابه من منعه، فتفرقوا عنه، ثم صلح الأمر بينهما، واقام تقاق عنده، وولد له سلجوق.
وأما سلجوق فإنه لما كبر ظهرت عليه أمارات النجابة، ومخايل التقدم، فقربه ملك الترك وقدمه، ولقبه سباشي، معناه قائد الجيش، وكانت امرأة الملك تخوفه من سلجوق لما ترى من تقدمه، وطاعة الناس له، والانقياد إليه، وأغرته بقتله، وبالغت في ذلك.
وسمع سلجوق الخبر، فسار بجماعته كلهم ومن يطيعه من دار الحرب إلى ديار الإسلام، وسعد بالإيمان ومجاورة المسلمين، وازداد حاله علواً، وإمرة، وطاعة، وأقام بنواحي جند، وأدام غزو كفار الترك، وكان ملكهم يأخذ الخراج من المسلمين في تلك الديار، وطرد سلجوق عماله منها وصفت للمسلمين.
ثم إن بعض ملوك السامانية كان هارون بن ايلك الخان قد استولى على بعض أطراف بلاده، فأرسل إلى سلجوق يستمده، فأمده بابنه أرسلان في جمع من أصحابه، فقوي بهم الساماني على هارون، واسترد ما أخذه منه، وعاد أرسلان إلى أبيه.
وكان لسلجوق من الأولاد: أرسلان، وميكائيل، وموسى، وتوفي سلجوق بجند، وكان عمره مائة سنة وسبع سنين، ودفن هناك، وبقي أولاده، فغزا ميكائيل بعض بلاد الكفار الأتراك، فقاتل، وباشر القتال بنفسه، فاستشهد في سبيل الله، وخلف من الأولاد: بيغو، وطغرلبك محمداً، وجغري بك، داود، فأطاعهم عشائرهم، ووقفوا عند أمرهم ونهيهم، ونزلوا بالقرب من بخارى على عشرين فرسخاً منها، فخافهم أمير بخارى فأساء جوارهم، وأراد إهلاكهم والإيقاع بهم، فالتجأوا إلى بغراجان ملك تركستان، وأقاموا في بلاده، واحتموا به وامتنعوا، واستقر الأمير بين طغرلبك وأخيه داود أنهما لا يجتمعان عند بغراجان، إنما يحضر عنده أحدهما، ويقيم الآخر في أهله خوفاً من مكر يمكره بهم، فبقوا كذلك.
ثم إن بغراجان اجتهد في اجتماعهما عنده، فلم يفعلا، فقبض على طغرلبك وأسره، فثار داود في عشائره ومن يتبعه، وقصد بغراجان ليخلص أخاه، فأنفذ إليه بغراجان عسكراً، فاقتتلوا، فانهزم عسكر بغراجان وكثر القتل فيهم، وخلض أخاه من الأسر، وانصرفوا إلى جند، وهي قريب بخارى، فأقاموا هناك.
فلما انقرضت دولة السامانية وملك ايلك الخان بخارى عظم محل أرسلان ابن سلجوق عم داود وطغرلبك بما وراء النهر، وكان علي تكين في حبس أرسلان خان، فهرب، وهو أخو ايلك الخان، ولحق ببخارى واستولى عليها، واتفق مع أرسلان بن سلجوق فامتنعا، واستفحل أمرهما، وقصدهما ايلك أخو أرسلان خان، وقاتلهما فهزماه وبقيا ببخارى.
وكان علي تكين يكثر معارضة يمين الدولة محمود بن سبكتكين فيما يجاوره في بلاده، ويقطع الطريق على رسله المترددين إلى ملوك الترك، فلما عبر محمود جيحون، على ما ذكرناه، هرب علي تكين من بخارى، وأما أرسلان بن سلجوق وجماعته فإنهم دخلوا المفازة والرمل، فاحتموا من محمود، فرأى محمود قوة السلجوقية، وما لهم من الشوكة وكثرة العدد، فكاتب أرسلان ابن سلجوق واستماله ورغبه، فورد إليه، فقبض يمين الدولة عليه في الحال، ولم يمهله، وسجنه في قلعة، ونهب خركاهاته، واستشار فيما يفعل بأهله وعشيرته، فأشار أرسلان الجاذب، وهو من أكبر خواص محمود، بأن يقطع أباهمهم لئلا يرموا بالنشاب، أو يغرقوا في جيحون، فقال له: ما أنت إلا قاسي القلب! ثم أمر بهم فعبروا نهر جيحون، ففرقهم في نواحي خراسان، ووضع عليهم الخراج، فجار العمال عليهم، وامتدت الأيدي إلى أموالهم وأولاهم، فانفصل منهم أكثر من ألفي رجل، وساروا إلى كرمان، ومنها إلى أصبهان، وجرى بينهم وبين صاحبها علاء الدولة بن كاكويه حرب قد ذكرناها، فساروا من أصبهان إلى أذربيجان، وهؤلاء جماعة أرسلان.
فأما أولاد إخوته فإن علي تكين صاحب بخارى أعمل الحيل في الظفر بهم، فأرسل إلى يوسف بن موسى بن سلجوق، وهو ابن عم طغرلبك محمد وجغري بك داود، ووعده الإحسان، وبالغ في استمالته، وطلب منه الحضور عنده، ففعل، ففوض إليه علي تكين التقدم على جميع الأتراك الذين في ولايته، وأقطعه أقطاعاً كثيرة، ولقب بالأمير اينانج بيغو.
وكان الباعث له على ما فعله به أن يستعين به وبعشيرته وأصحابه على طغرلبك وداود ابني عمه، ويفرق كلمتهم، ويضرب بعضهم ببعض، فعلموا مراده، فلم يطعه يوسف إلى شيء مما أراده، منه، فلما رأى علي تكين أن مكره لم يعمل في يوسف، ولم يبلغ به غرضاً، أمر بقتله، فقتل يوسف، تولى قتله أمير من أمراء علي تكين اسمه الف قرا. فلما قتل عظم ذلك على طغرلبك وأخيه داود وجميع عشائرهما، ولبسوا ثياب الحداد، وجمعا من الأتراك من قدرا على جمعه للأخذ بثأره، وجمع علي تكين أيضاً جيوشه، وسيرها إليهم، فانهزم عسكر علي تكين، وكان قد ولد السلطان ألب أرسلان بن داود أول محرم سنة عشرين وأربعمائة قبل الحرب، فتبركوا به، وتيمنوا بطلعته، وقيل في مولده غير ذلك.
فلما كان سنة إحدى وعشرين قصد طغرلبك وداود ألب قرا الذي قتل يوسف ابن عمهما، فقتلاه، وأوقعا بطائفة من عسكر علي تكين، فقتلا منها نحو ألف رجل، فجمع علي تكين عسكره وقصدهم هو وأولاده ومن حمل السلاح من أصحابه، وتبعهم من أهل البلاد خلق كثير، فقصدوهم من كل جانب، وأوقعوا بهم وقعة عظيمة قتل فيها كثير من عساكر السلجوقية، وأخذت أموالهم وأولادهم، وسبوا كثيراً من نسائهم وذراريهم، فألجأتهم الضرورة إلى العبور إلى خراسان.
فلما عبروا جيحون كتب إليهم خوارزمشاه هارون بن التونتاش يستدعيهم ليتفقوا معه، وتكون أيديهم واحدة. فسار طغرلبك وأخواه داود وبيغو إليه، وخيموا بظاهر خوارزم سنة ست وعشرين ووثقوا به واطمأنوا إليه، فغدر بهم، فوضع عليهم الأمير شاهملك، فكبسهم، ومعه عسكر من هارون، فأكثر القتل فيهم والنهب والسبي، وارتكب من الغدر خطة شنيعة، فساروا عن خوارزم بجموعهم إلى مفازة نسا، قصدوا مرو في هذه السنة أيضاً، ولم يتعرضوا لأحد بشر، وبقي أولادهم وذراريهم في الأسر.
وكان الملك مسعود بن محمود بن سبكتكين هذه السنة بطبرستان قد ملكها، كما ذكرناه، فراسلوه وطلبوا منه الأمان، وضمنوا أنهم يقصدون الطائفة التي تفسد في بلاده، ويدفعونهم عنها، ويقاتلونهم، ويكونون من أعظم أعوانه وعلى غيرهم. فقبض على الرسل وجهز عسكراً جراراً إليهممع ايلتغدي حاجبه، وغيرهم من الأمراء الأكابر، فساروا إليهم، والتقوا عند نسا في شعبان من السنة، واقتتلوا، وعظم الأمر، وانهزم السلجوقية، وغنمت أموالهم، فجرى بين عسكر مسعود منازعة في الغنيمة أدت إلى القتال.
واتفق في تلك الحال أن السلجوقية لما انهزموا قال لهم داود: إن العسكر الآن قد نزلوا، واطمأنوا، وأمنوا الطلب، والرأي أن نقصدهم لعلنا نبلغ منهم غرضاً. فعادوا فوصلوا إليهم وهم على تلك الحال من الاختلاف، وقتال بعضهم بعضاً، فأوقعوا بهم، وقتلوا منهم وأسروا، واستردوا ما أخذوا من أموالهم ورجالهم، وعاد المنهزمون من العسكر إلى الملك مسعود، وهو بنيسابور، فندم على رده طاعتهم، وعلم أن هيبتهم قد تمكنت من قلوب عساكره، وأنهم قد طمعوا بهذه الهزيمة، وتجرأوا على قتال العساكر السلطانية بعد الخوف الشديد، وخاف من أخوات هذه الحادثة، فأرسل إليهم يتهددهم ويتوعدهم، فقال طغرلبك لإمام صلاته: اكتب إلى السلطان " قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء، بيدك الخير، إنك على كل شيء قدير " ، ولا تزد على هذا.
فكتب ما قال، فلما ورد الكتاب على مسعود أمر فكتب إليهم كتاب مملوء من المواعيد الجميلة، وسير معه الخلع النفيسة، وأمرهم بالرحيل إلى آمل الشط، وهي مدينة على جيحون، ونهاهم عن الشر والفساد، وأقطع دهستان لداود، ونسا لطغرلبك، وفراوة لبيغو، ولقب مل واحد منهم بالدهقان. فاستخفوا بالرسول والخلع، وقالوا للرسول: لو علمنا أن السلطان يبقي علينا، إذا قدر، لأطعناه، ولكنا نعلم أنه متى ظفر بنا أهلكنا لما عملناه وأسلفناه، فنحن لا نطيعه، ولا نثق به. وأفسدوا، ثم كفوا، وتركوا ذلك، فقالوا: إن كان لنا قدرة على الانتصاف من السلطان، وإلا فلا حاجة بنا إلى إهلاك العالم، ونهب أموالهم، وأرسلوا إلى مسعود يخادعونه بإظهار الطاعة له، والكف عن الشر، ويسألونه أن يطلق عمهم أرسلان بن سلجوق من الحبس، فأجابهم إلى ذلك، فأحضره عنده ببلخ، وأمره بمراسلة بني أخيه بيغو، وطغرلبك، وداود يأمرهم بالاستقامة، والكف عن الشر، فأرسل إليهم رسولاً يأمرهم بذلك، وأرسل معه إشفى، وأمره بتسليمه إليهم، فلما وصل الرسول وأدى الرسالة وسلم إليهم الإشفى نفروا واستوحشوا، وعادوا إلى أمرهم الأول في الغارة والشر، فأعاده مسعود إلى محبسه، وسار إلى غزنة، فقصد السلجوقية بلخ ونيسابور وطوس وجوزجان، على ما ذكرناه.
وأقام داود بمدينة مرو، وانهزمت عساكر السلطان مسعود منهم مرة بعد مرة، واستولى الرعب على أصحابه، لاسيما مع بعده إلى غزنة، فتوالت كتب نوابه وعماله إليه يستغيثون به، ويشكون إليه، ويذكرون ما يفعل السلجوقية في البلاد، وهو لا يجيبهم، ولا يتوجه إليهم، وأعرض عن خراسان والسلجوقية، واشتغل بأمور بلاد الهند.
فلما اشتد أمره بخراسان وعظمت حالهم اجتمع وزراء مسعود وأرباب الرأي في دولته، وقالوا له: إن قلة المبالاة بخراسان من أعظم سعادة السلجوقية، وبها يملكون البلاد، ويستقيم لهم الملك، ونحن نعلم، وكل عاقل، أنهم إذا تركوا على هذه الحال استولوا على خراسان سريعاً، ثم ساروا منها إلى غزنة، وحينئذ لا ينفعنا حركاتنا، ولا نتمكن من البطالة والاشتغال باللعب واللهو والطرب. فاستيقظ من رقدته، وأبصر رشده بعد غفلته، وجهز العساكر الكثيرة مع أكبر أمير عنده يعرف بسباشي، وكان حاجبه، وقد سيره قبل إلى الغز العراقية، وقد تقدم ذكر ذلك، وسير معه أميراً كبيراً اسمه مرداويج ابن بشو.
وكان سباشي جباناً، فأقام بهراة ونيسابور، ثم أغار بغتة على مرو، وبها داود، فسار مجداً، فوصل إليها في ثلاثة أيام، فأصاب جيوشه ودوابه التعب والكلال، فانهزم داود بين يديه، ولحقه العسكر، فحمل عليه صاحب جوزجان، فقاتله داود، فقتل صاحب جوزجان وانهزمت عساكره، فعظم قتله على سباشي وكل من معه، ووقعت عليهم الذلة، وقويت نفوس السلجوقية، وزاد طمعهم.
وعاد داود إلى مرو، فأحسن السيرة في أهلها، وخطب له فيها أول جمعة في رجب سنة ثمان وعشرين واربعمائة، ولقب في الخطبة بملك الملوك، وسباشي يمادي الأيام، ويرحل من منزل إلى منزل، والسلجوقية يراوغونه مراوغة الثعلب، فقيل إنه كان يفعل ذلك جبناً وخوراً، وقيل بل راسله السلجوقية واستمالوه ورغبوه، فنفس عنهم، وتراخى في تتبعهم، والله أعلم.
ولما طال مقام سباشي وعساكره والسلجوقية بخراسان، والبلاد منهوبة، والدماء مسفوكة، قلت الميرة والأقوات على العساكر خاصة. فأما السلجوقية فلا يبالون بذلك لأنهم يقنعون بالقليل، فاضطر سباشي إلى مباشرة الحرب وترك المحاجزة، فسار إلى داود، وتقدم داود إليه، فالتقوا في شعبان سنة ثمان وعشرين على باب سرخس. ولداود منجم يقال له الصومعي، فأشار على داود بالقتال، وضمن له الظفر، وأشهد على نفسه انه إن أخطأ فدمه مباح له، فاقتتل العسكران، فلم يثبت عسكر سباشي وانهزموا أقبح هزيمة، وساروا أخزى مسير إلى هراة، فتبعهم داود وعسكره إلى طوس يأخذونهم باليد، وكفوا عن القتل، وغنموا أموالهم، فكانت هذه الوقعة هي التي ملك السلجوقية بعدها خراسان، ودخلوا قصبات البلاد، فدخل طغرلبك نيسابور، وسكن الشاذياخ، وخطب له فيها في شعبان بالسلطان المعظم، وفرقوا النواب في النواحي.
وسار داود إلى هراة، ففارقها سباشي ومضى إلى غزنة، فعاتبه مسعود وحجبه، وقال له: ضيعت العساكر وطاولت الأيام، حتى قوي أمر العدو وصفا لهم مشربهم، وتمكنوا من البلاد ما أرادوا، فاعتذر بأن القوم تفرقوا ثلاث فرق كلما تبعت فرقة سارت بين يدي، وخلفي الفريقان في البلاد يفعلون ما أرادوا، فاضطر مسعود إلى المسير إلى خراسان، فجمع العساكر وفرق فيهم الأموال العظيمة، وسار عن غزنة في جيوش يضيق بها الفضاء، ومعه من الفيلة عدد كثير، فوصل إلى بلخ وقصده داود إليها أيضاً، ونزل قريباً منها، فدخلها يوماً جريدة في طائفة يسيره على حين غفلة من العساكر، فأخذ الفيل الكبير الذي على باب دار الملك مسعود، وأخذ معه عدة جنائب، فعظم قدره في النفوس، وازداد العسكر هيبة له.
ثم سار مسعود من بلخ أول شهر رمضان سنة تسع وعشرين وأربعمائة، ومعه مائة ألف فارس سوى الأتباع، وسار على جوزجان، فأخذ واليها الذي كان بها للسلجوقية، فصلبه وسار منها فوصل إلى مرو الشاهجان، وسار داود إلى سرخس، واجتمع هو وأخوه طغرلبك وبيغو، فأرسل مضمون رسالته: إنا لا نثق بمصالحتك، بعد ما فعلنا هذه الأفعال التي سخطتها كل فعل منها موبق مهلك، وآيسوه من الصلح، فسار مسعود من مرو إلى هراة، وقصد داود مرو، فامتنع أهلها عليه، فحصرها سبعة أشهر، وضيق عليهم، وألح في قتالهم فملكها.
فلما سمع مسعود هذا الخبر سقط في يده، وسار من هراة إلى نيسابور، ثم منها إلى سرخس، وكلما تبع السلجوقية إلى مكان ساروا منه إلى غيره، ولم يزل كذلك، فأدركهم الشتاء، فأقاموا بنيسابور ينتظرون الربيع. فلما جاء الربيع كان الملك مسعود مشغولاً بلهوه وشربه، فتقضى الربيع والأمر كذلك، فلما جاء الصيف عاتبه وزراؤه وخواصه على إهماله أمر عدوه، فسار من نيسابور إلى مرو يطلب السلجوقية، فدخلوا البرية، فدخلها وراءهم مرحلتين والعسكر الذي له قد ضجروا من طول سفرهم وبيكارهم، وسئموا الشد والترحل، فإنهم كان لهم في السفر نحو ثلاث سنين، بعضها مع سباشي، وبعضها مع الملك مسعود، فلما دخلوا البرية نزل منزلاً قليل الماء، والحر شديد، فلم يكف الماء للسلطان وحواشيه.
وكان داود في معظم السلجوقية بإزائه، وغيره من عشرته مقابل ساقة عساكره، يتخطفون من تخلف منهم. فاتفق لما يريده الله تعالى أن حواشي مسعود اختصموا هم وجمع من العسكر على الماء وازدحموا، وجرى بينهم فتنة، حتى صار بعضهم يقاتل بعضاً، وبعضهم نهب بعضاً، فاستوحش لذلك أمر العسكر، ومشى بعضهم إلى بعض في التخلي عن مسعود، فعلم داود ما هم فيه من الاختلاف، فتقدم إليهم وحمل عليهم، وهم في ذلك التنازع، والقتال، والنهب، فولوا منهزمين لا يلوي أول على آخر، وكثر القتل فيهم، والسلطان مسعود ووزيره يناديانهم، ويأمرانهم بالعود، فلا يرجعون، وتمت الهزيمة على العسكر، وثبت مسعود، فقيل له: ما تنتظر وقد فارقك أصحابك، وأنت في برية مهلكة، وبين يديك عدو، وخلفك عدو، ولا وجه للمقام. فمضى منهزماً ومعه نحو مائة فارس، فتبعه فارس من السلجوقية، فعطف عليه مسعود فقتله، وصار لا يقف على شيء، حتى أتى غرشستان.
وأما السلجوقية فإنهم غنموا من العسكر المسعودي ما لا يدخل تحت الإحصاء، وقسمه داود على أصحابه، وآثرهم على نفسه، ونزل في سرادق مسعود، وقعد على كرسيه، ولم ينزل عسكره ثلاثة أيام عن ظهور دوابهم لا يفارقونها إلا لما لا بد لهم منه من مأكول ومشروب وغير ذلك، خوفاً من عود العسكر، وأطلق الأسرى، وأطلق خراج سنة كاملة، وسار طغرلبك إلى نيسابور، فملكها ودخل إليها آخر سنة إحدى وثلاثين وأول سنة اثنتين وثلاثين، ونهب أصحابه الناس، فقيل عنه إنه رأى لوزينجاً فأكله وقال: هذا قطماج طيب، إلا أنه لا ثوم فيه، ورأى الغز الكافور فظنوه ملحاً، وقالوا: هذا ملح مر، ونقل عنهم أشياء من هذا كثير.
وكان العيارون قد عظم ضررهم، واشتد أمرهم، وزادت البلية بهم على أهل نيسابور، فهم ينهبون الأموال، ويقتلون النفوس، ويرتكبون الفروج الحرام، ويفعلون كل ما يريدونه لا يردعهم عن ذلك رادع، ولا يزجرهم زاجر، فلما دخل طغرلبك البلد خافه العيارون، وكفوا عما كانوا يفعلونه، وسكن الناس واطمأنوا.
واستولى السلجوقية حينئذ على جميع البلاد، فسار بيغو إلى هراة فدخلها، وسار داود إلى بلخ، وبها التونتاق الحاجب والياً عليها لمسعود، فأرسل إليه داود بطلب منه تسليم البلد إليه، ويعرفه عجز صاحبه عن نصرته، فسجن التونتاق الرسل، فنازله داود، وحصر المدينة، فأرسل التونتاق إلى مسعود وهو بغزنة، يعرفه الحال وما هو فيه من ضيق الحصار، فجهز مسعود العساكر الكثيرة وسيرها، فجاءت طائفة منهم إلى الرخح، وبها جمع من السلجوقية، فقاتلوهم، فانهزم السلجوقية وقتل منهم ثمانمائة رجل، وأسر كثير، وخلا ذلك الصقع منهم.
وسار طائفة منهم إلى هراة، وبها بيغو، فقاتلوه ودفعوه عنها، ثم إن مسعوداً سير ولده مودوداً في عسكر كثير مدداً لهذهالعساكر، فقتل مسعود وهو بخراسان، على ما نذكره إن شاء الله تعالى، فساروا عن غزنة سنة اثنتين وثلاثين وأربعمائة، فلما قاربوا بلخ سير داود طائفة من عسكره، فأوقعوا بطلائع مودود، وانهزمت الطلائع، وتبعهم عسكر داود، فلما أحس به معسكر مودود رجعوا إلى ورائهم، وأقاموا، فلما سمع التونتاق صلحب بلخ الخبر أطاع داود، وسلم إليه البلد، ووطيء بساطه.
ذكر قبض السلطان مسعود
وقتله وملك أخيه محمدقد ذكرنا عود مسعود بن محمود بن سبكتكين إلى غزنة من خراسان، فوصلها في شوال سنة إحدى وثلاثين وأربعمائة ، وقبض على سباشي وغيره من الأمراء، كما ذكرناه، وأثبت غيرهم، وسير ولده مودوداً إلى خراسان في جيش كثيف ليمنع السلجوقية عنها، فسار مودود إلى بلخ ليرد عنها داود أخا طغرلبك، وجعل أبوه مسعود مع وزيره أبا نصر أحمد بن محمد بن عبد الصمد يدبر الأمور، وكان مسيرهم من غزنة في ربيع الأول سنة اثنتين وثلاثين.
وسار مسعود بعدهم بسبعة أيام يريد بلاد الهند ليشتوا بها، على عادة والده، فلما سار أخذ معه أخاه محمداً مسمولاً، واستصحب الخزائن، وكان عازماً على الاستنجاد بالهند على قتال السلجوقية ثقة بعهودهم. فلما عبر سيحون، وهو نهر كبير، نحو دجلة، وعبر بعض الخزائن اجتمع أنوشتكين البلخي وجمع من الغلمان الدارية ونهبوا ما تخلف من الخزانة، وأقاموا أخاه محمداً ثالث عشر ربيع الآخر، وسلموا عليه بالإمارة، فامتنع من قبول ذلك، فتهددوه وأكرهوه، فأجاب وبقي مسعود فيمن معه من العسكر وحفظ نفسه، فالتقى الجمعان منتصف ربيع الآخر، فاقتتلوا، وعظم الخطب على الطائفتين، ثم انهزم عسكر مسعود، وتحصن هو في رباط ماريكلة، فحصره أخوه، فامتنع عليه، فقالت له أمه: إن مكانك لا يعصمك، ولأن تخرج إليهم بعهد خير من أن يأخوك قهراً. فخرج إليهم، فقبضوا عليه، فقال له أخوه محمد: والله لا قابلتك على فعلك بي، ولا عاملتك إلا بالجميل، فانظر أين تريد أن تقيم حتى أحملك إليه ومعك أولادك وحرمك. فاختار قلعة كيكي، فأنفذه إليها محفوظاً، وأمر بإكرامه وصيانته.
وأرسل مسعود إلى أخيه يطلب منه مالاً ينفقه، فأنفذ له خمسمائة درهم، فبكى مسعود وقال: كان بالأمس حكمي على ثلاثة آلاف حمل من الخزائن، واليوم لا أملك الدرهم الفرد، فأعطاه الرسول من ماله ألف دينار فقبلها، وكانت سبب سعادة الرسول، لأنه لما ملك مودود بن مسعود بالغ في الإحسان إليه.
ثم إن محمداً فوض أمر دولته إلى ولده أحمد، وكان فيه خبط وهوج، فاتفق هو وابن عمه يوسف بن سبكتكين وابن علي خويشاوند على قتل مسعود ليصفو الملك له ولوالده، فدخل إلى أبيه، فطلب خاتمه ليختم به بعض الخزائن، فأعطاه، فسار به إلى القلعة، وأعطوا الخاتم لمستحفظها، وقالوا: معنا رسالة إلى مسعود، فأدخلهم إليه فقتلوه، فلما علم محمد بذلك ساءه، وشق عليه، وأنكره.
وقيل إن مسعوداً لما حبس دخل عليه ولدا أخيه محمد، واسم أحدهما عبد الرحمن، والآخر عبد الرحيم، فمد عبد الرحمن يده فأخذ القلنسوة من رأس عمه مسعود، فمد عبد الرحيم يده وأخذ القلنسوة من أخيه، وأنكر عليه ذلك، وسبه، وقبلها، وتركها على رأس عمه، فنجا بذلك عبد الرحيم من القتل والأسر لما ملك مودود بن مسعود، على ما نذكره إن شاء الله تعالى.
ثم إن محمداً أغراه ولده أحمد بقتل عمه مسعود، فأمر بذلك، وأرسل إليه من قتله وألقاه في بئر وسد رأسها، وقيل بلى ألقي في بئر حياً وسد رأسها فمات، والله أعلم.
فلما مات كتب محمد إلى ابن أخيه مودود، وهو بخراسان، يقول: إن والدك قتل قصاصاً، قتله أولاد أحمد ينالتكين بلا رضا مني، فأجاب مودود يقول: أطال الله بقاء الأمير العم، ورزق ولده المعتوه أحمد عقلاً يعيش به، فقد ركب أمراً عظيماً، وأقدم على إراقة دم ملك مثل والدي الذي لقبه أمير المؤمنين سيد الملوك والسلاطين، وستعلمون في أي حتف تورطتم، وأي شر تأبطتم " وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون " .
نفلق هاماً من رجال أعزة ... علينا، وهم كانوا أعق وأظلما
وطمع جند محمد فيه، وزالت عنهم هيبته، فمدوا أيديهم إلى أموال الرعايا فنهبوها، فخربت البلاد، وجلا أهلها، لاسيما مدينة برشاوور فإنها هلك أهلها، ونهبت أموالهم، وكان المملوك بها يباع بدينار، وتباع الخمر كل منا بدينار، ثم رحل محمد عنها لليلتين بقيتا من رجب، وكان ما نذكره إن شاء الله تعالى.
وكان السلطان مسعود شجاعاً كريماً، ذا فضائل كثيرة، محباً للعلماء، كثير الإحسان إليهم، والتقرب لهم، صنفوا له التصانيف الكثيرة في فنون العلوم، وكان كثير الصدقة والإحسان إلى أهل الحاجة، تصدق مرة في شهر رمضان بألف ألف درهم، وأكثر الإدرارات والصلاة، وعمر كثيراً من المساجد في ممالكه، وكانت صنائعه ظاهرة مشهورة، تسير بها الركبان مع عفة عن أموال رعاياه، وأجاز الشعراء بجوائز عظيمة، أعطى شامراً على قصيدته ألف دينار، وأعطى آخر بكل بيت ألف درهم، وكان يكتب خطاً حسناً، وكان ملكه عظيماً، فسيحاً، ملك أصبهان والري وهمذان وما يليها من البلاد، وملك طبرستان وجرجان وخراسان وخوارزم وبلاد الروان وكرمان وسجستان والسند والرخج وغزنة، وبلاد الغور والهند، وملك كثيراً منها، وأطاعه أهل البر والبحر، ومناقبه كثيرة، وقد صنفت فيها التصانيف المشهورة، فلا حاجة إلى الإطالة بذكرها.
ذكر ملك مودود بن مسعود
وقتله عمه محمداً
لما قتل الملك مسعود وصل الخبر إلى ابنه مودود، وهو بخراسان، فعاد مجداً في عساكره إلى غزنة فتصاف هو وعمه محمد في ثالث شعبان، فانهزم محمد وعسكره وقبض عليه وعلى ولده أحمد، وأنوشتكين الخصي البلخي، وابن علي خويشاوند، فقتلهم، وقتل أولاد عمه جميعهم، إلا عبد الرحيم لإنكاره على أخيه عبد الرحمن ما فعله بعمه مسعود، وبنى موضع الوقعة قرية ورباطاً، وسماها فتح آباذ، وقتل كل من له في القبض على والده صنع، وعاد إلى غزنة فدخلها في ثالث وعشرين شعبان سنة اثنتين وثلاثين، واستوزر أبا نصر وزير أبيه، وأظهر العدل وحسن السيرة، وسلك سيرة جده محمود.
وكان داود أخو طغرلبك قد ملك مدينة بلخ، واستباحها، كما ذكرناه، ومودود مقابله، فتجدد قتل مسعود، فعاد ليقضي الله أمراً كان مفعولاً، فلما تجدد هذا الظفر لمودود ثار أهل هراة بمن عندهم من الغز السلجوقية، فأخرجوهم وحفظوها لمودود، واستقر الأمر لمودود بغزنة، ولم يبق له هم إلا أمر أخيه مجدود، فإن أباه قد سيره إلى الهند سنة ست وعشرين، فخاف أن يخالف عليه، فأتاه خبره أنه قصد لهاوور، وملتان، فملكهما، وأخذ الأموال، وجمع بها العساكر، وأظهر الخلاف على أخيه، فندب إليد مودود جيشاً ليمنعوه ويقاتلوه، وعرض مجدود عسكره للمسير، وحضر عيد الأضحى، فبقي بعده ثلاثة أيام، وأصبح ميتاً بلهاوور لا يدري كيف كان موته، وأطاعت البلاد بأسرها مودوداً، ورست قدمه، وثبت ملكه، ولما سمعت الغز السلجوقية ذلك خافوه، واستشعروا منه، وراسله ملك الترك بما وراء النهر بالانقياد والمتابعة.
ذكر الخلف بين جلال الدولة وقرواش صاحب الموصلفي هذه السنة اختلف جلال الدولة، ملك العراق، وقرواش بن المقلد العقيلي، صاحب الموصل.
وكان سبب ذلك أن قرواشاً كان قد أنفذ عسكراً سنة إحدى وثلاثين فحصروا خميس بن ثعلب بتكريت، وجرى بين الطائفتين حرب شديدة في ذي القعدة منها، فأرسل خميس ولده إلى الملك جلال الدولة، وبذل بذولاً كثيرة ليكف عنه قرواشاً، فأجابه إلى ذلك، وأرسل إلى قرواش يأمره بالكف عنه، فغالط ولم يفعل، وسار بنفسه ونزل عليه يحاصره، فتأثر جلال الدولة منه.
ثم إنه أرسل كتباً إلى الأتراك ببغداد يفسدهم، وأشار عليهم بالشغب على الملك وإثارة الفتنة معه، فوصل خبرها إلى جلال الدولة، وأشياء أخر كانت هذه هي الأصل، فأرسل جلال الدولة أبا الحارث أرسلان البساسيري في صفر من سنة اثنتين وثلاثين ليقبض على نائب قرواش بالسندية، فسار ومعه جماعة من الأتراك، وتبعه جمع من العرب، فرأى في طريقه جمالاً لبني عيسى، فتسرع إليها الأتراك والعرب فأخذوا منها قطعة، وأوغل الأتراك في الطلب.
وبلغ الخبر إلى العرب، وركبوا وتبعوا الأتراك، وجرى بين الطائفتين حرب انهزم فيها الأتراك، وأسر منهم جماعة، وعاد المنهزمون فأخبروا البساسيري بكثرة العرب، فعاد ولم يصل إلى مقصده.
وسار طائفة من بني عيسى، فكمنوا بين صرصر وبغداد ليفسدوا في السواد، فاتفق أن وصل بعض أكابر القواد الأتراك، فخرجوا عليه فقتلوه وجماعة من أصحابه، وحملوا إلى بغداد، فارتج البلد، واستحكمت الوحشة مع معتمد الدولة قرواش، فجمع جلال الدولة العساكر وسار إلى الأنبار، وهي لقرواش، على عزم أخذها منه، وغيرها من أقطاعه بالعراق، فلما وصلوا إلى الأنبار أغلقت، وقاتلهم أصحاب قرواش، وسار قرواش من تكريت إلى خصة على عزم القتال، فلما نزل الملك جلال الدولة على الأنبار قلت عليهم العلوفة، فسار جماعة من العسكر والعرب إلى الحديثة ليمتاروا منها، فخرج عليهم عندها جمع كثير من العرب، فأوقعوا بهم، فانهزم بعضهم وعادوا إلى العسكر، ونهبت العرب ما معهم من الدواب التي تحمل الميرة، وبقي المرشد أبو الوفاء وهو المقدم على العسكر الذين ساروا لإحضار الميرة وثبت معه جماعة.
ووصل الخبر إلى جلال الدولة أن المرشد أبا الوفاء يقاتل، وأخبر سلامته وصبره للعرب، وأنهم يقاتلونه وهو يطلب النجدة، فسار الملك إليه بعسكر، فوصلوا، وقد عجز العرب عن الوصول إليه، وعادوا عنه بعد أن حملوا عليه وعلى من معه عدة حملات صبر لها في قلة من معه. ثم اختلف عقيل على قرواش، فراسل جلال الدولة، وطلب رضاه، وبذل له بذلاً أصلحه به، وعاد إلى طاعته، فتحالفا، وعاد كل إلى مكانه.
ذكر ملك أبي الشوك دقوقاكانت دقوقا لأبي الماجد المهلهل بن محمد بن عناز، فسير إليها أخوه حسام الدولة أبو الشوك ولده سعدي، فحصرها، فقاتله من بها.
ثم سار أبو الشوك إليها، فجد في حصارها ونقب سورها ودخلها عنوة، ونهب أصحابه بعض البلد، وأخذوا سلاح الأكراد وثيابهم، وأقام حسام الدولة بالبلد ليلة، وعاد خوفاً على البندنيجين وحلوان، فإن أخاه سرخاب ابن محمد بن عناز كان قد أغار على عدة مواضع من ولايته، وحالف أبا الفتح ابن ورام والجاوانية عليه ، فأشفق من ذلك، وأرسل إلى جلالة الدولة يطلبمنه نجدة، فسير إليه عسكراً امتنع بهم.
ذكر الحرب بين عسكر مصر والرومفي هذه السنة كانت الوقعة بين عسكر المصريين سيره الدزبري وبين الروم، فظفر المسلمون.
وكان سبب ذلك أن ملك الروم قد هادنه المستنصر بالله العلوي، صاحب مصر، على ما ذكرناه. فلما كان الآن شرع يراسل ابن صالح بن مرداس ويستميله، وراسله قبله صالح ليتقوى به على الدزبري، خوفاً أن يأخذ منه الرقة، فبلغ ذلك الدزبري فتهدد ابن صالح فاعتذر وجحد.
ثم إن جمعاً من بني جعفر بن كلاب دخلوا ولاية أفامية، فعاثوا فيها، ونهبوا عدة قرى، فخرج عليهم جمع من الروم فقاتلوهم وأوقعوا بهم، ونكلوا فيهم، وأزالوهم عن بلادهم.
وبلغ ذلك الناظر بحلب، فأخرج من بها من تجار الفرنج، وأرسل إلى المتولي بأنطاكية يأمره بإخراج من عندهم من تجار المسلمين، فأغلظ للرسول، وأراد قتله، ثم تركه، فأرسل الناظر بحلب إلى الدزبري يعرفه الحال، وأن القوم على التجهز لقصد البلاد، فجهز الدزبري جيشاً وسيره على مقدمته، فاتفق أنهم لقوا جيشاً للروم وقد خرجوا لمثل ما خرج إليه هؤلاء، والتقى الفريقان بين مدينة حماة وأفامية واشتد القتال بينهم، ثم إن الله نصر المسلمين، وأذل الكافرين، فانهزموا وقتل منهم عدة كثيرة، وأسر ابن عم للملك، بذلوا في فدائه مالاً جزيلاً، وعدة وافرة من أسراء المسلمين، وانكف الروم عن الأذى بعدها.
ذكر الخلف بين المعز وبني حماد
في هذه السنة خالف أولاد حماد على المعز بن باديس، صاحب إفريقية، وعادوا إلى ما كانوا عليه من العصيان والخلاف عليه، فسار إليه المعز، وجمع العساكر وحشدها، وحصر قلعتهم المعروفة بقلعة حماد، وضيق عليهم، وأقام عليهم نحو سنتين.
ذكر صلح أبي الشوك وعلاء الدولةوفيها سار مهلهل أخو أبي الشوك إلى علاء الدولة بن كاكويه، واستصرخه، واستعان به على أخيه أبي الشوك، فسار معه، فلما بلغ قرميسين رجع أبو الشوك إلى حلوان، فعرف علاء الدولة رجوعه، فسار يتبعه، حتى بلغ المرج، وقرب من أبي الشوك، فعزم أبو الشوك على قصد قلعة السيروان والتحصن بها، ثم تجلد، وأرسل إلى علاء الدولة: إنني لم أنصرف من بين يديك إلا مراقبة لك، وإعظاماً لقدرك، واستعطافاً لك، فإذا اضطررتني إلى ما لا أجد بداً منه كان الغدر قائماً لي فيه، فإن ظفرت بك طمع فيك الأعداء، وإن ظفرت بي سلمت قلاعي وبلادي إلى الملك جلال الدولة. فأجابه علاء الدولة إلى الصلح على أن يكون له الدينور، وعاد فلحقه المرض في طريقه وتوفي، على ما نذكره إن شاء الله تعالى.
ذكر عدة حوادثفي هذه السنة كان بإفريقية غلاء شديد، وسببه عدم الأمطار، فسميت سنة الغبار، ودام ذلك إلى سنة أربع وثلاثين، فخرج الناس فاستسقوا.
وفيها توفي أمير الغز العراقية بالري، ودفن بناحية من أعمالها.
وفيها توفي صاعد بن محمد أبو العلاء النيسابوري ثم الاستوائي، قاضي نيسابور، وكان عالماً فقيهاً، حنفياً، انتهت إليه رئاسة الحنفية بخراسان.
ثم دخلت سنة ثلاث وثلاثين وأربعمائة
ذكر وفاة علاء الدولة بن كاكويهفي هذه السنة، في المحرم، توفي علاء الدولة أبو جعفر بن دشمنزيار، المعروف بابن كاكويه، بعد عوده من بلد أبي الشوك، وإنما قيل له كاكويه لأنه ابن خال مجد الدولة بن بويه، والخال بلغتهم كاكويه، وقام بأصبهان ابنه ظهير الدين أبو منصور فرامرز مقامه، وهو أكبر أولاده، وأطاعه الجند بها، فسار ولده أبو كاليجار كرشاسف إلى نهاوند، فأقام بها وحفظها، وضبط أعمال الجبل، وأخذها لنفسه، فأمسك عنه أخوه أبو منصور فرامرز.
ثم إن مستحفظاً لعلاء الدولة بقلعة نطنز أرسل أبو منصور إليه يطلب شيئاً مما عنده من الأموال والذخائر، فامتنع وأظهر العصيان، فسار إليه أبو منصور، وأخوه الأصغر أبو حرب، ليأخذ القلعة منه كيف أمكن، فصعد أبو حرب إليها، ووافق المستحفظ على العصيان، فعاد أبو منصور إلى أصبهان، وأرسل أبو حرب إلى الغز السلجوقية بالري يستنجدهم، فسار طائفة منهم إلى قاجان، فدخلوها ونهبوها وسلموها إلى أبي حرب وعادوا إلى الري، فسير إليها أبو منصور عسكراً ليستنقذها من أخيه، فجمع أبو حرب الأكراد وغيرهم، وجعل عليهم صاحباً له وسيرهم إلى أصبهان ليملكوها بزعمه، فسير إليهم أخوه أبو منصور عسكراً، فالتقوا، وانهزم عسكر أبي حرب وأسر جماعة منهم.
وتقدم أصحاب أبي منصور فحصروا أبا حرب، فلما رأى الحال، وخاف، نزل منها متخفياً، وسار إلى شيراز إلى الملك أبي كاليجار، صاحب فارس والعراق، فحسن له قصد أصبهان وأخذها من أخيه، فسار الملك إليها وحصرها، وبها الأمير أبو منصور، فامتنع عليه، وجرى بين الفريقين عدة وقائع، وكان آخر الأمر الصلح على أن يبقى أبو منصور بأصبهان، وتقرر عليه مال، وعاد أبو حرب إلى قلعة نطنز واشتد الحصار عليه، فأرسل إلى أخيه يطلب المصالحة، فاصطلحا على أن يعطي أخاه بعض ما في القلعة، ويبقى بها على حاله.
ثم إن إبراهيم ينال خرج إلى الري، على ما نذكره، وأرسل إلى أبي منصور فرامرز يطلب منه الموادعة، فلم يجبه، وسار فرامرز إلى همذان وبروجرد فملكهما، ثم اصطلح هو وأخوه كرشاسف، وأقطعه همذان، وخطب لأبي منصور على منابر بلاد كرشاسف، واتفقت كلمتهما، وكان المدبر لأمرهما الكيا أبو الفتح الحسن بن عبد الله، وهو الذي سعى في جمع كلمتهما.
ذكر ملك طغرلبك جرجان وطبرستان
في هذه السنة ملك طغرلبك جرجان وطبرستان، وسبب ذلك أن أنوشروان ابن منوجهر بن قابوس بن وشمكير صاحبها قبض على أبي كاليجار بن ويهان القوهي، صاحب جيشه، وزوج أمه بمساعدة أمه عليه، فعلم حينئذ طغرلبك أن البلاد لا مانع له عنها، فسار إليها، وقصد جرجان ومعه مرداويج بن بسو، فلما نازلها فتح له المقيم بها، فدخلها وقرر على أهلها مائة ألف دينار صلحاً، وسلمها إلى مرداويج بن بسو، وقرر عليه خمسين ألف دينار كل سنة عن جميع الأعمال، وعاد إلى نيسابور.
وقصد مرداويج أنوشروان بسارية، وكان بها، فاصطلحا على أن ضمن أنوشروان له ثلاثين ألف دينار، وأقيمت الخطبة لطغرلبك في البلاد كلها، وتزوج مرداويج بوالدة أنوشروان، وبقي أنوشروان يتصرف بأمر مرداويجلا يخالفه في شيء البتة.
ذكر أحوال ملوك الرومنذكر هاهنا أحوال ملوك الروم من عهد بسيل إلى الآن، فنقول: من عادة ملوك الروم أن يركبوا أيام الأعياد إلى البيعة المخصوصة بذلك العيد، فإذا اجتاز الملك بالأسواق شاهده الناس وبأيديهم المداخن يبخرون فيها، فركب والد بسيل وقسطنطين في بعض الأعياد، وكان لبعض أكابر الروم بنت جميلة، فخرجت تشاهد الملك، فلما مر بها استحسنها، فأمر من يسأل عنها، فلما عرفها خطبها وتزوجها وأحبها، وولدت منه بسيل وقسطنطين، وتوفي وهما صغيران، فتزوجت بعده بمدة طويلة نقفور، فكره كل واحد منهما صاحبه، فعملت على قتله، فراسلت الشمشقيق في ذلك، فقصد قسطنطينية متخفياً، فأدخلته إلى دار الملك، واتفقا وقتلاه ليلاً، وأحضرت البطارقة متفرقين، وأعطتهم الأموال ودعتهم إلى تمليك الشمشقيق، ففعلوا، ولم يصبح، وقد فرغت مما تريد ولم يجر خلف.
وتزوجت الشمشقيق وأقامت معه سنة، فخافها، واحتال عليها وأخرجها إلى دير بعيد، وحمل ولديها معها، فأقامت فيه سنة، ثم أحضرت راهباً، ووهبته مالاً، وأمرته بقصد قسطنطينية، والمقام بكنيسة الملك، والاقتصار على قدر القوت، فإذا وثق به الملك، وأراد القربان من يده ليلة العيد، سقاه سماً، ففعل الراهب ذلك، فلما كان ليلة العيد سارت ومعها ولداها، ووصلت قسطنطينية في اليوم الذي توفي فيه الشمشقيق، فملك ولدها بسيل، ودبرت هي الأمر لصغره، فلما كبر بسيل قصد بلد البلغار، وتوفيت، وهو هناك، فبلغه وفاتها، فأمر خادماً له أن يدبر الأمور في غيبته.
ودام قتاله لبلغار أربعين سنة، فظفروا به فعاد مهزوماً، وأقام بالقسطنطينية يتجهز للعود، فعاد إليهم، فظفر بهم، وقتل ملكهم، وسبى أهله وأولاده، وملك بلاده، ونقل أهلها إلى الروم، وأسكن البلاد طائفة من الروم، وهؤلاء البلغار غير الطائفة المسلمة، فإن هؤلاء أقرب إلى بلد الروم من المسلمين بنحو شهرين، وكلاهما يسمى بلغار.
وكان بسيل عادلاً، حسن السيرة، ودام ملكه نيفاً وسبعين سنة، وتوفي ولم يخلف ولداً، فملك أخوه قسطنطين، وبقي إلى أن توفي، ولم يخلف غير ثلاث بنات، فملكت الكبرى، وتزوجت أرمانوس، وهو من أقارب الملك، وملكته، فبقي مدة، وهو الذي ملك الرها من المسلمين.
وكان لأرمانوس صاحب له يخدمه، قبل ملكه، من أولاد بعض الصيارف، اسمه ميخائيل، فلما ملك حكمه في داره، فمالت زوجة قسطنطين إليه، وعملا الحيلة في قتل أرمانوس، فمرض أرمانوس فأدخلاه إلى الحمام كارهاً وخنقاه، وأظهرا أنه مات في الحمام، وملكت زوجته ميخائيل، وتزوجته على كره من الروم.
وعرض لميخائيل صرع لازمه وشوه صورته، فعهد بالملك بعده إلى ابن أخت له اسمه ميخائيل أيضاً، فلما توفي ملك ابن أخته وأحسن السيرة، وقبض على أهل خاله وإخوته، وهم أخواله، وضرب الدنانير في هذه السنة، وهي سنة ثلاث وثلاثين، ثم أحضر زوجته بنت الملك وطلب منها أن تترهب وتنزع نفسها عن الملك، فأبت، فضربها وسيرها إلى جزيرة في البحر، ثم عزم على القبض على البطرك، والاستراحة من تحكمه عليه، فإنه كان لا يقدر على مخالفته، فطلب إليه أن يعمل له طعاماً في دير ذكره بظاهر القسطنطينية ليحضر عنده، فأجابه إلى ذلك، وخرج إلى الدير ليعمل ما قال الملك، فأرسل الملك جماعة من الروس والبلغار، ووافقهم على قتله سراً، فقصدوه ليلاً وحصروه في الدير، فبذل لهم مالاً كثيراً، وخرج متخفياً، وقصد البيعة التي يسكنها، وضرب الناقوس، فاجتمع الروم عليه، ودعاهم إلى عزل الملك، فأجابوه إلى ذلك، وحصروا الملك في دار، فأرسل الملك إلى زوجته وأحضرها من الجزيرة التي نفاها إليها، ورغب في أن ترد عنه، فلم تفعل، وأخرجته إلى البيعة يترهب فيها.
ثم إن البطرك والروم نزعوا زوجته من الملك، وملكوا أختاً لها صغيرة، واسمها تذورة، وجعلوا معها خدم أبيها يدبرون الملك، وكحلوا ميخائيل، ووقعت الحرب بالقسطنطينية بين من يتعصب له وبين من يتعصب لتذورة والبطرك، فظفر أصحاب تذورة بهم، ونهبوا أموالهم.
ثم إن الروم افتقروا إلى ملك يدبرهم، فكتبوا أسماء جماعة يصلحون للملك في رقاع، ووضعوها في بنادق طين، وأمروا من يخرج منها بندقة، وهو لا يعرف باسم من فيها، فخرج اسم قسطنطين، فملكوه وتزوجته الملكة الكبيرة، واستنزلت أختها الصغيرة تذورة عن الملك بمال بذلته لها، واستقر في الملك سنة أربع وثلاثين، فخرج عليه فيها خارجي من الروم اسمه أرميناس، ودعا إلى نفسه فكثر جماعه حتى زادوا على عشرين ألفاً، فأهم قسطنطين أمره، وسير إليه جيشاً كثيفاً، فظفروا بالخارجي وقتلوه، وحملوا رأسه إلى القسطنطينية، وأسر من أعيان أصحابه مائة رجل، فشهروا في البلد، ثم أطلقوا وأعطوا نفقة، وأمروا بالانصراف إلى أي جهة أرادوا.
ذكر فاسد حال الدزبري بالشام وما صار الأمر إليه بالبلادفي هذه السنة فسد أمر أنوشتكين الدزبري، نائب المستنصر بالله، صاحب مصر، بالشام، وقد كان كبيراً على مخدومه بما يراه من تعظم الملوك له، وهيبة الروم منه.
وكان الوزير أبو القاسم الجرجرائي يقصده ويحسده، إلا أنه لا يجد طريقاً إلى الوقيعة فيه، ثم اتفق أنه سعي بكاتب للدزبري اسمه أبو سعد، وقيل عنه إنه يستميل صاحبه إلى غير جهة المصريين، فكوتب الدزبري بإبعاده، فلم يفعل، واستوحشوا منه، ووضع الجرجرائي حاجب الدزبري وغيره على مخالفته.
ثم إن جماعة من الأجناد قصدوا مصر، وشكوا إلى الجرجرائي منه، فعرفهم سوء رأيه فيه، وأعادهم إلى دمشق، وأمرهم بإفساد الجند عليه ففعلوا ذلك.
وأحس الدزبري بما يجري، فأظهر ما في نفسه، وأحضر نائب الجرجرائي عنده، وأمر بإهانته وضربه، ثم إنه أطلق لطائفة من العسكر يلزمون خدمته أرزاقهم، ومنع الباقين، فحرك ما في نفوسهم، وقوى طمعهم فيه، بما كوتبوا به من مصر، فأظهروا الشغب عليه، وقصدوا قصره، وهو بظاهر البلد، وتبعهم من العامة من يريد النهب، فاقتتلوا، فعلم الدزبري ضعفه وعجزه عنهم، ففارق مكانه، واستصحب أربعين غلاماً له، وما أمكنه من الدواب والأثاث والأموال، ونهب الباقي، وسار إلى بعلبك، فمنعه مستحفظها، وأخذ ما أمكنه أخذه من مال الدزبري، وتبعه طائفة من الجند يقفون أثره، وينهبون ما يقدرون عليه.
وسار إلى مدينة حماة، فمنع عنها، وقوتل، وكاتب المقلد الكناني الكفرطابي، واستدعاه، فأجابه، وحضر عنده في نحو ألفي رجل من كفرطاب وغيرها، فاحتمى به، وسار إلى حلب، ودخلها، وأقام بها مدة، وتوفي في منتصف جماى الأولى من هذه السنة.
فلما توفي فسد أمر بلاد الشام، وانتشرت الأمور بها، وزال النظام، وطمعت العرب، وخرجوا في نواحيه، فخرج حسان بن المفرج الطائي بفلسطين، وخرج معز الدولة بن صالح الكلابي بحلب، وقصدها وحصرها، وملك المدينة، وامتنع أصحاب الدزبري بالقلعة، وكتبوا إلى مصر يطلبون النجدة، فلم يفعلوا، واشتغل عساكر دمشق ومقدمهم الحسين بن أحمد الذي ولي أمر دمشق، بعد الدزبري، بحرب حسان، ووقع الموت في الذين في القلعة، فسلموها إلى معز الدولة بالأمان.
ذكر عدة حوادثفي هذه السنة سير الملك أبو كاليجار من فارس عسكراً في البحر إلى عمان، وكان قد عصى من بها، فوصل العسكر إلى صحار مدينة عمان فملكوها، واستعادوا الخارجين عن الطاعة، واستقرت الأمور بها، وعادت العساكر إلى فارس.
وفيها قصد أبو نصر بن الهيثم الصليق من البطائح، فملكها ونهبها، ثم استقر أمرها على مال يؤديه إلى جلال الدولة.
وفيها توفي أبو منصور بهرام بن مافنة، وهو الملقب بالعادل، وزير الملك أبي كاليجار، ومولده سنة ست وستين وثلاثمائة، وكان حسن السيرة، وبنى دار الكتب بفيروزاباذ، وجعل فيها سبعة آلاف مجلد فلما مات وزر بعده مهذب الدولة أبو منصور هبة الله بن أحمد الفسوي.
وفيها وصل جماعة من البلغار إلى بغداد يريدون الحج، فأقيم لهم من الديوان الإقامات الوافرة، فسئل بعضهم: من أي الأمم هم البلغار؟ فقال: هم قوم تولدوا بين الترك والصقالبة، وبلدهم في أقصى الترك، وكانوا كفاراً، فأسلموا عن قريب، وهم على مذهب أبي حنيفة، رضي الله عنه.
وفيها توفي ميخائيل ملك الروم، وملك بعده ابن أخيه ميخائيل أيضاً.
وفيها، في جمادى الآخرة، توفي أبو الحسن محمد بن جعفر الجهرمي الشاعر، وهو القائل:
يا ويح قلبي من تقلبه ... أبداً يحن إلى معذبه
قالوا: كتمت هواه عن جلد ... لو أن لي رمقاً لبحت به
بأبي حبيباً غير مكترث ... عني، ويكثر من تعتبه
حسبي رضاه من الحياة، وما ... قلقي وموتي من تغضبه
وكان بينه وبين المطرز مهاجاة.
ثم دخلت سنة أربع وثلاثين وأربعمائة
ذكر ملك طغرلبك مدينة خوارزمقد تقدم أن خوارزم كانت من جملة مملكة محمود بن سبكتكين، فلما توفي وملك بعده ابنه مسعود كانت له، وكان فيها التونتاش، حاجب أبيه محمود، وهو من أكابر أمرائه، يتولاها لمحمود، ومسعود بعده، ولما كان مسعود مشغولاً بقصد أخيه محمد لأخذ الملك قصد الأمير علي تكين، صاحب ما وراء النهر، أطراف بلاده وشعثها، فلما فرغ مسعود من أمر أخيه واستقر الملك له كاتب التونتاش في سنة أربع وعشرين بقصد أعمال علي تكين، وأخذ بخارى وسمرقند، وأمده بجيش كثيف، فعبر جيحون، وفتح من بلاد علي تكين ما أراد وانحاز علي تكين من بين يديه.
وأقام التونتاش بالبلاد التي فتحها، فرأى دخلها لا يفي بما تحتاج عساكره لأنه كان يريد أن يكون في جمع كثير يمتنع بهم على الترك، فكاتب مسعوداً في ذلك واستأذنه في العود إلى خوارزم، فأذن له، فلما عاد لحقه علي تكين على غرة، وكبسه، فانهزم علي تكين، وصعد إلى قلعة دبوسية، فحصره التونتاش، وكاد يأخذه،! فراسله علي تكين واستعطفه وضرع إليه، فرحل عنه وعاد إلى خوارزم.
وأصاب التونتاش في هذه الوقعة جراحة، فلما عاد إلى خوارزم مرض منها وتوفي، وخلف من الأولاد ثلاثة بنين: هارون، ورشيد، وإسماعيل، فلما توفي ضبط البلد وزيره أبو نصر أحمد بن محمد بن عبد الصمد، وحفظ الخزائن وغيرها، وأعلم مسعوداً، فولى ابنه الكبر هارون خوارزم، وسيره إليها وكان عنده.
واتفق أن الميمندي، وزير مسعود، توفي، فاستحضر أبا نصر بن محمد ابن عبد الصمد واستوزره، فاستناب أبو نصر عند هارون ابنه عبد الجبار، وجعله وزيره، فجرى بينه وبين هارون منافرة أسرها هارون في نفسه، وحسن له أصحابه القبض على عبد الجبار، والعصيان على مسعود، فأظهر العصيان في شهر رمضان سنة خمس وعشرين، وأراد قتل عبد الجبار، فاختفى منه، فقال أعداء أبيه للملك مسعود: إن أبا نصر واطأ هارون على العصيان، وإنما اختفى ابنه حيلة ومكراً، فاستوحش منه إلا أنه لم يظهر ذلك له.
وعزم مسعود على الخروج من غزنة إلى خوارزم، فسار عن غزنة، والزمان شتاء، فلم يمكنه قصد خوارزم، فسار إلى جرجان طالباً أنوشروان بن منوجهر ليقابله على ما ظهر منه عند اشتغال مسعود بقتال أحمد ينالتكين ببلاد الهند. فلما كان ببلاد جرجان أتاه كتاب عبد الجبار بن أبي نصر بقتل هارون، وإعادة البلد إلى طاعته، وكان عبد الجبار في بدء استتاره يعمل على قتل هارون، ووضع جماعة على الفتك به، فقتلوه عند خروجه إلى الصيد، وقام عبد الجبار بحفظ البلد.
فلما وقف مسعود على كتاب عبد الجبار علم أن الذي قيل عن أبيه كان باطلاً، فعاد إلى الثقة به، وبقي عبد الجبار أياماً يسيرة، فوثب به غلمان هارون فقتلوه، وولوا البلد إسماعيل بن التونتاش، وقام بأمره شكر خادم أبيه، وعصوا على مسعود. فكتب مسعود إلى شاهملك بن علي، أحد أصحاب الأطراف بنواحي خوارزم، بقصد خوارزم وأخذها، فسار إليها، فقاتله شكر وإسماعيل، ومنعاه عن البلد، فهزمهما وملك البلد، فسار إلى طغرلبك وداود السلجقيين والتجآ إليهما، وطلبا المعونة منهما، فسار داود معهما إلى خوارزم، فلقيهم شاهملك وقاتلهم فهزمهم، ولما جرى على مسعود من القتل ما جرى وملك مودود دخل شاهملك في طاعته وصافاه، وتمسك كل واحد منهما بصاحبه.
ثم إن طغرلبك سار إلى خوارزم فحصرها وملكها واستولى عليها، وانهزم شاهملك بين يديه، واستصحب أمواله وذخائره، ومضى في المفازة إلى دهستان، ثم انتقل عنها إلى طبس، ثم إلى أطراف كرمان، ثم إلى عمال التيز ومكران، فلما وصل إلى هناك علم خلاصه ببعده، وأمن في نفسه، فعرف خبره أرتاش، أخو إبراهيم ينال، وهو ابن عم طغرلبك، فقصده في أربعة آلاف فارس، فأوقع به وأسره وأخذ ما معه، ثم عاد به فسلمه إلى داود، وحصل هو بما غنم من أمواله، وعاد بعد ذلك إلى باذغيس المقاربة لهراة، وأقام على محاصرة هراة، لأنهم إلى هذه الغاية كانوا مقيمين على الامتناع والاعتصام ببلدهم والثبات على طاعة مودود بن مسعود، فقاتلهم أهل هراة، وحفظوا بلدهم مع خراب سوادهم، وإنما حملهم على ذلك، الحرب خوفاً من الغز.
ذكر قصد إبراهيم ينال همذان وما كان منهقد ذكرنا خروج إبراهيم ينال من خراسان إلى الري، واستيلاءه عليها. فلما استقر أمرها سار عنها، وملك البلاد المجاورة لها، ثم انتقل إلى بروجرد فملكها، ثم قصد همذان، وكان بها أبو كاليجار كرشاسف بن علاء الدولة صاحبها، ففارقها إلى سابور خواست، ونزل إبراهيم ينال على همذان، وأراد دخولها، فقال له أهلها: إن كنت تريد الطاعة، وما يطلبه السلطان من الرعية، فنحن باذلوه، وداخلون تحته، فاطلب أولاً هذا المخالف عليك الذي كان عندنا، يعنون كرشاسف، فإنا لا نأمن عوده إلينا، فإذا ملكته أو دفعته كنا لك.
فكف عنهم وسار إلى كرشاسف، بعد أن أخذ من أهل البلد مالاً، فلما قارب سابور خواست صعد كرشاسف إلى القلعة، فتحصن بها، وحصر إبراهيم البلد، فقاتله أهله خوفاً من الغز، فلم يكن لهم طاقة على دفعهم، فملك البلد قهراً، ونهب الغز أهله، وفعلوا الأفاعيل القبيحة بهم، ثم عادوا بما غنموه إلى الري، فرأوا طغرلبك قد وردها، ولما فارق إبراهيم والغز همذان نزل كرشاسف إليها، فأقام بها إلى أن وصل طغرلبك إلى الري فسار إليه إبراهيم، على ما نذكر إن شاء الله تعالى.
ذكر خروج طغرلبك إلى الري
وملك بلد الجبلفي هذه السنة خرج طغرلبك من خراسان إلى الري، بعد فراغه من خوارزم، وجرجان، وطبرستان، فلما سمع أخوه إبراهيم ينال بقدومه سار إليه فلقيه، وتسلم طغرلبك الري منه، وتسلم غيرها من بلد الجبل وسار إبراهيم إلى سجستان، وأخذ طغرلبك أيضاً قلعة طبرك من مجد الدولة بن بويه، وأقام عنده مكرماً، وأمر طغرلبك بعمارة الري وكانت قد خربت، فوجد في دار الإمارة مراكب ذهب مجوهرة وبرنيتي صيني مملوءتين جوهراً، ومالاً كثيراً، وغير ذلك.
وكان كامرو يهادي طغرلبك، وهو بخراسان، ويخدمه، وخدم أخاه إبراهيم لما كان بالري، فلما حضر عنده أهدى له هدايا كثيرة من أنواع شتى، وهو يظن أن طغرلبك يزيد في إقطاعه، ويرعى له ما تقدم من خدمته له، فخاب ظنه، وقرر على بيده كل سنة سبعة وعشرين ألف دينار.
ثم ساروا إلى قزوين، فامتنع عليه أهلها، فزحف إليهم ورماهم بالسهام والحجارة، فلم يقدروا أن يقفوا على السور، وقتل من أهل البلد برشق، وأخذ ثلاثمائة وخمسين رجلاً، فلما رأى كامرو ومرداويج بن بسو ذلك خافوا أن يملك البلد عنوة وينهب، فمنعوا الناس من القتال، وأصلحوا الحال على ثمانين ألف دينار، وصار صاحبها في طاعته.
ثم إنه أرسل إلى كوكتاش وبوقا وغيرهما من أمراء الغز، الذين تقدم خروجهم، يمنيهم، ويدعوهم إلى الحضور في خدمته، فلما وصل رسوله إليهم ساروا حتى نزلوا على نهر بنواحي زنجان، ثم أعادوا رسوله، وقالوا له: قل له قد علمنا أن غرضك أن تجمعنا لتقبض علينا، والخوف منك أبعدنا عنك، وقد نزلنا هاهنا، فإن أردنا قصدنا خراسان، أو الروم، ولا نجتمع بك ابداً.
وأرسل طغرلبك إلى ملك الديلم يدعوه إلى الطاعة، ويطلب منه مالاً، ففعل ذلك، وحمل إليه مالاً وعروضاً، وأرسل أيضاً إلى سلار الطرم يدعوه إلى خدمته، ويطالبه بحمل مائتي ألف دينار، فاستقر الحال بينهما على الطاعة وشيء من المال. وأرسل سرية إلى أصبهان، وبها أبو منصور فرامرز بن علاء الدولة، فأغارت على أعمالها وعادت سالمة.
وخرج طغرلبك من الري، وأظهر قصد أصبهان، فراسله فرامرز، وصانعه بمال، فعاد عنه وسار إلى همذان فملكها من صاحبها كرشاسف بن علاء الدولة، وكان قد نزل إليه، وهو بالري، بعد أن راسله طغرلبك غير مرة، وسار معه من الري إلى أبهر وزنجان، فأخذ منه همذان، وتفرق أصحابه عنه، وطلب منه طغرلبك تسليم قلعة كنكور، فأرسل إلى من بها بالتسليم، فلم يفعلوا، وقالوا لرسل طغرلبك: قل لصاحبك والله لو قطعته قطعاً ما سلمناها إليك. فقال له طغرلبك: ما امتنعوا إلا بأمرك ورأيك، فاصعد إليهم، وأقم معهم، ولا تفارق موضعك حتى آذن لك.
ثم عاد إلى الري، واستناب بهمذان ناصراً العلوي، وكان كرشاسف قد قبض عليه، فأخرجه طغرلبك وولاه الري وأمره بمساعدة من يجعله في البلد، وكان معه مرداويج بن بسو نائبه في جرجان وطبرستان، فمات، وقام ولده جستان مقامه، فسار طغرلبك إلى جرجان، فعزل جستان عنها، واستعمل على جرجان أسفار، وهو من خواص منوجهر بن قابوس، فلما فرغ أمر جرجان وطبرستان سار إلى دهستان فحصرها، وبها صاحبها كاميار، معتصماً بها لحصانتها.
ذكر مسير عساكر طغرلبك إلى كرمانوسير طغرلبك طائفة من أصحابه إلى كرمان مع أخيه إبراهيم ينال، بعد أن دخل الري، وقيل إن إبراهيم لم يقصد كرمان، وإنما قصد سجستان، وكان مقدم العساكر التي سارت إلى كرمان غيره، فلما وصلوا إلى أطراف كرمان نهبوا، ولم يقدموا على التوغل فيها، فلم يروا من العساكر من يكفهم، فتوسطوا وملكوا عدة مواضع منها ونهبوها.
فبلغ الخبر إلى الملك أبي كاليجار، صاحبها، فسير وزيره مهذب الدولة في العساكر الكثيرة، وأمره بالجد في المسير ليدركهم قبل أن يملكوا جيرفت، وكانوا يحاصرونها، فطوى المراحل حتى قاربهم، فرحلوا عن جيرفت ونزلوا عى ستة فراسخ منها.
وجاء مهذب الدولة فنزلها وأرسل ليحمل الميرة إلى العسكر، فخرجت الغز إلى الجمال والبغال والميرة ليأخذوها، وسمع مهذب الدولة ذلك، فسير طائفة من العسكر لمنعهم، فتواقعوا واقتتلوا، وتكاثر الغز، فسمع مهذب الدولة الخبر، فسار في العساكر إلى المعركة، وهم يقتتلون، وقد ثبتت كل طائفة لصاحبتها واشتد القتال إلى حد أن بعض الغز رمى فرس بعض أصحاب أبي كاليجار بسهم، فوقع فيه، وطعنه صاحب الفرس برمح، فأصاب فرس الغزي، وحمل الغزي على صاحب الفرس، فضربه ضربة قطعت يده، وحمل عليه صاحب الفرس وهو على هذه الحالة، فضربه بسيفه فقطعه قطعتين، وسقطا إلى الأرض قتيلين، والفرسان قتيلان، وهذه حالة لم يدون عن مقدمي الشجعان أحسن منها.
فلما وصل مهذب الدولة إلى المعركة انهزم الغز وتركوا ما كانوا ينهبونه، ودخلوا المفازة، وتبعهم الديلم إلى رأس الحد، وعادوا إلى كرمان فأصلحوا ما فسد منها.
ذكر الوحشة بين القائم بأمر الله أمير المؤمنين وجلال الدولة
في هذه السنة افتتحت الجوالي في المحرم ببغداد، فأنفذ الملك جلال الدولة فأخذ ما تحصل منها، وكانت العادة أن يحمل منها إلى الخلفاء لا تعارضهم فيها الملوك، فلما فعل جلال الدولة ذلك عظم الأمر فيه على القائم بأمر الله واشتد عليه، وأرسل مع أقضى القضاة أبي الحسن الماوردي في ذلك، وتكررت الرسائل، فلم يصغ جلال الدولة لذلك، وأخذ الجوالي، فجمع الخليفة الهاشميين بالدار والرجالة، وتقدم بإصلاح الطيار والزبازب، وأرسل إلى أصحاب الأطراف والقضاة بما عزم عليه، وأظهر العزم على مفارقة بغداد، فلم يتم ذلك، وحدث وحشة من الجهتين، فاقتضت الحال أن الملك يترك معارضة النواب الإمامية فيها في السنة الآتية.
ذكر محاصرة شهرزور وغيرهافي هذه السنة سار أبو الشوك إلى شهرزور، فحصرها ونهبها وأحرقها وخرب قراها وسوادها، وحصر قلعة تبرانشاه، فدفعه أبو القاسم بن عياض عنها، ووعده أن يخلص ولده أبا الفتح من أخيه مهلهل، وأن يصلح بينها.
وكان مهلهل قد سار من شهرزور لما بلغه أن أخاه أبا الشوك يريد قصدها، وقصد نواحي سندة وغيرها من ولايات أبي الشوك، فنهبها وأحرقها وهلكت الرعية في الجهتين.
ثم إن أبا الشوك راسل أبا القاسم بن عياض يستنجزه ما وعده به من تخليص ولده والشروط التي تقررت بينهما، فأجابه بأن مهلهلاً غير مجيب إليه. فعند ذلك سار أبو الشوك من حلوان إلى الصامغان ونهبها، ونهب الولاية التي لمهلهل جميعها، فانزاح مهلهل من بين يديه، وترددت الرسل بينهما، فاصطلحا على دغل ودخل، وعاد أبو الشوك.
ذكر خروج سكين بمصرفي هذه السنة، في رجب، خرج بمصر إنسان اسمه سكين، كان يشبه الحاكم صاحب مصر، فادعى أنه الحاكم، وقد رجع بعد موته، فاتبعه جمع ممن يعتقد رجعة الحاكم، فاغتنموا خلو دار الخليفة بمصر من الجند وقصدوها مع سكين نصف النهار، فدخلوا الدهليز، فوثب من هناك من الجند، فقال لهم أصحابه: إنه الحاكم، فارتاعوا لذلك، ثم ارتابوا به، فقبضوا على سكين، ووقع الصوت، واقتتلوا، فتراجع الجند إلى القصر، والحرب قائمة، فقتل من أصحابه جماعة، وأسر الباقون وصلبوا أحياء، ورماهم الجند بالنشاب حتى ماتوا.
ذكر عدة حوادثفي هذه السنة كانت زلزلة عظيمة بمدينة تبريز، هدمت قلعتها وسورها ودورها وأسواقها وأكثر دار الإمارة، وسلم الأمير لأنه كان في بعض البساتين، فأحصي من هلك من أهل البلد، وكانوا قريباً من خمسين ألفاً، ولبس الأمير السواد والمسوح لعظم المصيبة، وعزم على الصعود إلى بعض قلاعه، خوفاً من توجه الغز السلجوقية إليه، وأخبر بذلك أبو جعفر بن الرقي العلوي النقيب بالموصل.
وفيها قتل قرواش كاتبه أبا الفتح صبراً.
وفيها توفي عبد الله بن أحمد أبو ذر الهروي الحافظ، أقام بمكة، وتزوج من العرب، وأقام بالسروات، وكان يحج كل سنة يحدث في الموسم، ويعود إلى أهله، وصحب القاضي أبا بكر البقلاني.
وفيها توفي عمر بن إبراهيم بن سعيد الزهري من ولد سعد بن أبي وقاص، وكان فقيهاً شافعياً.
ثم دخلت سنة خمس وثلاثين وأربعمائة
ذكر إخراج المسلمين والنصارى القسطنطينيةفي هذه السنة أخرج ملك الروم الغرباء من المسلمين والنصارى وسائر الأنواع من القسطنطينية.
وسبب ذلك أنه وقع الخبر بالقسطنطينية أن قسطنطين قتل ابنتي الملك المتقدم اللتين قد صار الملك فيهما الآن، فاجتمع أهل البلد وأثاروا الفتنة، وطمعوا في النهب، فأشرف عليهم قسطنطين، وسألهم عن السبب في ذلك، فقالوا: قتلت الملكتين، وأفسدت الملك، فقال: ما قتلتهما، وأخرجهما حتى رآهما الناس، فسكنوا.
ثم إنه سأل عن سبب ذلك، فقيل له: إنه فعل الغرباء، وأشاروا بإبعادهم، وأمر فنودي أن لا يقيم أحد ورد البلد منذ ثلاثين سنة، فمن أقام بعد ثلاثة أيام كحل، فخرج منها أكثر من مائة ألف إنسان، ولم يبق بها أكثر من اثني عشر نفساً، ضمنهم الروم فتركهم.
ذكر وفاة جلال الدولة
وملك أبي كاليجار
في هذه السنة، في سادس شعبان، توفي الملك جلال الدولة أبو طاهر بن بهاء الدولة بن عضد الدولة بن بويه ببغداد، وكان مرضه ورماً في كبده، وبقي عدة أيام مريضاً وتوفي، وكان مولده سنة ثلاث وثمانين وثلاثمائة، وملكه ببغداد ست عشرة سنة وأحد عشر شهراً، ودفن بداره، ومن علم سيرته، وضعفه، واستيلاء الجند والنواب عليه، ودوام ملكه إلى هذه الغاية، علم أن الله على كل شيء قدير يؤتي الملك من يشاء وينزعه ممن يشاء.
وكان يزور الصالحين، ويقرب منهم، وزار مرة مشهدي علي والحسين، عليهما السلام، وكان يمشي حافياً قبل أن يصل إلى كل مشهد منهما، نحو فرسخ، يفعل ذلك تديناً.
ولما توفي انتقل الوزير كمال الملك بن عبد الرحيم وأصحاب الملك الأكابر إلى باب المراتب، وحريم دار الخلافة، خوفاً من نهب الأتراك والعامة دورهم، فاجتمع قواد العسكر تحت دار المملكة، ومنعوا الناس من نهبها.
ولما توفي كان ولده الأكبر الملك العزيز أبو منصور بواسط، على عادته، فكاتبه الأجناد بالطاعة، وشرطوا عليه تعجيل ما جرت به العادة من حق البيعة، فترددت المراسلات بينهم في مقداره وتأخيره لفقده.
وبلغ موته إلى الملك أبي كاليجار بن سلطان الدولة بن بهاء الدولة، فكاتب القواد والأجناد، ورغبهم في المال وكثرته وتعجيله، فمالوا إليه وعدلوا عن الملك العزيز.
وأما الملك العزيز فإنه أصعد إلى بغداد لما قرب الملك أبو كاليجار منها، على ما نذكره سنة ست وثلاثين، عازماً على قصد بغداد ومعه عسكره، فلما بلغ النعمانية غدر به عسكره ورجعوا إلى واسط، وخطبوا لأبي كاليجار، فلما رأى ذلك مضى إلى نور الدولة دبيس بن مزيد، لأنه بلغه ميل جند بغداد إلى أبي كاليجار، وسار من عند دبيس إلى قرواش بن المقلد، فاجتمع به بقرية خصة من أعمال بغداد، وسار مع إلى الموصل، ثم فارقه وقصد أبا الشوك لأنه حموه، فلما وصل إلى أبي الشوك غدر به، وألزمه بطلاق ابنته، ففعل، وسار عنه إلى إبراهيم ينال أخي طغرلبك، وتنقلت به الأحوال، حتى قدم بغداد في نفر يسير عازماً على استمالة العسكر وأخذ الملك، فثار به أصحاب الملك أبي كاليجار، فقتل بعض من عنده، وسار هو متخفياً، فقصد نصر الدولة بن مروان فتوفي عنده بميافارقين، وحمل إلى بغداد، ودفن عند أبيه بمقابر قريش، في مشهد باب التبن سنة إحدى وأربعين.
وقد ذكر الشيخ أبو الفرج بن الجوزي أنه آخر ملوك بني بويه، وليس كذلك، فإنه ملك بعده أبو كاليجار، ثم الملك الرحيم بن أبي كاليجار، وهو آخرهم على ما تراه.
وأما الملك أبو كاليجار فلم تزل الرسل تتردد بينه وبين عسكر بغداد، حتى استقر الأمر له، وحلفوا، وخطبوا له ببغداد في صفر من سنة ست وثلاثين وأربعمائة، على ما نذكره إن شاء الله تعالى.
ذكر حال أبي الفتح مودود بن سبكتكينفي هذه السنة سير الملك أبو الفتح مودود بن مسعود بن سبكتكين عسكراً مع حاجب له إلى نواحي خراسان، فأرسل إليهم داود أخو طغرلبك، وهو صاحب خراسان، ولده ألب أرسلان في عسكر، فالتقوا واقتتلوا فكان الظفر للملك ألب أرسلان، وعاد عسكر غزنة منهزماً.
وفيها أيضاً، في صفر، سار جمع من الغز إلى نواحي بست، وفعلوا ما عرف منهم من النهب والشر، فسير إليهم أبو الفتح مودود عسكراً، فالتقوا بولاية بست، واقتتلوا قتالاً شديداً انهزم الغز فيه، وظفر عسكر مودود، وأكثروا فيهم القتل والأسر.
ذكر ملك مودود عدة حصونفي هذه السنة اجتمع ثلاث ملوك من ملوك الهند، وقصدوا لهاوور وحصروها، فجمع مقدم العساكر الإسلامية بتلك الديار من عنده منهم، وأرسل إلى صاحبه مودود يستنجده، فسير إليه العساكر.
فاتفق أن بعض أولئك الملوك فارقهم وعاد إلى طاعة مودود، فرحل الملكان الآخران إلى بلادهما، فسارت العساكر الإسلامية إلى أحدهما، ويعرف بدوبال هرباته، فانهزم منهم، وصعد إلى قلعة له منيعة هو وعساكره، فاحتموا بها، وكانوا خمسة آلاف فارس وسبعين ألف راجل، وحصرهم المسلمون وضيقوا عليهم، وأكثروا القتل فيهم، فطلب الهنود الأمان على تسليم الحصن، فامتنع المسلمون من إجابتهم إلى ذلك إلا بعد أن يضيفوا إليه باقي حصون ذلك الملك الذي لهم، فحملهم الخوف وعدم الأقوات على إجابتهم إلى ما طلبوا وتسلموا الجميع، وغنم المسلمون الأموال، وأطلقوا ما في الحصون من أسرى المسلمين، وكانوا نحو خمسة آلاف نفر.
فلما فرغوا من هذه الناحية قصدوا ولاية الملك الثاني، واسمه تابت، بالري، فتقدم إليهم ولقيهم، فاقتتلوا قتالاً شديداً، وانهزمت الهنود، وأجلت المعركة عن قتل ملكهم وخمسة آلاف قتيل، وجرح وأسر ضعفاهم، وغنم المسلمون أموالهم وسلاحهم ودوابهم. فلما رأى باقي الملوك من الهند ما لقي هؤلاء أذعنوا بالطاعة، وحملوا الأموال، وطللبوا الأمان والإقرار على بلادهم، فأجيبوا إلى ذلك.
ذكر الخلف بين الملك أبي كاليجار وفرامرز بن علاء الدولةفي هذه السنة نكث الأمير أبو منصور فرامرز بن علاء الدولة بن كاكويه، صاحب أصبهان، العهد الذي بينه وبين الملك أبي كاليجار، وسير عسكراً إلى نواحي كرمان، فملكوا منها حصنين، وغنموا ما فيهما.
فأرسل الملك أبو كاليجار إليه في إعادتهما وإزالة الاعتراض عنهما، فلم يفعل، فتجهز عسكراً وسيره إلى أبرقوة، فحصرها وملكها، فانزعج فرامرز لذلك، وجهز عسكراً كثيراً وسيره إليهم، فسمع الملك أبو كاليجار بذلك، فسير عسكراً ثانياً مدداً لعسكره الأول، والتقى العسكران فاقتتلوا وصبروا، ثم انهزم عسكر أصبهان، وأسر مقدمهم الأمير إسحاق بن ينال، واسترد نواب أبي كاليجار ما كانوا أخذوه من كرمان.
ذكر أخبار الترك بما وراء النهرفي هذه السنة، في صفر، أسلم من كفار الترك الذين كانوا يطرقون بلاد الإسلام بنواحي بلاساغون وكاشغر، ويغيرون ويعيثون، عشرة آلاف خركاة، وضحوا يوم عيد الأضحى بعشرين ألف رأس غنم، وكفى الله المسلمين شرهم.
وكانوا يصيفون بنواحي بلغار، ويشتون بنواحي بلاساغون، فلما أسلموا تفرقوا في البلاد، فكان في كل ناحية ألف خركاة، وأقل وأكثر لأمنهم، فإنهم إنما كانوا يجتمعون ليحمي بعضهم بعضاً من المسلمين، وبقي من الأتراك من لم يسلم تتر وخطا، وهم بنواحي الصين.
وكان صاحب بلاساغون، وبلاد الترك، شرف الدولة، وفيه دين، وقد أقنع من إخوته وأقاربه بالطاعة، وقسم البلاد بينهم، فأعطى أخاه أصلان تكين كثيراً من بلاد الترك، وأعطى أخاه بغراجان طراز وأسبيجاب، وأعطى عمه طغاخان، فرغانة بأسرها، وأعطى ابن علي تكين بخارى وسمرقند وغيرهما وقنع هو ببلاساغون وكاشغر.
ذكر أخبار الروم والقسطنطينيةفي هذه السنة، في صفر أيضاً، ورد إلى القسطنطينية عدد كثير من الروس في البحر، وراسلوا قسطنطين ملك الروم بما لم تجر به عادتهم، فاجتمعت الروم على حربهم، وكان بعضهم قد فارق المراكب إلى البر، وبعضهم فيها، فألقى الروم في مراكبهم النار، فلم يهتدوا إلى إطفائها، فهلك كثير منهم بالحرق والغرق، وأما الذين على البر فقاتلوا، وأبلوا، وصبروا، ثم انهزموا، فلم يكن لهم ملجأ، فمن استسلم أولاً استرق وسلم، ومن امتنع، حتى أخذ قهراً، قطع الروم أيمانهم، وطيف بهم في البلد، ولم يسلم منهم إلا اليسير مع ابن ملك الروسية، وكفي الروم شرهم.
ذكر طاعة المعز بإفريقية للقائم بأمر اللهفي هذه السنة أظهر المعز ببلاد إفريقية الدعاء للدولة العباسية، وخطب للإمام القائم بأمر الله، أمير المؤمنين، ووردت عليه الخلع والتقليد ببلاد إفريقية وجميع ما يفتحه، وفي أول الكتاب الذي مع الرسل: من عبد الله ووليه أبي جعفر القائم بأمر الله أمير المؤمنين إلى الملك الأوحد، ثقة الإسلام، وشرف الإمام، وعمدة الأنام ناصر دين الله، قاهر أعداء الله، ومؤيد سنة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أبي تميم المعز بن باديس بن المنصور ولي أمير المؤمنين بولاية جميع المغرب، وما افتتحه بسيف أمير المؤمنين، وهو طويل.
وأرسل إليه سيف وفرس وأعلام على طريق القسطنطينية، فوصل ذلك يوم الجمعة، فدخل به إلى الجامع، والخطيب ابن الفاكاة على المنبر يخطب الخطبة الثانية، فدخلت الأعلام، فقال: هذا لواء الحمد يجمعكم. وهذا معز الدين يسمعكم. وأستغفر الله لي ولكم. وقطعت الخطبة للعلويين من ذلك الوقت، وأحرقت أعلامهم.
ذكر عدة حوادثفي هذه السنة جرت حرب بين ابن الهيثم، صاحب البطيحة، وبين الأجناد من الغز والديلم، فأحرق الجامدة وغيرها، وخطب الجند للملك أبي كاليجار.
وفيها أرسل الخليفة القائم بأمر الله أقضى القضاة أبا الحسن علي بن محمد ابن حبيب الماوردي، الفقيه الشافعي، إلى السلطان طغرلبك قبل وفاة جلال الدولة، وأمره أن يقرر الصلح بين طغرلبك والملك جلال الدولة وأبي كاليجار، فسار إليه وهو بجرجان، فلقيه طغرلبك على أربعة فراسخ إجلالاً لرسالة الخليفة، وعاد الماوردي سنة ست وثلاثين وأخبر عن طاعة طغرلبك للخليفة، وتعظيمه لأوامره ووقوفه عنده.
وفيها توفي عبد الله بن أحمد بن عثمان بن الفرج بن الأزهر أبو القاسم ابن أبي الفتح الأزهري الصيرفي المعروف بابن السواري شيخ الخطباء أبي بكر، وكان إماماً في الحديث، ومن تلامذته الخطيب البغدادي.
ثم دخلت سنة ست وثلاثين وأربعمائة
ذكر قتل الإسماعيلية بما وراء النهرفي هذه السنة أوقع بغراخان، صاحب ما وراء النهر، بجمع كثير من الإسماعيلية.
وكان سبب ذلك أن نفراً منهم قصدوا ما وراء النهر، ودعوا إلى طاعة المستنصر بالله العلوي، صاحب مصر، فتبعهم جمع كثير وأظهروا مذاهب أنكرها أهل تلك البلاد.
وسمع ملكها بغراخان خبرهم، وأراد الإيقاع بهم، فخاف أن يسلم منه بعض من أجابهم من أهل تلك البلاد، فأظهر لبعضهم أنه يميل إليهم، ويريد الدخول في مذاهبهم، وأعلمهم ذلك، وأحضرهم مجالسة، ولم يزل حتى علم جميع من أجابهم إلى مقالتهم، فحينئذ قتل من بحضرته منهم، وكتب إلى سائر البلاد بقتل من فيها، ففعل بهم ما أمر، وسلمت البلاد منهم.
ذكر الخطبة للملك أبي كاليجار وإصعاده إلى بغدادقد ذكرنا لما توفي الملك جلال الدولة ما كان من مراسلة الجند الملك أبا كاليجار والخطبة له. فلما استقرت القواعد بينه وبينهم أرسل أموالاً فرقت على الجند ببغداد، وعلى أولادهم، وأرسل عشرة آلاف دينار للخليفة ومعها هدايا كثيرة، فخطب به ببغداد في صفر، وخطب له أيضاً أبو الشوك في بلاده، ودبيس بن مزيد ببلاده، ونصر الدولة بن مروان بديار بكر، ولقبه الخليفة محيي الدين، وسار إلى بغداد في مائة فارس من أصحابه لئلا تخافه الأتراك.
فلما وصل إلى النعمانية لقيه دبيس بن مزيد، ومضى إلى زيارة المشهدين بالكوفة وكربلاء، ودخل إلى بغداد في شهر رمضان ومعه وزيره ذو السعادات أبو الفرج محمد بن جعفر بن محمد بن فسانجس، ووعده الخليفة القائم بأمر الله أن يستقبله، فاستعفى من ذلك، وأخرج عميد الدولة أبا سعد بن عبد الرحيم وأخاه كمال الملك وزيري جلال الدولة من بغداد، فمضى أبو سعد إلى تكريت، وزينت بغداد لقدومه، وأمر فخلع على أصحاب الجيوش، وهم: البساسيري، والنشاووري، والهمام أبو اللقاء، وجرى من ولاة العرض تقديم لبعض الجند وتأخير، فشغب بعضهم، وقتلوا واحداً من ولاة العرض بمرأى من الملك أبي كاليجار، فنزل في سميرية بكنكور، وانحدر خوفاً من انخراق الهيبة، وأصعد بفم الصلح.
وفي رمضان منها توفي أبو القاسم علي بن أحمد الجرجرائي وزير الظاهر والمستنصر الخليفتين، وكان فيه كفاية، وشهامة، وأمانة، وصلى عليه المستنصر بالله.ز
ذكر عدة حوادثفي هذه السنة نزل الأمير أبو كاليجار كرشاسف بن علاء الدولة من كنكور وقصد همذان فملكها وأزاح عنها نواب السلطان طغرلبك، وخطب للملك أبي كاليجار، وصار في طاعته.
وفيها أمر الملك أبي كاليجار ببناء سور مدينة شيراز، فبني وأحكم بناؤه، وكان دوره اثني عشر ألف ذراع، وعرضه ثمانية أذرع، وله أحد عشر باباً، وفرغ منه سنة أربعين وأربعمائة.
وفيها نقل تابوت جلال الدولة من داره إلى مشهد باب التبن، إلى تربة له هناك.
وفيها استوزر السلطان طغرلبك وزيره أبا القاسم علي بن عبد الله الجويني، وهو أول وزير وزر له، ثم وزر له بعده رئيس الرؤساء أبو عبد الله الحسين ابن علي بن ميكائيل، ثم وزر له بعدهنظام الملك أبو محمد الحسن بن محمد الدهستاني، وهو أول من لقب نظام الملك، ثم وزر له بعده عميد الملك الكندري، وهو أشهرهم، وإنما اشتهر لأن طغرلبك، في أيامه، عظمت دولته، ووصل إلى العراق، وخطب به بالسلطنة، وسيرد من أخباره ما فيه كفاية، فلا حاجة إلى ذكرها هاهنا.
وفيها توفي الشريف المرتضى أبو القاسم علي أخر الرضي في آخر ربيع الأول، ومولده سنة خمس وخمسين وثلاثمائة، وولي نقابة العلويين بعده أبو أحمد عدنان ابن أخيه الرضي.
وفيها توفي القاضي أبو عبد الله الحسين بن علي بن محمد الصيمري، وهو شيخ أصحاب أبي حنيفة في زمانه، ومن جملة تلامذته القاضي أبو عبد الله الدامغاني، ومولده سنة إحدى وخمسين وثلاثمائة، وولي بعده قضاء الكرخ القاضي أبو الطيب الطبري مضافاً إلى ما كان يتولاه من القضاء بباب الطاق.
وفيها توفي القاضي أبو الحسن عبد الوهاب بن منصور بن المشتري قاضي خوزستان وفارس، وكان شافعي المذهب.
وفيها توفي أبو الحسين محمد بن علي البصري، المتكلم المعتزلي، صاحب التصانيف المشهورة.
ثم دخلت سنة سبع وثلاثين وأربعمائة
ذكر وصول إبراهيم ينار إلى همذانفي هذه السنة أمر السلطان طغرلبك أخاه إبراهيم ينال بالخروج إلى بلد الجبل وملكها، فسار إليها من كرمان، وقصد همذان، وبها كرشاسف بن علاء الدولة، ففارقها خوفاً، ودخلها ينال فملكها، والتحق كرشاسف بالأكراد الجوزقان.
وكان أبو الشوك حينئذ بالدينور، فسار عنها إلى قرميسين خوفاً وإشفاقاً من ينال، فقوي طمع ينال حينئذ في البلاد، وسار الدينور فملكها ورتب أمورها، وسار منها يطلب قرميسين.
فلما سمع أبو الشوك به سار إلى حلوان وترك بقرميسين من في عسكره من الديلم، والأكراد الشاذنجان، ليمنعوها ويحفظوها، ووافاهم ينال جريدة، فقاتلوه، فدفعوه عنها، فانصرف عنهم وعاد بخركاهاته وحلله، فقاتلوه، فضعفوا عنه وعجزوا عن منعه، فملك البلد في رجب عنوة وقتل من العساكر جماعة كثيرة، وأخذ أموال من سلم من القتل، وسلاحهم، وطردهم، ولحقوا بأبي الشوك، ونهب البلد وقتل وسبى كثيراً من أهله.
ولما سمع أبو الشوك ذلك سير أهله وأمواله وسلاحه من حلوان إلى قلعة السيروان، وأقام جريدة في عسكره، ثم إن ينال سار إلى الصيمرة في شعبان، فملكها ونهبها، وأوقع بالأكراد المجاورين لها من الجوزقان، فانهزموا، وكان كرشاسف بن علاء الدولة نازلاً عندهم، فسار هو وهم إلى بلد شهاب الدولة أبي الفوارس منصور بن الحسين.
ثم إن إبراهيم ينال سار إلى حلوان، وقد فارقها أبو الشوك، ولحق بقلعة السيروان، فوصل إليها إبراهيم آخر شعبان، وقد جلا أهلها عنها، وتفرقوا في البلاد، فنهبها وأحرقها، وأحرق دار أيب الشوك، وانصرف بعد أن اجتاحها ودرسها.
وتوجه طائفة من الغز إلى خانقين في أثر جماعة من أهل حلوان كانوا ساروا بأهليهم وأولادهم وأموالهم، فأدركوهم وظفروا بهم وغنموا ما معهم، وانتشر الغز في تلك النواحي، فبلغوا مايدشت وما يليها، فنهبوها وأغاروا عليها.
فلما سمع الملك أبو كاليجار هذه الأخبار أزعجته وأقلقته، وكان بخوزستان، فعزم على المسير، ودفع ينال ومن معه من الغز عن البلاد، فأمر عساكره بالتجهز للسفر إليهم، فعجزوا عن الحركة لكثرة ما مات من دوابهم، فلما تحقق ذلك سار نحو بلاد فارس، فحمل العسكر أثقالهم على الحمير
ذكر عدة حوادثفي هذه السنة، في المحرم، خطب للملك أبي كاليجار بأصبهان وأعمالها، وعاد الأمير أبو منصور بن علاء الدولة إلى طاعته.
وكان سبب ذلك أنه لما عصى على الملك أبي كاليجار، وقصد كرمان، على ما ذكرناه، والتجأ إلى طاعة طغرلبك، لم يبلغ ما كان يؤمله من طغرلبك، فلما عاد طغرلبك إلى خراسان خاف أبو منصور من الملك أبي كاليجار فراسله في العود إلى طاعته، فأجابه إلى ذلك واصطلحا.
وفيها اصطلح أبو الشوك وأخوه مهلهل، وكان متقاطعين من حين أسر مهلهل أبا الفتح بن أبي الشوك، وموت أبي الفتح في سجنه. فلما كان الآن وخافا من الغز تراسلا في الصلح، واعتذر مهلهل، وأرسل ولده أبا الغنائم إلى أبي الشوك، وحلف له أن أبا الفتح توفي حتف أنفه من غير قتل، وقال: هذا ولدي تقتله عوضه، فرضي أبو الشوك، وأحسن إلى أبي الغنائم، ورده إلى أبيه، واصطلحا واتفقا.
وفيها، في جمادى الأولى، خلع الخليفة على أبي القاسم علي بن الحسن بن المسلمة، واستوزره، ولقبه رئيس الرؤساء، وهو ابتداء حاله.
وكان السبب في ذلك أن ذا السعادات بن فسانجس، وزير الملك أبي كاليجار، كان يسيء الرأي في عميد الرؤساء، وزير الخليفة، فطلب من الخليفة أن يعزله، فعزله واستوزر رئيس الرؤساء نيابة، ثم خلع عليه وجلس في الدست.
وفيها، في شعبان، سار سرخاب بن محمد بن عناز أخو أبي الشوك إلى البندنيجين وبها سعدي بن أبي الشوك، ففارقها سعدي ولحق بأبيه، ونهب سرخاب بعضها، وكان أبو الشوك قد أخذ بلد سرخاب ما عدا دزديلويه وهما متباينان لذلك.
وفيها، في آخر رمضان، توفي أبو الشوك فارس بن محمد بن عناز بقلعة السيروان، وكان مرض لما سار إلى السيروان من حلوان، ولما توفي غدر الأكراد بابنه سعدي، وصاروا مع عمه مهلهل، فعند ذلك مضى سعدي إلى إبراهيم ينال، وأتى بالغز، على ما نذكره إن شاء الله تعالى.
وفيها قتل عيسى بن موسى الهذباني صاحب أربل، وكان خرج إلى الصيد، فقتله ابنا أخ له، وساروا إلى قلعة إربل فملكاها، وكان سلار بن موسى، أخو المقتول، نازلاً على قرواش بن المقلد، صاحب الموصل، لنفرة كانت بينه وبين أخيه، فلما قتل سار قرواش مع السلار إلى إربل، فملكها وسلمها إلى السلار، وعاد قرواش إلى الموصل.
وفيها كانت ببغداد فتنة بين أهل الكرخ وباب البصرة، وقتال اشتد قتل فيه جماعة.
وفيها وقع البلاء والوباء في الخيل، فهلك من عسكر الملك أبي كاليجار اثنا عشر ألف فرس، وعم ذلك البلاء.
وفيها توفي علي بن محمد بن نصر أبو الحسن الكاتب بواسط، صاحب الرسائل المشهورة.
ثم دخلت سنة ثمان وثلاثين وأربعمائة
ذكر ملك مهلهل قرميسين والدينورفي هذه السنة ملك مهلهل بن محمد بن عناز مدينة قرميسين والدينور.
وسبب ذلك أن إبراهيم ينال كان قد استعمل عند عوده من حلوان على قرميسين بدر بن طاهر بن هلال، فلما ملك مهلهل، بعد موت أخيه أبي الشوك، سار إلى مايدشت، ونزل بها ثم توجه نحو قرميسين، فانصرف عنها بدر فملكها مهلهل، وسير ابنه محمداً إلى الدينور، وبها عساكر ينال، فاقتتلوا، فقتل بين الفريقين جماعة، وانهزم أصحاب ينال، وملك محمد البلد.
ذكر اتصال سعدي بن أبي الشوك بإبراهيم ينال وما كان منهفي هذه السنة، في شهر ربيع الأول، فارق سعدي بن أبي الشوك عمه مهلهلاً، ولحق بإبراهيم ينال فصار معه.
وسبب ذلك أن عمه تزوج أمه وأهمل جانبه واحتقره، وكذلك أيضاً قصر في مراعاة الأكراد الشاذنجان، فراسل سعدي إبراهيم ينال في اللحاق به، فأذن له في ذلك، ووعده أن يملكه ما كان لأبيه، فسار إليه في جماعة من الأكراد الشاذنجان، فقوي بهم، فأكرمه ينال، وضم إليه جمعاً من الغز وسيره إلى حلوان فملكها، وخطب فيها لإبراهيم ينال في شهر ربيع الأول، وأقام بها أياماً، ورجع إلى مايدشت، فسار عمه مهلهل إلى حلوان فملكها وقطع منها خطبة ينال.
فلما سمع سعدي بذلك سار إلى حلوان، ففارقها عمه مهلهل إلى ناحية بلوطة، وملك سعدي حلوان وسار إلى عمه سرخاب فكبسه ونهب ما كان معه، وسير جمعاً إلى البندنيجين، فاستولوا عليها وقبضوا على نائب سرخاب بها، ونهبوا بعضها، وانهزم بعضها، وانهزم سرخاب، فصعد إلى قلعة دزديلويه، ثم عاد سعدي إلى قرميسين، فسير عمه مهلهل ابنه بدراً إلى حلوان فملكها، فجمع سعدي وأكثر وعاد إلى حلوان، ففارقها من كان بها من أصحاب عمه من كان بالقلعة، وملكها سعدي، وكان قد صحبه كثير من الغز، فسار بهم منها إلى عمه مهلهل، وترك بها من يحفظها. فلما علم عمه بقربه منه سار بين يديه إلى قلعة تيرانشاه، بقرب شهرزور، فاحتمى بها، وملك الغز كثيراً من النواحي والمواشي، وغنموا كثيراً من الأموال والدواب.
فلما رأى سعدي تحصن عمه منه خاف على من خلفه بحلوان فعاد عازماً على محاصرة القلعة، فمضى وحصرها، وقاتله من بها من أصحاب عمه، ونهب الغز حلوان، وفتكوا فيها وافتضوا الأبكار، وأحرقوا المساكن، وتفرق الناس،! وفعلوا في تلك النواحي جميعها أقبح فعل.
ولما سمع أصحاب الملك أبي كاليجار ووزيره هذه الأخبار ندبوا العساكر إلى الخروج إلى مهلهل ومساعدته على ابن أخيه، ودفعه عن هذه الأعمال، فلم يفعلوا.
ثم إن سعدي أقطع أبا الفتح بن ورام البندنيجين، واتفقا، واجتمعا على قصد عمه سرجاب بن محمد بن عناز، وحصره بقلعة دزديلويه، فسارا فيمن معهما من العساكر، فلما قاربوا القلعة دخلوا في مضيق هناك من غير أن يجعلوا لهم طليعة طمعاً فيه وإدلالاً بقوتهم، وكان سرخاب قد جعل على رأس الجبل، على فم المضيق، جمعاً من الأكراد، فلما دخلوا المضيق، فتقطرت بهم خيلهم، فسقطوا عنها ورماهم الأكراد الذين على الجبل، فوهنوا وأسر سعدي وأبو الفتح بن ورام وغيرهما من الرؤوس، وتفرق الغز والأكراد من تلك النواحي، بعد أن كانوا قد توطنوها وملكوها.
ذكر حصار طغرلبك أصبهانفي هذه السنة حصر طغرلبك مدينة أصبهان، وبها صاحبها أبو منصور فرامرز ابن علاء الدولة، فضيق عليه، ولم يظفر من البلد بطائل، ثم اصطلحوا على مال يحمله فرامرز بن علاء الدولة لطغرلبك، وخطب له بأصبهان وأعمالها.
ذكر عدة حوادثفي هذه السنة خرج من الترك من بلد التبت خلق لا يحصون كثرة، فراسلوا أرسلان خان، صاحب بلاساغون، يشكرونه على حسن سيرته في رعيته، ولم يكن منهم تعرض إلى مملكته، ولكنهم أقاموا بها، وراسلهم ودعاهم إلى الإسلام، فلم يجيبوا، ولم ينفروا منه.
وفيها توفي أبو الحسن الخيشي النحوي في ذي الحجة، وله نيف وتسعون سنة.
وفيها انحدر علاء الدين أبو الغنائم ابن الوزير ذي السعادات إلى البطائح وحصرها، وبها صاحبها أبو نصر بن الهيثم، وضيق عليه، واجتمع مع جمع كثير.
وفيها، في ذي القعدة، توفي عبد الله بن يوسف أبو محمد الجويني، والد إمام الحرمين أبي المعالي، وكان إماماً في الشافعية، تفقه على أبي الطيب سهل ابن محمد الصعلوكي، وكان عالماً بالأدب وغيره من العلوم، وهو من بني سنبس، بطن من طيء.
ثم دخلت سنة تسع وثلاثين وأربعمائة
ذكر صلح أبي كاليجار والسلطان طغرلبكفي هذه السنة أرسل الملك أبو كاليجار إلى السلطان ركن الدين طغرلبك في الصلح، فأجابه إليه، واصطلحا، وكتب طغرلبك إلى أخيه ينال يأمره بالكف عما وراء ما بيده، واستقر الحال بينهما أن يتزوج طغرلبك بابنة أبي كاليجار، ويتزوج الأمير أبو منصور بن أبي كاليجار بابنة الملك داود أخي طغرلبك، وجرى العقد في شهر ربيع الآخر من هذه السنة.
ذكر القبض على سرخاب أخي أبي الشوكفي هذه السنة قبض الأكراد اللرية وجماعة من عسكر سرخاب عليه، لأنه أساء السيرة معهم ووترهم، فقبضوا عليه، وحملوه إلى إبراهيم ينال، فقلع إحدى عينيه، وطالبه بإطلاق سعدي بن أبي الشوك فلم يفعل.
وكان أبو العسكر بن سرخاب قد غاضبه لما قبض على سعدي، واعتزله كراهية لفعله، فلما أسر أبوه سرخاب سار إلى القلعة وأخرج سعدي ابن عمه، وفك قيوده، وأحسن إليه وأطلقه، وأخذ عليه بطرح ما مضى، والسعي في خلاص والده سرخاب، فسار سعدي، واجتمع عليه خلق كثير من الأكراد، ووصل إلى إبراهيم ينال، فلن يجد عنده الذي أراد، ففارقه وعاد إلى الدسكرة، وكاتب الخليفة ونواب الملك أبي كاليجار بالعود إلى الطاعة وأقام بها.
ذكر ملك إبراهيم ينال قلعة كنكور وغيرها
في هذه السنة سار إبراهيم ينال إلى قلعة كنكور، وبها عكبر بن فارس، صاحب كرشاسف، بن علاء الدولة يحفظها له، فامتنع عكبر بها إلى أن فنيت ذخائره، وكانت قليلة، فلما نفدت الذخائر عمد إلى بيوت الطعام التي في القلعة وملأها ترابا وحجارة، وسد أبوابها، ونثر من داخل الأبواب شيئاً من طعام، وعلى رأس التراب والحجارة كذلك أيضاً، وراسل إبراهيم في تسليم القلعة إليه، على أن يؤمنه على من بها من الرجال، وما بها من الأموال، فأرسل إليه إبراهيم يمتنع عليه من ترك المال، فأخذ عكبر رسول إبراهيم فطوفه على البيوت التي فيها الطعام، وفتح مواضع من المسدود فرآها مملوءة، فظنها طعاماً، وقال له عكبر: ما راسلت صاحبك خوفاً من المطاولة، ولا إشفاقاً من نفاد الميرة، لكنني أحببت الدخول في طاعته، فإن بذل لي الأمان على ما طلبته لي وللأمير كرشاسف وأمواله، ولمن بالقلعة، سلمت إليه وكفيته مؤونة المقام.
فلما عاد الرسول إلى إبراهيم وأخبره أجابه إلى ما طلب، ونزل عكبر، وتسلمها إبراهيم، فلما صعد إلى القلعة انكشفت الحيلة، وسار عكبر بمن معه إلى قلعة سرماج، وصعد إليها.
ولما ملك ينال كنكور عاد إلى همذان، فسير جيشاً لأخذ قلاع سرخاب، واستعمل عليهم نسيباً له اسمه أحمد، وسلم إليه سرخاباً ليفتح به قلاعه، فسار به إلى قلعة كلكان، فامتنعت عليه، فساروا إلى قلعة دزديلويه فحصروها، وامتدت طائفة منهم إلى البندنيجين فنهبوها في جمادى الآخرة، وفعلوا الأفاعيل القبيحة من النهب والقتل وافتراش النساء والعقوبة على تخليص الأموال، فمات منهم جماعة لشدة الضرب.
وسارت طائفة منهم إلى أبي الفتح بن ورام، فانصرف عنهم خوفاً منهم، وترك حلله بحالها، وقصد أن يشتغلوا بنهب حلله، فيعود عليهم، فلم يعرجوا على النهب وتبعوه، فلشدة خوفه أن يظفروا به ويأخذوه قاتلهم، فظفر بهم، وقتل وأسر جماعة منهم، وغنم ما معهم، ورجع الباقون، وأرسل إلى بغداد يطلب نجدة خوفاً من عودهم، فلم ينجدوه لعدم الهيبة وقلة إمساك الأمر، فعبر بنو ورام دجلة إلى الجانب الغربي.
ثم إن الغز أسروا إلى سعدي بن أبي الشوك في رجب، وهو نازل على فرسخين من باحسري، وكبسوه، فانهزم هو ومن معه لا يلوي الأخ على أخيه، ولا الوالد على ولده، فقتل منهم خلق كثير، وغنم الغز أموالهم، ونهبوا تلك الأعمال، وكان سعدي قد أنزل مالاً من قلعة السيروان، فوصله تلك الليلة، فغنمه الغز إلا من سلم معه، ونجا سعدي من الوقعة بجريعة الذقن، ونهب الغز الدسكرة، وباجسري، والهارونية، وقصر سابور وجميع تلك الأعمال.
ووصل الخبر إلى بغداد بأن إبراهيم ينال عازم على قصد بغداد، فارتاع الناس، واجتمع الأمراء والقواد إلى الأمير أبي منصور ابن الملك أبي كاليجار ليجتمعوا ويسيروا إليه ويمنعوه، واتفقوا على ذلك، فلم يخرج غير خيم الأمير أبي منصور والوزير ونفر يسير، وتخلف الباقون، وهلك من أهل تلك النواحي المنهوبة خلق كثير، فمنهم من قتل، ومنهم من غرق، ومنهم من قتله البر.
ووصل سعدي إلى ديالى، ثم سار منها إلى أبي الأغر دبيس بن مزيد فأقام عنده. ثم إن إبراهيم ينال سار إلى السيروان، فحصر القلعة، وضيق على من بها، وأرسل سرية نهبت البلاد، وانتهت إلى مكان بينه وبين تكريت عشرة فراسخ، ودخل بغداد من أهل طريق خراسان خلق كثير، وذكروا من حالهم ما أبكى العيون، ثم سلمها إليه مستحفظاً، بعد أن أمنه على نفسه وماله، وأخذ منها ينال من بقايا ما خلفه سعدي شيئاً كثيراً، ولما فتحها استخلف فيها مقدماً كبيراً من أصحابه يقال له سخت كمان، وانصرف إلى حلوان، وعاد منها إلى همذان ومعه بدر ومالك ابنا مهلهل فأكرمهما.
ثم إن صاحب قلعة سرماج توفي، وهو من ولد بدر بن حسنويه، وسلمت القلعة بعده إلى إبراهيم ينال، وسير إبراهيم ينال وزيره إلى شهرزور فأخذها وملكها، فهرب منه مهلهل، فأبعد في الهرب. ثم نزل أحمد على قلعة تيرانشاه وحاصرها، ونقب عليها عدة نقوب، ثم إن مهلهلاً راسل أهل شهرزور يعدهم بالمسير إليهم في جمع كثير، ويأمرهم بالوثوب بمن عندهم من الغز، ففعلوا وقتلوا منهم، وسمع أحمد بن طاهر، فعاد إليهم وأوقع بهم ونهبهم، وقتل كثيراً منهم.
ثم إن الغز المقيمين بالبندنيجين ومن معهم ساروا إلى براز الروز، وتقدموا إلى نهر السليل، فاقتتلوا هم وأبو دلف القاسم بن محمد الجاواني قتالاً شديداً ظفر فيه أبو دلف، وانهزم الغز وأخذ ما معهم.
وسار، في ذي الحجة، جمع من الغز إلى بلد علي بن القاسم الكردي، فأغاروا وعاثوا، فأخذ عليهم المضيق وأوقع بهم وقتل كثيراً منهم، وارتجع ما غنموه من بلده.
ذكر استيلاء أبي كاليجار على البطيحةفي هذه السنة اشتد الحصار من عسكر الملك أبي كاليجار على أب نصر بن الهيثم، صاحب البطيحة، فجنح إلى الصلح، فاشتط عليه أبو الغنائم ابن الوزير ذي السعادات، ثم استأمن نفر من أصحاب أبي نصر وملاحيه إلى أبي الغنائم، وأخبروه بضعف أبي نصر، وعزمه على الانتقال من مكانه، فحفظ الطرق عليه، فلما كان خامس صفر جرت وقعة كبيرة بين الفريقين، واشتد القتال، فظفر أبو الغنائم، وقتل من البطائحيين جماعة كثيرة وغرق منهم سفن كثيرة، وتفرقوا في الآجام، ومضى ابن الهيثم ناجياً بنفسه في زبزب، وملكت داره ونهب ما فيها.
ذكر ظهور الأصفر وأسرهفي هذه السنة ظهر الأصفر التغلبي برأس عين، وادعى أنه من المذكورين في الكتب، واستغوى قوماً بمخاريق وضعها، وجمع جمعاً وغزا نواحي الروم، فظفر وغنم وعاد، وظهر حديثه، وقوي ناموسه، وعاودوا الغزو في عدد أكثر من العدد الأول، ودخل نواحي الروم وأوغل، وغنم أضعاف ما غنمه أولاً، حتى بيعت الجارية الجميلة بالثمن البخس.
وتسامع الناس به فقصدوه، وكثر جمعه، واشتدت شوكته، وثقلت على الروم وطأته فأرسل ملك الروم إلى نصر الدولة بن مروان يقول له: إنك عالم بما بيننا من الموادعة، وقد فعل هذا الرجل هذه الأفاعيل، فإن كنت قد رجعت عن المهادنة فعرفنا لندبر أمرنا بحبسه.
واتفق، في ذلك الوقت، أن وصل رسول من الأصفر إلى نصر الدولة أيضاً، ينكر عليه ترك الغزو والميل إلى الدعة، فساءه ذلك أيضاً، واستدعى قوماً من بني نمير وقال لهم: إن هذا الرجل قد أثار الروم علينا، ولا قدرة لنا عليهم، وبذل لهم مالاً على الفتك به، فساروا إليه، فقربهم، ولازموه، فركب يوماً غير متحرز، فأبعد وهم معه، فعطفوا عليه وأخذوه وحملوه إلى نصر الدولة بن مروان، فاعتقله، وتلافى أمر الروم.
ذكر عدة حوادثفي هذه السنة تجددت الهدنة بين صاحب مصر وبين الروم، وحمل كل واحد منهما لصاحبه هدية عظيمة.
وفيها كان ببغداد والموصل، وسائر البلاد العراقية والجزرية، غلاء عظيم، حتى أكل الناس الميتة، وتبعه وباء شديد مات فيه كثير من الناس، حتى خلت الأسواق، وزادت أثمان ما يحتاج إليه المرضى، حتى بيع المن من الشراب بنصف دينار، ومن اللوز بخمسة عشر قيراطاً، والرمانة بقيراطين، والخيارة بقيراط، وأشباه ذلك.
وفيها جمع الأمير أبو كاليجار فناخسرو بن مجد الدولة بن بويه جمعاً، وسار إلى آمد، فدخلها، وساعده أهلها، وأوقع بمن كان فيها من أصحاب طغرلبك، فقتل وأسر، وعرف طغرلبك ذلك، فسار عن الري قاصداً إليه، ومتوجهاً إلى قتاله. وفيها توفي عميد الدولة أبو سعد محمد بن الحسين بن عبد الرحيم بجزيرة ابن عمر في ذي القعدة، وله شعر حسن، ووزر لجلال الدولة عدة دفعات.
وفيها سير المعز بن باديس صاحب إفريقية أسطولاً إلى جزائر القسطنطينية، فظفر وغنم وعاد.
وفيها اقتتلت طوائف من تلكاتة، قاتل بعضهم بعضاً، وكان بينهم حرب صبروا فيها، فقتل منهم خلق كثير.
وفيها قبض الملك أبي كاليجار على وزيره محمد بن جعفر بن أبي الفرج الملقب بذي السعادات بن فسانجس، وسجنه، وهرب ولده أبو الغنائم، وبقي الوزير مسجوناً إلى أن مات في شهر رمضان سنة أربعين، وقيل أرسل إليه أبو كاليجار من قتله، وعمره إحدى وخمسون سنة، وللوزير ذي السعادات مكاتبات حسنة، وشعر جيد منه:
أودعكم، وإني ذو اكتئاب، ... وأرحل عنكم، والقلب آبي
وإن فراقكم في كل حال ... لأوجع من مفارقة الشباب
أسير، وما ذممت لكم جواراً، ... ولا ملت منازلكم ركابي
وأشكر كلما أوطنت داراً ... ليالينا القصار بلا اجتناب
وأذكركم، إذا هبت جنوب، ... فتذكرني غرارات التصابي
لكم مني المودة في اغتراب، ... وأنتم إلف نفسي في اقترابي
وهو أطول من هذا.
ولما قبض ذو السعادات استوزر أبو كاليجار كمال الملك أبا المعالي بن عبد الرحيم.
وفيها توفي أبو القاسم عبد الواحد بن محمد بن يحيى بن أيوب المعروف بالمطرز الشاعر، وله شعر جيد، فمن قوله في الزهد:
يا عبد كم لك من ذنب ومعصية، ... إن كنت ناسيها، فالله أحصاها
لا بد يا عبد من يوم تقوم به، ... ووقفة لك يدمي القلب ذكراها
إذا عرضت على قلبي تذكرها، ... وساء ظني فقلت استغفر اللاها
وفيها مات أبو الخطاب الجبلي الشاعر، ومضى إلى الشام، ولقي المعري، وعاد ضريراً، وله شعر منه قوله:
ما حكم الحب فهو ممتثل، ... وما جناه الحبيب محتمل
تهوى، وتشكو الضنى، وكل هوى ... لا ينحل الجسم، فهو منتحل
وفيها توفي أبو محمد الحسن بن محمد بن الحسن الخلال، الحافظ، ومولده سنة اثنتين وخمسين وثلاثمائة، سمع أبا بكر القطيعي وغيره، ومن أصحابه الخطيب أبو بكر الحافظ.
وفيها قتل الفقيه أحمد الولوالجي، وهو من أعيان الفقهاء الحنفية، إلا أنه كان يكثر الوقيعة في الأئمة والعلماء، وسلك طريق الرياضة، وفسد دماغه، فقتل بين مرو وسرخس في ذي الحجة.
ثم دخلت سنة أربعين وأربعمائة
ذكر رحيل عسكر ينال عن تيرانشاه
وعود مهلهل إلى شهرزورقد ذكرنا في السنة المتقدمة استيلاء أحمد بن طاهر، وزير ينال، على شهرزور، ومحاصرته قلعة تيرانشاه، ولم يزل يحاصرها إلى الآن، فوقع في عسكره الوباء وكثر الموت، فأرسل إلى صاحبه ينال يستمده، ويطلب إنجاده، ويعرفه كثرة الوباء عنده، فأمره بالرحيل عنها، فسار إلى مايدشت. فلما سمع مهلهل ذلك سير أحد أولاد شهرزور، فملكها وانزعج الغز الذين بالسيروان وخافوا.
ثم سار جمع من عسكر بغداد إلى حلوان، وحصروا قلعتها، فلم يظفروا بها، فنهبوا تلك الأعمال، وأتوا على ما تخلف من الغز، فخربت الأعمال بالكلية، وسار مهلهل ومعه أهله وأمواله إلى بغداد، فأنزلهم بباب المراتب، بدار الخلافة، خوفاً من الغز، وعاد إلى حلله، وبينه وبين بغداد ستة فراسخ، وسار جمع من عسكر بغداد إلى البندنيجين، وبها جمع من الغز مع عكبر ابن أحمد بن عياض، فتواقعوا، واقتتلوا، فانهزم عسكر بغداد، وقتل منهم جماعة، وأسر جماعة قتلوا أيضاً صبراً.
ذكر غزو إبراهيم ينال الرومفي هذه السنة غزا إبراهيم ينال الروم، فظفر بهم وغنم.
وكان سبب ذلك أن خلقاً كثيراً من الغز بما وراء النهر قدموا عليه، فقال لهم: بلادي تضيق عن مقامكم والقيام بما تحتاجون إليه، والرأي أن تمضوا إلى غزو الروم، وتجاهدوا في سبيل الله، وتغنموا، وأنا سائر على أثركم، ومساعد لكم على أمركم. ففعلوا.
وساروا بين يديه، وتبعهم، فوصلوا إلى ملازكرد، وأرزن الروم، وقاليقلا، وبلغوا طرابزون وتلك النواحي كلها، ولقيهم عسكر عظيم لروم والأبخاز يبلغون خمسين ألفاً، فاقتتلوا، واشتد القتال بينهم، وكانت بينهم عدة وقائع تارة يظفر هؤلاء وتارة هؤلاء وكان آخر الأمر الظفر للمسلمين، فأكثروا القتل في الروم وهزموهم، وأسروا جماعة كثيرة من بطارقتهم، وممن أسر قاريط ملك الأبخاز، فبذل في نفسه ثلاثمائة ألف دينار، وهدايا بمائة ألف، فلم يجبه إلى ذلك، ولم يجوس تلك البلاد وينهبها إلى انهزموا أن بقي بينه وبين القسطنطينية خمسة عشر يوماً، واستولى المسلمون على تلك النواحي فنهبوها، وغنموا ما فيها، وسبوا أكثر من مائة ألف رأس، وأخذوا من الدواب والبغال والغنائم والأموال ما لا يقع عليه الإحصاء، وقيل إن الغنائم حملت على عشرة آلاف عجلة، وإن في جملة الغنيمة تسعة عشر ألف درع.
وكان قد دخل بلد الروم جمع من الغز يقدمهم إنسان نسيب طغرلبك، فلم يؤثر كبير أثر، وقتل من أصحابه جماعة، وعاد، ودخل بعده إبراهيم ينال، ففعل هذا الذي ذكرناه.
ذكر موت الملك أبي كاليجار وملك ابنه الملك الرحيمفي هذه السنة توفي الملك أبي كاليجار المرزبان بن سلطان الدولة بن بهاء الدولة بن عضد الدولة بن بويه، رابع جمادى الأولى، بمدينة جناب من كرمان.
وكان سبب مسيره إليها أنه كان قد عول في ولاية كرمان حرباً وخراباً على بهرام بن لشكرستان الديلمي، وقرر عليه مالاً، فتراخى بهرام في تحرير الأمر، وأحاله إلى المغالطة والمدافعة، فشرع حينئذ أبو كاليجار في إعمال الحيلة عليه، وأخذ قلعة بردسير من يده، وهي معقله الذي يحتمي به ويعول عليه، فراسل بعض من بها من الأجناد وأفسدهم، فعلم بهم بهرام فقتلهم، وزاد نفوره واستشعاره، وأظهر ذلك، فسار إليه الملك أبو كاليجار في ربيع الآخر، فبلغ قصر مجاشع، فوجد في حلقه خشونة، فلم يبال بها، وشرب وتصيد وأكل من كبد غزال مشوي، واشتدت علته، ولحقه حمى، وضعف عن الركوب، ولم يمكنه المقام لعدم الميرة بذلك المنزل، فحمل في محفة على أعناق الرجال إلى مدينة جناب، فتوفي بها، وكان عمره أربعين سنة وشهوراً، وكان ملكه بالعراق بعد وفاة جلال الدولة أربع سنين وشهرين ونيفاً وعشرين يوماً.
ولما توفي نهب الأتراك من العسكر الخزائن والسلاح والدواب، وانتقل ولده أبو منصور فلاستون إلى مخيم الوزير أبي منصور، وكانت منفردة عن العسكر، فأقام عنده، وأراد الأتراك نهب الوزير والأمير، فمنعهم الديلم، وعادوا إلى شيراز، فملكها الأمير أبو منصور، واستشعر الوزير، فصعد إلى قلعة خرمة فامتنع بها.
فلما وصل خبر وفاته إلى بغداد، وبها ولده الملك الرحيم أبو نصر خرة فيروز، أحضر الجند واستحلفهم، وراسل الخليفة القائم بأمر الله في معنى الخطبة له، وتلقيبه بالملك الرحيم، وترددت الرسل بينهم في ذلك إلى أن أجيب إلى ملتمسه سوى الملك الرحيم فإن الخليفة امتنع من إجابته وقال: لا يجوز أن يلقب بأخص صفات الله تعالى.
واستقر ملكه بالعراق، وخوزستان، والبصرة، وكان بالبصرة أخوه أبو علي بن أبي كاليجار. وخلف أبو كاليجار من الأولاد: الملك الرحيم، والأمير أبا منصور فلاستون، وأبا طالب كامرو، وأبا المظفر بهرام، وأبا علي كيخسرو، وأبا سعد خسروشاه، وثلاثة بنين أصاغر، فاستولى ابنه أبو منصور على شيراز، فسير إليه الملك الرحيم أخاه أبا سعد في عسكر، فملكوا شيراز، وخطبوا للملك الرحيم، وقبضوا على الأمير أبي منصور والدته، وكان ذلك في شوال.
ذكر محاصرة العساكر المصرية مدينة حلبفي جمادى الآخرة وصلت عساكر مصر إلى حلب في جمع كثير فحصروها، وبها معز الدولة أبو علوان ثمال بن صالح الكلابي، فجمع جمعاً كثيراً بلغوا خمسة آلاف فارس وراجل، فلما نزلوا على حلب خرج إليهم ثمال وقاتلهم قتالاً شديداً صرب فيه لهم إلى الليل، ثم دخل البلد، فلما كان الغد اقتتلوا إلى آخر النهار، وصبر أيضاً ثمال، وكذلك أيضاً اليوم الثالث. فلما رأى المصريون صبر ثمال، وكانوا ظنوا أن أحداً لا يقوم بين أيديهم، رحلوا عن البلد، فاتفق أن تلك الليلة جاء مطر عظيم لم ير الناس مثله، جاءت المدود إلى منزلهم، فبلغ الماء ما يقارب قامتين، ولو لم يرحلوا لغرقوا، ثم رحلوا إلى الشام الأعلى.
ذكر الخلف بين قرواش والأكراد الحميدية والهذبانيةفي هذه السنة اختلف قرواش والأكراد الحميدية والهذبانية، وكان للحميدية عدة حصون تجاور الموصل منها العقر وما قاربها، وللهذبانية قلعة إربل وأعمالها، وكان صاحب العقر حينئذ أبا الحسن بن عيسكان الحميدي، وصاحب إربل أبو الحسن بن موسك الهذباني، وله أخ اسمه أبو علي بن موسك فأعانه الحميدي على أخذ إربل من أخيه أبي الحسن، فملكها منه، وأخذ صاحبها أبا الحسن أسيراً.
وكان قرواش وأخوه زعيم الدولة أبو كامل بالعراق مشغولين، فلما عادا إلى الموصل وقد سخطا هذه الحالة لم يظهراها، وأرسل قرواش يطلب من الحميدي والهذباني نجدة له على نصر الدولة بن مروان. فأما أبو الحسن الحميدي فسار إليه بنفسه، وأما أبو علي الهذباني فأرسل أخاه، واصطلح قرواش ونصر الدولة، وقبض على أبي الحسن الحميدي، ثم صانعه على إطلاق أبي الحسن الهذباني، الذي كان صاحب إربل وأخذ إربل من أخيه أبي علي وتسليمها إليه، فإن امتنع أبو علي كان عوناً عليه، فأجاب إلى ذلك، ورهن عليه أهله وأولاده وثلاث قلاع من حصونه إلى أن يتسلم إربل وأطلق من الحبس.
وكان أخ له قد استولى على قلاعه، فخرج إليها وأخذها منه، وعاد إلى قرواش أخيه زعيم الدولة، فوثقا به، وأطلقا أهله، ثم إنه راسل أبا علي، صاحب إربل، في تسليمها، فأجاب إلى ذلك وحضر بالموصل ليسلم إربل إلى أخيه أبي الحسن، فقال الحميدي لقراوش: إنني قد وفيت بعهدي، فتسلمان إلي حصوني، فسلما إليه قلاعه، وسار هو وأبو الحسن، وأبو علي الهذباني إلى إربل ليسلماها إلى أبي الحسن، فغدرا به في الطريق، وكان قد أحس بالشر، فتخلف عنهما، وسير معهما أصحابه ليتسلموا إربل، فقبضا على أصحابه وطلبوه ليقبضوه، فهرب إلى الموصل، وتأكدت الوحشة حينئذ بين الأكراد وقرواش وأخيه، وتقاطعوا، وأضمر كل منهم الشر لصاحبه.
ذكر عدة حوادثفي هذه السنة اسر الملك الرحيم من بغداد إلى خوزستان، فلقيه من بها من الجند وأطاعوه، وفيهم كرشاسف بن علاء الدولة الذي كان صاحب همذان وكنكور، فإنه كان انتقل إلى الملك أبي كاليجار، بعد أن استولى ينال على أعماله، ولما مات أبو كاليجار سار الملك العزيز ابن الملك جلال الدولة إلى البصرة طمعاً في ملكها، فلقيه من بها من الجند وقاتلوه وهزموه، فعاد عنها، وكان قبل ذلك عند قرواش ثم عند ينال، ولما سمع باستقامة الأمور للملك الرحيم انقطع أمله، ولما سار الملك الرحيم عن بغداد كثرت الفتن بها، ودامت بين أهل باب الأزج والأساكفة، وهم السنة، فأحرقوا عقاراً كثيراً.
وفيها سار سعدي بن أبي الشوك من حلة دبيس بن مزيد إلى إبراهيم ينال، بعد أن راسله، وتوثق منه، وتقرر بينهما أنه كل ما يملكه سعدي مما ليس بيد ينال ونوابه فهو له، فسار سعدي إلى الدسكرة، وجرى بينه وبين من بها من عسكر بغداد حرب انهزموا فيها منه، وملكها وما يليها، فسير إليها عسكر ثان من بغداد، فقتل مقدمهم وهزمهم، وسار من الدسكرة وتوسط تلك الأعمال بالقرب من بعقوبا، ونهب أصحابه البلاد، وخطبوا لإبراهيم ينال.
وفيها كان ابتداء الوحشة بين معتمد الدولة قرواش بن المقلد وبين أخيه زعيم الدولة أبي كامل بن المقلد، فانضاف قريش بن بدران بن المقلد إلى عمه قرواش، وجمع جمعاً، وقاتل عمه أبا كامل، فظفر ونصر وانهزم أبو كامل، ولم يزل قريش يغري قرواشاً بأخيه حتى تأكدت الوحشة، وتفاقم الشر بينهما.
وفيها خطب للأمير أبي العباس محمد بن القائم بأمر الله بولاية العهد، ولقب ذخيرة الدين، وولي عهد المسلمين.
وفيها، في رمضان، قتل الأمير أقسنقر بهمذان، قتله الباطنية لأنه كان كثير الغزو إليهم، والقتل فيهم، والنهب لأموالهم، والتخريب لبلادهم، فلما كان الآن قصد إنساناً من الزهاد ليزوره، فوثب عليه جماعة من الإسماعيلية فقتلوه.
وفيها توفي أبو الحسن محمد بن الحسن بن عيسى بن المقتدر بالله، وكان من الصالحين ورواة الحديث، وأوصى أن يدفن بجوار أحمد بن حنبل، ومولده سنة ثلاث وأربعين وثلاثمائة، وأبو طالب محمد بن محمد بن غيلان البزاز، ومولده سنة سبع وأربعين وثلاثمائة، روى عن أبي بكر الشافعي وغيره، وتوفي في شوال، وهو راوي الأحاديث المعروفة بالغيلانيات التي خرجها الدارقطني له، وهي من أعلى الحديث وأحسنه، وعبيد الله بن عمر أحمد ابن عثمان أبو القاسم الواعظ المعروف بابن شاهين، ومولده سنة إحدى وخمسين وثلاثمائة.
وفيها كان الغلاء والوباء عاماً في البلاد جميعها، بمكة، والعراق، والموصل، والجزيرة، والشام، ومصر وغيرها من البلاد.
وفيها قبض بمصر على الوزير فخر الملك صدقة بن يوسف وقتل، وكان أول أمره يهودياً فأسلم، واتصل بالدزبري، وخدمه بالشام ثم خافه فعاد إلى مصر، وخدم الجرجرائي الوزير، وأنفق عليه، فلما توفي الجرجرائي استوزره المستنصر إلى الآن، ثم قتله واستوزر القاضي أبا محمد الحسن بن عبد الرحمن اليازوري في ذي القعدة.
ثم دخلت سنة إحدى وأربعين وأربعمائة
ذكر ظهور الخلف بين قرواش وأخيه
أبي كامل وصلحهما
في هذه السنة ظهر الخلف بين معتمد الدولة قرواش وبين أخيه زعيم الدولة أبي كامل ظهوراً آل إلى المحاربة، وقد تقدم سبب ذلك. فلما اشتد الأمر، وفسد الحال فساداً لا يمكن إصلاحه، جمع كل منهما جمعاً لمحاربة صاحبه، وسار قرواش في المحرم، وعبر دجلة بنواحي بلد، وجاءه سليمان بن نصر الدولة بن مروان، وأبو الحسن بن عيسكان الحميدي، وغيرهما من الأكراد، وساروا إلى معلشايا فأخربوا المدينة ونهبوها ونزلوا بالمغيثة، وجاء أبو كامل فيمن معه من العرب وآل المسيب، فنزلوا بمرج بابنيثا، وبين الطائفتين نحو فرسخ، واقتتلوا يوم السبت ثاني عشر المحرم، وافترقوا من غير ظفر، ثم اقتتلوا يوم الأحد كذلك، ولم يلابس الحرب سليمان بن مروان بل كان ناحية، ووافقه أبو الحسن الحميدي، وساروا عن قرواش، وفارقه جمع من العرب، وقصدوا أخاه، فضعف أمر قرواش، وبقي في حلته وليس معه إلا نفر يسير، فركب العرب من أصحابه أبي كامل لقصده، فمنعهم، وأسفر الصبح يوم الاثنين وقد تسرع بعضهم ونهب بعضاً من عرب قرواش، وجاء أبو كامل إلى قرواش واجتمع به ونقله إلى حلته، وأحسن عشرته، ثم أنفذه إلى الموصل محجوراً عليه وجعل معه بعض زوجاته في دار.
وكان مما فت في عضد قرواش وأضعف نفسه أنه كان قد قبض على قوم من الصيادين بالأنبار لسوء طريقهم وفسادهم، فهرب الباقون منهم، وبقي بعضهم بالسندية، فلما كان الآن سار جماعة منهم إلى الأنبار، وتسلقوا السور ليلة خامس المحرم من هذه السنة، وقتلوا حارساً، وفتحوا الباب، ونادوا بشعار أبي كامل، فانضاف إليهم أهلوهم وأصدقاؤهم ومن له هوى في أبي كامل، فكثروا، وثار بهم أصحاب قرواش، فاقتتلوا فظفروا وقتلوا من أصحاب معتمد الدولة قرواش جماعة، وهرب الباقون، فبلغه خبر استيلاء أخيه، ولم يبلغه عود أصحابه.
ثم إن المسيب وأمراء العرب كلفوا أبا كامل ما يعجز عنه، واشتطوا عليه، فخاف أن يؤول الأمر بهم إلى طاعة قرواش وإعادته إلى مملكته، فبادرهم إليه، وقبل يده وقال له: إنني وإن كنت أخاك فإنني عبدك، وما جرى هذا إلا بسبب من أفسد رأيك في، وأشعرك الوحشة مني، والآن فأنت الأمير، وأنا الطائع لأمرك والتابع لك، فقال له قرواش: بل أنت الأخ، والأمر لك مسلم، وأنت أقوم به مني. وصلح الحال بينهما، وعاد قرواش إلى التصرف على حكم اختياره.
وكان أبو كامل قد أقطع بلال بن غريب بن مقن حربى، وأوانا، فلما اصطلح أبو كامل وقرواش أرسلا إلى حربى من منع بلالاً عنها، فتظاهر بلال بالخلاف عليهما، وجمع إلى نفسه جمعاً وقاتل أصحاب قرواش، وأخذ حربى وأوانا بغير اختيارهما، فانحدر قرواش من الموصل إليهما وحصرهما وأخذهما.
ذكر مسير الملك الرحيم إلى شيراز وعوده عنهافي هذه السنة، في المحرم، اسر الملك الرحيم من الأهواز إلى بلاد فارس، فوصلها، وخرج عسكر شيراز إلى خدمته، ونزل بالقرب من شيراز ليدخل البلد.
ثم إن الأتراك الشيرازيين والبغداديين اختلفوا، وجرى بينهم مناوشة استظهر فيها البغداديون، وعادوا إلى العراق، فاضطر الملك الرحيم إلى المسير معهم، لأنه لم يكن يثق بالأتراك الشيرازية.
وكان ديلم بلاد فارس قد مالوا إلى أخيه فولاستون، وهو بقلعة إصطخر، فهو أيضاً منحرف عنهم، فاضطر إلى صحبة البغداديين فعاد، في ربيع الأول من هذه السنة، إلى الأهواز وأقام بها، واستخلف بأرجان أخويه أبا سعد، وأبا طالب، ووقع الخلف بفارس، فإن الأمير أبا منصور، فولاستون، وكان قد خلص وصار بقلعة إصطخر، واجتمع معه جماعة من أعيان العسكر الفارسي، فلما عاد الملك الرحيم إلى الأهواز انبسط في البلاد، وقصده كثير من العساكر، واستولى على بلاد فارس، ثم سار إلى أرجان عازماً على قصد الأهواز وأخذها.
ذكر الحرب بين البساسيري وعقيلفي هذه السنة سار جمع من بني عقيل إلى بلد العجم من أعمال العراق وبادوريا، فنهبوهما، وأخذوا من الأموال الكثير، وكانا في إقطاع البساسيري، فسار من بغداد بعد عوده من فارس إليهم، فالتقوا هم وزعيم الدولة أبو كامل ابن المقلد، واقتتلوا قتالاً شديداً أبلى الفريقان فيه بلاء حسناً، وصبرا صبراً جميلاً، وقتل جماعة من الفريقين.
ذكر الوحشة بين طغرلبك وأخيه
إبراهيم ينالفي هذه السنة استوحش إبراهيم ينال من أخيه السلطان طغرلبك.
وكان سبب ذلك أن طغرلبك طلب من إبراهيم ينال أن يسلم إليه مدينة همذان والقلاع التي بيده من بلد الجبل، فامتنع من ذلك، واتهم وزيره أبا علي بالسعي بينهما في الفساد، فقبض عليه، وأمر فضرب بين يديه، وسمل إحدى عينيه، وقطع شفتيه، وسار عن طغرلبك، وجمع جمعاً من عسكره، والتقيا، وكان بين العسكرين قتال شديد انهزم ينال وعاد منهزماً، فسار طغرلبك في أثره، فملك قلاعه وبلاده جميعها.
وتحصن إبراهيم ينال بقلعة سرماج، وامتنع على أخيه، فحصره طغرلبك فيها، وكانت عساكره قد بلغت مائة ألف من أنواع العسكر، وقاتله، فملكها في أربعة أيام، وهي من أحصن القلاع وأمنعها، واستنزل ينال منها مقهوراً، وأرسل إلى نصر الدولة بن مروان يطلب منه إقامة الخطبة له في بلاده، فأطاعه وخطب له في سائر ديار بكر، وراسل ملك الروم طغرلبك، وأرسل إليه هدية عظيمة، وطلب منه المعاهدة، فأجابه إلى ذلك.
وأرسل ملك الروم إلى ابن مروان يسأله أن يسعى في فداء ملك الأبخاز المقدم ذكره، فأرسل نصر الدولة شيخ الإسلام أبا عبد الله بن مروان في المعنى إلى السلطان طغرلبك، فأطلقه بغير فداء، فعظم ذلك عنده وعند ملك الروم، وأرسل عوضه من الهدايا شيئاً كثيراً، وعمروا مسجد القسطنطينية، وأقاموا فيه الصلاة والخطبة لطغرلبك، ودان حينئذ الناس كلهم له، وعظم شأنه وتمكن ملكه وثبت.
ولما نزل ينال إلى طغرلبك أكرمه وأحسن إليه، ورد عليه كثيراً مما أخذ منه، وخيره بين أن يقطعه بلاداً يسير إليها، وبين أن يقيم معه، فاختار المقام معه.
ذكر الحرب بين دبيس بن مزيد وعسكر واسطفي هذه السنة كانت حرب شديدة بين نور الدولة دبيس بن مزيد وبين الأتراك الواسطيين.
وسبب ذلك أن الملك الرحيم أقطع نور الدولة حماية نهر الصلة، ونهر الفضل، وهما من إقطاع الواسطيين، فسار إليهما ووليهما، فسمع عسكر واسط ذلك فسخطوه، واجتمعوا وساروا إلى نور الدولة ليقاتلوه ويدفعوه عنهما، وأرسلوا إليه يتهددونه، فأعاد الجواب يقول: إن الملك أقطعني هذا، فنرسل إليه أنا وأنتم، فبأي شيء أمر رضينا به. فسبوه، وساروا مجدين إليه، فأرسل إلى طريقهم طائفة من عسكره، فلقوهم، وكمن لهم، فلما التقوا استجرهم العرب إلى أن جاوزوا الكمين، وخرج عليهم الكمين فأوقعوا بهم، وقتلوا منهم جماعة كثيرة، وأسروا كثيراً، وجرح مثلهم، وتمت الهزيمة على الواسطيين، وغنم نور الدولة أموالهم ودوابهم وساروا إلى واسط فنزلوا بالقرب منها.
وأرسل الواسطيون إلى بغداد يستنجدون جندها، ويبذلون للبساسيري أن يدفع عنهم نور الدولة، ويأخذ نهر الصلة ونهر الفضل لنفسه.
ذكر وفاة مودود بن مسعود
وملك عمه عبد الرشيدفي هذه السنة، في العشرين من رجب، توفي أبو الفتح مودود بن مسعود ابن محمود بن سبكتكين، صاحب غزنة، وعمره تسع وعشرون سنة، وملكه تسع سنين وعشرة أشهر، وكان موته بغزنة، وكان قد كاتب أصحاب الأطراف في سائر البلاد، ودعاهم إلى نصرته وإمداده بالعساكر، وبذل لهم الأموال الكثيرة، وتفويض أعمال خراسان ونواحيها إليهم على قدر مراتبهم، فأجابوا إلى ذلك منهم أبو كاليجار، صاحب أصبهان، فإنه جمع عساكره وسار في المفازة، فهلك كثير من عسكره، ومرض وعاد.
ومنهم خاقان ملك الترك، فإنه سار إلى ترمذ، ونهب وخرب، وصادر أهل تلك الأعمال، وسارت طائفة أخرى مما وراء النهر إلى خوارزم.
وسار مودود من غزنة، فلم يسر غير مرحلة واحدة حتى عارضه قولنج اشتد عليه، فعاد إلى غزنة مريضاً، وسير وزيره أبا الفتح عبد الرزاق بن أحمد الميمندي إلى سجستان في جيش كثيف لأخذها من الغز، واشتدت العلة بمودود فتوفي، وقام في الملك بعده ولده، فبقي خمسة أيام ثم عدل الناس عنه إلى عمه علي بن مسعود، وكان مودود لما ملك قبض على عمه عبد الرشيد ابن محمود وسجنه في قلعة ميدين، بطريق بست، فلما توفي كان وزيره قد قارب هذه القلعة، فنزل عبد الرشيد إلى العسكر ودعاهم إلى طاعته، فأجابوه وعادوا معه إلى غزنة، فلما قاربها هرب عنها علي بن مسعود، وملك عبد الرشيد، واستقر الأمر له، ولقب شمس دين الله سيف الدولة، وقيل جمال الدولة، ودفع الله شر مودود عن داود، وهذه السعادة التي تقتل الأعداء بغير سلاح ولا أجناد.
ذكر استيلاء البساسيري على الأنبار
في هذه السنة أيضاً، في ذي القعدة، ملك البساسيري الأنبار، ودخلها أصحابه.
وكان سبب ملكها أن قرواشاً أساء السيرة في أهلها، ومد يده إلى أموالهم، فسار جماعة من أهلها إلى البساسيري ببغداد، وسألوه أن ينفذ معهم عسكراً يسلمون إليه الأنبار، فأجابهم إلى ذلك، وسير معهم جيشاً، فتسلموا الأنبار، ولحقهم البساسيري وأحسن إلى أهلها وعدل فيهم، ولم يمكن أحداً من أصحابه أن يأخذ رطل الخبز بغير ثمنه، وأقام فيها إلى أن أصلح حالها وقرر قواعدها وعاد إلى بغداد.
ذكر انهزام الملك الرحيم من عسكر فارسفي هذه السنة عاد الملك الرحيم من الأهواز إلى رامهرمز في ذي القعدة، فلما وصل إلى وادي الملح لقيه عسكر فارس، واقتتلوا قتالاً شديداً، فغدر بالملك الرحيم بعض عسكره، وانهزم هو وجميع العسكر، ووصل إلى بصنى ومعه أخوه أبو سعد وأبو طالب، وسار منها إلى واسط، وسار عسكر فارس إلى الأهواز، فملكوها وخيموا بظاهرها.
ذكر عدة حوادثوفيها وصل عسكر من مصر إلى حلب، وبها صاحبها ثمال بن صالح بن مرداس، فخالفهم لكثرتهم، فانصرف عنها، فملكها المصريون.
وفيها، في ذي القعدة، ارتفعت سحابة سوداء مظلمة ليلاً،! فزادت ظلمتها على ظلمة الليل، وظهر في جوانب السماء كالنار المضطرمة، وهبت معها ريح شديدة قلعت رواشن دار الخليفة، وشاهد الناس من ذلك ما أزعجهم وخوفهم، فلزموا الدعاء والتضرع، فانكشفت في باقي الليل.
وفيها، في شعبان، سار البساسيري من بغداد إلى طريق خراسان، وقصد ناحية الدزدار وملكها وغنم ما فيها، وكان سعدي بن أبي الشوك قد ملكها، وقد عمل لها سوراً وحصنها، وجعلها معقلاً يتحصن فيه، ويدخر بها كل ما يغنمه، فأخذه البساسيري جميعه.
وفيها منع أهل الكرخ من النوح، وفعل ما جرت عادتهم بفعله يوم عاشوراء، فلم يقبلوا وفعلوا ذلك، فجرى بينهم وبين السنة فتنة عظيمة قتل فيها وجرح كثير من الناس، ولم ينفصل الشر بينهم حتى عبر الأتراك وضربوا خيامهم عندهم، فكفوا حينئذ، ثم شرع أهل الكرخ في بناء سور على الكرخ، فلما رآهم السنة من القلائين ومن يجري مجراهم شرعوا في بناء سور على سوق القلائين، وأخرج الطائفتان في العمارة مالاً جليلاً، وجرت بينهما فتن كثيرة، وبطلت الأسواق، وزاد الشر، حتى انتقل كثير من الجانب الغربي إلى الجانب الشرقي فأقاموا به، وتقدم الخليفة إلى أبي محمد بن النسوي بالعبور وإصلاح الحال وكف الشر، فسمع أهل الجانب الغربي ذلك، فاجتمع السنة والشيعة على المنع منه، وأذنوا في القلائين وغيرها بحي على خير العمل، وأذنوا في الكرخ: الصلاة خير من النوم، وأظهروا الترحم على الصحابة، فبطل عبوره.
وفيها توفي أبو عبد الله محمد بن علي بن عبد الله الصوري الحافظ، كان إماماً صحب عبد الغني بن سعيد، وتخرج به، ومن تلامذته الخطيب أبو بكر.
وفيها توفي الملك العزيز أبو بكر منصور بن جلال الدولة، وقد ذكرنا تنقل الأحوال به فيما تقدم، وله شعر حسن.
وفيها توفي أحمد بن محمد بن أحمد أبو الحسن العتيقي، نسب إلى جد له يسمى عتيقاً، ومولده سنة سبع وستين وثلاثمائة.
وفيها توفي أبو القاسم عبد الوهاب ابن أقضى القضاة أبي الحسن الماوردي، وكانت شهادته سنة إحدى وثلاثين وأربعمائة، وقبلها القاضي في بيت النوبة، ولم يفعل ذلك مع غيره، وإنما فعل معه هذا احتراماً لأبيه.
ثم دخلت سنة اثنتين وأربعين وأربعمائة
ذكر ملك طغرلبك أصبهانكان أبو منصور بن علاء الدولة، صاحب أصبهان، غير ثابت على طريقة واحدة مع السلطان طغرلبك، كان يكثر التلون معه، تارة يطيعه وينحاز إليه، وتارة ينحرف عنه ويطيع الملك الرحيم، فأضمر له طغرلبك سوءاً، فلما عاد هذه الدفعة من خراسان لأخذ البلاد الجبلية من أخيه إبراهيم ينال، واستولى عليها، على ما ذكرناه، عدل إلى أصبهان عازماً على أخذها من أبي منصور، فسمع ذلك، فتحصن ببلده، واحتمى بأسواره، ونازله طغرلبك في المحرم، وأقام على محاصرته نحو سنة، وكثرت الحروب بينهما، إلا أن طغرلبك قد استولى على سواد البلد، وأرسل سرية من عسكره نحو فارس، فبلغوا إلى البيضاء، فأغاروا على السواد هناك وعادوا غانمين.
ولما طال الحصار على أصبهان، وأخرب أعمالها، ضاق الأمر بصاحبها وأهلها، وأرسلوا إليه يبذلون له الطاعة والمال، فلم يجبهم إلى ذلك، ولم يقنع منهم إلا بتسليم البلد، فصبروا حتى نفدت الأقوات، وامتنع الصبر، وانقطعت المواد، واضطر الناس حتى نقضوا الجامع، وأخذوا أخشابه لشدة الحاجة إلى الحطب، فحيث بلغ بهم الحال إلى هذا الحد خضعوا له واستكانوا، وسلموا البلد إليه فدخله وأخرج أجناده منه وأقطعهم في بلاد الجبل، وأحسن إلى الرعية، وأقطع صاحبها أبا منصور ناحيتي يزد وأبرقوية، وتمكن من أصبهان ودخلها في المحرم من سنة ثلاث وأربعين واستطابها، ونقل ما كان له بالري من مال وذخائر وسلاح إليها، وجعلها دار مقامه، وخرب قطعة من سورها، وقال: وإنما يحتاج إلى الأسوار من تضعف قوته، فأما من حصنه عساكره وسيفه فلا حاجة به إليها.
ذكر عود عساكر فارس من الأهواز
وعود الرحيم إليهافي هذه السنة، في المحرم، عادت عساكر فارس التي مع الأمير أبي منصور صاحبها عن الأهواز إلى فارس.
وسبب هذا العود أن الأجناد اختلفوا، وشغبوا، واستطالوا وعاد بعضهم إلى فارس بغير أمر صاحبهم، وأقام بعضهم معه، وسار بعضهم إلى الملك الرحيم، وهو بالأهواز، يطلبونه ليعود إليهم، فعاد فيمن عنده من العساكر، وأرسل إلى بغداد يأمر العساكر التي فيها بالحضور عنده ليسير بهم إلى فارس، فلما وصل إلى الأهواز لقيه العساكر مقرين بالطاعة، وأخبروه بطاعة عساكر فارس، وأنهم ينتظرون قدومه، فدخل الأهواز في شهر ربيع الآخر، فتوقف بالأهواز ينتظر عساكر بغداد، ثم سار عنها إلى عسكر مكرم فملكها وأقام بها.
ذكر استيلاء زعيم الدولة على مملكة أخيه قرواشفي هذه السنة، في جمادى الأولى، استولى زعيم الدولة أبو كامل بركة ابن المقلد على أخيه قرواش، وحجر عليه، ومنعه من التصرف على اختياره.
وسبب ذلك أن قرواشاً كان قد أنف من تحكم أخيه في البلاد، وأنه قد صار لا حكم له، فعمل على الانحدار إلى بغداد ومفارقة أخيه، وسار عن الموصل، فشق ذلك على بركة وعظم عنده.
ثم أرسل إليه نفراً من أعيان يشيرون عليه بالعود واجتماع الكلمة، ويحذرونه من الفرقة والاختلاف، فلما بلغوه ذلك امتنع عليهم، فقالوا: أنت ممنوع عن فعلك، والرأي لك القبول والعود ما دامت الرغبة إليك، فعلم حينئذ أنه يمنع قهراً، فأجاب إلى العود على شرط أن يسكن دار الإمارة بالموصل، وسار معهم، فلما قارب حلة أخيه زعيم الدولة لقيه، وأنزله عنده، فهرب أصحابه وأهله خوفاً، فأمنهم زعيم الدولة، وحضر عنده وخدمه وأظهر له الخدمة، وجعل عليه من يمنعه من التصرف على اختياره.
ذكر استيلاء الغز على مدينة فساوفيها، في جمادى الأولى، سار الملك ألب أرسلان بن داود أخي طغرلبك من مدينة مرو بخراسان، وقصد بلاد فارس في المفازة، فلم يعلم به أحد، ولا أعلم عمه طغرلبك، فوصل إلى مدينة فسا، فانصرف النائب بها من بين يديه، ودخلها ألب أرسلان فقتل من الديلم بها ألف رجل، وعدداً كثيراً من العامة، ونهبوا ما قدره ألف ألف دينار، وأسروا ثلاثة آلاف إنسان، وكان الأمر عظيماً. فلما فرغوا من ذلك عادوا إلى خراسان، ولم يلبثوا خوفاً من طغرلبك أن يرسل إليهم، ويأخذ ما غنموه منهم.
ذكر استيلاء الخوارج على عمانفي هذه السنة استولى الخوارج المقيمون بجبال عمان على مدينة تلك الولاية.
وسبب ذلك أن صاحبها الأمير أبا المظفر ابن الملك أبي كاليجار كان مقيماً بها، ومعه خادم له قد استولى على الأمور، وحكم على البلاد، وأساء السيرة في أهلها، فأخذ أموالهم، فنفروا منه وأبغضوه.
وعرف إنسان من الخوارج يقال له ابن راشد الحال، فجمع من عنده منهم فقصد المدينة، فخرج إليه الأمير أبو المظفر في عساكره، فالتقوا واقتتلوا، فانهزمت الخوارج وعادوا إلى موضعهم.
==========

========
مجلد 26 .كتاب : الكامل في التاريخ ابن الأثير
وأقام ابن راشد مدة يجمع ويحتشد، ثم سار ثانياً، وقاتله الديلم فأعانه أهل البلد لسوء سيرة الديلم فيهم، فانهزم الديلم، وملك ابن راشد البلد وقتل الخادم وكثيراً من الديلم، وقبض على الأمير أبي المظفر وسيره إلى جباله مستظهراً عليه، وسجن معه كل من خط بقلم من الديلم، وأصحاب الأعمال، وأخرب دار الإمارة، وقال: هذه أحق دار بالخراب! وأظهر العدل، وأسقط المكوس، واقتصر على رفع عشر ما يرد إليهم وخطب لنفسه، وتلقب بالراشد بالله، ولبس الصوف، وبنى موضعاً على شكل مسجد، وقد كان هذا الرجل تحرك أيضاً أيام أبي القاسم بن مكرم فسير إليه أبو القاسم من منعه وحصره وأزال طمعه.
ذكر دخول العرب إلى إفريقيةفي هذه السنة دخلت العرب إلى إفريقية.
وسبب ذلك أن المعز بن باديس كان خطب للقائم بأمر الله الخليفة العباسي وقطع خطبة المستنصر العلوي، صاحب مصر، سنة أربعين وأربعمائة، فلما فعل ذلك كتب إليه المستنصر العلوي يتهدده، فأغلظ المعز في الجواب.
ثم إن المستنصر استوزر الحسن بن علي اليازوري، ولم يكن من أهل الوزارة، إنما كان من أهل التبانة والفلاحة، فلم يخاطبه المعز كما كان يخاطب من قبله من الوزراء، كان يخاطبهم بعبده فخاطب اليازوري بصنيعته، فعظم ذلك عليه، فعاتبه فلم يرجع إلى ما يحب، فأكثر الوقيعة في المعز، وأغرى به المستنصر، وشرعوا في إرسال العرب إلى الغرب، فأصلحوا بني زغبة ورياح، وكان بينهم حروب وحقود، وأعطوهم مالاً، وأمروهم بقصد بلاد القيروان، وملكوهم كل ما يفتحونه، ووعدوهم بالمدد والعدد. فدخلت العرب إلى إفريقية، وكتب اليازوري إلى المعز: أما بعد، فقد أرسلنا إليكم خيولاً فحولاً. وحملنا عليها رجالاً كهولاً. ليقضي الله أمراً كان مفعولاً... فلما حلوا أرض برقة وما والاها وجدوا بلاداً كثيرة المرعى خالية من الأهل لأن زناتة كانوا أهلها، فأبادهم المعز، فأقامت العرب بها واستوطنتها، وعاثوا في أطراف البلاد.
وبلغ ذلك المعز فاحتقرهم، وكان المعز لما رأى تقاعد صنهاجة عن قتال زناتة اشترى العبيد، وأوسع لهم في العطاء، فاجتمع له ثلاثون ألف مملوك. وكانت عرب زغبة قد ملكت مدينة طرابلس سنة ست وأربعين، فتتابعت رياح والأثبج وبنو عدي إلى إفريقية، وقطعوا السبيل وعاثوا في الأرض، وأرادوا الوصول إلى القيروان، فقال مؤنس بن يحيى المرداسي: ليس المبادرة عندي برأي، فقالوا: كيف تحب أن تصنع؟ فأخذ بساطاً فبسطه، ثم قال لهم: من يدخل إلى وسط البساط من غير أن يمشي عليه؟ قالوا: لا نقدر على ذلك! قال: فهكذا القيروان، خذوا شيئاً فشيئاً حتى لا يبقى إلا القيروان فخذوها حينئذ. فقالوا: إنك لشيخ العرب وأميرها وأنت المقدم علينا، ولسنا نقطع أمراً دونك.
ثم قدم أمراء العرب إلى المعز، فأكرمهم وبذل لهم شيئاً كثيراً، فلما خرجوا من عنده لم يجاوزه بما فعل من الإحسان، بل شنوا الغارات، وقطعوا الطريق، وأفسدوا الزروع، وقطعوا الثمار، وحاصروا المدن، فضاق بالناس الأمر، وساءت أحوالهم، وانقطعت أسفارهم، ونزل بإفريقية بلاء لم ينزل بها مثله قط، فحينئذ احتفل المعز، وجمع عساكره، فكانوا ثلاثين ألف فارس، ومثلها رجالة، وسار حتى أتى جندران، وهو جبل بينه وبين القيروان ثلاثة أيام، وكانت عدة العرب ثلاثة آلاف فارس، فلما رأت العرب عساكر صنهاجة والعبيد مع المعز هالهم ذلك، وعظم عليهم، فقال لهم مؤنس بن يحيى: ما هذا يوم فرار، فقالوا: أين نطعن هؤلاء وقد لبسوا الكزاغندات والمغافر؟ قال: في أعينهم، فسمي ذلك اليوم يوم العين.
والتحم القتال، واشتدت الحرب، فاتفقت صنهاجة على الهزيمة، وترك المعز مع العبيد حتى يرى فعلهم، ويقتل أكثرهم، فعند ذلك يرجعون على العرب، فانهزمت صنهاجة، وثبت العبيد مع المعز، فكثر القتل فيهم، فقتل منهم خلق كثير، وأرادت صنهاجة الرجوع على العرب، فلم يمكنهم ذلك، واستمرت الهزيمة، وقتل من صنهاجة أمة عظيمة، ودخل المعز القيروان مهزوماً، على كثرة من معه، وأخذت العرب الخيل والخيام وما فيها من مال وغيره، وفيه يقول بعض الشعراء:
وإن ابن باديس لأفضل مالك، ... ولكن لعمري ما لديه رجال
ثلاثون ألفاً منهم غلبتهم ... ثلاثة ألف إن ذا لمحال
ولما كان يوم النحر من هذه السنة جمع المعز سبعة وعشرين ألف فارس وسار إلى العرب جريدة، وسبق خبره، وهجم عليهم وهم في صلاة العيد، فركبت العرب خيولهم وحملت، فانهزمت صنهاجة، فقتل منهم عالم كثير.
ثم جمع المعز وخرج بنفسه في صنهاجة وزناتة في جميع كثير، فلما أشرف على بيوت العرب، وهو قبلي جبل جندران، انتشب القتال، واشتعلت نيران الحرب، وكانت العرب سبعة آلاف فارس، فانهزمت صنهاجة وولى كل رجل منهم إلى منزله، وانهزمت زناتة، وثبت المعز فيمن معه من عبيده ثباتاً عظيماً لم يسمع بمثله، ثم انهزم وعاد إلى المنصورية، وأحصي من قتل من صنهاجة ذلك اليوم، فكانوا ثلاثة آلاف وثلاثمائة.
ثم أقبلت العرب حتى نزلت بمصلى القيروان، ووقعت الحرب، فقتل من المنصورية ورقادة خلق كثير، فلما رأى ذلك المعز أباحهم دخول القيروان لما يحتاجون إليه من بيع وشراء، فلما دخلوا استطالت عليهم العامة، ووقعت بينهم حرب كان سببها فتنة بين إنسان عربي وآخر عامي وكانت الغلبة للعرب.
وفي سنة أربع وأربعين بني سور زويلة والقيروان، وفي سنة ست وأربعين حاصرت العرب القيروان، وملك مؤنس بن يحيى مدينة باجة، وأشار المعز على الرعية بالانتقال إلى المهدية لعجزه عن حمايتهم من العرب.
وشرعت العرب في هدم الحصون والقصور، وقطعوا الثمار، وخربوا الأنهار، وأقام المعز والناس ينتقلون إلى المهدية إلى سنة تسع وأربعين، فعندها انتقل المعز إلى المهدية في شعبان، فتلقاه ابنه تميم، ومشى بين يديه، وكان أبوه قد ولاه المهدية سنة خمس وأربعين، فأقام بها إلى أن قدم أبوه الآن.
وفي رمضان من سنة تسع وأربعين نهبت العرب القيروان.
وفي سنة خمسين خرج بلكين ومعه العرب لحرب زناتة، فقاتلهم فانهزمت زناتة وقتل منها عدد كثير.
وفي سنة ثلاث وخمسين وقعت الحرب بين العرب وهوارة، فانهزمت هوارة وقتل منها الكثير.
وفي سنة ثلاث وخمسين قتل أهل تقيوس من العرب مائتين وخمسين رجلاً، وسبب ذلك أن العرب دخلت المدينة متسوقة، فقتل رجل من العرب رجلاً متقدماً من أهل البلد لأنه سمعه يثني على المعز ويدعو له، فلما قتل ثار أهل البلد بالعرب فقتلوه منهم العدد المذكور.
وكان ينبغي أن يأتي كل شيء من ذلك في السنة التي حدث فيها، وإنما أوردناه متتابعاً ليكون أحسن لسياقته، فإنه إذا انقطع وتخللته الحوادث في السنين لم يفهم.
ذكر عدة حوادثفيها سار المهلهل بن محمد بن عناز أخو أبي الشوك إلى السلطان طغرلبك، فأحسن إليه وأقره على إقطاعه، ومن جملته السيروان، ودقوقا، وشهرزور، والصامغان، وشفعه في أخيه سرخاب بن محمد بن عناز، وكان محبوساً عند طغرلبك، وسار سرخاب إلى قلعة الماهكي، وهي له، وأقطع سعدي بن أبي الشوك الواندين.
وفيها قبض المستنصر بمصر على أبي الربركات عم أبي القاسم الجرجرائي، واستوزر القاضي أبا محمد الحسن بن عبد الرحمن اليازوري، ويازور من أعمال الرملة.
وفيها توفي محمد بن أحمد بن محمد بن عبد الله بن عبد الصمد بن المهتدي بالله أبو الحسين، ومولده سنة أربع وثمانين وثلاثمائة.
وفيها، في شعبان، توفي أبو الحسن علي بن عمر القزويني، الزاهد، وكان من الصالحين، روى الحديث، والحكايات، والأشعار، وروى عن ابن نباتة شيئاً من شعره، فمن ذلك قال ابن نباتة:
وإذا عجزت عن العدو فداره، ... وامزج له، إن المزاج وفاق
فالنار بالماء هو الذي هو ضدها ... تعطي النضاج وطبعها الإحراق
وفيها، في ذي القعدة، توفي أبو القاسم عمر بن ثابت النحوي الضرير، المعروف بالثمانيني.
ثم دخلت سنة ثلاث وأربعين وأربعمائةذكر نهب سرّق والحرب الكائنة عندها
وملك الرحيم رامهرمزوفيها، في المحرم، اجتمع جمع كثير من العرب والأكراد، وقصدوا سرق من خوزستان، ونهبوها، ونهبوا دورق، ومقدمهم مطارد بن منصور، ومذكور بن نزار، فأرسل إليهم الملك الرحيم جيشاً، ولقوهم بين سرق ودورق، فاقتتلوا، فقتل مطارد وأسر ولده، وكثر القتل فيهم، واستنقذوا ما نهبوه، ونجا الباقون على أقبح صورة من الجراح والنهب، فلما تم هذا الفتح للملك الرحيم انتقل من عسكر مكرم متقدماً إلى قنطرة أربق، ومعه دبيس بن مزيد والبساسيري وغيرهما.
ثم إن الأمير أبا منصور، صاحب فارس، وهزارسب بن بنكير، ومنصور بن الحسين الأسدي، ومن معهما من الديلم والأتراك، ساروا من أرجان يطلبون تستر، فسابقهم الرحيم إليها، وحال بينهم وبينها، والتقت الطلائع، فكان الظفر لعسكر الرحيم.
ثم إن الإرجاف وقع في عسكر هزارسب بوفاة الأمير أبي منصور ابن الملك أبي كاليجار بمدينة شيراز، فسقط في أيديهم وعادوا، وقصد كثير منهم الملك الرحيم فصاروا معه، فسير قطعة من الجيش إلى رامهرمز، وبها أصحاب هزارسب، وقد أفسدوا في تلك الأعمال، فلما وصل إليها عسكر الرحيم خرج أولئك إلى قتالهم، فاقتتلوا قتالاً شديداً أكثر فيه القتل والجراح، ثم انهزم أصحاب هزارسب فدخلوا البلد وحصروا فيه، ثم ملك البلد عنوة، ونهب وأسر جماعة من العساكر التي فيه، وهرب كثير منهم إلى هزارسب، وهو بإيذج، وملك الملك الرحيم البلد في ربيع الأول من هذه السنة.
ذكر ملك الملك الرحيم إصطخر وشيرازفي هذه السنة سير الملك الرحيم أخاه الأمير أبا سعد في جيش إلى بلاد فارس.
وكان سبب ذلك أن المقيم في قلعة إصطخر، وهو أبو نصر بن خسرو، وكان له أخوان قبض عليهما هزارسب بن بنكير بأمر الأمير أبي منصور، فكتب إلى الملك الرحيم يبذل له الطاعة والمساعدة، ويطلب أن يسير إليه أخاه ليملكه بلاد فارس، فسير إليه أخاه أبا سعد في جيش، فوصل إلى دولتاباذ، فأتاه كثير من عساكر فارس الديلم، والترك، والعرب، والأكراد، وسار منها إلى قلعة إصطخر، فنزل إليه صاحبها أبو نصر، فلقيه وأصعده إلى القلعة، وحمل له وللعساكر التي معه الإقامات والخلع وغيرها.
ثم ساروا منها إلى قلعة بهندر فحصروها، وأتاه كتب بعض مستحفظي البلاد الفارسية بالطاعة، منها مستحفظ درابجرد وغيرها، ثم سار إلى شيراز فملكها في رمضان، فلما سمع أخوه الأمير أبو منصور، وهزارسب، ومنصور بن الحسين الأسدي ذلك ساروا في عسكرهم إلى الملك الرحيم فهزموه، على ما نذكره إن شاء الله تعالى، وفارق الأهواز إلى واسط، ثم عطفوا من الأهواز إلى شيراز لإجلاء الأمير أبي سعد عنها، فلما قاربوها لقيهم أبو سعد وقاتلهم فهزمهم، فالتجأوا إلى جبل قلعة بهندر، وتكررت الحروب بين الطائفتين إلى منتصف شوال، فتقدمت طائفة من عسكر أبي سعد فاقتتلوا عامة النهار ثم عادوا، فلما كان الغد التقى العسكران جميعاً واقتتلوا، فانهزم عسكر الأمير أبي منصور، وظفر أبو سعد، وقتل منهم خلقاً كثيراً، واستأمن إليه كثير منهم، وصعد أبو منصور إلى قلعة بهندر واحتمى بها، وأقام إلى أن عاد إلى ملكه، على ما نذكره إن شاء الله تعالى.
ولما فارق الأمير أبو منصور الأهواز أعيدت الخطبة للملك الرحيم، وأرسل من بها من الجند يستدعونه إليهم.
ذكر انهزام الملك الرحيم بالأهوازلما انصرف الأمير ابو منصور، وهزارسب، ومن معهما من منزلهم قريب تستر، على ما ذكرناه، مضوا إلى إيذج وأقاموا فيها، وخافوا الملك الرحيم واستضعفوا نفوسهم عن مقاومته، فاتفق رأيهم على أن راسلوا السلطان طغرلبك، وبذلوا له الطاعة، وطلبوا منه المساعدة، فأرسل إليهم عسكراً كثيراً، وكان قد ملك أصبهان، وفرغ باله منها.
وعرف الملك الرحيم ذلك، وقد فارقه كثير من عسكره، منهم: البساسيري ونور الدولة دبيس بن مزيد، والعرب، والأكراد، وبقي في الديلم الأهوازية وطائفة قليلة من الأتراك البغداديين كانوا وصلوا إليه أخيراً، فقرر رأيه على أن عاد من عسكر مكرم إلى الأهواز لأنها أحصن، وينتظر بالمقام فيها وصول العساكر، ورأى أن يرسل أخاه الأمير أبا سعد إلى فارس، حيث طلب إلى إصطخر، على ما ذكرناه، وسير معه جمعاً صالحاً من العساكر، ظناً منه أن أخاه إذا وصل إلى فارس وملكت قلعة إصطخر انزعج الأمير أبو منصور، وهزارسب، ومن معهما، واشتغلوا بتلك النواحي عنه، فازداد قلقاً وضعفاً، فلم يلتفت أولئك إلى الأمير أبي سعد بل ساروا مجدين إلى الأهواز، فوصلوها أواخر ربيع الآخر.
ووقعت الحرب بين الفريقين يومين متتابعين كثر فيهما القتال واشتد، فانهزم الملك الرحيم، وسار في نفر قليل إلى واسط، ولقي في طريقه مشقة، وسلم واستقر بواسط فيمن لحق به من المنهزمين، ونهبت الأهواز، وأحرق فيها عدة محال، وفقد في الوقعة الوزير كمال الملك أبو المعالي بن عبد الرحيم، وزير الملك الرحيم، فلم يعرف له خبر.
ذكر الفتنة بين العامة ببغداد
وإحراق المشهد على ساكنيه السلامفي هذه السنة، في صفر، تجددت الفتنة ببغداد بين السنة والشيعة، وعظمت أضعاف ما كانت قديماً، فكان الاتفاق الذي ذكرناه في السنة الماضية غير مأمون الانتقاض، لما في الصدور من الإحن.
وكان سبب هذه الفتنة أن أهل الكرخ شرعوا في عمل باب السماكين، وأهل القلائين في عمل ما بقي من باب مسعود، ففرغ أهل الكرخ، وعملوا أبراجاً كتبوا عليها بالذهب: محمد وعلي خير البشر، وأنكر السنة ذلك وادعوا أن المكتوب: محمد وعلي خير البشر، فمن رضي فقد شكر، ومن أبى فقد كفر، وأنكر أهل الكرخ الزيادة وقالوا: ما تجاوزنا ما جرت به عادتنا فيما نكتبه على مساجدنا. فأرسل الخليفة القائم بأمر الله أبا تمام، نقيب العباسيين ونقيب العلويين، وهو عدنان بن الرضي، لكشف الحال وإنهائه، فكتبا بتصديق قول الكرخيين، فأمر حينئذ الخليفة ونواب الرحيم بكف القتال، فلم يقبلوا، وانتدب ابن المذهب القاضي، والزهيري، وغيرهما من الحنابلة أصحاب عبد الصمد بحمل العامة على الإغراق في الفتنة، فأمسك نواب الملك الرحيم عن كفهم غيظاً من رئيس الرؤساء لميله إلى الحنابلة، ومنع هؤلاء السنة من حمل الماء من دجلة إلى الكرخ، وكان نهر عيسى قد انفتح بثقه، فعظم الأمر عليهم، وانتدب جماعة منهم وقصدوا دجلة وحملوا الماء وجعلوه في الظروف، وصبوا عليه ماء الورد، ونادوا: الماء للسبيل، فأغروا بهم السنة.
وتشدد رئيس الرؤساء على الشيعة، فمحوا خير البشر، وكتبوا: عليهما السلام، فقالت السنة: لا نرضى إلا أن يقلع الآجر الذي عليه محمد وعلي وأن لا يؤذن: حي على خير العمل، وامتنع الشيعة من ذلك، ودام القتال إلى ثالث ربيع الأول، وقتل فيه رجل هاشمي من السنة، فحمله أهله على نعش، وطافوا به في الحربية، وباب البصرة، وسائر محال السنة، واستنفروا الناس للأخذ بثأره، ثم دفنوه عند أحمد بن حنبل، وقد اجتمع معهم خلق كثير أضعاف ما تقدم. فلما رجعوا من دفنه قصدوا مشهد باب التبن فأغلق بابه، فنقبوا في سوره وتهددوا البواب، فخافهم وفتح الباب فدخلوا ونهبوا ما في المشهد من قناديل ومحاريب ذهب وفضة وستور وغير ذلك، ونهبوا ما في الترب والدور، وأدركهم الليل فعادوا.
فلما اكن الغد كثر الجمع، فقصدوا المشهد، وأحرقوا جميع الترب والآزاج، واحترق ضريح موسى، وضريح ابن ابنه محمد بن علي، والجوار، والقبتان الساج اللتان عليهما، واحترق ما يقابلهما ويجاورهما من قبور ملوك بني بويه، معز الدولة، وجلال الدولة، ومن قبور الوزراء والرؤساء، وقبر جعفر بن أبي جعفر المنصور، وقبر الأمير محمد بن الرشيد، وقبر أمه زبيده، وجرى من الأمر الفظيع ما لم يجر في الدنيا مثله.
فلما كان الغد خامس الشهر عادوا وحفروا قبر موسى بن جعفر ومحمد بن علي لينقلوهما إلى مقبرة أحمد بن حنبل، فحال الهدم بينهم وبين معرفة القبر، فجاء الحفر إلى جانبه.
وسمع أبو تمام نقيب العباسيين وغيره من الهاشميين السنة الخبر، فجاؤوا ومنعوا عن ذلك، وقصد أهل الكرخ إلى خان الفقهاء الحنفيين فنهبوه، وقتلوا مدرس الحنفية أبا سعد السرخسي، وأحرقوا الخان ودور الفقهاء وتعدت الفتنة إلى الجانب الشرقي، فاقتتل أهل باب الطاق وسوق بج، والأساكفة، وغيرهم.
ولما انتهى خبر إحراق المشهد إلى نور الدولة دبيس بن مزيد عظم عليه واشتد وبلغ منه كل مبلغ لأنه وأهل بيته وسائر أعماله من النيل، وتلك الولاية كلهم شيعة، فقطعت في أعماله خطبة الإمام القائم بأمر الله، فروسل في ذلك وعوتب، فاعتذر بأن أهل ولايته شيعة، واتفقوا على ذلك، فلم يمكنه أن يشق عليهم كما أن الخليفة لم يمكنه كف السفهاء الذين فعلوا بالمشهد ما فعلوا، وأعاد الخطبة إلى حالها.
ذكر عصيان بني قرة على المستنصر بالله بمصرفي هذه السنة، في شعبان، عصى بنو قرة بمصر على المستنصر بالله الخليفة العلوي.
وكان سبب ذلك أنه أمر عليهم رجلاً منهم يقال له المقرب، وقدمه، فنفروا من ذلك وكرهوه واستعفوا منه، فلم يعزله عنهم، فكاشفوا بالخلاف والعصيان، وأقاموا بالجيزة مقابل مصر، وتظاهروا بالفساد، فعبر إليهم المستنصر بالله جيشاً يقاتلهم ويكفهم، فقاتلهم بنو قرة فانهزم الجيش، وكثر القتل فيهم، فانتقل بنو قرة إلى طرف البر، فعظم الأمر على المستنصر بالله، وجمع العرب من طيء، وكلب، وغيرهما من العساكر، وسيرهم في أثر بني قرة، فأدركوهم بالجيزة، فواقعوهم في ذي القعدة، واشتد القتال، وكثر القتل في بني قرة، وانهزموا وعاد العسكر إلى مصر، وتركوا في مقابل بني قرة طائفة منهم لترد بني قرة إن أرادوا التعرض إلى البلاد، وكفى الله شرهم.
ذكر وفاة زعيم الدولة
وإمارة قريش بن بدرانفي هذه السنة، في شهر رمضان، توفي زعيم الدولة أبو كامل بركة بن المقلد بتكريت، وكان انحدر إليها في حلله قاصداً نحو العراق لينازع النواب به عن الملك الرحيم، وينهب البلاد، فلما بلغها انتقض عليه جرح كان أصابه من الغز لما ملكوا الموصل، فتوفي، ودفن بمشهد الخضر بتكريت.
واجتمعت العرب من أصحابه على تأمير علم الدين أبي المعالي قريش بن بدران بن المقلد، فعاد بالحلل والعرب إلى الموصل وأرسل إلى عمه قرواش، وهو تحت الاعتقال يعلمه بوفاة زعيم الدولة، وقيامه بالإمارة، وأنه يتصرف على اختياره، ويقوم بالأمر نيابة عنه. فلما وصل قريش إلى الموصل جرى بينه وبين عمه قرواش منازعة ضعف فيها قرواش، وقوي ابن أخيه، ومالت العرب إليه واستقرت الإمارة له، وعاد عمه إلى ما كان عليه من الاعتقال الجميل، والاقتصار به على قليل من الحاشية والنساء والنفقة، ثم نقله إلى قلعة الجراحية من أعمال الموصل، فاعتقل بها.
ذكر عدة حوادثظهر ببغداد يوم الأربعاء، سابع صفر وقت العصر، كوكب غلب نوره على نور الشمس، له ذؤابة نحو ذراعين، وسار سيراً بطيئاً ثم انقض، والناس يشاهدونه.
وفيها، في رمضان، ورد رسل السلطان طغرلبك إلى الخليفة جواباً عن رسالة الخليفة إليه، وشكر لإنعام الخليفة عليه بالخلع والألقاب، وأرسل معه طغرلبك إلى الخليفة عشرة آلاف دينار عيناً ، وأعلاقاً نفيسة من الجواهر، والثياب، والطيب، وغير ذلك، وأرسل خمسة آلاف دينار للحاشية، وألفي دينار لرئيس الرؤساء، وأنزل الخليفة الرسل بباب المراتب، وأمر بإكرامهم، ولما جاء العيد أظهر أجناد بغداد الزينة الرائقة، والخيول النفيسة، والتجافيف الحسنة، وأرادوا إظهار قوتهم عند الرسل.
وفيها عاد الغز أصحاب الملك داود أخي طغرلبك عن كرمان، وسبب ذلك عودهم أن عبد الرشيد بن محمود بن سبكتكين، صاحب غزنة، سار عنها إلى خراسان، فالتقى هو والملك داود، واقتتلوا قتالاً شديداً، فانهزم داود، فاقتضى الحال عود أصحابه عن كرمان.
وفيها أيضاً عاد السلطان طغرلبك عن أصبهان إلى الري.
وفيها توفي أبو كاليجار كرشاسف بن علاء الدولة بن كاكويه بالأهواز، وكان قد استخلفه بها الأمير أبو منصور عند عوده عنها إلى شيراز، فلما توفي خطب للملك الرحيم بالأهواز.
وفيها توفي أبو عبد الله الحسين بن المرتضى الموسوي.
وفيها، في ربيع الأول، توفي أبو الحسن محمد بن محمد البصروي الشاعر، وهو منسوب إلى قرية تسمى بصرى قريب عكبرا، وكان صاحب نادرة، قال له رجل: شربت البارحة ماء كثيراً، فاحتجت إلى القيام كل ساعة كأني جدي، فقال له: لم تصغر نفسك؟ ومن شعره:
ترى الدنيا، وزينتها، فتصبو، ... وما يخلو من الشهوات قلب
فضول العيش أكثرها هموم ... وأكثر ما يضرك ما تحب
فلا يغررك زخرف ما تراه، ... وعيش لين الأعطاف رطب
إذا ما بلغة جاءتك عفواً، ... فخذها، فالغنى مرعى وشرب
إذا اتفق القليل وفيه سليم، ... فلا ترد الكثير وفيه حرب
ثم دخلت سنة أربع وأربعين وأربعمائة
ذكر قتل عبد الرشيد صاحب غزنة
وملك فرخ زادفي هذه السنة قتل عبد الرشيد بن محمود بن سبكتكين صاحب غزنة.
وكان سبب ذلك أن حاجباً لمودود ابن أخيه مسعود، اسمه طغرل، وكان مودود قد قدمه، ونوه باسمه، وزوجه أخته، فلما توفي مودود وملك عبد الرشيد أجرى طغرل على عادته في تقدمه، وجعله حاجب حجابه، فأشار عليه طغرل بقصد الغز وإجلائهم من خراسان، فتوقف استبعاداً لذلك، فألح عليه طغرل، فسيره في ألف فارس، فسار نحو سجستان، وبها أبو الفضل، نائباً عن بيغو، فأقام طغرل على حصار قلعة طاق، وأرسل إلى أبي الفضل يدعوه إلى طاعة عبد الرشيد، فقال له: إنني نائب عن بيغو، وليس من الدين والمروءة خيانته، فاقصده، فإذا فرغت منه سلمت إليك. فقام على حصار طاق أربعين يوماً، فلم يتهيأ له فتحها، وكتب أبو الفضل إلى بيغو يعرفه حال طغرل، فسار إلى سجستان ليمنع عنها طغرل.
ثم إن طغرل ضجر من مقامه على حصار طاق، فسار نحو مدينة سجستان، فلما كان على نحو فرسخ منها كمن بحيث لا يراه أحد لعلة يجدها، وفرصة ينتهزها، فسمع أصوات دبادب وبوقات، فخرج وسأل بعض من على الطريق، فأخبره أن بيغو قد وصل، فعاد إلى أصحابه وأخبرهم وقال لهم: ليس لنا إلا أن نلتقي القوم، ونموت تحت السيوف أعزة، فإنه لاسبيل لنا إلى الهرب لكثرتهم وقلتنا. فخرجوا من مكمنهم، فلما رآهم بيغو سأل أبا الفضل عنهم، فأخبره أنه طغرل، فاستقل من معه، وسير طائفة من أصحابه لقتالهم، فلما رآهم طغرل لم يعرج عليهم بل أقحم فرسه نهراً هناك فعبره، وقصد بيغو ومن معه، فقاتلهم، وهزمهم طغرل وغنم ما معهم، ثم عطف على الفريق الآخر، فصنع بهم مثل ذلك، وأم بيغو وأبو الفضل نحو هراة، وتبعهم طغرل نحو فرسخين، وعاد إلى المدينة فملكها، وكتب إلى عبد الرشيد بما كان منه، ويطلب الإمداد ليسير إلى خراسان، فأمده بعدة كثيرة من الفرسان، فوصلوا إليه، فاشتد بهم وأقام مديدة.
ثم حدث نفسه بالعود إلى غزنة والاستيلاء عليها، فأعلم أصحابه ذلك، وأحسن إليهم، واستوثق منهم، ورحل إلى غزنة طاوياً للمراحل كاتماً أمره، فلما صار على خمسة فراسخ من غزنة أرسل إلى عبد الرشيد مخادعاً له يعلمه أن العسكر خالفوا عليه وطلبوا الزيادة في العطاء، وأنهم عادوا بقلوب متغيرة مستوحشة. فلما وقف على ذلك جمع أصحابه وأهل ثقته وأعلمهم الخبر، فحذروه منه، وقالوا له: إن الأمر قد أعجل عن الاستعداد، وليس غير الصعود إلى القلعة والتحصن بها. فصعد إلى قلعة غزنة وامتنع بها.
ووافى طغرل من الغد إلى البلد، ونزل في دار الإمارة، وراسل المقيمين بالقلعة في تسليم عبد الرشيد، ووعدهم، ورغبهم إن فعلوا، وتهددهم إن امتنعوا. فسلموه إليه، فأخذه طغرل فقتله، واستولى على البلد وتزوج ابنة مسعود كرهاً.
وكان في الأعمال الهندية أمير يسمى خرخيز، ومعه عسكر كثير، فلما قتل طغرل عبد الرشيد واستولى على الأمر كتب إليه ودعاه إلى الموافقة والمساعدة على ارتجاع الأعمال من أيدي الغز، ووعده على ذلك، وبذل البذول الكثيرة، فلم يرض فعله، وأنكره وامتعض منه، وأغلظ له في الجواب، وكتب إلى ابنة مسعود بن محمود زوجة طغرل، ووجوه القواد ينكر ذلك عليهم، ويوبخهم على إغضائهم وصبرهم على ما فعله طغرل من قتل ملكهم وابن ملكهم ويحثهم على الأخذ بثأره. فلما وقفوا على كتبه عرفوا غلطتهم ودخل جماعة منهم على طغرل، ووقفوا بين يديه، فضربه أحدهم بسيفه وتبعه الباقون فقتله.
وورد خرخيز الحاجب بعد خمسة أيام، وأظهر الحزن على عبد الرشيد، وذم طغرل ومن تابعه على فعله، وجمع وجوه القواد وأعيان أهل البلد وقال لهم: قد عرفتم ما جرى مما خولفت به الديانة والأمانة، وأنا تابع، ولا بد للأمر من سائس، فاذكروا ما عندكم من ذلك! فأشاروا بولاية فرخ زاد بن مسعود بن محمود، وكان محبوساً في بعض القلاع، فأحضر وأجلس بدار الإمارة وأقام خرخيز بين يديه يدبر الأمور، وأخذ من أعان على قتل عبد الرشيد فقتله، فلما سمع داود أخو طغرلبك صاحب خراسان بقتل عبد الرشيد جمع عساكره وسار إلى غزنة، فخرج إليه خرخيز ومنعه وقاتله، فانهزم داود وغنم ما كان معه.
ولما استقر ملك فرخ زاد وثبت قدمه جهز جيشاً جراراً إلى خراسان فاستقبلهم الأمير كلسارغ، وهو من أعظم الأمراء، فقاتلهم، وصبر لهم، فظفروا به، وانهزم أصحابه عنه، وأخذ أسيراً، وأسر معه كثير من عسكر خراسان ووجوههم وأمرائهم. فجمع ألب أرسلان عسكراً كثيراً، وسير والده داود في ذلك العسكر إلى الجيش الذي أسر كلسارغ، فقاتلهم وهزمهم، وأسر جماعة من أعيان العسكر، فأطلق فرخ زاد الأسرى، وخلع على كلسارغ وأطلقه.
ذكر وصول الغز إلى فارس
وانهزامهم عنهافي هذه السنة وصل أصحاب السلطان طغرلبك إلى فارس، وبلغوا إلى شيراز، ونزلوا بالبيضاء، واجتمع معهم العادل أبو منصور الذي كان وزير الأمير أبي منصور الملك أبي كاليجار، ودبر أمرهم، فقبضوا عليه وأخذوا منه ثلاث قلاع، وهي: قلعة كبزة، وقلعة جويم، وقلعة بهندر، فأقاموا بها، وسار من الغز نحو مائتي رجل إلى الأمير أبي سعد، أخي الملك الرحيم، وصاروا معه، وراسل أبو سعد الذي بالقلاع المذكورة، فاستمالهم، فأطاعوه وسلموه القلاع إليه وصاروا في خدمته.
واجتمع العسكر الشيرازي، وعليهم الظهير أبو نصر، وأوقعوا بالغز بباب شيراز، فانهزم الغز، وأسر تاج الدين نصر بن هبة الله بن أحمد، وكان من المقدمين عند الغز، فلما انهزم الغز سار العسكر الشرازي إلى فسا، وكان قد تغلب عليها بعض السفل، وقوي أمره لاشتغال العساكر بالغز، فأزالوا المتغلب عليها واستعادوها.
ذكر الحرب بين قريش وأخيه المقلدفي هذه السنة جرى خلف بين علم الدين قريش بن بدران وبين أخيه المقلد، وكان قريش قد نقل عمه قرواشاً إلى قلعة الجراحية من أعمال الموصل وسجنه بها وارتحل يطلب العراق، فجرى بينه وبين أخيه المقلد منازعة أدت إلى الاختلاف. فسار المقلد إلى نور الدولة دبيس بن مزيد ملتجئاً إليه، فحمل أخاه الغيظ منه على أن نهب حلته وعاد إلى الموصل، واختلت أحواله، واختلفت العرب إليه، وأخرج نواب الملك الرحيم ببغداد إلى ما كان بيد قريش من العراق بالجانب الشرقي من عكبرا، والعلث، وغيرهما من قبض غلته، وسلم الجانب الغربي من أوانا ونهر بيطر إلى أبي الهندي بلال بن غريب.
ثم إن قريشاً استمال العرب وأصلحهم، فأذعنوا له بعد وفاة عمه قرواش، فإنه توفي هذه الأيام، وانحدر إلى العراق ليستعيد ما أخذ منه، فوصل إلى الصالحية، وسير بعض أصحابه إلى ناحية الحظيرة وما والاها، فنهبوا ما هناك وعادوا، فلقوا كامل بن محمد بن المسيب، صاحب الحظيرة، فأوقع بهم وقاتلهم، فأرسلوا إلى قريش يعرفونه الحال، فسر إليهم في عدة كثيرة من العرب والأكراد! فانهزم كامل، وتبعه قريش فلم يلحقه، فقصد حلل بلال بن غريب، وهي خالية من الرجال، فنهبها، وقاتله بلال وأبلى بلاء حسناً فجرح ثم انهزم، وراسل قريش نواب الملك الرحيم يبذل الطاعة، ويطلب تقرير ما كان له عليه، فأجابوه إلى ذلك على كره لقوته وضعفهم، واشتغال الملك الرحيم بخوزستان عنهم، فاستقر أمره وقوي شأنه.
ذكر وفاة قرواشفي هذه السنة، مستهل رجب، توفي معتمد الدولة أبو المنيع قرواش ابن المقلد العقيلي، الذي كان صاحب الموصل، محبوساً بقلعة الجراحية، من أعمال الموصل، على ما ذكرناه قبل، وحمل ميتاً إلى الموصل، ودفن بتل توبة من مدينة نينوى، شرقي الموصل.
وكان من رجال العرب، وذوي العقل منهم، وله شعر حسن، فمن ذلك ما ذكره أبو الحسن علي بن الحسن الباخرزي في دمية القصر من شعره:
لله در النائبات، فإنها ... صدأ النفوس وصيقل الأحرار
ما كنت إلا زبرة، فطبعني ... سيفاً، وأطلق شفرتي وغراري
وذكر له أيضاً:
من كان يحمد، أو يذم مورثاً ... للمال من آبائه وجدوده
إني امرؤ الله شكر وحده ... شكراً كثيراً، جالباً لمزيده
لي أشقر سمح العنان مغاور، ... يعطيك ما يرضيك من مجهوده
ومهند عضب، إذا جردته ... خلت البروق تموج في تجريده
ومثقف لدن السنان كأنما ... أم المنايا ركبت في عوده
وبذا حويت المال، إلا أنني ... سلطت جود يدي على تبديده
قيل إنه جمع بين أختين في نكاحه، فقيل له: إن الشريعة تحرم هذا، فقال: وأي شيء عندنا تجيزه الشريعة؟ وقال مرة: ما في رقبتي غير خمسة أو ستة من البادية قتلتهم، وأما الحاضرة فلا يعبأ الله بهم.
ذكر استيلاء الملك الرحيم على البصرةفي هذه السنة، في شعبان، سير الملك الرحيم جيشاً مع الوزير والبساسيري إلى البصرة، وبها أخوه أبو علي بن أبي كاليجار، فحصروه بها، فأخرج عسكره في السفن لقتالهم، فاقتتلوا عدة أيام، ثم انهزم البصريون في الماء إلى البصرة، واستولى عسكر الرحيم على دجلة والأنهر جميعاً، وسارت العساكر على البر من المنزلة بمطارا إلى البصرة، فلما قاربوها لقيهم رسل مضر وربيعة يطلبون الأمان، فأجابوهم إلى ذلك، وكذلك بذلوا الأمان لسائر أهلها، ودخلها الملك الرحيم، فسر به أهلها، وبذل لهم الإحسان.
فلما دخل البصرة وردت إليه رسل الديلم بخوزستان يبذلون الطاعة، ويذكرون أنهم ما زالوا عليها. فشكرهم على ذلك، وأقام بالبصرة ليصلح أمرها.
وأما أخوه أبو علي، صاحب البصرة، فإنه مضى إلى شط عثمان فتحصن به، وحفر الخندق، فمضى الملك الرحيم إليه وقاتلهم، فملك الموضع ومضى أبو علي ووالدته إلى عبادان، وركبوا البحر إلى مهروبان، وخرجوا من البحر واكتروا دواب وساروا إلى أرجان عازمين على قصد السلطان طغرلبك، وأخرج الملك الرحيم كل من بالبصرة من الديلم أجناد أخيه وأقام غيرهم.
ثم إن الأمير أبا علي وصل إلى السلطان طغرلبك، وهو بأصبهان، فأكرمه وأحسن إليه، وحمل إليه مالاً، وزوجه امرأة من أهله، وأقطعه إقطاعاً من أعمال جرباذقان، وسلم إليه قلعتين من تلك الأعمال أيضاً. وسلم الملك الرحيم البصرة إلى البساسيري ومضى إلى الأهواز، وترددت الرسل بينه وبين منصور بن الحسين وهزارسب، حتى اصطلحوا، وصارت أرجان وتستر للملك الرحيم.
ذكر ورود سعدي العراقوفيها، في ذي القعدة، ورد سعدي بن أبي الشوك في جيش من عند السلطان طغرلبك إلى نواحي العراق، فنزل مايدشت، وسار منها جريدة فيمن معه من الغز إلى أبي دلف الجاواني، فنذر به أبو دلف، وانصرف من بين يديه، ولحقه سعدي فنهبه وأخذ ماله، وأفلت أبو دلف بحشاشة نفسه، ونهب أصحاب سعدي البلاد حتى بلغوا النعمانية، فأسرفوا في النهب والغارة، وفتكوا في البلاد، وافتضوا الأبكار، فأخذوا الأموال والأثاث فلم يتركوا شيئاً، وقصد البندنيجين.
وبلغ خبره إلى خاله خالد بن عمر، وهو نازل على الزرير ومطر ابني علي بن مقن العقيليين، فأرسل إليه ولده مع أولاد الزرير ومطر يشكون إليه ما عاملهم به عمه مهلهل، وقريش بن بدران، فلحقوه بحلوان وشكوا إليه حالهم، فوعدهم المسير إليهم، والأخذ لهم ممن قصدهم. فعادوا من عنده، فلقيهم نفر من أصحاب مهلهل فواقعوهم، فظفر بهم العقيليون وأسروهم.
وبلغ الخبر مهلهلاً، فسار إلى حلل الزرير ومطر في نحو خمسمائة فارس، فأوقع بهم على تل عكبرا ونهبهم، وانهزم الرجال، فلقي خالد ومطر والزرير سعدي بن أبي الشوك على تامرا، فأعلموا الحال وحملوه. على قتال عمه، فتقدم إلى طريقه، والتقى القوم، وكان سعدي في جمع كثير، فظفر بعمه وأسره، وانهزم أصحابه في كل جهة، وأسر أيضاً مالك ابن عمه مهلهل، وأعاد الغنائم التي كانت معهم على أصحابها وعاد إلى حلوان.
ووصل الخبر إلى بغداد، فارتج الناس بها وخافوا، وبرز عسكر الملك الرحيم ليقصدوا حلوان لمحاربة سعدي، ووصل إليهم أبو الأغر دبيس بن مزيد الأسدي ولم يصنعوا شيئاً.
ذكر عدة حوادثفي هذه السنة قبض عيسى بن خميس بن مقن على أخيه أبي غشام، صاحب تكريت بها، وسجنه في سرداب بالقلعة، واستولى على تكريت.
وفيها زلزت خوزستان واجان وإيذج، وغيرها من البلاد، زلازل كثيرة، وكان معظمها بأرجان، فخرب كثير من بلادها وديارها، وانفرج جبل كبير قريب من أرجان وانصدع، فظهر في وسطه درجة مبنية بالآجر والجص قد خفيت في الجبل، فتعجب الناس من ذلك. وكان بخراسان أيضاً زلزلة عظيمة خربت كثيراً، وهلك بسببها كثير، وكان أشدها بمدينة بيهق فأتى الخراب عليها، وخرب سورها ومساجدها، ولم يزل سورها خراباً إلى سنة أربع وستين وأربعمائة، فأمر نظام الملك ببنائه، فبني، ثم خربه أرسلان أرغو، بعد موت السلطان ملكشاه، وقد ذكرناه، ثم عمره مجد الملك البلاساني.
وفيها عمل محضر ببغداد يتضمن القدح في نسب العلويين أصحاب مصر، وأنهم كاذبون في إدعائهم النسب إلى علي، عليه السلام، وعزوهم فيه إلى الديصانية من المجوس، والقداحية من اليهود، وكتب فيه العلويين، والعباسيون، والفقهاء، والقضاة، والشهود، وعمل به عدة نسخ، وسير في البلاد، وشيع بين الحاضر والبادي.
وفيها شهد الشيخ أبو نصر عبد السيد بن محمد بم عبد الواحد بن الصباغ، مصنف الشامل، عند قاضي القضاة أبي عبد الله الحسين علي بن ماكولا.
وفيها حدثت فتنة بين السنة والشيعة ببغداد، وامتنع الضبط، وانتشر العيارون وتسلطوا، وجبوا الأسواق، وأخذوا ما كان يأخذه أرباب الأعمال، وكان مقدمهم الطقطقي والزيبق، وأعاد الشيعة الأذان بحي على خير العمل، وكتبوا على مساجدهم: محمد وعلي خير البشر، وجرى القتال بينهم، وعظم الشر.
وفيها زوج نور الدولة دبيس بن مزيد ابنه بهاء الدولة منصوراً بابنة أبي البركات بن البساسيري.
وفيها، في ربيع الأول، توفي القاضي أبو جعفر السمناني بالموصل، وكان إماماً في الفقه على مذهب أبي حنيفة، والأصول على مذهب الأشعري، وروى الحديث عن الدارقطني وغيره.
وفي هذا الشهر توفي أيضاً أبو علي الحسن بن علي بن المذهب، الواعظ، وهو راوي مسند أحمد بن حنبل.
ثم دخلت سنة خمس وأربعين وأربعمائة
ذكر الفتنة بين السنة والشيعة ببغدادفي هذه السنة، في المحرم، زادت الفتنة بين أهل الكرخ وغيرهم من السنة، وكان ابتداؤها أواخر سنة أربع وأربعين.
فلما كان الآن عظم الشر، واطرحت المراقبة للسلطان، واختلط بالفريقين طوائف من الأتراك، فلما اشتد الأمر اجتمع القواد واتفقوا على الركوب إلى المحال وإقامة السياسة بأهل الشر والفساد، وأخذوا من الكرخ إنساناً علوياً وقتلوه، فثار نساؤه، ونشرن شعورهن واستغثن، فتبعهن العامة من أهل الكرخ، وجرى بينهم وبين القواد ومن معهم من العامة، قتال شديد، وطرح الأتراك النار في أسواق الكرخ، فاحترق كثير منها، وألحقتها بالأرض، وانتقل كثير من الكرخ إلى غيرها من المحال.
وندم القواد على ما فعلوه، وأنكر الإمام القائم بأمر الله ذلك، وصلح الحال، وعاد الناس إلى الكرخ، بعد أن استقرت القاعدة بالديوان بكف الأتراك أيديهم عنهم.
ذكر استيلاء الملك الرحيم على أرجانفي هذه السنة، في جمادى الأولى، استولى الملك الرحيم على مدينة أرجان، وأطاعه من كان بها من الجند، وكان المقدم عليهم فولاذ بن خسرو الديلمي.
وكان قد تغلب على جاورها من البلاد إنسان متغلب يسمى خشنام، فأنفذ إليه فولاذ جيشاً فأوقعوا به وأجلوه عن تلك النواحي واستضافوا إلى طاعة الرحيم.
وخاف هزارسب بن بنكير من ذلك لأنه كان مبايناً للملك الرحيم على ما ذكرناه، فأرسل يتضرع ويتقرب، ويسأل التقدم إلى فولاذ بإحسان مجاورته، فأجيب إلى ذلك.
ذكر مرض السلطان طغرلبكفي هذه السنة وصل السلطان طغرلبك إلى أصبهان مريضاً، وقوي الإرجاف عليه بالموت، ثم عوفي، ووصل إليه الأمير أبو علي بن الملك أبي كاليجار الذي كان صاحب البصرة، ووصل إليه أيضاً هزارسب بن بنكير بن عياض، صاحب إيذج، فإنه كان قد خاف الملك الرحيم لما استولى على البصرة وأرجان. فأكرمهما طغرلبك، وأحسن ضيافتهما، ووعدهما النصرة والمعونة.
ذكر عود سعدي بن أبي الشوك إلى طاعة الرحيمقد ذكرنا سنة أربع وأربعين وصول سعدي إلى العراق، وأرسه عمه، فلما أسره سار ولده بدر بن المهلهل إلى السلطان طغرلبك، وتحدث معه في مراسلة سعدي ليطلق أباه، فسلم إليه طغرلبك ولداً كان لسعدي عنده رهينة، وأرسل معه رسولاً يقول فيه: إن أردت فدية عن أسرك فهذا ولدك قد رددته عليك، وإن أبيت إلا المخالفة ومفارقة الجماعة قابلناك على فعلك.
فلما وصل بدر والرسول إلى همذان تخلف بدر، وسار الرسول إليه، فامتعض من قوله، وخالف طغرلبك، وسار إلى حلوان، وأراد أخذها، فلم يمكنه، وتردد بين روشنقباذ والبردان، وكاتب الملك الرحيم، وصار في طاعته، فسار إليه إبراهيم بن إسحاق، وسخت كمان، وهما من أعيان عسكر طغرلبك، في عسكر مع بدر بن المهلهل فأوقعوا به فانهزم هو وأصحابه وعاد الغز عنهم إلى حلوان، وسار بدر إلى شهرزور في طائفة من الغز، ومضى سعدي إلى قلعة روشنقباذ.
ذكر عود الأمير أبو منصور إلى شيراز
في هذه السنة، في شوال، عاد الأمير أبو منصور فولاستون ابن الملك أبي كاليجار إلى شيراز مستولياً عليها، وفارقها أخوه الأمير أبو سعد.
وكان سبب ذلك أن الأمير أبا سعد كان قد تقدم معه في دولته إنسان يعرف بعميد الدين أبي نصر بن الظهير، فتحكم معه، واطرح الأجناد واستخف بهم، وأوحش أبا نصر بن خسرو، صاحب قلعة إصطخر، الذي كان قد استدعى الأمير أبا سعد وملكه.
فلما فعل ذلك اجتمعوا على مخالفته وتألبوا عليه، وأحضر أبو نصر بن خسرو الأمير أبا منصور بن أبي كاليجار إليه! وسعى في اجتماع الكلمة عليه، فأجابه كثير من الأجناد لكراهتهم لعميد الدين، فقبضوا عليه، ونادوا بشعار الأمير أبي منصور، وأظهروا طاعته، وأخرجوا الأمير أبا سعد عنهم فعاد إلى الأهواز في نفر يسير، ودخل الأمير أبو منصور إلى شيراز مالكاً لها، مستولياً عليها، وخطب فيها لطغرلبك، وللملك الرحيم، ولنفسه بعدهما.
ذكر إيقاع البساسيري بالأكراد والأعرابوفيها، في شوال، وصل الخبر إلى بغداد بأن جمعاً من الأكراد وجمعاً من الأعراب قد أفسدوا في البلاد، وقطعوا الطريق ونهبوا القرى، طمعاً في السلطنة بسبب الغز، فسار إليهم البساسيري جريدة، وتبعهم إلى البوازيج، فأوقع بطوائف كثيرة منهم، وقتل فيهم، وغنم أموالهم، وانهزم بعضهم فعبروا الزاب عند البوازيج فلم يدركهم، وأراد العبور إليهم، وهم بالجانب الآخر، وكان الماء زائداً، فلم يتمكن من عبوره، فنجوا.
ذكر عدة حوادثفي هذه السنة توفي الشريف أبو تمام محمد بن محمد بن علي الزينبي، نقيب النقباء، وقام بعده في النقابة ابنه أبو علي.
وفيها توفي أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن أحمد البرمكي، وكان مكثراً من الحديث، سمع ابن مالك القطيعي وغيره، وإنما قيل له البرمكي لأنه سكن محله ببغداد تعرف بالبرامكة، وقيل كان من قرية عند البصرة تعرف بالبرمكية.
ثم دخلت سنة ست وأربعين وأربعمائة
ذكر فتنة الأتراك ببغدادفي هذه السنة، في المحرم كانت فتنة الأتراك ببغداد.
وكان سببها أنهم تخلف لهم على الوزير الذي للملك الرحيم مبلغ كثير من رسومهم، فطالبوه، وألحوا عليه، فاختفى في دار الخلافة، فحضر الأتراك بالديوان وطالبوه، وشكوا ما يلقونه منه من المطال بمالهم، فلم يجابوا إلى إظهاره، فعدلوا عن الشكوى منه إلى الشكوى من الديوان، وقالوا: إن أرباب المعاملات قد سكنوا بالحريم، وأخذوا الأموال، وإذا طلبناهم بها يمتنعون بالمقام بالحريم، وانتصب الوزير والخليفة لمنعنا عنهم، وقد هلكنا.
فتردد الخطاب منهم، والجواب عنه، فقاموا نافرين، فلما كان الغد ظهر الخبر أنهم على عزم حصر دار الخلافة، فانزعج الناس لذلك، وأخفوا أموالهم، وحضر البساسيري دار الخلافة، وتوصل إلى معرفة خبر الوزير، فلم يظهر له على خبر، فطلب من داره ودور من يتهم به، وكبست الدور، فلم يظهروا له على خبر.
وركب جماعة من الأتراك إلى دار الروم فنهبوها، وأحرقوا البيع والقلايات، ونهبوا فيها دار أبي الحسن بن عبيد، وزير البساسيري.
وقام أهل نهر المعلى، وباب الأزج، وغيرهما من المحال، في منافذ الدروب لمنع الأتراك، وانخرق الأمر، ونهب الأتراك كل من ورد إلى بغداد، فغلت الأسعار، وعدمت الأقوات، وأرسل إليهم الخليفة ينهاهم، فلم ينتهوا، فأظهر أنه يريد الانتقال عن بغداد، فلم يزجروا.
هذا جميعه والبساسيري غير راض بفعلهم، وهو مقيم بدار الخليفة. وتردد الأمر إلى أن ظهر الوزير، وقام لهم الباقي من مالهم من ماله، وأثمان دوابه، وغيرها، ولم يزالوا في خبط وعسف، فعاد طمع الأكراد والأعراب أشد منه أولاً، وعاودوا الغارة والنهب والقتل، فخربت البلاد وتفرق أهلها.
وانحدر أصحاب قريش بن بدران من الموصل طامعين، فكبسوا حلل كامل ابن محمد بن المسيب، وهي بالبردان، فنهبوها، وبها دواب، وجمال بخاتي للبساسيري، فأخذوا الجميع ووصل الخبر إلى بغداد، فازداد خوف الناس من العامة والأتراك، وعظم انحلال أمر السلطنة بالكلية، وهذا من ضرر الخلاف.
ذكر استيلاء طغرلبك على أذربيجان
وغزو الروم
في هذه السنة سار طغرلبك إلى أذربيجان، فقصد تبريز، وصاحبها الأمير أبو منصور وهسوذان بن محمد الروادي، فأطاعه وخطب له وحمل إليه ما أرضاه به، وأعطاه ولده رهينة، فسار طغرلبك عنه إلى الأمير أبي الأسوار، صاحب جنزة، فأطاعه أيضاً وخطب له، وكذلك سائر تلك النواحي أرسلوا إليه يبذلون الطاعة والخطبة.
وانقادت العساكر إليه، فأبقى بلادهم عليهم، وأخذ رهائنهم وسار إلى أرمينية، وقصد ملازكرد، وهي للروم، فحصرها وضيق على أهلها، ونهب ما جاورها من البلاد وأخربها، وهي مدينة حصينة، فأرسل إليه نصر الدولة بن مراون، صاحب ديار بكر، الهدايا الكثيرة والعساكر، وقد كان خطب له قبل هذا الوقت وأطاعه، وأثر السلطان طغرلبك، في غزو الروم، آثاراً عظيمة، ونال منهم من النهب والقتل والأسر شيئاً كثيراً.
وبلغ في غزوته هذه إلى أرزن الروم، وعاد إلى أذربيجان، لما هجم الشتاء، من غير أن يملك ملازكرد، وأظهر أنه يقيم إلى أن ينقضي الشتاء، ويعود يتم غزاته، ثم توجه إلى الري فأقام بها إلى أن دخلت سنة سبع وأربعين وعاد نحو العراق، على ما نذكره إن شاء الله تعالى.
ذكر محاربة بني خفاجة وهزيمتهمفي هذه السنة، في رجب، قصد بنو خفاجة الجامعين، وأعمال نور الدولة دبيس، ونهبوا وفتكوا في أهل تلك الأعمال، وكان نور الدولة شرقي الفرات، وخفاجة غربيها، فأرسل نور الدولة إلى البساسيري يستنجده، فسار إليه، فلما وصل عبر الفرات من ساعته، وقاتل خفاجة وأجلاهم عن الجامعين، فانهزموا منه ودخلوا البر، فلم يتبعهم، وعاد عنهم، فرجعوا إلى الفساد، فاستعد لسلوك البر خلفهم أين قصدوا، وعطف نحوهم قاصداً حربهم، فدخلوا البر أيضاً، فتبعهم فلحقهم بخفان، وهو حصن بالبر، فأوقع بهم، وقتل منهم، ونهب أموالهم وجمالهم وعبيدهم وإماءهم، وشردهم كل مشرد، وحصر خفان ففتحه وخربه، وأراد تخريب القائم به، وهو بناء من آجر وكلس، وصانع عنه صاحبه ربيعة بن مطاع بمال بذله، فتركه وعاد إلى البلاد.
وهذا القائم قيل إنه كان علماً يهتدي به السفن، لما كان البحر يجيء إلى النجف، ودخل بغداد ومعه خمسة وعشرون رجلاً من خفاجة، عليهم البرانس، وقد شدهم بالحبال إلى الجمال، وقتل منهم جماعة، وصلب جماعة، وتوجه إلى حربى فحصرها، وقرر، وقرر على أهلها تسعة آلاف دينار وأمنهم.
ذكر استيلاء قريش على الأنبار
والخطبة لطغرلبك بأعمالهفي شعبان من هذه السنة حصر الأمير أبو المعالي قريش بن بدران، صاحب الموصل، مدينة الأنبار وفتحها، وخطب لطغرلبك فيها وفي سائر أعماله، ونهب ما كان فيها للبساسيري وغيره، ونهب حلل أصحابه بالخالص،وفتحوا بثوقه، وامتعض البساسيري من ذلك، وجمع جموعاً كثيرة، وقصد الأنبار وحربى فاستعادهما، على ما نذكره إن شاء الله تعالى.
ذكر وفاة القائد ابن حماد
وما كان من أهله بعدهفي هذه السنة، في رجب، توفي القائد ابن حماد، وأوصى إلى ولده محسن، وأوصاه بالإحسان إلى عمومته، فلما مات خالف ما أمره به، وأراد عزل جميعهم، فلما سمع عمه يوسف بن حماد بما عزم عليه خالفه، وجمع عظيماً وبنى قلعة في جبل منيع وسماها الطيارة.
ثم محسناً قتل من عموممته أربعة، فازداد يوسف نفوراً، وكان ابن عمه بلكين بن محمد في بلده أفريون، فكتب إليه محسن يستدعيه، فسار إليه، فلما قرب منه أمر محسن رجالاً من العرب أن يقتلوه، فلما خرجوا قال لهم أميرهم خليفة بن مكن: إن بلكين لم يزل محسناً إلينا، فكيف نقتله؟ فأعلموه ما أمرهم به محسن، فخاف، فقال له خليفة: لا تخف، وإن كنت تريد قتل محسن فأنا أقتله لك. فاستعد بلكين لقتاله، وسار إليه، فلما علم محسن بذلك وكان قد فارق القلعة عاد هارباً إليها، فأدركه بلكين فقتله، وملك القلعة وولي الأمر، وكان ملكه القلعة سنة سبع وأربعين وأربعمائة.
ذكر ابتداء الوحشة بين البساسيري والخليفةفي شهر رمضان من هذه السنة ابتدأت الوحشة بين الخليفة والبساسيري.
وسبب ذلك ذلك أن أبا الغنائم وأبا سعد ابني المحلبان، صاحبي قريش بن بدران، وصلا إلى بغداد سراً، فامتعض البساسيري من ذلك، وقال: هؤلاء وصاحبهم كبسوا حلل أصحابي، ونهبوا، وفتحوا البثوق، وأسرفوا في إهلاك الناس، وأراد أخذهم فلم يمكن منهم، فمضى إلى حربي، وعاد ولم يقصد دار الخلافة على عادته، فنسب ذلك إلى رئيس الرؤساء.
واجتازت به سفينة لبعض أقارب رئيس الرؤساء، فمنعها وطالب بالضريبة التي عليها، وأسقط مشاهرات الخليفة من دار الضرب، كذلك مشاهرات رئيس الرؤساء، وحواشي الدار، وأراد هدم دور بني المحلبان، فمنع منه، فقال: ما أشكو إلا من رئيس الرؤساء الذي قد خرب البلاد وأطمع الغز وكاتبهم.
ودام ذلك إلى ذي الحجة، فسار البساسيري إلى الأنبار، وأحرق ناحيتي دما، والفلوجة، وكان أبو الغنائم بن المحلبان بالأنبار قد أتاها من بغداد، وورد نور الدولة دبيس إلى البساسيري، معاوناً له على حصرها، ونصب البساسيري عليها المجانيق، فهدم برجاً، ورماهم بالنفط فأحرق أشياء كان قد أعدها أهل البلد لقتاله، ودخلها قهراً، فأسر مائة نفس من بني خفاجة، وأسر أبا الغنائم بن المحلبان، فأخذ وقد ألقى نفسه في الفرات، ونهب الأنبار وأسر من أهلها خمسمائة رجل، وعاد إلى بغداد وبين يديه أبو الغنائم على جمل، وعليه قميص أحمر، وعلى رأسه برنس، وفي رجليه قيد، وأراد صلبه وصلب من معه من الأسرى، فسأله نور الدولة أن يؤخر ذلك حتى يعود، وأتى البساسيري إلى مقابل التاج، فقبل الأرض، وعاد إلى منزله، وترك أبا الغنائم لم يصلبه، وصلب جماعة من الأسرى، فكان هذا أول الوحشة.
ذكر وصول الغز إلى الدسكرة وغيرهافي شوال من هذه السنة وصل إبراهيم بن إسحاق، وهو من الأمراء الغزية السلجوقية، إلى الدسكرة، وكان مقيماً بحلوان، فلما وصل إليها قاتله أهلها، ثم ضعفوا وعجزوا وهربوا متفرقين، ودخل الغز البلد فنهبوه أقبح نهب، وضربوا النساء وأولادهن، فاستخرجوا بذلك أموالاً كثيرة، وساروا إلى روشنقباذ لفتحها، وهي بيد سعدي، وأمواله فيها وفي قلعة البردان.
وكان سعدي قد فارق طاعة السلطان طغرلبك، على ما ذكرناه، فلم يفتحها وأجلى أهل تلك البلاد، وخربت القرى، ونهبت أموال أهلها.
وسار طائفة أخرى من الغز إلى نواحي الأهواز وأعمالها، فنهبوها واجتاحوا أهلها، وقوي طمع الغز في البلاد وانخذل الديلم ومن معهم من الأتراك، وضعفت نفوسهم.
ثم سير طغرلبك الأمير أبا علي ابن الملك أبي كاليجار، الذي كان صاحب البصرة، في جيش من الغز إلى خوزستان ليملكها، فوصل سابور خواست، وكاتب الديلم الذين بالأهواز يدعوهم إلى طاعته، ويعدهم الإحسان إن أجابوا، والعقوبة إن امتنعوا، فمنهم من أطاع، ومنهم من خالف، فسار إلى الأهواز فملكها واستولى عليها، ولم يعرض لأحد في مال ولا غيره، فلم يوافقه الغز على ذلك، ومدوا أيديهم إلى النهب والغارة والمصادرة، ولقي الناس منهم عنتاً وشدة.
ذكر عدة حوادثفي هذه السنة كثرت الصراصر ببغداد، حتى كان يسمع لها بالليل دوي كدوي الجراد إذا طار.
وفيها، في ذي الحجة، توفي أبو حسان المقلد بن بدران أخو قريش ابن بدران، صاحب الموصل.
وفيها، في شوال، توفي قسطنطين ملك الروم، زوج تذورة بنت قسطنطين، الموسومة بالملك، وإنما ملك قسطنطين هذا حيث تزوجها.
وفيها توفي عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن أبو عبد الله الأصبهاني، المعروف بابن اللبان، الفقيه الشافعي، وهو من أصحاب أبي حامد الأسفراييني، وروى الحديث عن ابن المقري والمخلص وغيرهما.
وتوفي فيها أحمد بن عمر بن روح أبو الحسن النهرواني، وله شعر جيد، فمنه أنه سمع رجلاً يتغنى وهو يقول:
وما طلبوا سوى قتلي، ... فهان علي ما طلبوا
فاستوقفه وقال له: أضف إليه:
على قلبي الأحبة بال ... تمادي في الهوى غلبوا
وبالهجران من عيني ... طيب النوم قد سلبوا
وما طلبوا سوى قتلي، ... فهان علي ما طلبوا
ثم دخلت سنة سبع وأربعين وأربعمائة
ذكر استيلاء الملك الرحيم على شيراز
وقطع خطبة طغرلبك فيها
في هذه السنة، في المحرم، سار قائد كبير من الديلم، يسمى فولاذ، وهو صاحب قلعة إصطخر، إلى شيراز، فدخلها وأخرج عنها الأمير أبا منصور فولاستون، ابن الملك أبي كاليجار، فقصد فيروزاباذ وأقام بها.
وقطع فولاذ خطبة السلطان طغرلبك في شيراز، وخطب للملك الرحيم، ولأخيه أبي سعد، وكاتبهما يظهر لهما الطاعة، فعلما أنه يخدعهما بذلك، فسار إليه أبو سعد، وكان بأرجان، ومعه عساكر كثيرة، واجتمع هو وأخوه الأمير أبو منصور على قصد شيراز ومحاصرتها على قاعدة استقرت بينهما في طاعة أخيهما الملك الرحيم، فتوجها نحوها فيمن معهما من العساكر، وحصرا فولاذ فيها.
وطال الحصار إلى أن عدم القوت فيها، وبلغ السعر سبعة أرطال حنطة بدينار ومات أهلها جوعاً، وكان من بقي فيها نحو ألف إنسان، وتعذر المقام في البلد على فولاذ، فخرج هارباً مع من في صحبته من الديلم إلى نواحي البيضاء وقلعة إصطخر، ودخل الأمير أبو سعد، والأمير أبو منصور شيراز، وعساكرهما، وملكوها، وأقاموا بها.
ذكر قتل أبي حرب بن مروان صاحب الجزيرةفي هذه السنة قتل الأمير أبو حرب سليمان بن نصر الدولة بن مروان، وكان والده قد سلم إليه الجزيرة وتلك النواحي ليقيم بها ويحفظها، وكان شجاعاً، مقداماً، فاستبد بالأمر، واستولى عليه، فجرى بينه وبين الأمير موسك ابن المجلى ابن زعيم الأكراد البختية، وله حصون منيعة شرقي الجزيرة، نفرة.
ثم راسله أبو حرب واستماله، وسعى أن يزوجه ابنه الأمير أبي طاهر البشنوي، صاحب قلعة فنك وغيرها من الحصون، وكان أبو طاهر هذا ابن أخت نصر الدولة بن مروان، فلم يخالف أبو طاهر، صاحب فنك، أبا حرب في الذي أشار به من تزويج الأمير موسك، فزوجه ابنته ونقلها إليه، فاطمأن حينئذ موسك، وسار إلى سليمان، فغدر به، وقبض عليه وحبسه.
ووصل السلطان طغرلبك إلى تلك الأعمال لما توجه إلى غزو الروم، على ما ذكرناه فأرسل إلى نصر الدولة يشفع في موسك، فأظهر أنه توفي، فشق ذلك علي حميه أبي طاهر البشنوي، وأرسل إلى نصر الدولة وابنه سليمان فقال لهما: حيث أردتما قتله، فلم جعلتما ابنتي طريقاً إلى ذلك، وقلدتموني العار؟ وتنكر لهما، وخافه أبو حرب، فوضع عليه من سقاه سماً فقتله.
وولي بعده ابنه عبيد الله، فأظهر له أبو حرب المودة استصلاحاً له، وتبرؤاً إليه من كل ما قيل عنه، واستقر الأمر بينهما على الاجتماع وتجديد الأيمان، فنزلوا من فنك، وخرج إليهم أبو حرب من الجزيرة في نفر قليل فقتلوه.
وعرف والده ذلك، فأقلقه وأزعجه، وأرسل ابنه نصراً إلى الجزيرة ليحفظ تلك النواحي، ويأخذ بثأر أخيه، وسير معه جيشاً كثيفاً.
وكان الأمير قريش بن بدران، صاحب الموصل، لما سمع قتل أبي حرب انتهز الفرصة وسار إلى الجزيرة ليملكها، وكاتب البختية والبشنوية، واستمالهم، فنزلوا إليه واجتمعوا معه على قتال نصر بن مروان، فالتقوا واقتتلوا قتالاً شديداً كثر فيه القتلى، وصبر الفريقان، فكانت الغلبة أخيراً لابن مروان، وجرح قريش جراحة قوية بزوبين رمي به، وعاد عنه، وثبت أمر ابن مروان بالجزيرة، وعاود مراسلة البشنوية والبختية، واستمالهم لعله يجد فيهم طمعاً، فلم يطيعوه.
ذكر وثوب الأتراك ببغداد بأهل البساسيري
والقبض عليه ونهب دوره وأملاكه وتأكد الوحشة بينه وبين رئيس الرؤساءفي هذه السنة ثارت فتنة ببغداد بالجانب الشرقي بين العامة، وثار جماعة من أهل السنة، وأظهروا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وحضروا الديوان، وطلبوا أن يؤذن لهم في ذلك، وأن يتقدم إلى أصحاب الديوان بمساعدتهم، فأجيبوا إلى ذلك، وحدث من ذلك شر كثير.
ثم إن أبا سعد النصراني، صاحب البساسيري، حمل في سفينة ستمائة جرة خمراً ليحدرها إلى البساسيري بواسط، في ربيع الآخر، فحضر ابن سكرة الهاشمي وغيره من الأعيان في هذا الباب، وتبعهم خلق كثير، وحاجب باب المراتب من قبل الديوان، وقصدوا السفينة، وكسروا جرار الخمر وأراقوها.
وبلغ ذلك البساسيري، فعظم عليه، ونسبه إلى رئيس الرؤساء، وتجددت الوحشة، فكتب فتاوى أخذ فيها خطوط الفقهاء الحنفية بأن الذي فعل من كسر الجرار وإراقة الخمر تعد غير واجب، وهي ملك رجل نصراني، لا يجوز، وتردد القول في هذا المعنى، فتأكدت الوحشة من الجانبين، ووضع رئيس الرؤساء الأتراك البغداديين على ثبل البساسيري والذم له، ونسب كل ما يجري عليهم من نقض إليه، فطمعوا فيه، وسلكوا في هذا المعنى زيادة على ما أراد رئيس الرؤساء، وتمادت الأيام إلى رمضان، فحضروا دار الخليفة، واستأذنوا في قصد دور البساسيري ونهبها، فأذن لهم في ذلك، فقصدوها ونهبوها وأحرقوها، ونكلوا بنسائه وأهله ونوابه، ونهبوا دوابه وجميع ما يملكه ببغداد.
وأطلق رئيس الرؤساء لسانه في البساسيري وذمه، ونسبه إلى مكاتبة المستنصر، صاحب مصر، وأفسد الحال مع الخليفة إلى حد لا يرجى صلاحه، وأرسل إلى الملك الرحيم يأمره بإبعاد البساسيري، فأبعده، وكانت هذه الحالة من أعظم الأسباب في ملك السلطان طغرلبك العراق، وقبض الملك الرحيم، وسيرد من ذلك ما تراه إن شاء الله تعالى.
ذكر وصول طغرلبك إلى بغداد
والخطبة له بهاقد ذكرنا قبل مسير طغرلبك إلى الري، بعد عوده من غزو الروم، للنظر في ذلك الطرف، فلما فرغ من الري عاد إلى همذان في المحرم من هذه السنة، وأظهر أنه يريد الحج، وإصلاح طريق مكة، والمسير إلى الشام ومصر، وإزالة المستنصر العلوي صاحبها.
وكاتب أصحابه بالدينور وقرميسين وحلوان وغيرها، فأمرهم بإعداد الأقوات والعلوفات. فعظم الإرجاف ببغداد، وفت في أعضاد الناس، وشغب الأتراك ببغداد، وقصدوا ديوان الخلافة.
ووصل السلطان طغرلبك إلى حلوان، وانتشر أصحابه في طريق خراسان، فأجفل الناس إلى غربي بغداد، وأخرج الأتراك خيامهم إلى ظاهر بغداد.
وسمع الملك الرحيم بقرب طغرلبك من بغداد، فأصعد من واسط إليها، وفارقه البساسيري في الطريق لمراسلة وردت من القائم في معناه إلى الملك الرحيم أن البساسيري خلع الطاعة، وكاتب الأعداء، يعني المصريين، وأن الخليفة له على الملك عهود، وله على الخليفة مثلها، فإن آثره فقد قطع ما بينهما، وإن أبعده وأصعد إلى بغداد تولى الديوان تدبير أمره، فقال الملك الرحيم ومن معه: نحن لأوامر الديوان متبعون، وعنه منفصلون.
وكان سبب ذلك ما ذكر. وسار البساسيري إلى بلد نور الدولة دبيس بن مزيد المصاهرة بينهما، وأصعد الملك الرحيم إلى بغداد. وأرسل طغرلبك رسولاً إلى الخليفة يبالغ في إظهار الطاعة والعبودية، وإلى الأتراك البغداديين يعدهم الجميل والإحسان. فأنكر الأتراك ذلك، وراسلوا الخليفة في المعنى، وقالوا: إننا فعلنا بالبساسيري ما فعلناه، وهو كبيرنا، ومقدمنا، بتقدم أمير المؤمنين، ووعدنا أمير المؤمنين بإبعاد هذا الخصم عنا، ونراه قد قرب منا، ولم يمنع من المجيء. وسألوا التقدم عليه في العود، فغولطوا في الجواب، وكان رئيس الرؤساء يؤثر مجيئه، ويختار انقراض الدولة الديلمية.
ثم إن الملك الرحيم وصل بغداد منتصف رمضان، وأرسل إلى الخليفة يظهر العبودية، وأنه قد سلم أمره إليه ليفعل ما تقتضيه العواطف معه في تقرير القواعد مع السلطان طغرلبك، وكذلك قال من مع الرحيم من الأمراء، فأجيبوا بأن المصلحة أن يدخل الأجناد خيامهم من ظاهر بغداد، وينصبوها بالحريم، ويرسلوا رسولاً إلى طغرلبك يبذلون له الطاعة والخطبة، فأجابوا إلى ذلك وفعلوه، وأرسلوا رسلاً إليه، فأجابهم إلى ما طلبوا، ووعدهم الإحسان إليهم.
وتقدم الخليفة إلى الخطباء بالخطبة لطغرلبك بجوامع بغداد، فخطب له يوم الجمعة لثمان بقين من رمضان من السنة، وأرسل طغرلبك يستأذن الخليفة في دخول بغداد، فأذن له، فوصل إلى النهروان، وخرج الوزير رئيس الرؤساء إلى لقائه في موكب عظيم من القضاة، والنقباء، والأشراف، والشهود، والخدم، وأعيان الدولة، وصحبه أعيان الأمراء من عسكر الرحيم. فلما علم طغرلبك بهم أرسل إلى طريقهم الأمراء، ووزيره أبا نصر الكندري، فلما وصل رئيس الرؤساء إلى السلطان أبلغه رسالة الخليفة، واستخلفه للخليفة، وللملك الرحيم، وأمراء الأجناد، وسار طغرلبك ودخل بغداد يوم الاثنين لخمس بقين من الشهر، ونزل بباب الشماسية، ووصل إليه قريش بن بدران، صاحب الموصل، وكان في طاعته قبل هذا الوقت على ما ذكرناه.
ذكر وثوب العامة ببغداد بعسكر طغرلبك
وقبض الملك الرحيملما وصل السلطان طغرلبك بغداد دخل عسكره البلد للامتيار، وشراء ما يريدونه من أهلها، وأحسنوا معاملتهم، فلما كان الغد، وهو يوم الثلاثاء، جاء بعض العسكر إلى باب الأزج، وأخذ واحداً من أهله ليطلب منه تبناً، وهو لا يفهم ما يريدون، فاستغاث عليهم، وصاح العامة بهم ورجموهم، وهاجموا عليهم.
وسمع الناس الصياح، فظنوا أن الملك الرحيم وعسكره قد عزموا على قتال طغرلبك، فارتج البلد من أقطاره، وأقبلوا من كل حدب ينسلون، يقتلون من الغز من وجد في محال بغداد، إلا أهل الكرخ فإنهم لم يتعرضوا إلى الغز، بل جمعوهم وحفظوهم.
وبلغ السلطان طغرلبك ما فعله أهل الكرخ من حماية أصحابه، فأمر بإحسان معاملتهم. فأرسل عميد الملك، الوزير، إلى عدنان بن الرضي، نقيب العلويين، يأمره بالحضور، فحضر، فشكره عن السلطان، وترك عنده خيلاً بأمر السلطان تحرسه وتحرس المحلة.
وأما عامة بغداد فلم يقنعوا بما عملوا، حتى خرجوا ومعهم جماعة من العسكر إلى ظاهر بغداد، يقصدون العسكر السلطاني، فلو تبعهم الملك الرحيم وعسكره لبلغوا ما أرادوا، لكن تخلفوا، ودخل أعيان أصحابه إلى دار الخلافة، وأقاموا بها نفياً للتهمة عن أنفسهم، ظناً منهم أن ذلك ينفعهم.
وأما عسكر طغرلبك فلما رأوا فعل العامة وظهورهم من البلد قاتلوهم فقتل بين الفريقين جمع كثير، وانهزمت العامة، وجرح فيهم وأسر كثير، ونهب الغز درب يحيى، ودرب سليم، وبه دور رئيس الرؤساء ودور أهله، فنهب الجميع، ونهب الرصافة، وترب الخلفاء، وأخذ منها من الأموال ما لا يحصى، لأن أهل تلك الأصقاع نقلوا إليها أموالهم اعتقاداً منهم أنها محترمة. ووصل النهب إلى أطراف نهر المعلى واشتد البلاء على الناس وعظم الخوف، ونقل الناس أموالهم إلى باب النوبي، وباب العامة، وجامع القصر، فتعطلت الجمعات لكثرة الزحمة.
وأرسل طغرلبك من الغد إلى الخليفة يعتب، وينسب ما جرى إلى الملك الرحيم وأجناده، ويقول: إن حضروا برئت ساحتهم، وإن تأخروا عن الحضور أيقنت أن ما جرى إنما كان بوضع منهم.
وأرسل للملك الرحيم وأعيان أصحابه أماناً لهم، فتقدم إليهم الخليفة بقصده، فركبوا إليه، وأرسل الخليفة معهم رسولاً يبرئهم مما خامر خاطر السلطان، فلما وصلوا إلى خيامه نهبهم الغز، ونهبوا رسل الخليفة معهم، وأخذوا دوابهم وثيابهم.
ولما دخل الملك الرحيم إلى خيمة السلطان أمر بالقبض عليه وعلى من معه، فقبضوا كلهم آخر شهر رمضان، وحبسوا، ثم حمل الرحيم إلى قلعو السيروان، وكانت ولاية الملك الرحيم على بغداد ست سنين وعشرة أيام، ونهب أيضاً قريش بن بدران، صاحب الموصل، ومن معه من العرب، ونجا مسلوباً، فاحتمى بخيمة بدر بن المهلهل، فألقوا عليه الزلالي حتى أخفوه بها عن الغز.
ثم علم السلطان ذلك، فأرسل إليه، وخلع عليه، وأمره بالعود إلى أصحابه وحلله تسكيناً له.
وأرسل الخليفة إلى السلطان ينكر ما جرى من قبض الرحيم وأصحابه، ونهب بغداد، ويقول: إنهم إنما خرجوا إليك بأمري وأماني، فإن أطلقتهم، وإلا فأنا أفارق بغداد، فإني إنما اخترتك واستدعيتك اعتقاداً مني أن تعظيم الأوامر الشريفة يزداد، وحرمه الحريم تعظم، وأرى الأمر بالضد. فأطلق بعضهم، وأخذ جميع إقطاعات عسكر الرحيم، وأمرهم بالسعي في أرزاق يحصلونها لأنفسهم. فتوجه كثير منهم إلى البساسيري ولزموه، فكثر جمعه ونفق سوقه.
وأمر طغرلبك بأخذ أموال الأتراك البغداديين، وأرسل إلى نور الدولة دبيس يأمره بإبعاد البساسيري عنه، ففعل، فسار إلى رحبة مالك الشام، على ما نذكره، وكاتب المستنصر، صاحب مصر، بالدخول في طاعته. وخطب نور الدولة طغرلبك في بلاده، وانتشر الغز السلجوقية في سواد بغداد، فنهبوا من الجانب الغربي من تكريت إلى النيل ومن الشرقي إلى النهروان وأسافل الأعمال، وأسرفوا في النهب، حتى بلغ ثمن الثور ببغداد خمسة قراريط إلى عشرة، والحمار بقيراطين إلى خمسة، وخرب السواد، وأجلى أهله عنه.
وضمن السلطان طغرلبك البصرة والأهواز من هزارسب بن بنكير بن عياض بثلاثمائة ألف وستين ألف دينار، وأقطعه أرجان، وأمره أن يخطب لنفسه بالأهواز، دون الأعمال التي ضمنها، وأقطع الأمير أبا علي بن أبي كاليجار الملك قرميسين وأعمالها، وأمر أهل الكرخ أن يؤذنوا في مساجدهم سحراً: الصلاة خير من النوم، وأمر بعمارة دار المملكة، فعمرت، وزيد فيها، وانتقل إليها في شوال.
ذكر عدة حوادثفي هذه السنة وقعت الفتنة بين الفقهاء الشافعية والحنابلة ببغداد، ومقدم الحنابلة أبو علي بن الفراء، وابن التميمي، وتبعهم من العامة الجم الغفير، وأنكروا الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم، ومنعوا من الترجيع في الأذان، والقنوت في الفجر، ووصلوا إلى ديوان الخليفة، ولم ينفصل حال، وأتى الحنابلة إلى مسجد بباب الشعير، فنهوا إمامه عن الجهر بالبسملة، فأخرج مصحفاً وقال: أزيلوها من المصحف حتى لا أتلوها.
وفيها كان بمكة غلاء شديد، وبلغ الخبز عشرة أرطال بدينار مغربي، ثم تعذر وجوده، فأشرف الناس والحجاج على الهلاك، فأرسل الله تعالى عليهم من الجراد ما ملأ الأرض فتعوض الناس به، ثم عاد الحاج فسهل الأمر على أهل مكة، وكان سبب هذا الغلاء عدم زيادة النيل بمصر عن العادة، فلم يحمل منها الطعام إلى مكة.
وفيها ظهر باليمن إنسان يعرف بأبي كامل علي بن محمد الصليحي، واستولى على اليمن، وكان معلماً، فجمع إلى نفسه جمعاً، وانتمى إلى صاحب مصر، وتظاهر بطاعته، فكثر جمعه وتبعه، واستولى على البلاد، وقوي على ابن سادل وابن الكريدي المقيمين بها على طاعة القائم بأمر الله، وكان يتظاهر بمذهب الباطنية.
وفيها خطب محمود الخفاجي للمستنصر العلوي، صاحب مصر، بشفاثا والعين، وصار في طاعته.
وفيها، في شوال، توفي قاضي القضاة أبو عبد الله الحسين بن علي بن ماكولا، ومولده سنة ثمان وستين وثلاثمائة، وبقي في القضاء سبعاً وعشرين سنة، وكان شافعياً، ورعاً، نزهاً، أميناً، وولي بعده أبو عبد الله محمد بن علي بن الدامغاني الحنفي.
وفيها، في ذي القعدة، توفي ذخيرة الدين أبو العباس محمد ابن أمير المؤمنين، ومولده في جمادى الآخرة سنة إحدى وثلاثين وأربعمائة.
وفيها قبض الملك الرحيم قبل وصول طغرلبك إلى بغداد على الوزير أبي عبد الله عبد الرحمن بن الحسين بن عبد الرحيم، وطرح في بئر في دار المملكة، وطم عليه، وكان وزيراً متحكماً في دولته.
وفيها، في المحرم، توفي القاضي أبو القاسم علي بن المحسن بن علي التنوخي، ومولده بالبصرة سنة خمس وستين وثلاثمائة، وخلف ولداً صغيراً، وهو أبو الحسن محمد بن علي، ثم توفي في شوال سنة أربع وتسعين وأربعمائة، وانقرض بيته بموته، قال القاضي أبو عبد الله بن الدامغاني: دخلت على أبي القاسم قبل موته بقليل، فأخرج إلي ولده هذا من جاريته وبكى فقلت: تعيش إن شاء الله وتربيه، فقال: هيهات! والله ما يتربى إلا يتيماً، وأنشد:
أرى ولد الفنى كلاً عليه، ... لقد سعد الذي أمسى عقيما
فإما أن تربيه عدواً، ... وإما أن تخلفه يتيما
فتربى يتيماً كما قال.
وفي جمادى الأولى توفي أبو محمد الحسن بن رجاء الدهان اللغوي.
وفي جمادى الآخرة فيها توفي أبو القاسم منصور بن حمزة بن إبراهيم الكرخي من كرخ جدان، الفقيه الشافعي.
وفي رجب توفي أبو نصر أحمد بن محمد الثابتي، الفقيه الشافعي، وهما من شيوخ أصحاب أبي حامد الأسفراييني.
وفي شعبان توفي أبو البركات حسين بن علي بن عيسى الربعي النحوي، وكان ينوب عن الوزراء ببغداد.
ثم دخلت سنة ثمان وأربعين وأربعمائة
ذكر نكاح الخليفة ابنة داود أخي طغرلبكفي هذه السنة، في المحرم، جلس أمير المؤمنين القائم بأمر الله جلوساً عاماً، وحضر عميد الملك الكندري، وزير طغرلبك، وجماعة من الأمراء منهم: أبو علي ابن الملك أبي كاليجار، وهزارسب بن بنكير بن عياض الكردي، وابن أبي الشوك، وغيرهم من الأمراء الأتراك من عسكر طغرلبك.
وقام عميد الملك، وزير طغرلبك، وبيده دبوس، ثم خطب رئيس الرؤساء وعقد العقد على أرسلان خاتون، واسمها خديجة ابنة داود أخي السلطان طغرلبك، وقبل الخليفة بنفسه النكاح، وحضر العقد نقيب النقباء أبو علي بن أبي تمام، وعدنان ابن الشريف الرضي، نقيب العلويين، وأقضى القضاة الماوردي، وغيرهم، وأهديت خاتون إلى الخليفة في هذه السنة أيضاً في شعبان، وكانت والدة الخليفة قد سارت ليلاً وتسلمتها وأحضرتها إلى الدار.
ذكر الحرب بين عبيد المعز بن باديس وعبيد ابنه تميمفي هذه السنة وقعت الحرب بين عبيد المعز، المقيمين بالمهدية، وعبيد ابنه تميم، بسبب منازعة أدت إلى المقاتلة، فقامت عامة زويلة وسائر من بها من رجال الأسطول مع عبيد تميم، فأخرجوا عبيد المعز، وقتل منهم كثير، ومضى الباقون منهم يريدون المسير إلى القيروان، فوضع عليهم تميم العرب، فقتلوا منهم جمعاً غفيراً، وهذه النوبة هي سبب قتل تميم من قتل من عبيد أبيه لما ملك.
ذكر ابتداء دولة الملثمينفي هذه السنة كان ابتداء أمر الملثمين، وهم عدة قبائل ينسبون إلى حمير، أشهرها: لمتونة، ومنها أمير المسلمين علي بن يوسف بن تاشفين، وجدالة ولمطة.
وكان أول مسيرهم من اليمن، أيام أبي بكر الصديق، رضي الله عنه، فسيرهم إلى الشام وانتقلوا إلى مصر، ودخلوا المغرب مع موسى بن نصير، وتوجهوا مع طارق إلى طنجة، فأحبوا الانفراد، فدخلوا الصحراء واستوطنوها إلى هذه الغاية.
فلما كان هذه السنة توجه رجل منهم، اسمه الجوهر، من قبيلة جدالة إلى إفريقية، طالباً للحج، وكان محباً للدين وأهله، فمر بفقيه بالقيراون، وعنده جماعة يتفقهون، قيل: هو أبو عمران الفاسي في غالب الظن، فأصغى الجوهر إليه، وأعجبه حالهم.
فلما انصرف من الحج قال للفقيه: ما عندنا في الصحراء من هذا شيء غير الشهادتين، والصلاة في بعض الخاصة، فابعث معي من يعلمهم شرائع الإسلام! فأرسل معه رجلاً اسمه عبد الله بن ياسين الكزولي، وكان فقيهاً، صالحاً، شهماً، فسار معه حتى أتيا قبيلة لمتونة، فنزل الجوهر عن جمله، وأخذ بزمام جمل عبد الله بن ياسين، تعظيماً لشريعة الإسلام، فأقبلوا إلى الجوهر يهنئونه بالسلامة، وسألوه عن الفقيه فقال: هذا حامل سنة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قد جاء يعلمكم ما يلزم في دين الإسلام. فرحبوا بهما، وأنزلوهما، وقالوا: تذكر لنا شريعة الإسلام، فعرفهم عقائد الإسلام وفرائضه، فقالوا: أما ما ذكرت من الصلاة، والزكاة، فهو قريب، وأما قولك من قتل يقتل، ومن سرق يقطع، ومن زنى يجلد، أو يرجم، فأمر لا نلتزمه، اذهب إلى غيرنا.
فرحلا عنهم، فنظر إليهما شيخ كبير فقال: لا بد وأن يكون لهذا الجمل في هذه الصحراء شأن يذكر في العالم. فانتهى الجوهر والفقيه إلى جدالة، قبيل الجوهر، فدعاهم عبد الله بن ياسين والقبائل الذين يجاورونهم إلى حكم الشريعة، فمنهم من أطاع، ومنهم من أعرض وعصى.
ثم إن المخالفين لهم تحيزوا، وتجمعوا، فقال ابن ياسين للذين أطاعوا: قد وجب عليكم أن تقاتلوا هؤلاء الذين خالفوا الحق، وأنكروا شرائع الإسلام، واستعدوا لقتالكم، فأقيموا لكم راية، وقدموا عليكم أميراً. فقال الجوهر: أنت الأمير! فقال: لا، إنما أنا حامل أمانة الشريعة، ولكن أنت الأمير. فقال الجوهر: لو فعلت هذا تسلط قبيلي على الناس، ويكون وزر ذلك علي. فقال له ابن ياسين: الرأي أن نولي ذلك أبا بكر بن عمر، رأس لمتونة وكبيرها، وهو رجل سيد، مكشور الطريقة، مطاع في قومه، فهو يستجيب لنا لحب الرئاسة، وتبعه قبيلته، فنتقوى بهم.
فأتيا أبا بكر بن عمر، وعرضا ذلك عليه، فأجاب، فعقدوا له البيعة، وسماه ابن ياسين أمير المسلمين، وعادوا إلى جدالة، وجمعوا إليهم من حسن إسلامه، وحرضهم عبد الله بن ياسين على الجهاد في سبيل الله، وسماهم مرابطين، وتجمع عليهم من خالفهم، فلم يقاتلهم المرابطون بل استعان ابن ياسين وأبو بكر بن عمر على أولئك الأشرار بالمصلحين من قبائلهم، فاستمالوهم وقربوهم حتى حصلوا منهم نحو ألفي رجل من أهل البغي والفساد، فتركوهم في مكان، وخندقوا عليهم، وحفظوهم، ثم أخرجوهم قوماً بعد قوم، فقتلوهم، فحينئذ دانت لهم أكثر قبائل الصحراء، وهابوهم، فقويت شوكة المرابطين.
هذا وعبد الله مشتغل بالعلم، وقد صار عنده جماعة من يتفقهون، ولما استبد بالأمر هو وأبو بكر بن عمر عن الجوهر الجدالي وبقي لا حكم له تداخله الحسد، وشرع سراً في فساد الأمر، فعلم بذلك منه وعقد له مجلس، وثبت عليه ما نقل عنه، فحكم عليه بالقتل لأنه نكث البيعة، وشق العصا، وأارد محاربة أهل الحق، فقتل بعد أن صلى ركعتين، وأظهر السرور بالقتل طلباً للقاء الله تعالى. فاجتمعت القبائل على طاعتهم، ومن خالفهم قتلوه.
فلما كان سنة خمسين وأربعمائة قحطت بلادهم، فأمر ابن ياسين ضعفاءهم بالخروج إلى السوس وأخذ الزكاة، فخرج منهم نحو تسعمائة رجل، فقدموا سجلماسة، وطلبوا الزكاة، فجمعوا لهم شيئاً له قدر وعادوا.
ثم إن الصحراء ضاقت عليهم، وأرادوا إظهار كلمة الحق، والعبور إلى الأندلس ليجاهدوا الكفار، فخرجوا إلى السوس الأقصى، فجمع لهم أهل السوس وقاتلوهم، فانهزم المرابطون، وقتل عبد الله بن ياسين الفقيه، فعاد أبو بكر بن عمر فجمع جيشاً وخرج إلى السوس في ألفي راكب، فاجتمع من بلاد السوس وزناتة اثنا عشر ألف فارس فأرسل إليهم وقال: افتحوا لنا الطريق لنجوز إلى الأندلس ونجاهد أعداء الإسلام، فأبوا ذلك، فصلى أبو بكر، ودعا الله تعالى، وقال: اللهم إن كنا على الحق فانصرنا، وإلا فأرحنا من هذه الدنيا. ثم قاتلهم وصدق هو وأصحابه القتال، فنصرهم الله تعالى، وهزم أهل السوس ومن معهم وأكثر القتل فيهم، وغنم المرابطون أموالهم وأسلابهم، وقويت نفسه ونفوس أصحابه، وساروا إلى سجلماسة فنزلوا عليها، وطلبوا من أهلها الزكاة، فامتنعوا عليهم، وسار إليهم صاحب سجلماسة فقاتلهم فهزموه وقتلوه، ودخلوا سجلماسة واستولوا عليها، وكان ذلك سنة ثلاث وخمسين وأربعمائة.
ذكر ولاية يوسف بن تاشفينلما ملك أبو بكر بن عمر سجلماسة استعمل عليها يوسف بن تاشفين اللمتموني، وهو من بني عمه الأقربين، ورجع إلى الصحراء، فأحسن يوسف السيرة في الرعية، ولم يأخذ منهم سوى الزكاة، فأقام بالصحراء مدة، ثم عاد أبو بكر بن عمر إلى سجلماسة، فأقام بها سنة، والخطبة والأمر والنهي له، واستخلف عليها ابن أخيه أبا بكر بن إبراهيم بن عمر، وجهز مع يوسف ابن تاشفين جيشاً من المرابطين إلى السوس ففتح على يديه.
وكان يوسف رجل ديناً، خيراً، حازماً، داهية، مجرباً، وبقوا كذلك إلى سنة اثنتين وستين وأربعمائة، وتوفي أبو بكر بن عمر بالصحراء، فاجتمعت طوائف المرابطين على يوسف بن تاشفين، وملكوه عليهم، ولقبوه أمير المسلمين، وكانت الدولة في بلاد المغرب لزناتة الذين ثاروا في أيام الفتن، وهي دولة ردية، مذمومة، سيئة السيرة، لا سياسة ولاديانة، وكان أمير المسلمين وطائفته على نهج السنة، واتباع الشريعة، فاستغاث به أهل المغرب، فسار إليها وافتتحها حصناً حصناً، وبلداً بلداً بأيسر سعي، فأحبه الرعايا، وصلحت أحوالهم.
ثم إنه قصد موضع مدينة مراكش، وهو قاع صفصف، لا عمارة فيه، وهو موضع متوسط في بلاد المغرب كالقيراون في أفريقية، ومراكش تحت جبال المصامدة الذين هم أشد أهل المغرب قوة، وأمنعهم معقلاً، فاختط هناك مدينة مراكش ليقوى على قمع أهل تلك الجبال إن هموا بفتنة، واتخذها مقراً، فلم يتحرك أحد بفتنة، وملك البلاد المتصلة بالمجاز مثل سبتة، وطنجة، وسلا، وغيرها، وكثرت عساكره.
وخرجت جماعة قبيلة لمتونة وغيرهم، وضيقوا حينئذ لثامهم، وكانوا قبل أن يملكوا يتلثمون في الصحراء من الحر والبرد، كما يفعل العرب، والغالب على ألوانهم السمرة، فلما ملكوا البلاد ضيقوا اللثام.
وقيل كان سبب اللثام لهم أن طائفة من لمتونة خرجوا مغيرين على عدو لهم، فخالفهم العدو إلى بيوتهم، ولم يكن بها إلا المشايخ، والصبيان والنساء، فلما تحقق المشايخ أنه العدو أمروا النساء أن يلبسن ثياب الرجال، ويتلثمن، ويضيقنه، حتى لا يعرفن، ويلبسن السلاح. ففعلن ذلك، وتقدم المشايخ والصبيان أمامهن، واستدار النساء بالبيوت، فلما أشرف العدو رأى جمعاً عظيماً، فظنه رجالاً، فقال: هؤلاء عند حرمهم يقاتلون عنهن قتال الموت، والرأي أن نسوق النعم ونمضي، فإن اتبعونا قاتلناهم خارجاً عن حريمهم.
فبينما هم في جميع النعم من المراعي إذ قد أقبل رجال الحي، فبقي العدو بينهم وبين النساء، فقتلوا من العدو فأكثروا، وكان من قتل النساء أكثر، فمن ذلك الوقت جعلوا اللثام سنة يلازمونه، فلا يعرف الشيخ من الشاب، فلا يزيلونه ليلاً ولا نهاراً، ومما قي في اللثام:
قوم لهم درك العلى في حمير، ... وإن انتموا صنهاجةً بهم هم
لما حووا إحراز كل فضيلة، ... غلب الحياء عليهم فتلثموا
ذكر تبييض أبي الغنائم بن المحلبانفي هذه السنة بيض علاء الدين أبو الغنائم بن المحلبان بواسط، وخطب فيها للعلويين المصريين.
وكان سبب ذلك أن رئيس الرؤساء سعى له في النطر على واسط وأعمالها، فأجيب إلى ذلك، فانحدر إليها ، فصار عنده جماعة من أعيانها، وجند جماعة عظيمة، وتقوى بالبطائحيين، وحفر على الجانب الغربي من واسط خندقاً، وبنى عليه سوراً، وأخذ ضريبة من سفن أصعدت للخليفة، فسير لحربه عميد العراق أبو نصر، فاقتتلوا، فانهزم ابن المحلبان، وأسر من أصحابه عدد كثير، ووصل أبو نصر إلى السور، فقاتله العامة من على السور.
ثم تسلم البلد، وأمر أهله بطم الخندق، وتخريب السور، ثم أصعد إلى بغداد، فلما فارقها عاد إليها ابن فسانجس، ونهب قرية عبد الله، وقتل كل أعمى رآه بواسط، وأعاد خطبة المصريين، وأمر أهل كل محلة بعمارة ما يليهم من السور.
ومضى منصور بن الحسين إلى المدار، وأرسل إلى بغداد يطلب المدد، فكتب إليه عميد العراق ورئيس الرؤساء يأمرانه أن يقصد واسطاً هو وابن الهيثم، وأن يحاصرها، فأقبلا إليها فيمن معهما وحصروها في الماء والبر، وكان هذا الحصار سنة تسع وأربعين، فاشتد فيها الغلاء حتى بيع التمر، والخبز، وكروش البقر، كل خمسة أرطال بدينار، وإذا وجد الخبازى باعوه كل عشرين رطلاً بدينار.
ثم ضعفوا وضجروا من الحصار، فخرج ابن فسانجس ليقاتل، فلم يثبت، وقتل جماعة من أصحابه، وانهزموا إلى سور البلد، واستأمن جماعة من الواسطيين إلى منصور بن الحسين، وفارق ابن فسانجس واسطاً، ومضى إلى قصر ابن أخضر، وسار إليه طائفة من العسكر ليقاتلوه، فأدركوه بقرب النيل، فأسر هو وأهله، وحمل إلى بغداد، فدخلها في صفر سنة تسع وأربعين وشهر على جمل، وعليه قميص أحمر، وعلى رأسه طرطور بودع، وصلب.
ذكر الوقعة بين البساسيري وقريشفي هذه السنة، سلخ شوال، كانت وقعة بين البساسيري ومعه نور الدولة دبيس بن مزيد، وبين قريش بن بدران، صاحب الموصل، ومعه قتلمش، وهو ابن عم السلطان طغرلبك، وهو جد هؤلاء الملوك أولاد قلج أرسلان، ومعه أيضاً سهم الدولة أبو الفتح بن عمرو، وكانت الحرب عند سنجار، فاقتتلوا، فاشتد القتال بينهم، فانهزم قريش وقتلمش، وقتل من أصحابهما الكثير.
ولقي قتلمش من أهل سنجار العنت، وبالغوا في أذاه وأذى أصحابه، وجرح بن بدران، وأتى إلى نور الدولة جريحاً، فأعطاه خلعة كانت قد نقذت من مصر، فلبسها وصار في جملتهم، وساروا إلى الموصل، وخطبوا لخليفة مصر بها، وهو المستنصر بالله، وكانوا قد كانبوا الخليفة المصري بطاعتهم، فأرسل إليهم الخلع من مصر للبساسيري، ولنور الدولة دبيس بن مزيد، ولجابر بن ناشب، ولمقبل بن بدران أخي قريش، ولأبي الفتح بن ورام، ونصير بن عمر، وأبي الحسن بن عبد الرحيم، ومحمد بن حماد، وانضاف إليهم قريش بن بدران.
ذكر مسير السلطان طغرلبك إلى الموصللما طال مقام السلطان طغرلبك ببغداد، وعم الخلق ضرر عسكره، وضاقت عليهم مساكنهم، فإن العساكر نزلوا فيها، وغلبوهم على أقواتهم، وارتكبوا منهم كل محظور، أمر الخليفة القائم بأمر الله وزيره رئيس الرؤساء أن يكتب إلى عميد الملك الكندري، وزير السلطان طغرلبك، يستحضره، فإذا حضر قال له عن الخليفة ليعرف السلطان ما الناس فيه من الجور والظلم، ويعظه، ويذكره، فإن أزال ذلك، وفعل ما أمر الله به، وإلا فيساعد الخليفة الانتزاح عن بغداد ليبعد عن المنكرات.
فكتب رئيس الرؤساء إلى الكندري يستدعيه، فحضر، فأبلغه ما أمر به الخليفة، وخرج توقيع من الخليفة إلى السلطان فيه مواعظ، فمضى إلى السلطان وعرفه الحال، فاعتذر بكثرة العساكر، وعزه عن تهذيبهم وضبطهم، وأمر عميد الملك أن يبكر بالجواب إلى رئيس الرؤساء، ويعتذر بما ذكره.
فلما كان تلك الليلة رأى السلطان في منامه النبي، صلى الله عليه وسلم، عند الكعبة وكأنه يسلم على النبي وهو معرض عنه لم يلتفت إليه، وقال له: يحكمك الله في بلاده وعباده، فلا تراقبه ولا تستحي من جلاله، عز وجل، في سوء معاملتهم ، وتغير بإهماله عند الجوار عليهم! فاستيقظ فزعاً، وأحضر عميد الملك، وحدثه ما رأى، وأرسله إلى الخليفة يعرفه أنه يقابل ما رسم به بالسمع والطاعة، وأخرج الجند من دور العامة، وأمر أن يظهر من كان مختفياً، وأزال التوكيل عمن كان وكل به.
فبينما هو على ذلك، وقد عزم على الرحيل عن بغداد للتخفيف عن أهلها، وهو يتردد فيه، إذ أتاه الخبر بهذه الوقعة المتقدمة، فتجهز وسار عن بغداد عاشر ذي القعدة، ومعه خزائن السلاح، والمنجنيقات، وكان مقامه ببغداد ثلاثة عشر شهراً وأياماً لم يلق الخليفة فيها، فلما بلغوا أوانا نهبها العسكر، ونهبوا عكبرا وغيرهما.
ووصل إلى تكريت فحصرها، وبها صاحبها نصر بن علي بن خميس فنصب على القلعة علماً أسود، وبذل مالاً، فقبله السلطان، ورحل عنه إلى البوازيج ينتظر جمع العساكر ليسير إلى الموصل، فلما رحل عن تكريت توفي صاحبها، وكانت أمه أميرة بنت غريب بن مقن، فخافت أن يملك البلدة أخوه أبو الغشام، فقتلته وسارت إلى الموصل، فنزلت على دبيس بن مزيد، فتزوجها قريش بن بدران، ولما رحلت عن تكريت استخلفت بها أبا الغنائم ابن المحلبان، فراسل رئيس الرؤساء واستعطفه، فصلح ما بينهما، وسلم تكريت إلى السلطان ورحل إلى بغداد.
وأقام السلطان بالبوازيج إلى أن دخلت سنة تسع وأربعين فأتاه أخوه ياقوتي في العساكر، فسار بهم إلى الموصل، وأقطع مدينة بلد هزارسب بن بنكير، فأحفل أهل البلاد إلى بلد، فأراد العسكر نهبهم، فمنعهم السلطان وقال: لا يجوز أن تعرضوا إلى بلد هزارسب، فلجوا وقالوا: نريد الإقامة، فقال السلطان لهزارسب: إن هؤلاء قد احتجوا بالإقامة، فأخرج أهل البلد إلى معسكرك لتحفظ نفوسهم. ففعل ذلك، وأخرجهم إليه، فصار البلد بعد ساعة قفراً، وفرق فيهم هزارسب مالاً، وأركب من يعجز عن المشي، وسيرهم إلى الموصل ليأمنوا.
وتوجه السلطان إلى نصيبين، فقال له هزارسب: قد تمادت الأيام وأرى أن أختار من العسكر ألف فارس أسير بهم إلى البرية، فلعلي أنال من العرب غرضاً، فأذن له في ذلك، فسار إليهم، فلما قاربهم كمن لهم كمينين، وتقدم إلى الحلل، فلما رأوه قاتلوه، فصبر لهم ساعة، ثم انزاح بين أيديهم كالمنهزم، فتبعوه، فخرج عليهم الكمينان، فانهزمت العرب، وكثر فيهم القتل وحمل الأسرى إلى السلطان، فلما أحضروا بين يديه قال لهم: هل وطئت لكم أرضاً، وأخذت لكم بلداً؟ قالوا: لا! قال: فلم أتيتم بحربي؟ وأحضر الفيل فقتلهم، إلا صبياً أمرد، فلما امتنع الفيل من قتله عفا عنه السلطان.
ذكر عود نور الدولة دبيس بن مزيد وقريش ابن بدران إلى طاعة طغرلبكلما ظفر هزارسب بالعرب وعاد إلى السلطان طغرلبك، أرسل إليه نور الدولة وقريش يسألانه أن يتوسط حالهما عند السلطان، ويصلح أمرهما معه، فسعى في ذلك، واستعطف السلطان عليهما، فقال: أما هما فقد عفوت عنهما، وأما البساسيري فذنبه إلى الخليفة، ونحن متبعون أمر الخليفة فيه، فرحل البساسيري عند ذلك إلى الرحبة، وتبعه الأتراك البغداديون، ومقبل بن المقلد وجماعة من عقيل.
وطلب دبيس وقريش أن يرسل طغرلبك إليهما أبا الفتح بن ورام، فأرسله، فعاد من عندهما وأخبر بطاعتهما، وأنهما يطلبان أن يمضي هزارسب إليهما ليحلفهما، فأمره السلطان بالمضي إليهما، فسار واجتمع بهما، وأشار عليهما بالحضور عند السلطان، فخافا وامتنعا، فأنفذ قريش أبا السداد هبة الله بن جعفر، وأنفذ دبيس ابنه بهاء الدولة منصوراً، فأنزلهما السلطان وأكرمهما وكتب لهما بأعمالهما، وكان لقريش نهر الملك، وبادوريا، والأنبار، وهيت، ودجيل، ونهر بيطر، وعكبرا، وأوانا، وتكريت، والموصل، ونصيبين، وأعاد الرسل إلى أصحابهم.
ذكر قصد السلطان ديار بكر
وما فعله بسنجار
لما فرغ طغرلبك من العرب سار إلى ديار بكر التي هي لابن مروان، وكان ابن مروان يرسل إليه كل يوم الهدايا والثلج، فسار السلطان إلى جزيرة ابن عمر فحصرها، وهي لابن مروان، فأرسل إليه ابن مروان يبذل له مالاً يصلح حاله به، ويذكر له ما هو بصدده من حفظ ثغور المسلمين، وما يعانيه من جهاد الكفار، ولما كان السلطان يحاصر الجزيرة سار جماعة من الجيش إلى عمر أكمن، وفيه أربعمائة راهب، فذبحوا منهم مائة وعشرين راهباً، وافتدى الباقون أنفسهم بستة مكاكيك ذهباً وفضة.
ووصل إبراهيم ينال أخو السلطان إليه، فلقيه الأمراء والناس كلهم، وحملوا إليه الهدايا، وقال لعميد الملك الوزير: من هؤلاء العرب حتى تجعلهم نظراء السلطان، وتصلح بينهم؟ فقال: مع حضورك يكون ما تريد، فأنت نائب السلطان.
ولما وصل إبراهيم ينال أرسل هزارسب إلى نور الدولة بن مزيد وقريش يعرفهما وصوله، ويحذرهما منه، فسارا من جبل سنجار إلى الرحبة، فلم يلتفت البساسيري إليهما، فانحدر، نور الدولة إلى بلدة بالعراق، وأقام قريش عند البساسيري بالرحبة ومعه ابنه مسلم بن قريش.
وشكا قتلمش ابن عم السلطان إليه ما لقي من أهل سنجار في العام الماضي لما انهزم، وأنهم قتلوا رجالاً، فسير العساكر إليهم، فأحاطت بهم، وصعد أهلها على السور وسبوا، وأخرجوا جماجم من كانوا قتلوا، وقلانسهم، وتركوها على رؤوس القصب، ففتحها السلطان عنوة، وقتل أميرها مجلى بن مرجا وخلقاً كثيراً من رجالها، وسبى نساءهم، وخربت، وسأل إبراهيم ينال في الباقين فتركهم، فسلمها هي والموصل والبلاد إلى إبراهيم ينال، ونادى في عسكره: من تعرض لنهب صلبته، فكفوا عنهم.
وعاد السلطان إلى بغداد، على ما نذكره، كان ينبغي أن نذكر هذه الحادثة سنة تسع وأربعين وإنما ذكرناها هذه السنة لأن الابتداء بها كان فيها، فأتبعنا بعضها بعضاً، وذكرنا أنها كانت سنة تسع وأربعين.
ذكر عدة حوادثفي هذه السنة انقطعت الطرق عن العراق لخوف النهب، فغلت الأسعار، وكثر الغلاء، وتعذرت الأقوات وغيرها من كل شيء، وأكل الناس الميتة، ولحقهم وباء عظيم، فكثر الموت حتى دفن الموتى بغير غسل ولا تكفين، فبيع رطل لحم بقيراط، وأربع دجاجات بدينار، ورطلا شراب بدينار، وسفرجلة بدينار، ورمانة بدينار، وكل شيء كذلك.
وكان بمصر أيضاً وباء شديد، فكان يموت في اليوم ألف نفس، ثم عم ذلك سائر البلاد من الشام، والجزيرة، والموصل، والحجاز، واليمن وغيرها.
وفيها، في جمادى الأولى، ولدت جارية ذخيرة الدين بن الخليفة، الذي ذكرنا وفاته قبل، ولداً ذكراً، ويسمى عبد الله، وكني أبا القاسم، وهو المقتدي.
وفيها، في العشر الثاني من جمادى الآخرة، ظهر وقت السحر في السماء ذؤابة بيضاء طولها نحو عشرة أذرع في رأي العين، وعرضها ذراع، وبقيت كذلك إلى نصف رجب واضمحلت.
وفيها أمر الخليفة بأن يؤذن بالكرخ والمشهد وغيرهما: الصلاة خير من النوم، وأن يتركوا: حي على خير العمل، ففعلوا ما أمرهم به خوف السلطنة وقوتها.
وفيها توفي علي بن أحمد بن علي أبو الحسن المؤدب المعروف بالفالي، من أهل مدينة فالة بالقرب من إيذج، روى الحديث والأدب، وله شعر حسن، فمنه قوله:
تصدر لتدريس كل مهوس ... بليد تسمى بالفقيه المدرس
فحق لأهل العلم أن يتمثلوا ... ببيت قديم شاع في كل مجلس
لقد هزلت، حتى بدا من هزالها ... كلاها، وحتى سامها كل مفلس
وفي هذه السنة توفي محمد بن الحسين بن محمد بن سعدون أبو طاهر البزاز الموصلي، ولد بالموصل، ونشأ ببغداد، وروى عن ابن حبابة، والدارقطني، وابن بطة وغيرهم، وكان موته بمصر، وفيها توفي أميرك الكاتب البيهقي في شوال وكان من رجال الدنيا، ومحمد بن عبد الواحد بن عمر بن الميمون الدارمي الفقيه الشافعي.
ثم دخلت سنة تسع وأربعين وأربعمائة
ذكر عود السلطان طغرلبك إلى بغداد
لما سلم السلطان طغرلبك الموصل وأعمالها إلى أخيه إبراهيم ينال عاد إلى بغداد، فلما وصل إلى القفص خرج رئيس الرؤساء إلى لقائه، فلما قارب القفص لقيه عميد الملك، وزير السلطان، في جماعة من الأمراء، وجاء رئيس الرؤساء إلى السلطان فأبلغه سلام الخليفة واستيحاشه، فقبل الأرض، وقدم رئيس الرؤساء جاماً من ذهب فيه جواهر وألبسة فرجية جاءت معه من عند الخليفة، ووضع العمامة على مخدته، فخدم السلطان، وقبل الأرض، ووصل إلى بغداد، ولم يمكن أحداً من النزول في دور الناس، وطلب السلطان الاجتماع بالخليفة، فأذن له في ذلك.
وجلس الخليفة يوم السبت لخمس بقين من ذي القعدة جلوساً عاماً، وحضر وجوه عسكر السلطان وأعيان بغداد، وحضر السلطان في الماء، وأصحابه حوله في السميريات، فلما خرج من السميرية ركب فرساً من مراكب الخليفة، فحضر عند الخليفة، والخليفة على سرير عال من الأرض نحو سبعة أذرع، وعليه بردة النبي، صلى الله عليه وسلم، وبيده القضيب الخيزران، فقبل السلطان الأرض، وقبل يده، وأجلس على كرسي، فقال الخليفة لرئيس الرؤساء: قل له إن أمير المؤمنين شاكر لسعيك، حامد لفعلك، مستأنس بقربك، وقد ولاك جميع ما ولاه الله من بلاده، ورد عليك مراعاة عباده، فاتق الله فيما ولاك، وأعرف نعمته عليك في ذلك، واجتهد في نشر العدل، وكف الظلم، وإصلاح الرعية.
فقبل الأرض، وأمر الخليفة بإفاضة الخلع عليه، فقام إلى موضع لبسها فيه وعاد وقبل يد الخليفة ووضعها على عينيه، وخاطبه الخليفة بملك المشرق والمغرب، وأعطي العهد، وخرج، وأرسل إلى الخليفة خدمة كثيرة منها خمسون ألف دينار، وخمسون مملوكاً أتراكاً من أجود ما يكون، ومعهم خيولهم وسلاحهم، إلى غير ذلك من الثياب وغيرها.
ذكر الحرب بين هزارسب وفولاذكان السلطان قد ضمن هزارسب بن بنكير بن عياض البصرة، وأرجان، وخوزستان، وشيراز، فتجرد رسولتكين ابن عم السلطان ومعه فولاذ لهزارسب، وقصدا أرجان ونهباها.
وكان هزارسب مع طغرلبك بالموصل والجزيرة، فلما فرغ السلطان من تلك الناحية رد هزارسب إلى بلاده، وأمره بقتال رسولتكين وفولاذ، فسار إلى البصرة وصادر بها تاج الدين بن سخطة العلوي وابن سمحا اليهودي بمائة ألف وعشرين ألف دينار، وسار منها إلى قتال فولاذ ورسولتكين فلقيهما، وقاتلهما قتالاً شديداً، فقتل فولاذ، وأسر رسولتكين ابن عم السلطان، فأبقى عليه هزارسب، فسأل رسولتكين هزارسب ليرسله إلى دار الخلافة ليشفع فيه الخليفة، ففعل ذلك.
ووصل بغداد مع أصحاب هزارسب، فاجتاز بدار رئيس الرؤساء، فهجم ودخلها، واستدعى طعاماً إيجازاً للحرمة، فأمر الخليفة بإحضار عميد الملك وإعلامه بحال رسولتكين ليخاطب السلطان في أمره، فلما حضر عميد الملك وقيل له ذلك قال: إن السلطان يقول إن هذا لا حرمة له يستحق بها المراعاة، وقد قابل إحساني بالعصيان، ويجب تسليمه ليتحقق الناس منزلتي، وتتضاعف هيبتي، فاستقر الأمر، بعد مراجعة، على أن يقيده، وخرج توقيع الخليفة: إن منزلة ركن الدين، يعني طغرلبك، عندنا اقتضت ما لم نفعله مع غيره لأنه لم تجر العادة بتقييد أحد في الدار العزيز، ولا بد أن يكون الرضا في جواب ما فعل، فراسله رئيس الرؤساء حتى رضي.
وقد كانت دار الخلافة أيام بني بويه ملجأ لكل خائف منهم، من وزير وعميد وغير ذلك، ففي الأيام السلجوقية سلك غير ذلك، وكان أول شيء فعلوه هذا.
ذكر القبض على الوزير اليازوري بمصرفي هذه السنة، في ذي الحجة، قبض بمصر على الوزير أبي محمد الحسن بن عبد الرحمن اليازوري، وقرر عليه أموال عظيمة منه ومن أصحابه، ووجد له مكاتبات إلى بغداد.
وكان في ابتداء أمره قد حج، فلما قضى حجه أتى المدينة، وزار مسجد رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فسقط على منكبيه قطعة من الخلوق الذي على حائط الحجرة، فقال له أحد القوام: أيها الشيخ! إني أبشرك، ولي الحباء والكرامة إذ بلغته، أنك تلي ولاية عظيمة، وهذا الخلوق دليل على ذلك..
فلم يحل عليه الحول حتى ولي الوزارة، وأحسن إلى ذلك الرجل وراعاه.
وكان يتفقه على مذهب أبي حنيفة، وكان قاضياً بالرملة، يكرم العلماء، ويحسن إليهم ويجالسهم، وكان ابتداء أمره كابتداء أمر رئيس الرؤساء: الشهادة، والقضاء، وكانت سعادتهما متفقة، ونهايتهما متقاربة.
ذكر عدة حوادث
في هذه السنة زاد الغلاء ببغداد والعراق حتى بيعت كارة الدقيق السميد بثلاثة عشر ديناراً، والكارة من الشعير والذرة بثمانية دنانير، وأكل الناس الميتة والكلاب وغيرها، وكثر الوباء حتى عجز الناس عن دفن الموتى، فكانوا يجعلون الجماعة في الحفيرة.
وفيها، في ربيع الأول، توفي أبو العلاء أحمد بن عبد الله بن سليمان المعري، الأديب، وله نحو ست وثمانين سنة، وعلمه أشهر من أن يذكر، إلا أن أكثر الناس يرمونه بالزندقة، وفي شعره ما يدل على ذلك، حكي أنه قال يوماً لأبي يوسف القزويني: ما هجوت أحداً، فقال له القزويني: هجوت الأنبياء، فتغير وجهه وقال: ما أخاف أحداً سواك.
وحكى عنه القزويني أنه قال: ما رأيت شعراً في مرثية الحسين بن علي يساوي أن يحفظ، فقال القزويني: بلى، قد قال بعض أهل سوادانا:
رأس ابن بنت محمد ووصيه ... للمسلمين على قناة يرفع
والمسلمون بمنظر وبمسمع، ... لا جازع منهم، ولا متفجع
أيقظت أجفاناً وكنت لها كرى، ... وأنمت عيناً لم تكن بك تهجع
كحلت بمصرعك العيون عماية، ... وأصم نعيك كل أذن تسمع
ما روضة إلا تمنت أنها ... لك مضجع ولخط قبرك موضع
وفيها أصلح دبيس بن علي بن مزيد ومحمود بن الأخرم الخفاجي حالهما مع السلطان، فعاد دبيس إلى بلاده فوجدها خراباً لكثرة من مات بها من الوباء الجارف، ليس بها أحد.
وفيها كثر الوباء ببخارى حتى قيل إنه مات في يوم واحد ثمانية عشر ألف إنسان من أعمال بخارى، وهلك في هذه الولاية في مدة الوباء ألف ألف وستمائة ألف وخمسون ألفاً، وكان بسمرقند مثل ذلك، ووجد ميت، وقد دخل تركي يأخذ لحافاً عليه، فمات التركي وطرف اللحاف بيده، وبقيت أموال الناس سائبة.
وفيها نهبت دار أبي جعفر الطوسي بالكرخ، وهو فقيه الإمامية، وأخذ ما فيها، وكان قد فارقها إلى المشهد الغربي.
وفيها، في صفر، توفي أبو عثمان إسماعيل بن عبد الرحمن الصابوني، مقدم أصحاب الحديث بخراسان، وكان فقيهاً، خطيباً، إماماً، في عدة علوم.
وفيها، في ربيع الأول، توفي اياز بن ايماق أبو النجم غلام محمود بن سبكتكين، وأخباره معه مشهورة.
وفيها مات أبو أحمد عدنان ابن الشريف الرضي نقيب العلويين.
وفيها توفي أبو الحسن عبد الوهاب بن أحمد بن هارون الغساني، المعروف بابن الجندي.
ثم دخلت سنة خمسين وأربعمائة
ذكر مفارقة إبراهيم ينال الموصل
واستيلاء البساسيري عليها وأخذها منهفي هذه السنة فارق إبراهيم ينال الموصل نحو بلاد الجبل، فنسب السلطان طغرلبك رحيله إلى العصيان، فأرسل إليه رسولاً يستدعيه، وصحبته الفرجية التي خلعها عليه الخليفة، وكتب الخليفة إليه أيضاً كتاباً في المعنى، فرجع إبراهيم إلى السلطان، وهو ببغداد، فخرج الوزير الكندري لاستقباله، وأرسل الخليفة إليه الخلع.
ولما فارق إبراهيم الموصل قصدها البساسيري، وقريش بن بدران، وحاصراها، فملكا البلد ليومه، وبقيت القلعة، وبها الخازن، وأردم، وجماعة من العسكر، فحاصراها أربعة أشهر حتى أكل من فيها دوابهم، فخاطب ابن موسك صاحب إربل قريشاً حتى أمنهم فخرجوا، فهدم البساسيري القلعة، وعفى أثرها.
وكان السلطان قد فرق عسكره في النوروز، وبقي جريدة في ألفي فارس حين بلغه الخبر، فسار إلى الموصل فلم يجد بها أحداً، وكان قريش والبساسيري قد فارقاها، فسار السلطان إلى نصيبين ليتتبع آثارهم ويخرجهم من البلاد، ففارقه أخوه إبراهيم ينال، وسار نحو همذان، فوصلها في السادس والعشرين من رمضان سنة خمسين، وكان قد قيل إن المصريين كاتبوه والبساسيري قد استماله وأطمعه في السلطنة والبلاد، فلما عاد إلى همذان سار السلطان في أثره.
ذكر الخطبة بالعراق للعلوي المصري
وما كان إلى قتل البساسيريلما عاد إبراهيم ينال إلى همذان سار طغرلبك خلفه، ورد وزيره عميد الملك الكندري وزوجته إلى بغداد.
وكان مسيره من نصيبين في منتصف شهر رمضان، ووصل إلى همذان، وتحصن بالبلد، وقاتل أهلها بين يديه، وأرسل إلى الخاتون زوجته وعميد الملك الكندري يأمرهما باللحاق به، فمنعهما الخليفة من ذلك تمسكاً بهما، وفرق غلالاً كثيرة في الناس، وسار من كان ببغداد من الأتراك إلى السلطان بهمذان، وسار عميد الملك إلى دبيس بن مزيد فاحترمه وعظمه، ثم سار من عنده إلى هزارسب، وسارت خاتون إلى السلطان بهمذان، فأرسل الخليفة إلى نور الدولة دبيس بن مزيد يأمره بالوصول إلى بغداد، فورد إليها مائة فارس، ونزل في النجمي ثم عبر إلى الأتانين.
وقوي الإرجاف بوصول البساسيري، فلما تحقق الخليفة وصوله إلى هيت أمر الناس بالعبور من الجانب الغربي إلى الجانب الشرقي، فأرسل دبيس بن مزيد إلى الخليفة وإلى رئيس الرؤساء يقول: الرأي عندي خروجكما من البلد معي، فإنني أجتمع أنا وهزارسب فإنه بواسط على دفع عدوكما.
فأجيب ابن مزيد بأن يقيم حتى يقع الفكر في ذلك، فقال: العرب لا تطيعني على المقام، وأنا أتقدم إلى ديالى! فإذا انحدرتم سرت في خدمتكم. وسار وأقام بديالى ينتظرهما، فلم ير لذلك أثراً، فسار إلى بلاده.
ثم إن البساسيري وصل إلى بغداد يوم الأحد ثامن ذي القعدة، ومعه أربعمائة غلام على غاية الضر والفقر، وكان معه أبو الحسن بن عبد الرحيم الوزير، فنزل البساسيري بمشرعة الروايا، ونزل قريش بن بدران، وهو في مائتي فارس، عند مشرعة باب البصرة، وركب عميد العراق، ومعه العسكر والعوام، وأقاموا بإزاء عسكر البساسيري، وعادوا، وخطب البساسيري بجامع المنصور للمستنصر بالله العلوي، صاحب مصر، وأمر فأذن بحي على خير العمل، وعقد الجسر، وعبر عسكره إلى الزاهر وخيموا فيه، وخطب في الجمعة من وصوله بجامع الرصافة للمصري، وجرى بين الطائفتين حروب في أثناء الأسبوع.
وكان عميد العراق يشير على رئيس الرؤساء بالتوقف عن المناجزة، ويرى المحاجزة ومطاولة الأيام انتظاراً لما يكون من السلطان، ولما يراه من المصلحة بسبب ميل العامة إلى البساسيري، أما الشيعة فللمذهب، وأما السنة فلما فعل بهم الأتراك.
وكان رئيس الرؤساء لقلة معرفته بالحرب ولما عنده من البساسيري يرى المبادرة إلى الحرب، فاتفق أن في بعض الأيام حضر القاضي الهمذاني عند رئيس الرؤساء واستأذنه في الحرب، وضمن به قتل البساسيري، فأذن له من غير علم عميد العراق، فخرج ومعه الخدم، والهاشميون، والعجم، والعوام، إلى الحلبة وأبعدوا، البساسيري يستجرهم، فلما أبعدوا حمل عليهم فعادوا منهزمين، وقتل منهم جماعة، ومات في الزحمة جماعة من الأعيان، ونهب باب الأزج، وكان رئيس الرؤساء واقفاً دون الباب، فدخل الدار، وهرب كل من في الحريم.
ولما بلغ عميد العراق فعل رئيس الرؤساء لطم على وجهه كيف استبد برأيه ولا معرفة له بالحرب. ورجع البساسيري إلى معسكره، واستدعى الخليفة عميد العراق، وأمره بالقتال على سور الحريم، فلم يرعهم إلا الزعقات، وقد نهب الحريم، وقد دخلوا بباب النوبي، فركب الخليفة لابساً للسواد، وعلى كتفه البردة، وبيده السيف، وعلى رأسه اللواء، وحوله زمرة من العباسيين والخدم بالسيوف المسلولة، فرأى النهب قد وصل إلى باب الفردوس من داره، فرجع إلى ورائه، ومضى نحو عميد العراق، فوجده قد استأمن إلى قريش، فعاد وصعد المنظرة، صاح رئيس الرؤساء: يا علم الدين! يعني قريشاً، أمير المؤمنين يستدنيك، فدنا منه، فقال له رئيس الرؤساء: قد أنالك الله منزلة لم ينلها أمثالك، وأمير المؤمنين يستذم منك على نفسه، وأهله، وأصحابه بذمام الله، وذمام رسوله، صلى الله عليه وسلم، وذمام العربية.
فقال: قد أذم الله تعالى له، فقال: ولي؟ ولمن معه؟ قال: نعم، وخلع قلنسوته فأعطاها الخليفة، وأعطى مخصرته رئيس الرؤساء ذماماً، فنزل إليه الخليفة ورئيس الرؤساء من الباب المقابل لباب الحلبة، وصارا معه.
فأرسل إليه البساسيري: أتخالف ما استقر بيننا، وتنقض ما تعاهدنا عليه؟ فقال قريش: لا، وكانا قد تعاهدا على المشاركة في الذي يحصل لهما، وأن لا يستبد أحدهما دون الآخر بشيء، فاتفقا على أن يسلم قريش رئيس الرؤساء إلى البساسيري لأنه عدوه، ويترك الخليفة عنده، فأرسل قريش رئيس الرؤساء إلى البساسيري، فلما رآه قال: مرحباً بمهلك الدول، ومخرب البلاد! فقال: العفو عند المقدرة. فقال البساسيري: فقد قدرت فما عفوت، وأنت صاحب طيلسان، وركبت الأفعال الشنيعة مع حرمي وأطفالي، فكيف أعفو أنا، وأنا صاحب سيف؟ وأما الخليفة فإنه حمله قريش راكباً إلى معسكره، وعليه السواد والبردة، وبيده السيف، وعلى رأسه اللواء، وأنزله في خيمة، وأخذ أرسلان خاتون زوجة الخليفة، وهي ابنة أخي السلطان طغرلبك، فسلمها إلى أبي عبد الله بن جردة ليقوم بخدمتها.
ونهبت دار الخلافة وحريمها أياماً، وسلم قريش الخليفة إلى ابن عمه مهارش بن المجلي، وهو رجل فيه دين، وله مروءة، فحمله في هودج وسار به إلى حديثة عانة فتركه بها، وسار من كان مع الخليفة من خدمه وأصحابه إلى السلطان طغرلبك مستنفرين.
فلما وصل الخليفة إلى الأنبار شكا البرد، فأنفذ إلى مقدمها يطلب منه ما يلبسه، فأرسل له جبة فيها قطن ولحافاً.
وأما البساسيري فإنه ركب يوم عيد النحر، وعبر إلى المصلى بالجانب الشرقي، وعلى رأسه الألوية المصرية، فأحسن إلى الناس، وأجرى الجرايات على المتفقهة، ولم يتعصب لمذهب، وأفرد لوالدة الخليفة القائم بأمر الله داراً، وكانت قد قاربت تسعين سنة، وأعطاها جاريتين من جواريها للخدمة، وأجرى لها الجراية، وأخرج محمود بن الأخرم إلى الكوفة وسقى الفرات أميراً.
وأما رئيس الرؤساء فأخرجه البساسيري، آخر ذي الحجة، من محبسه بالحريم الطاهري مقيداً، وعليه جبة صوف، وطرطور من لبد أحمر، وفي رقبته مخنقة جلود بعير، وهو يقرأ: " قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء " .
وبصق أهل الكرخ في وجهه عند اجتيازه بهم، لأنه كان يتعصب عليهم، وشهر إلى حد النجمي، وأعيد إلى معسكر البساسيري، وقد نصبت له خشبة، وأنزل عن الجمل، وألبس جلد ثور وجعلت قرونه على رأسه، وجعل في فكيه كلابان من حديد، وصلب فبقي يضطرب إلى آخر النهار ومات.
وكان مولده في شعبان سنة سبعين وثلاثمائة، وكانت شهادته عند ابن ماكولا سنة أربع عشرة وأربعمائة، وكان حسن التلاوة للقرآن، جيد المعرفة بالنحو.
وأما عميد العراق فقتله البساسيري، وكان فيه شجاعة، وله فتوة، وهو الذي بنى رباط شيخ الشيوخ.
ولما خطب البساسيري للمستنصر العلوي بالعراق أرسل إليه بمصر يعرفه ما فعل، وكان الوزير هناك أبا الفرج ابن أخي أبي القاسم المغربي، وهو ممن هرب من البساسيري وفي نفسه ما فيها، فوقع فيه، وبرد فعله، وخوف عاقبته، فتركت أجوبته مدة، ثم عادت بغير الذي أمله ورجاه.
وسار البساسيري من بغداد إلى واسط والبصرة فملكهما، وأراد قصد الأهواز، فأنفذ صاحبها هزارسب بن بنكير إلى دبيس بن مزيد يطلب منه أن يصلح الأمر على مال يحمله إليه، فلم يجب إلى ذلك، وقال: لا بد من الخطبة للمستنصر، والسكة باسمه، فلم يفعل هزارسب ذلك ورأى البساسيري أن طغرلبك يمد هزارسب بالعساكر، فصالحه، وأصعد إلى واسط في مستهل شعبان من سنة إحدى وخمسين، وفارقه صدقة بن منصور بن الحسين الأسدي، ولحق بهزارسب، وكان قد ولي بعد أبيه على ما نذكره.
وأما أحوال السلطان طغرلبك، وإبراهيم ينال، فإن السلطان كان في قلة من العسكر، كما ذكرناه، وكان إبراهيم قد اجتمع معه كثير من الأتراك، وحلف لهم أنه لا يصالح أخاه طغرلبك، ولا يكلفهم المسير إلى العراق، وكانوا يكرهونه لطول مقامهم وكثرة إخراجاتهم، فلم يقو به طغرلبك، وأتى إلى إبراهيم محمد وأحمد ابنا أخيه أرتاش في خلق كثير، فازداد بهم قوة، وازداد طغرلبك ضعفاً، فانزاح من بين يديه إلى الري، وكاتب ألب أرسلان، وياقوتي، وقاروت بك، أولاد أخيه داود، وكان داود قد مات، على ما نذكره سنة إحدة وخمسين إن شاء الله تعالى، وملك خراسان بعده ابنه ألب أرسلان إليهم طغرلبك يستدعيهم إليه، فجاؤوا بالعساكر الكثيرة، فلقي إبراهيم بالقرب من الري، فانهزم إبراهيم ومن معه وأخذ أسيراً هو ومحمد وأحمد ولدا أخيه، فأمر به فخنق بوتر قوسه تاسع جمادى الآخرة سنة إحدى وخمسين، وقتل ولدا أخيه معه.
وكان إبراهيم قد خرج على طغرلبك مراراً، فعفا عنه، وإنما قتله في هذه الدفعة لأنه علم أن جميع ما جرى على الخليفة كان بسببه، فلهذا لم يعف عنه، ولما قتل إبراهيم أرسل طغرلبك إلى هزارسب بالأهواز يعرفه ذلك، وعنده عميد الملك الكندري، فسار إلى السلطان، فجهزه هزارسب تجهيز مثله.
ذكر عود الخليفة إلى بغدادلما فرغ السلطان من أمر أخيه إبراهيم ينال عاد يطلب العراق، ليس له هم إلا إعادة القائم بأمر الله إلى داره، فأرسل إلى البساسيري وقريش في إعادة الخليفة إلى داره على أن لا يدخل طغرلبك العراق، ويقنع بالخطبة والسكة، فلم يجب البساسيري إلى ذلك، فرحل طغرلبك إلى العراق، فوصلت مقدمته إلى قصر شيرين، فوصل الخبر إلى بغداد، فانحدر حرم البساسيري وأولاده، ورحل أهل الكرخ بنسائهم وأولادهم في دجلة وعلى الظهر، ونهب بنو شيبان الناس، وقتلوا كثيراً منهم، وكان دخول البساسيري وأولاده بغداد سادس ذي القعدة سنة خمسين وخرجوا منها سادس ذي القعدة سنة إحدى وخمسين.
وثار أهل باب البصرة إلى الكرخ فنهبوه، وأحرقوا درب الزعفران، وهو من أحسن الدروب وأعمرها، ووصل طغرلبك إلى بغداد، وكان قد أرسل من الطريق الإمام أبا بكر أحمد بن محمد بن أيوب المعروف بابن فورك، إلى قريش بن بدران يشكره على فعله بالخليفة، وحفظه على صيانته ابنة أخيه امرأة الخليفة، ويعرفه أنه قد أرسل أبا بكر بن فورك للقيام بخدمة الخليفة، وإحضاره، وإحضار أرسلان خاتون ابنة أخيه امرأة الخليفة.
ولما سمع قريش بقصد طغرلبك العراق أرسل إلى مهارش يقول له: أودعنا الخليفة عندك ثقة بإمانتك، لينكف بلاء الغز عنا، والآن فقد عادوا، وهم عازمون على قصدك، فارحل أنت وأهلك إلى البرية، فإنهم إذا علموا أن الخليفة عندنا في البرية لم يقصدوا العراق، ونحكم عليهم بما نريد. فقال مهارش: كان بيني وبين البساسيري عهود ومواثيق نقضها، وإن الخليفة قد استخلفني بعهود ومواثيق لا مخلص منها.
وسار مهارش ومعه الخليفة حادي عشر ذي القعدة سنة إحدى وخمسين وأربعمائة إلى العراق، وجعلا طريقهما على بلد بدر بن مهلهل ليأمنا من يقصدهما، ووصل ابن فورك إلى حلة بدر بن مهلهل، وطلب منه أن يوصله إلى مهارش، فجاء إنسان سوادي إلى بدر وأخبره أنه رأى الخليفة ومهارشاً بتل عكبرا، فسر بذلك بدر ورحل ومعه ابن فورك، وخدماه، وحمل له بدر شيئاً كثيراً، وأوصل إليه ابن فورك رسالة طغرلبك وهدايا كثيرة أرسلها معه.
ولما سمع طغرلبك بوصول الخليفة إلى بلد بدر أرسل وزيره الكندري، والأمراء، والحجاب، وأصحبهم الخيام العظيمة، والسرادقات، والتحف من الخيل بالمراكب الذهب وغير ذلك، فوصلوا إلى الخليفة وخدموه ورحلوا، ووصل الخليفة إلى النهروان في الرابع والعشرين من ذي القعدة، وخرج السلطان إلى خدمته، فاجتمع به، وقبل الأرض بين يديه، وهنأه بالسلامة، وأظهر الفرح بسلامته، واعتذر من تأخره بعصيان إبراهيم، وأنه قتله عقوبة لما جرى منه من الوهن على الدولة العباسية، وبوفاة أخيه داود بخراسان، وأنه اضطر إلى التريث حتى يرتب أولاده بعده في المملكة، وقال: أنا أمضي خلف هذا الكلب، يعني البساسيري، وأقصد الشام، وأفعل في حق صاحب مصر ما أجازي به فعله!
وقلده الخليفة بيده سيفاً، وقال: لم يبق مع أمير المؤمنين من داره سواه، وقد تبرك به أمير المؤمنين، فكشف غشاء الخركاة حتى رآه الأمراء، فخدموا وانصرفوا.
ولم يبق ببغداد من أعيانها من يستقبل الخليفة غير القاضي أبي عبد الله الدامغاني وثلاثة نفر من الشهود. وتقدم السلطان في المسير، فوصل إلى بغداد، وجلس في باب النوبي مكان الحاجب، ووصل الخليفة فقام طغرلبك وأخذ بلجام بغلته، حتى صار على باب حجرته، وكان وصوله يوم الاثنين لخمس بقين من ذي القعدة سنة إحدى وخمسين وعبر السلطان إلى معسكره، وكانت السنة مجدبة، ولم ير الناس فيها مطراً، فجاء تلك الليلة وهنأ الشعراء الخليفة والسلطان بهذا الأمر، ودام البرد بعد قدوم الخليفة نيفاً وثلاثين يوماً، ومات بالجوع والعقوبة عدد لا يحصى، وكان أبو علي بن شبل ممن هرب من طائفة الغز، فوقع به غيرهم فأخذوا ماله، فقال:
خرجنا من قضاء الله خوفاً، ... فكان فرارنا منه إليه
وأشقى الناس ذو عزم توالت ... مصائبه عليه، من يديه
تضيق عليه طرق العذر منها ... ويقسو قلب راحمه عليه
ذكر قتل البساسيريأنفذ السلطان بعد استقرار الخليفة في داره جيشاً عليهم خمارتكين الطغراني في ألفي فارس نحو الكوفة، فأضاف إليهم سرايا بن منيع الخفاجي، وكان قد قال السلطان: أرسل معي هذه العدة حتى أمضي إلى الكوفة وأمنع البساسيري من الإصعاد إلى الشام.
وسار السلطان طغرلبك في أثرهم، فلم يشعر دبيس بن مزيد والبساسيري إلا والسرية قد وصلت إليهم ثامن ذي الحجة من طريق الكوفة، بعد أن نهبوها، وأخذ نور الدولة دبيس بن مزيد رحله جميعه وأحدره إلى البطيحة، وجعل أصحاب نور الدولة دبيس يرحلون بأهليهم، فيتبعهم الأتراك، فتقدم نور الدولة ليرد العرب إلى القتال، فلم يرجعوا، فمضى.
ووقف البساسيري في جماعته، وحمل عليه الجيش، فأسر من أصحابه أبو الفتح بن ورام، وأسر منصور وبدران وحماد، بنو نور الدولة دبيس، وضرب فرس البساسيري بنشابة، وأراد قطع تجفافه لتسهل عليه النجاة فلم ينقطع، وسقط عن الفرس، ووقع في وجهه ضربة، ودل عليه بعض الجرحى، فأخذه كمشتكين دواتي عميد الملك الكندري وقتله، وحمل رأسه إلى السلطان، ودخل الجند في الظعن، فساقوه جميعه، وأخذت أموال أهل بغداد وأموال البساسيري مع نسائه وأولاده، وهلك من الناس الخلق العظيم، وأمر السلطان بحمل رأس البساسيري إلى دار الخلافة، فحمل إليها، فوصل منتصف ذي الحجة سنة إحدى وخمسين، فنظف وغسل وجعل على قناة وطيف به، وصلب قبالة باب النوبي.
وكان في أسر البساسيري جماعة من النساء المتعلقات بدار الخلافة، فأخذن، وأكرمن، وحملن إلى بغداد.
ومضى نور الدولة دبيس إلى البطيحة، ومعه زعيم الملك أبو الحسن عبد الرحيم، وكان من حق هذه الحوادث المتأخرة أن تذكر سنة إحدى وخمسين، وإنما ذكرناها هاهنا لأنها كالحادثة الواحدة يتلو بعضها بعضاً.
وكان البساسيري مملوكاً تركياً من مماليك بهاء الدولة بن عضد الدولة، تقلبت به الأمور حتى بلغ هذا المقام المشهور، واسمه أرسلان، وكنيته أبو الحارث، وهو منسوب إلى بسا مدينة بفارس، والعرب تجعل عوض الباء فاء فتقول فسا، والنسبة فساوي، ومنها أبو علي الفارسي النحوي، وكان سيد هذا المملوك أولاً من بسا، فقيل به البساسيري لذلك، وجعل العرب الباء فاء فقيل فساسيري.
ذكر عدة حوادثفي هذه السنة أقر السلطان طغرلبك مملان بن هسوذان بن مملان على ولاية أبيه بأذربيجان.
وفيها مات شهاب الدولة أبو الفوارس منصور بن الحسين الأسدي، صاحب الجزيرة، عند خوزستان، واجتمعت عشيرته على ولده صدقة.
وفيها توفي الملك الرحيم، آخر ملوك بني بويه، بقلعة الري، وكان طغرلبك سجنه أولاً بقلعة السيروان، ثم نقله إلى قلعة الري فتوفي بها.
وفيها عصى أبو علي بن أبي الجبر بالبطائح، وكان متقدم بعض نواحيها، فأرسل إليه طغرلبك جيشاً مع عميد العراق أبي نصر، فهزمهم أبو علي.
وفيها يوم النوروز أرسل السلطان مع وزيره عميد الملك إلى الخليفة عشرة آلاف دينار سوى ما أضيف إليها من الأعلاق النفيسة.
وفيها، في صفر، توفي أبو الفتح بن شيطا القاري، الشاهد، وكانت شهادته سنة خمس وأربعين وأربعمائة.
وفيها، في شهر ربيع الأول، توفي القاضي أبو الطيب الطبري، الفقيه الشافعي، وله مائة سنة وسنتان، وكان صحيح السمع والبصر، سليم الأعضاء، يناظر ويفتي ويستدرك على الفقهاء، وحضر عميد الملك جنازته، ودفن عند قبر أحمد، وله شعر حسن.
وفي سلخه توفي قاضي القضاة أبو الحسين علي بن محمد بن حبيب الماوردي، الفقيه الشافعي، وكان إماماً، وله تصانيف كثيرة منها: الحاوي وغيره في علوم كثيرة، وكان عمره ستاً وثمانين سنة.
وفي آخر هذه السنة توفي أبو عبد الله الحسين بن علي الرفا، الضرير الفرضي، وكان إماماً فيها على مذهب الشافعي.
وفيها، في شوال، كانت زلزلة عظيمة بالعراق، والموصل، ووصلت إلى همذان، ولبثت ساعة، فخربت كثيراً من الدور، وهلك فيها الجم الغفير.
وفيها توفي أبو محمد عبد الله بن علي بن عياض المعروف بابن أبي عقيل، وكان قد سمع الكثير من الحديث رواه.
وتوفي أيضاً القاضي أبو الحسن علي بن هندي قاضي حمص، وكان وافر العلم والأدب.
ثم دخلت سنة إحدى وخمسين وأربعمائة
ذكر وفاة فرخ زاد صاحب غزنة
وملك أخيه إبراهيمفي هذه السنة، في صفر، توفي الملك فرخ زاد بن مسعود بن محمود بن سبكتكين، صاحب غزنة، وكان قد ثار به مماليكه سنة خمسين واتفقوا على قتله، فقصدوه وهو في الحمام، وكان معه سيف، فأخذه وقاتلهم، ومنعهم عن نفسه حتى أدركه أصحابه وخلصوه، وقتلوا أولئك الغلمان. وصار بعد أن نجا من هذه الحادثة يكثر ذكر الموت ويحتقر الدنيا ويزدريها، وبقي كذلك إلى هذه السنة، فأصابه قولنج فمات منه، وملك بعده أخوه إبراهيم بن مسعود بن محمود، فأحسن السيرة، فاستعد لجهاد الهند، ففتح حصوناً امتنعت على أبيه وجده، وكان يصوم رجباً وشعبان ورمضان.
ذكر الصلح بين الملك إبراهيم وجغري بك داودفي هذه السنة استقر الصلح بين الملك إبراهيم بن مسعود بن محمود بن سبكتكين وبين داود بن ميكائيل بن سلجوق، صاحب خراسان، على أن يكون كل واحد منهما على ما بيده، ويترك منازعة الآخر في ملكه.
وكان سبب ذلك أن العقلاء من الجانبين نظروا فرأوا أن كل واحد من الملكين لا يقدر على أخذ ما بيد الآخر، وليس يحصل غير إنفاق الأموال، وإتعاب العساكر، ونهب البلاد، وقتل النفوس، فسعوا في الصلح، فوقع الاتفاق واليمين، وكتبت النسخ بذلك، فاستبشر الناس، وسرهم لما أشرفوا عليه من العافية.
ذكر وفاة داود وملك ابنه ألب أرسلانفي هذه السنة، في رجب، توفي جغري بك داود بن ميكائيل بن سلجوق، أخو السلطان طغرلبك، وقيل كان موته في صفر سنة اثنتين وخمسين، وعمره نحو سبعين سنة، وكان صاحب خراسان، وهو مقابل آل سبكتكين ومقاتلهم، ومانعهم عن خراسان، فلما توفي ملك بعده خراسان ابنه السلطان ألب أرسلان، وخلف داود عدة أولاد ذكور منهم: السلطان ألب أرسلان، وياقوتي، وسليمان، وقاروت بك، فتزوج أم سليمان السلطان طغرلبك، بعد أخيه داود، ووصى به بالملك بعده، وكان من أمره ما نذكره.
وكان خيراً، عادلاً، حسن السيرة، معترفاً بنعمة الله تعالى عليه، شاكراً عليها، فمن ذلك أنه أرسل إلى أخيه طغرلبك مع عبد الصمد، قاضي سرخس، يقول له: بلغني إخرابك البلاد التي فتحتها وملكتها، وجلا أهلها عنها، وهذا ما لا خفاء به في مخالفة أمر الله تعالى في عباده وبلاده، وأنت تعلم ما فيه من سوء السمعة وإيحاش الرعية.
وقد علمت أننا لقينا أعداءنا ونحن ثلاثين رجلاً، وهم ثلاثمائة، فغلبناهم، وكنا في ثلاثمائة، وهم في ثلاثة آلاف، فغلبناهم، وكنا في ثلاثة آلاف، وهم في ثلاثين ألفاً، فدفعناهم، وقاتلنا بالأمس شاه ملك، وهو في أعداد كثيرة متوافرة، فقهرناه، وأخذنا مملكته بخوارزم، وهرب من بين أيدينا إلى خمسمائة فرسخ من موضعه، فظفرنا به وأسرناه وقتلناه، واستولينا على ممالك خراسان وطبرستان وسجستان، وصرنا ملوكاً متبوعين، بعد أن كنا أصاغر تابعين، وما تقتضي نعم الله علينا أن نقابلها هذه المقابلة.
فقال طغرلبك: قل له في الجواب: يا أخي أنت ملكت خراسان وهي بلاد عامرة، فخربتها، ووجب عليك مع استقرار قدمك عمارتها، وأنا وردت بلاداً خربها من تقدمني، واجتاحها من كان قبلي، فما أتمكن من عمارتها والأعداء محيطة بها، والضرورة تقود إلى طرقها بالعساكر، ولا يمكن دفع مضرتها عنها.
وله مناقب كثيرة تركناها خوف التطويل.
ذكر حريق بغدادفي هذه السنة احترقت بغداد: الكرخ وغيره، وبين السورين، واحترقت فيه خزانة الكتب التي وقفها أردشير الوزير، ونهبت بعض كتبها، وجاء عميد الملك الكندري، فاختار من الكتب خيرها، وكان بها عشرة آلاف مجلد وأربعمائة مجلد من أصناف العلوم منها: مائة مصحف بخطوط بني مقلة، وكان العامة قد نهبوا بعضها لما وقع الحريق، فأزالهم عميد الملك، وقعد يختارها، فنسب ذلك إلى سوء سيرته، وفساد اختياره، وشتان بين فعله وفعل نظام الملك الذي عمر المدارس، ودون العلم في بلاد الإسلام جميعها، ووقف الكتب وغيرها.
ذكر انحدار السلطان إلى واسط
وما فعل العسكر وإصلاح دبيسفي هذه السنة انحدر السلطان طغرلبك إلى واسط بعد فراغه من أمر بغداد، فرآها قد نهبت، وحضر عنده هزارسب بن بنكير، وأصلح معه حال دبيس بن مزيد، وأحضره معه إلى خدمة السلطان، وأصعد في صحبته إلى بغداد، وكذلك صدقة بن منصور بن الحسين، وضمن واسطاً أبو علي بن فضلان بمائتي ألف دينار، وضمن البصرة الأغر أبو سعد سابور بن المظفر، وعبر السلطان إلى الجانب الشرقي من دجلة، وسار إلى قرب البطائح، فنهب العسكر ما بين واسط والبصرة والأهواز.
وأصعد السلطان إلى بغداد في صفر سنة اثنتين وخمسين ومعه أبو الفتح بن ورام، وهزارسب بن بنكير بن عياض، ودبيس بن مزيد، وأبو علي ابن الملك أبي كاليجار، وصدقة بن منصور بن الحسين وغيرهم، واجتمع السلطان بالخليفة، وأمر الخليفة بعمل طعام كثير حضره السلطان والأمراء وأصحابهم، وعمل السلطان أيضاً سماطاً أحضر فيه الجماعة، وخلع عليهم، وسار إلى بلاد الجبل في شهر ربيع الأول سنة اثنتين وخمسين، وجعل ببغداد شحنة الأمير برسق، وضمنها أبو الفتح المظفر بن الحسين ثلاث سنين بأربع مائة ألف دينار.
ذكر عدة حوادثفي هذه السنة عزل أبو الحسين بن المهتدي من الخطابة بجامع المنصور لأنه خطب للعلوي ببغداد في الفتنة، وأقيم مقامه بهاء الشرف أبو علي الحسن بن عبد الودود بن المهتدي بالله.
وفيها توفي علي بن محمود بن إبراهيم الزوزني أبو الحسن، صحب أبا الحسن الجصري، وروى عن أبي عبد الرحمن السلمي، وهو الذي نسب إليه رباط الزوزني المقابل لجامع المنصور.
وفيها، في جمادى الأولى، توفي محمد بن علي بن الفتح بن محمد بن علي أبو طالب العشاري، ومولده في المحرم سنة ست وستين وثلاثمائة، وسمع الدارقطني وغيره.
ثم دخلت سنة اثنتين وخمسين وأربعمائة
ذكر عود ولي العهد إلى بغداد
مع أبي الغنائم بن المحلبانفي جمادى الآخرة ورد عدة الدين أبو القاسم المقتدي بأمر الله، ولي العهد، ومعه جدته أم الخليفة، وخرج الناس لاستقباله، وجلس في الزبزب على رأسه أبو الغنائم بن المحلبان، وقدم له بباب الغربة فرس، فحمله ابن المحلبان على كتفه وأركبه وسلمه إلى مجلس الخليفة، فشكره، وخرج ابن المحلبان فركب في الزبزب، وانحدر إلى دار أفردت له بباب المراتب، ودخل إلى الخليفة واجتمع به.
وكان سبب مصير ولي العهد مع ابن المحلبان أنه دخل داره، فوجد زوجة رئيس الرؤساء وأولاده بها، وهم مطالبون من البساسيري، فعرفوه أن رئيس الرؤساء أمرهم بقصده، فأدخلهم إلى أهله، وأقام لهم من حملهم إلى ميافارقين، فساروا مع قرواش لما أصعد من بغداد، ولم يعلم بهم.
ثم لقيه أبو الفضل محمد بن عامر الوكيل، وعرفه ما عليه ولي العهد ومن معه من إيثار الخروج من بغداد، وما هم عليه من تناقض الحال، فبعث ابن المحلبان زوجته، فأتته بهم سراً، فتركهم عنده ثمانية أشهر، وكان يحضر ابن البساسيري وأصحابه، ويعمل لهم الدعوات، وولي العهد ومن معه مستترون عنده، يسمعون ما يقول أولئك فيهم.
ثم اكترى لهم، وسار هو في صحبتهم إلى قريب سنجار، ثم حملوا إلى حران، وسار مع صاحبها أبي الزمام منيع بن وثاب النميري، حين قصد الرحبة، وفتح قرقيسيا، وعقد لعدة الدين على بنت منيع، وانحدروا إلى بغداد.
ذكر ملك محمود بن شبل الدولة حلب
في هذه السنة، في جمادى الآخرة، حضر محمود بن شبل الدولة بن صالح بن مرداس الكلابي مدينة حلب، وضيق عليها، واجتمع مع جمع كثير من العرب، فأقام عليها، فلم يتسهل له فتحها، فرحل عنها، ثم عاودها فحصرها، فملك المدينة عنوة في جمادى الآخرة، بعد أن حصرها، وامتنعت القلعة عليه.
وأرسل من بها إلى المستنصر بالله، صاحب مصر ودمشق، يستنجدونه، فأمر ناصر الدولة أبا محمد الحسين بن الحسن بن حمدان، الأمير بدمشق، أن يسير بمن عنده من العساكر إلى حلب يمنعها من محمود، فسار إلى حلب، فلما سمع محمود بقربه منه خرج من حلب، ودخلها عسكر ناصر الدولة فنهبوها.
ثم إن الحرب وقعت بين محمود وناصر الدولة بظاهر حلب، واشتد القتال بينهم، فانهزم ناصر الدولة وعاد مقهوراً إلى مصر، وملك محمود حلب، وقتل عمه معز الدولة، واستقام أمره بها، وهذه الوقعة تعرف بوقعة الفنيدق، وهي مشهورة.
ذكر عدة حوادثفي هذه السنة خلع السلطان طغرلبك على محمود بن الأخرم الخفاجي، وردت إليه إمارة بني خفاجة، وولاية الكوفة، وسقي الفرات، وضمن خواص السلطان هناك بأربعة آلاف دينار كل سنة، وصرف عنها رجب بن منيع.
وفيها توفي أبو محمد النسوي، صاحب الشرطة ببغداد، وقد جاوز ثمانين سنة.
وفيها سد بنو ورام بثق النهروانات، وشرع العميد أبو الفتح في عمارة بثوق الكرخ.
وفيها، في ذي القعدة، توفيت خاتون زوجة السلطان طغرلبك بزنجان، فوجد عليها وجداً شديداً، وحمل تابوتها إلى الري فدفنت بها.
وفيها، ثالث جمادى الآخرة، انقض كوكب عظيم القدر عند طلوع الفجر من ناحية المغرب إلى ناحية المشرق، فطال لبثه.
وفيها، جمع عطية بن صالح بن مرداس جمعاً وحصر الرحبة، وضيق على أهلها، فملكها في صفر من هذه السنة.
وفيها توفيت والدة الخليفة القائم بأمر الله، واسمها قطر الندى، وقيل بدر الدجى، وقيل علم، وهي جارية أرمينية.
وفيها توفي محمد بن الحسين بن محمد بن الحسن أبو علي المعروف بالجازري النهرواني، وكان مكثراً من الرواية، الجازري بالجيم وبعد الألف زاي ثم راء.
وفيها توفي باي أبو منصور الفقيه الجيلي، بالباء الموحدة وبعد الألف ياء تحتها نقطتان، ومحمد بن عبيد بن أحمد بن محمد أبو عمرو بن أبي الفضل، الفقيه المالكي.
ثم دخلت سنة ثلاث وخمسين وأربعمائة
ذكر وزارة ابن دارست للخليفةلما عاد الخليفة إلى بغداد استخدم أبا تراب الأثيري في الإنهاء، وحضور المواكب، ولقبه حاجب الحجاب، وكان قد خدمه بالحديث، وقرب منه، فخاطب الشيخ أبو منصور بن يوسف في وزارة أبي الفتح منصور بن أحمد بن دارست، وقال إنه يخدم بغير إقطاع، ويحمل مالاً، فأجيب إلى ذلك، فأحضر من الأهواز إلى بغداد، وخلع عليه خلعة الوزارة منتصف ربيع الآخر، وجلس في منصبه، ومدح الشعراء، فممن مدحه وهنأه أبو الحسن الخباز بقصيدة منها:
أمن الملك بالأمين أبي الفت ... ح وصدت عن صفوة الأقذاء
دولة أصبحت، وأنت ولي ... الرأي فيها، لدولة غراء
وهي طويلة. وكان ابن دارست في أول أمره تاجراً للملك أبي كاليجار.
ذكر موت المعز بن باديس
وولاية ابنه تميمفي هذه السنة توفي المعز بن باديس، صاحب إفريقية، من مرض أصابه، وهو ضعف الكبد، وكانت مدة ملكه سبعاً وأربعين سنة، وكان عمره لما ملك إحدى عشرة سنة، وقيل ثماني سنين وستة أشهر.
وكان رقيق القلب، خاشعاً، متجنباً لسفك الدماء إلا في حد، حليماً، يتجاوز عن الذنوب العظام، حسن الصحبة مع عبيده وأصحابه، مكرماً لأهل العلم، كثير العطاء لهم، كريماً، وهب مرة ألف دينار للمستنصر الزناتي وكان عنده وقد جاء هذا المال، فاستكثره، فأمر به فأفرغ بين يديه، ثم وهبه له، فقيل له: لم أمرت بإخراجه من أوعيته؟ قال: لئلا يقال لو رآه ام سمحت نفسه به، وكان له شعر حسن.
ولما مات رثاه الشعراء، فمنهم أبو الحسن بن رشيق فقال:
لكل حي وإن طال المدى هلك ... لا عز مملكة يبقى، ولا ملك
ولى المعز على أعقابه فرمى، ... أو كاد ينهد من أركانه الفلك
مضى فقيداً، وأبقى في خزائنه ... هام الملوك، وما أدراك ما ملكوا
ما كان إلا حساماً سله قدر ... على الذين بغوا في الأرض وانهمكوا
كأنه لم يخض للموت بحر وغىً، ... خضر البحار، إذا قيست به، برك
ولم يجد بقناطير مقنطرة ... قد أرخت باسمه إبريزها السكك
روح المعز وروح الشمس قد قبضا، ... فانظر بأي ضياء يصعد الفلك
ولما توفي ملك بعده ابنه تميم، وكان مولد تميم بالمنصورية التي هي مقره، منتصف رجب سنة اثنتين وعشرين وأربعمائة، وولاه المهدية في صفر سنة خمس وأربعين، وأقام بها إلى أن وافاه أبوه المعز، لما انتزح عن القيروان من العرب، وقام بخدمة أبيه، وأظهر من طاعته وبره ما بان به كذب ما كان ينسب إليه.
ولما استبد بالملك بعد أبيه سلك طريقه في حسن السيرة، ومحبة أهل العلم، إلا أنه كان أصحاب البلاد قد طمعوا بسبب العرب، وزالت الهيبة والطاعة عنهم في أيام المعز، فلما مات ازداد طمعهم، وأظهر كثير منهم الخلاف، فممن أظهر الخلاف القائد حمو بن مليك، صاحب سفاقس، واستعان بالعرب، وقصد المهدية ليحاصرها، فخرج إليه تميم وصافه، فاقتتلوا، فانهزم حموا وأصحابه، وكثر القتل فيهم، ومضى حمو ونجا بنفسه، وتفرقت خيله ورجاله، وكان ذلك سنة خمس وخمسين.
ذكر وفاة قريش صاحب الموصل
وإمارة ابنه شرفة الدولةفي هذه السنة توفي قريش بن بدران صاحب الموصل ونصيبين، أصابه خروج الدم من فيه وأنفه وعينيه وأذنيه، فحمله ابنه شرف الدولة إلى نصيبين، حتى حفظ خزانته بها، وتوفي هناك.
وسمع فخر الدولة أبو نصر محمد بن محمد بن جهير حاله، فسارا من دارا إلى نصيبين، وجمع بني عقيل على أن يؤمروا ابنه أبا المكارم مسلم بن قريش عليهم، وكان القائم بأمره جابر بن ناشب، فزوجه فخر الدولة بأخت مسلم، وزوج مسلماً بابنة نصر بن منصور.
ذكر وفاة نصر الدولة بن مروانفي هذه السنة توفي نصر الدولة أحمد بن مروان الكردي، صاحب ديار بكر، ولقبه القادر بالله نصر الدولة، وكان عمره نيفاً وثمانين سنة، وإمارته اثنتين وخمسين سنة، واستولى على الأمور ببلاده استيلاء تاماً، وعمر الثغور وضبطها، وتنعم تنعماً لم يسمع بمثله عن أحد من أهل زمانه.
وملك من الجواري المغنيات ما اشترى بعضهن بخمسة آلاف دينار، وأكثر من ذلك، وملك خمسمائة سرية سوى توابعهن، وخمسمائة خادم.
وكان في مجلسه من الآلات ما تزيد قيمته على مائتي ألف دينار، وتزوج من بنات الملوك جملة، وأرسل طباخين إلى الديار المصرية، وغرم على إرسالهم جملة وافرة حتى تعلموا الطبخ من هناك.
وأرسل إلى السلطان طغرلبك هدايا عظيمة، من جملتها الجبل الياقوت الذي كان لبني بويه، اشتراه من المكل العزيز أبي منصور بن جلال الدولة، وأرسل معه مائة ألف دينار سوى ذلك.
ووزر له أبو القاسم بن المغربي، وفخر الدولة بن جهير، ورخصت الأسعار في أيامه، وتظاهر الناس بالأموال، ووفد إليه الشعراء، وأقام عنده العلماء والزهاد.
وبلغه أن الطيور في الشتاء تخرج من الجبال إلى القرى فتصاد، فأمر أن يطرح لها الحب من الأهراء التي له، فكانت في ضيافته طول عمره.
ولما مات اتفق وزيره فخر الدولة بن جهير وابنه نصر، فرتب نصراً في الملك بعد أبيه، وجرى بينه وبين أخيه سعيد حروب شديدة كان الظفر في آخرها لنصر، فاستقر في الإمارة بميافارقين وغيرها، وملك أخوه سعيد آمد.
ذكر عدة حوادثفي رجب خلع على الكامل أبي الفوارس طراد بن محمد الزينبي، وقلد نقابة النقباء، ولقب الكامل ذا الشرفين.
وفيها تولي شمس الدين أسامة بن أبي عبد الله بن علي نقابة العلويين ببغداد، ولقب المرتضى.
وفيها، في جمادى الأولى، انكسفت الشمس جميعها، فظهرت الكواكب، وأظلمت الدنيا، وسقطت الطيور الطائرة.
وفيها، في شهر رمضان، توفي شكر العلوي الحسيني، أمير مكة، وله شعر حسن، فمنه:
قوض خيامك عن أرض تضام بها، ... وجانب الذل، إن الذل مجتنب
وارحل إذا كان في الأوطان منقصة ... فالمندل الرطب في أوطانه حطب
وفيها توفي أبو القاسم علي بن محمد بن يحيى الشمشاطي بدمشق، وكان عالماً بالهندسة والرياضيات من علوم الفلاسفة، وإليه ينسب الرباط الذي عند جامع دمشق.
ثم دخلت سنة أربع وخمسين وأربعمائة
ذكر نكاح السلطان طغرلبك ابنة الخليفةفي هذه السنة عقد للسلطان طغرلبك على ابنة الخليفة القائم بأمر الله، وكانت الخطبة تقدمت سنة ثلاث وخمسين مع أبي سعد قاضي الري، فانزعج الخليفة من ذلك، وأرسل في الجواب أبا محمد التميمي، وأمره أن يستعفي، فإن أعفي، وإلا تمم الأمر على أن يحمل السلطان ثلاثمائة ألف دينار، ويسلم واسطاً وأعمالها.
فلما وصل إلى السلطان ذكر لعميد الملك الوزير ما ورد فيه من الاستعفاء، فقال: لا يحسن أن يرد الس، وقد سأل وتضرع، ولا يجوز مقابلته أيضاً بطلب الأموال والبلاد، فهو يفعل أضعاف ما طلب منه.
فقاتل التميمي: الأمر لك، ومهما فعلته فهو الصواب، فبنى الوزير الأمر على الإجابة، وطالع به الس، فسر به، وجمع الناس وعرفهم أن همته سمت به إلى الاتصال بهذه الجهة النبوية، وبلغ من ذلك ما لم يبلغه سواه من الملوك. وتقدم إلى عميد الملك الوزير أن يسير ومعه أرسلان خاتون، زوجة الخليفة، وأن يصحبها مائة ألف دينار برسم الحمل، وما شاكلها من الجواهر وغيرها، ووجه معه فرامرز بن كاكويه، وغيره من وجوه الأمراء وأعيان الري.
فلما وصل إلى الإمام القائم بأمر الله، وأوصل خاتون زوجة الخليفة إلى دارها، وأنهى حضوره وحضور من معه، ذكر حال الوصلة، فامتنع الخليفة من الإجابة إليها وقال: إن أعفينا، وإلا خرجنا من بغداد.
فقال عميد الملك: كان الواجب الامتناع من غير اقتراح، وعند الإجابة إلى ما طلب، فالامتناع سعي على دمي، وأخرج خيامه إلى النهروان، فاستوقفه قاضي القضاة، والشيخ أبو منصور بن يوسف، وأنهيا إلى الخليفة عاقبة انصرافه على هذا الوجه، وصنع له ابن دارست وزير الخليفة دعوة، فحضر عنده، فرأى على مسجد مكتوباً: معاوية خال علي، فأمر بحكه.
وكتب من الديوان إلى خمارتكين الطغرائي كتاباً يتضمن الشكوى من عميد الملك، فورد الجواب عليه بالرفق، وكتب الخليفة إلى عميد الملك: نحن نرد الأمر إلى رأيك، ونعول على أمانتك ودينك.
فحضر يوماً عند الخليفة، ومعه جماعة من الأمراء، والحجاب، والقضاة والشهود، فأخذ المجلس لنفسه، ولم يتكلم سواه، وقال للخليفة: أسأل مولانا أمير المؤمنين التطول بذكر ما شرف به العبد المخلص شاهنشاه، ركن الدين، فيما رغب فيه ليعرفه الجماعة.
فغالطه، وقال: قد سطر في المعنى ما فيه كفاية. فانصرف عميد الملك مغظاً، ورحل في السادس والعشرين من جمادى الآخرة وأخذ المال معه إلى همذان، وعرف السلطان أن السبب في اتفاق الحال من خمارتكين الطغرائي. فتغير السلطان عليه، فهرب في ستة غلمان.
وكتب السلطان إلى قاضي القضاة والشيخ أبي منصور بن يوسف يعتب ويقول: هذا جزاء من الخليفة الذي قتلت أخي في خدمته، وأنفقت أموالي في نصرته، وأهلكت خواصي في محبته. وأطال العتاب، وعاد الجواب إليه بالاعتذار.
وأما الطغرائي فإنه أدرك ببروجرد فقال أولاد إبراهيم ينال للسلطان: إن هذا قتل أبانا، ونسأل أن نمكن من قتله، وأعانهم عميد الملك، فأذن لهم في قتله، فساروا إلى طريقه وقتلوه، وجعل مكانه ساوتكين، وبسط الكندري لسانه. وطلب طغرلبك ابنة أخيه، زوجة الخليفة، لتعاد إليه، وجرى ما كاد يفضي إلى الفساد الكلي.
فلما رأى الخليفة شده الأمر أذن في ذلك، وكتب الوكالة باسم عميد الملك، وسيرت الكتب مع أبي الغنائم بن المحلبان، وكان العقد في شعبان سنة أربع وخمسين بظاهر تبريز، وهذا ما لم يجر للخلفاء مثله، فإن بني بويه مع تحكمهم ومخالفتهم لعقائد الخلفاء لم يطمعوا في مثل هذا ولا ساموهم فعله.
وحمل السلطان أموالاً كثيرة، وجواهر نفيسة للخليفة، ولولي العهد، وولجهة المطلوبة، ولوالدتها، وغيرهم، وجعل بعقوبا وما كان بالعراق للخاتون زوجة السلطان التي توفيت للسيدة ابنة الخليفة.
ذكر عزل ابن دارست
ووزارة ابن جهيرفي هذه السنة عزل أبو الفتح محمد بن منصور بن دارست من وزراة الخليفة.
وسببه أنه وصل معه إنسان يهودي يقال له ابن علان، فضمن أعمال الوكلاء التي لخاص الخليفة بستة آلاف كر غلة، ومائة ألف دينار، فصح منها ألفا كر، وثلاون ألف دينار، وانكسر الباقي، فظهر عجز ابن دارست ووهنه، فعزل، وعاد إلى الأهواز، فتوفي بها سنة سبع وستين.
وكان فخر الدولة أبو نصر بن جهير، وزير نصر الدولة بن مروان، قد أرسل يخطب الوزارة، وبذل فيها بذولاً كثيرة، فأجيب إليها، وأرسل كامل طراد الزينبي إلى ميافارقين كأنه رسول، فلما عاد سار معه ابن جهير كالمودع له، فتمم السير معه.
وخرج ابن مروان في أثره، فلم يدركه، فلما وصل إلى بغداد خرج الناس إلى استقباله، وخلع عليه خلع الوزارة يوم عرفة، ولقب فخر الدولة، واستقر في الوزارة، ومدحه وهنأه ابن الفضل وغيره من الشعراء.
ذكر عدة حوادثفي هذه السنة عم الرخص جميع الأصقاع، فبيع بالبصرة ألف رطل من التمر بثمانية قراريط.
وفيها توفي القاضي أبو عبد الله محمد بن سلامة بن جعفر القضاعي بمصر.
وفيها سار السلطان طغرلبك إلى قلعة الطرم من بلاد الديلم، وقرر على مسافر ملكها مائة ألف دينار وألف ثوب.
وفيها مات أبو علوان ثمالل بن صالح بن مرداس الملقب معز الدولة بحلب، وقام أخوه عطية مقامه.
وتوفي الحسن بن علي بن محمد أبو محمد الجوهري، ومولده سنة ثلاث وستين وثلاثمائة، وكان من الأئمة المكثرين من سماع الحديث وروايته، وهو آخر من حدث عن أبي بكر القطيعي، والأبهري، وابن شاذان، وغيرهم.
ثم دخلت سنة خمس وخمسين وأربعمائة
ذكر ورود السلطان بغداد
ودخوله بابنة الخليفةفي هذه السنة، في المحرم، توجه السلطان طغرلبك من أرمينية إلى بغداد، وأراد الخليفة أن يستقبله، فاستعفاه من ذلك، وخرج الوزير ابن جهير فاستقبله.
وكان مع السلطان من الأمراء: أبو علي ابن الملك أبي كاليجار، وسرخاب بن بدر، وهزارسب، وأبو منصور فرامرز بن كاكويه، فنزل عسكره في الجانب الغربي، فزاد بهم أذى.
ووصل عميد الملك إلى الخليفة، وطالب بالجهة، وبات بالدار، فقيل له: خطك موجود بالشرط، وإن المقصود بهذه الوصلة الشرف لا الإجتماع، وإنه إن كانت مشاهدة فتكون في دار الخلافة، فقال السلطان: نفعل هذا، ولكن نفرد له من الدور والمساكن ما يكفيه، ومعه خواصه، وحجابه، ومماليكه، فإنه لا يمكنه مفارقتهم. فحينئذ نقلت إلى دار المملكة في منتصف صفر، فجلست على سرير ملبس بالذهب، ودخل السلطان إليها، وقبل الأرض وخدمها، ولم تكشف الخمار عن وجهها، ولا قامت هي له، وحمل لها شيئاً كثيراً من الجواهر وغيرها، وبقي كذلك يحضر كل يوم يخدم وينصرف.
وخلع على عميد الملك وعمل السماط عدة أيام، وخلع على جميع الأمراء، وظهر عليه سرور عظيم، وعقد ضمان بغداد على أبي سعيد القايني بمائة وخمسين ألف دينار، فأعاد ما كان أطلقه رئيس العراقين من المواريث والمكوس، وقبض على الأعرابي سعد، ضامن البصرة، وعقد ضمان واسط على أبي جعفر بن صقالب بمائتي ألف دينار.
ذكر وفاة السلطان طغرلبكفي هذه السنة سار السلطان من بغداد، في ربيع الأول، إلى بلد الجبل، فوصل إلى الري واستصحب معه أرسلان خاتون ابنة أخيه، زوجة الخليفة، لأنها شكت اطراح الخليفة لها، فأخذها معه، فمرض، وتوفي يوم الجمعة ثامن شهر رمضان، وكان عمره سبعين سنة تقريباً، وكان عقيماً لم يلد ولداً.
وكان وزيره الكندري على سبعين فرسخاً، فأتاه الخبر، فسار، ووصل إليه في يومين وهو بعد لم يدفن فدفنه. وجلس له الوزير فخر الدولة بن جهير ببغداد للعزاء.
حكى عنه الكندري أنه قال: رأيت، وأنا بخراسان، في المنام كأنني رفعت إلى السماء، وأنا في ضباب لا أبصر معه شيئاً، غير أني أشم رائحة طيبة، وأنني أنادى: إنك قريب من الباري، جلت قدرته، فاسأل حاجتك لتقضى، فقلت في نفسي: أسأل طول العمر، فقيل: لك سبعون سنة، فقلت: يا رب ما يكفيني، فقيل: لك سبعون سنة، فقلت: يا رب لا يكفيني، فقيل: لك سبعون سنة. فلما مات حسب عميد الملك عمره، على التقريب، فكان سبعين سنة. وكانت مملكته، بحضرة الخلافة، سبع سنين وأحد عشر شهراً واثني عشر يوماً.
وأما الأحوال بالعراق، بعد وفاته، فإنه كتب من ديوان الخلافة إلى شرف الدولة مسلم بن قريش، صاحب الموصل، وإلى نور الدولة دبيس بن مزيد، وإلى هزارسب، وإلى بني ورام، وإلى بدر بن المهلهل، بالاستدعاء إلى بغداد، وأرسل لشرف الدولة تشريف، وعمل أبو سعد القايني، ضامن بغداد، سوراً على قصر عيسى، وجمع الغلات. فانحدر إبراهيم بن شرف الدولة إلى أوانا، وتسلم أصحابه الأنبار، وانتشرت البادية في البلاد، وقطعوا الطرقات.
وقدم إلى بغداد دبيس بن مزيد، وخرج الوزير ابن جهير لاستقباله، وقدم أيضاً ورام، وتوفي ببغداد أبو الفتح بن ورام، مقدم الأكراد الجاوانية، فحمل إلى جرجرايا، وفارق شرف الدولة مسلم بغداد، ونهب النواحي، فسار نور الدولة، والأكراد، وبنو خفاجة إلى قتاله.
ثم أرسل إليه من ديوان الخلافة رسول معه خلعة له، وكوتب بالرضاء عنه، وانحدر إليه نور الدولة دبيس، فعمل له شرف الدولة سماطاً كثيراً، وكان في الجماعة الأشرف أبو الحسين بن فخر الملك أبي غالب بن خلف، كان قصد شرف الدولة مستجدياً، فمضغ لقمة، فمات من ساعته.
وحكى عنه بعض من صحبه أنه سمعه ذلك اليوم يقول: اللهم اقبضني، فقد ضجرت من الإضافة! فلما توفي ورفع من السماط خاف شرف الدولة أن يظن من حضر أنه تناول طعاماً مسموماً قصد به غيره، فقال: يا معشر العرب لا برح منكم أحد، ونهض وجلس مكان ابن فخر الملك المتوفي، وجعل يأكل من الطعام الذي بين يديه، فاستحسن الجماعة فعله، وعادوا عنه وخلع على دبيس وولده منصور وعاد إلى حلته.
ولما رأى الناس ببغداد انتشار الأعراب في البلاد ونهبها، حملوا السلاح لقتالهم، وكان ذلك سبباً لكثرة العيارين وانتشار المفسدين.
ذكر شيء من سيرتهكان عاقلاً حليماً من أشد الناس احتمالاً، وأكثرهم كتماناً لسره، ظفر بملطفات كتبها بعض خواصه إلى الملك أبي كاليجار، فلم يطلعه على ذلك، ولا تغير عليه، حتى أظهر بعد مدة طويلة لغيره.
وحكى عنه أقضى القضاة الماوردي قال: لما أرسلني القائم بأمر الله إليه سنة ثلاث وثلاثين كتبت كتاباً إلى بغداد أذكر فيها سيرته وخراب بلاده، وأطعن عليه بكل وجه، فوقع الكتاب من غلامي، فحمل إليه، فوقف عليه وكتمه، ولم يحدثني فيه بشيء، ولا تغير عما كان عليه من إكرامي.
وكان، رحمه الله، يحافظ على الصلوات، ويصوم الاثنين، والخميس، وكان لبسه الثياب البياض، وكان ظلوماً، غشوماً، قاسياً، وكان عسكره يغصبون الناس أموالهم، وأيديهم مطلقة في ذلك نهاراً وليلاً.
وكان كريماً، فمن كرمه أن أخاه إبراهيم ينال أسر من الروم، لما غزاهم، بعض ملوكهم فبذل في نفسه أربعمائة ألف دينار، فلم يقبل إبراهيم منه وحمله إلى طغرلبك، فأرسل ملك الروم إلى نصر الدولة بن مروان حتى خاطب طغرلبك في فكاكه، فلما سمع طغرلبك رسالته أرسل الرومي إلى ابن مروان بغير فداء، وسير معه رجلاً علوياً، فأنفذ ملك الروم إلى طغرلبك ما لم يحمل في الزمان المتقدم، وهو ألف ثوب ديباج، وخمسمائة ثوب أصناف، وخمسمائة رأس من الكراع إلى غير ذلك، وأنفذ مائتي ألف دينار، ومائة لبنة فضة، وثلاثمائة شهري، وثلاثمائة حمار مصرية، وألف عنز بيض الشعور، سود العيون والقرون، وأنفذ إلى ابن مروان عشرة أمناء مسكاً، وعمر ملك الروم الجامع الذي بناه مسلمة بن عبد الملك بالقسطنطينية، وعمر منارته، وعلق فيه القناديل، وجعل في محرابه قوساً ونشابة، وأشاع المهادنة.
ذكر ملك السلطان ألب أرسلانلما مات السلطان طغرلبك أجلس عميد الملك الكندري في السلطنة سليمان بن داود جغري بك، أخي السلطان طغرلبك، وكان طغرلبك قد عهد إليه بالملك، وكانت والدة سليمان عند طغرلبك، فلما خطب له بالسلطنة اختلف الأمراء، فمضى باغي سيان وأردم إلى قزوين، وخطبا لعضد الدولة ألب أرسلان محمد بن داود جغري بك، وهو حينئذ صاحب خراسان، ومعه نظام الملك وزيره، والناس مائلون إليه.
فلما رأى عميد الملك الكندري انعكاس الحال عليه أمر بالخطبة بالري للسلطان ألب أرسلان، وبعده لأخيه سليمان.
ذكر خروج حمو عن طاعة تميم بن المعز بإفريقيةفي هذه السنة خالف حمو بن مليك، صاحب مدينة سفاقس بإفريقية، على الأمير تميم بن المعز بن باديس، فجمع أصحابه، واستعان بالعرب، وسار إلى المهدية، فسمع تميم الخبر، فسار إليه بعساكر ومعه أيضاً طائفة من العرب من زغبة، ورياح، ووصل حمو إلى سلقطة، والتقى الفريقان بها، وكانت بينهما حرب شديدة فانهزم حمو ومن معه، وأخذتهم السيوف، فقتل أكثر حماته وأصحابه، ونجا بنفسه، تفرقت رجاله، وعاد تميم مظفراً منصوراً.
ثم قصد، بعد هذه الحادثة، مدينة سوسة، وكان أهلها قد خالفوا عليه، فملكها، وعفا عنهم وحقن دماءهم.
ذكر عدة حوادثفي هذه السنة، في المحرم، قبض بمصر على الوزير أبي الفرج بن المغربي.
وفيها دخل الصليحي، صاحب اليمن، إلى مكة مالكاً لها، فأحسن السيرة فيها، وجلب إليها الأقوات، ورفع جور من تقدم، وظهرت منه أفعال جميلة.
وفيها، في ربيع الآخر، انقض كوكب عظيم، له ضوء كثير.
وفيها، في شعبان، كان بالشام زلزلة عظيمة خرب منها كثير من البلاد، وانهدم سور طرابلس.
وفيها ملك أمير الجيوش بدر دمشق للمستنصر، صاحب مصر، فوصل إليها في الثالث والعشرين من ربيع الآخر، وأقام بها، واختلف هو والجند، فثاروا به، ووافقهم العامة، فضعف عنهم، ففارقها في رجب سنة ست وخمسين.
وفيها توفي سعيد بن نصر الدولة بن مروان، صاحب آمد، من ديار بكر، وزهير بن الحسين بن علي أبو نصر الجذامي، الفقيه الشافعي، تفقه على أبي حامد الأسفراييني، وسمع الحديث الكثير ورواه، وكان موته بسرخس.
ثم دخلت سنة ست وخمسين وأربعمائة
ذكر القبض على عميد الملك وقتلهفي هذه السنة قبض السلطان ألب أرسلان على الوزير عميد الملك أبي نصر منصور بن محمد الكندري وزير طغرلبك.
وسبب ذلك أن عميد الملك قصد خدمة نظام الملك، وزير ألب أرسلان، وقدم بين يديه خمسمائة دينار، واعتذر، وانصرف من عنده، فسار أكثر الناس معه، فخوف السلطان من غائلة ذلك، فقبض عليه وأنفذه إلى مرو الروذ، وأتت عليه سنة في الاعتقال، ثم نفذ إليه غلامين فدخلا عليه وهو محموم، فقالا له: تب مما أنت عليه، ففعل، ودخل فودع أهله، وخرج إلى مسجد هناك فصلى ركعتين، وأراد الغلامان خنقه، فقال: لست بلص! وخرق خرقة من طرف كمه وعصب عينيه، فضربوه بالسيف، وكان قتله في ذي الحجة، ولف في قميص دبيقي من ملابس الخليفة، وخرقة كانت البردة التي عند الخلفاء فيها، وحملت جثته إلى كندر، فدفن عند أبيه، وكان عمره يوم قتل نيفاً وأربعين سنة.
وكان سبب اتصاله بالسلطان طغرلبك أن السلطان لما ورد نيسابور طلب رجلاً يكتب له، ويكون فصيحاً بالعربية، فدل عليه الموفق، والد أبي سهل، وأعطته السعادة، وكان فصيحاً، فاضلاً، وانتشر من شعره ما قاله في غلام تركي صغير السن كان واقفاً على رأسه يقطع بالسكين قصبة، فقال عميد الملك فيه:
أنا مشغول بحبه، ... وهو مشغول بلعبه
لو أراد الله خيراً، ... وصلاحاً لمحبه
نقلت رقة خدي ... ه إلى قسوة قلبه
صانه الله فما أك ... ثر إعجابي بعجبه
ومن شعره:
إن كان بالناس ضيق عن مناقشتي، ... فالموت قد وسع الدنيا على الناس
مضيت، والشامت المغبون يتبعني، ... كل لكأس المنايا شارب حاسي
وقال أبو الحسن الباخرزي يخاطب ألب أرسلان عند قتل الكندري:
وعمك أدناه، وأعلى محله، ... وبوأه من ملكه كنفاً رحبا
قضى كل مولى منكما حق عبده ... فخوله الدنيا، وخولته العقبى
وكان عميد الملك خصياً، قد خصاه طغرلبك لأنه أرسله يخطب عليه امرأة ليتزوجها فتزوجها هو، وعصى عليه، فظفر به وخصاه، وأقره على خدمته.
وقيل بل أعداؤه أشاعوا عنه أنه تزوجها، فخصى نفسه ليخلص من سياسة السلطنة، فقال فيه علي بن الحسن الباخرزي:
قالوا: محا السلطان عنه بعزة ... سمة الفحول، وكان قرماً صائلا
قلت: اسكتوا، فالآن زاد فحولة ... لما اغتدى عن أنثييه عاطلا
فالفحل يأنف أن يسمى بعضه ... أنثى، لذلك جذه مستأصلا
يعني بالأنثى واحدة الأنثيين.
وكان شديد التعصب على الشافعية، كثير الوقعة في الشافعي، رضي الله عنه، بلغ تعصبه أنه خاطب السلطان في لعن الرافضة على منابر خراسان، فأذن في ذلك، فأمر بلعنهم، وأضاف إليهم الأشعرية، فأنف من ذلك أئمة خراسان، منهم: الإمام أبو القاسم القشيري، والإمام أبو المعالي الجويني، وغيرهما، ففارقوا خراسان، وأقام إمام الحرمين بمكة أربع سنين إلى أن انقضت دولته، يدرس، ويفتي، فلهذا لقب إمام الحرمين، فلما جاءت الدولة النطامية أحضر من انتزح منهم وأكرمهم، وأحسن إليهم، وقيل إنه تاب من الوقيعة في الشافعي، فإن صح فقد أفلح، وإلا فعلى نفسها براقش تجني.
ومن العجب أن ذكره دفن بخوارزم لما خصي، ودمه مسفوح بمرو، وجسده مدفون بكندر، ورأسه ما عدا قحفه مدفون بنيسابور، ونقل قحفه إلى كرمان لأن نظام الملك كان هناك، فاعتبروا يا أولي الأبصار.
ولما قرب للقتل قال للقاصد إليه: قل لنظام الملك: بئس ما عودت الأتراك قتل الوزراء، وأصحاب الديوان، ومن حفر قليباً وقع فيه. ولم يخلف عميد الملك غير بنت.
ذكر ملك ألب أرسلان ختلان وهراة وصغانيانلما توفي طغرلبك وملك ألب أرسلان عصى عليه أمير ختلان بقلعته، ومنع الخراج، فقصده السلطان، فرأى الحصن منيعاً على شاهق، فأقام عليه وقاتله، فلم يصل منه إلى مراده.
ففي بعض الأيام باشر ألب أرسلان القتال بنفسه، وترجل، وصعد في الجبل، فتبعه الخلق، وتقدموا عليه في الموقف، وألحوا في الزحف والقتال، وكان صاحب القلعة على شرفة من سورها يحرض الناس على القتال، فأتته نشابة من العسكر فقتلته، وتسلم ألب أرسلان القلعة وصارت في جملة ممالكه.
وكان عمه فخر الملك بيغو بن ميكائيل في هراة، فعصى أيضاً عليه، وطمع في الملك لنفسه، فسار إليه ألب أرسلان في العساكر العظيمة، فحصره وضيق عليه، وأدام القتال ليلاً ونهاراً، فتسلم المدينة، وخرج عمه إليه، فأبقى عليه وأكرمه وأحسن صحبته.
وسار من هناك إلى صغانيان، وأميرها اسمه موسى، وكان قد عصى عليه، فلما قاربه ألب أرسلان صعد موسى إلى قلعة على رأس جبل شاهق، ومعه من الرجال الكماة جماعة كثيرة، فوصل السلطان إليه، وباشر الحرب لوقته، فلم ينتصف النهار حتى صعد العسكر الجبل، وملكوا القلعة قهراً، وأخذ موسى أسيراً، فأمر بقتله، فبذل في نفسه أموالاً كثيرة، فقال السلطان: ليس هذا أوان تجارة، واستولى على تلك الولاية بأسرها، وعاد إلى مرو، ثم منها إلى نيسابور.
ذكر عود ابنة الخليفة إلى بغداد
والخطبة للسلطان ألب أرسلان ببغدادفي هذه السنة أمر السلطان ألب أرسلان السيدة ابنة الخليفة بالعود إلى بغداد، وأعلمها أنه لم يقبض على عميد الملك إلا لما اعتمده من نقلها من بغداد إلى الري بغير رضاء الخليفة، وأمر الأمير ايتكين السليماني بالمسير في خدمتها إلى بغداد، والمقام بها شحنة، وأنفذ أبا سهل محمد بن هبة الله، المعروف بابن الموفق، للمسير في الصحبة، وأمره بالمخاطبة في إقامة الخطبة له، فمات في الطريق مجدراً.
وهذا أبو سهل من رؤساء أصحاب الشافعي بنيسابور، وكان يحضر طعامه في رمضان، كل ليلة، أربع مائة متفقه، ويصلهم ليلة العيد بكسوة ودنانير تعمهم، فلما سمع بموته أرسل العميد أبا الفتح المظفر بن الحسين فمات أيضاً في الطريق، فألزم السلطان رئيس العراقين بالمسير، فوصلوا بغداد منتصف ربيع الآخر، وخرج عميد الدولة ابن الوزير فخر الدولة بن جهير لتلقيهم، واقترح السلطان أن يخاطب بالولد المؤيد، فأجيب إلى ذلك، ولقب ضياء الدين عضد الدولة.
وجلس الخليفة جلوساً عاماً سابع جمادى الأولى، وشافه الرسل بتقليد ألب أرسلان للسلطنة، وسلمت الخلع بمشهد من الخلق، وأرسل إليه من الديوان لأخذ البيعة النقيب طراداً الزينبي، فوصلوا إليه وهو بنقجوان من أذربيجان، فلبس الخلع، وبايع للخليفة.
ذكر الحرب بين ألب أرسلان وقتلمشسمع ألب أرسلان أن شهاب الدولة قتلمش، وهو من السلجوقية أيضاً، وهو جد الملوك أصحاب قونية، وقيصرية، وأقصرا، وملطية، يومنا هذا، قد عصى عليه، وجمع جموعاً كثيرة، وقصد الري ليستولي عليها، فجهز ألب أرسلان جيشاً عظيماً وسيرهم على المفازة إلى الري، فسبقوا قتلمش إليها.
وسار ألب أرسلان من نيسابور أول المحرم من هذه السنة، فلما وصل إلى دامغان أرسل إلى قتلمش ينكر عليه فعله، وينهاه عن ارتكاب هذا الحال، ويأمره بتركها، فإنه يرعى له القرابة والرحم، فأجاب قتلمش جواب مغتر بمن معه من الجموع، ونهب قرى الري، وأجرى الماء على وادي الملح، وهي سبخة، فتعذر سلوكها، فقال نظام الملك: قد جعلت لك من خراسان جنداً ينصرونك ولا يخذلونك، ويرمون دونك بسهام لاتخطيء، وهم العلماء والزهاد، فقد جعلتهم بالإحسان إليهم من أعظم أعوانك.
وقرب السلطان من قتلمش، فلبس الملك السلاح، وعبأ الكتائب، واصطف العسكران.
وكان قتلمش يعلم علم النجوم، فوقف ونظر، فرأى أن طالعه في ذلك اليوم قد قارنه نحوس لا يرى معها ظفراً، فقصد المحاجزة، وجعل السبخة بينه وبين ألب أرسلان ليمتنع من اللقاء. فسلك ألب أرسلان طريقاً في الماء، وخاض غمرته، وتبعه العسكر، فطلع منه سالماً هو وعسكره، فصاروا مع قتلمش واقتتلوا، فلم يثبت عسكر قتلمش لعسكر السلطان، وانهزموا لساعتهم، ومضى منهزماً إلى قلعة كردكوه، وهي من جملة حصونه ومعاقله، واستولى القتل والأسر على عسكره، فأراد السلطان قتل الأسرى، فشفع فيهم نظام الملك فعفا عنهم وأطلقهم.
ولما سكن الغبار، ونزل العسكر، وجد قتلمش ميتاً ملقى على الأرض لا يدري كيف كان موته، قيل: إنه مات من الخوف، والله أعلم، فبكى السلطان لموته، وقعد لعزائه، وعظم عليه فقده، فسلاه نظام الملك، ودخل ألب أرسلان إلى مدينة الري آخر المحرم من السنة.
ومن العجب أن قتلمش هذا كان يعلم علم النجوم، قد أتقنه، مع أنه تركي، ويعلم غيره من علوم القوم، ثم إن أولاده من بعده لم يزالوا يطلبون هذه العلوم الأولية، ويقربون أهلها، فنالهم بهذا غضاضة في دينهم، وسيرد من أخبارهم ما يعلم منه ذلك وغيره من أحوالهم.
ذكر فتح ألب أرسلان مدينة آني
وغيرها من بلاد النصرانيةثم سار السلطان من الري أول ربيع الأول، وسار إلى أذربيجان، فوصل إلى مرند عازماً على قتال الروم وغزوهم، فلما كان بمرند أتاه أمير من أمراء التركمان، كان يكثر غزو الروم، اسمه طغدكين، ومعه من عشيرته خلق كثيرر، قد ألفوا الجهاد، وعرفوا تلك البلاد، وحثه على قصد بلادهم، وضمن له سلوك الطريق المستقيم إليها، فسار معه، فسلك بالعساكر في مضايق تلك الأرض ومخارمها، فوصل إلى نقجوان، فأمر بعمل السفن لعبور نهر أرس، فقيل له إن سكان خويّ، وسلماس، من أذربيجان، لم يقوموا بواجب الطاعة، وإنهم قد امتنعوا ببلادهم، فسير إليهم عميد خراسان، ودعاهم إلى الطاعة، وتهددهم إن امتنعوا، فأطاعوا، وصاروا من جملة حزبه وجنده، واجتمع عليه هناك من الملوك والعساكر ما لا يحصى.
فلما فرغ من جمع العساكر والسفن سار إلى بلاد الكرج، وجعل مكانه في عسكره ولده ملكشاه، ونظام الملك وزيره، فسار ملكشاه ونظام الملك إلى قلعة فيها جمع كثير من الروم، فنزل أهلها منها، وتخطفوا من العسكر، وقتلوا منهم فئة كثيرة، فنزل نظام الملك وملكشاه، وقاتلوا من بالقلعة، وزحفوا إليهم، فقتل أمير القلعة وملكها المسلمون، وساروا منها إلى قلعة سرماري، وهي قلعة فيها في المياه الجارية والبساتين، فقاتلوها وملكوها، وأنزلوا منها أهلها، وكان بالقرب منها قلعة أخرى، ففتحها ملكشاه، وأراد تخريبها، فنهاه نظام الملك عن ذلك، وقال: هي ثغر للمسلمين، وشحنها بالرجال والذخائر والأموال والسلاح، وسلم هذه القلاع إلى أمير نقجوان.
وسار ملكشاه ونظام الملك إلى مدينة مريم نشين، وفيها كثير من الرهبان والقسيسين وملوك النصارى وعامتهم يتقربون إلى أهل هذه البلدة، وهي مدينة حصينة، سورها من الأحجار الكبار الصلبة، المشدودة بالرصاص والحديد، وعندها نهر كبير، فأعد نظام الملك لقتالها ما يحتاج إليه من السفن وغيرها، وقاتلها، وواصل قتالها ليلاً ونهاراً، وجعل العساكر عليها يقاتلون بالنوبة، فضجر الكفار، وأخذهم الإعياء والكلال، فوصل المسلمون إلى سورها، ونصبوا عليه السلاليم، وصعد إلى أعلاه، لأن المعاول كلت عن نقبه لقوة حجره.
فلما رأى أهلها المسلمين على السور فت ذلك في أعضادهم، وسقط في أيديهم، ودخل ملكشاه البلد، ونظام الملك، وأحرقوا البيع، وخربوها، وقتلوا كثيراً من أهلها، وأسلم كثير فنجوا من القتل.
واستدعى ألب أرسلان إليه ابنه، ونظام الملك، وفرح بما يسره الله من الفتح على يد ولده، وفتح ملكشاه في طريقه عدة من القلاع والحصون، وأسر من النصارى ما لا يحصون كثرة. وساروا إلى سبيذ شهر، فجرى بين أهلها وبين المسلمين حروب شديدة استشهد فيها كثير من المسلمين، ثم إن الله تعالى يسر فتحها فملكها ألب أرسلان.
وسار منها إلى مدينة أعآل لآل، وهي حصينة، عالية الأسوار، شاهقة البنيان، وهي من جهة الشرق والغرب على جبل عال، وعلى الجبل عدة من الحصون، ومن الجانبين الآخرين نهر كبير لا يخاض، فلما رآها المسلمون علموا عجزهم عن فتحها والاستيلاء عليها، وكان ملكها من الكرج، وهكذا ما تقدم من البلاد التي ذكرنا فتحها، وعقد السلطان جسراً على النهر عريضاً، واشتد القتال، وعظم الخطب، فخرج من المدينة رجلان يستغيثان، ويطلبان الأمان، والتمسا من السلطان أن يرسل معهما طائفة من العسكر، فسير جمعاً صالحاً، فلما جاوزوا الفصيل أحاط بهم الكرج من أهل المدينة وقاتلوهم فأكثروا القتل فيهم، ولم يتمكن المسلمون من الهزيمة لضيق المسلك.
وخرج الكرج من البلد وقصدوا العسكر، واشتد القتال، وكان السلطان، ذلك الوقت، يصلي، فأتاه الصريخ، فلم يبرح حتى فرغ من صلاته، وركب، وتقدم إلى الكفار، فقاتلهم، وكبر المسلمون عليهم، فولوا منهزمين، فدخلوا البلد والمسلمون معهم، ودخلها السلطان وملكها، واعتصم جماعة من أهلها في برج من أبراج المدينة، فقاتلهم المسلمون، فأمر السلطان بإلقاء الحطب حول البرج وإحراقه، ففعل ذلك، وأحرق البرج ومن فيه، وعاد السلطان إلى خيامه، وغنم المسلمون من المدينة ما لايحد ولا يحصى.
ولما جن الليل عصفت ريح شديدة، وكان قد بقي من تلك النار التي أحرق بها البرج بقية كثيرة، فأطارتها الريح، فاحترقت المدينة بأسرها، وذلك في رجب سنة ست وخمسين، وملك السلطان قلعة حصينة كانت إلى جانب تلك المدينة، وأخذها، وسار منها إلى ناحية قرس، ومدينة آني وبالقرب منها ناحيتان يقال لهما سيل ورده، ونورة، فخرج أهلهما مذعنين بالإسلام، وخربوا البيع، وبنوا المساجد.
وسار منها إلى مدينة آني فوصل إليها فرآها مدينة حصينة، شديدة الامتناع، لا ترام، ثلاثة أرباعها على نهر أرس، والربع الآخر نهر عميق شديد الجرية، لو طرحت فيه الحجارة الكبار لدحاها وحملها، والطريق إليها على خندق عليه سور من الحجارة الصم، وهي بلدة كبيرة، عامرة، كثيرة الأهل، فيها ام يزيد على خمسمائة بيعة، فحصرها وضيق عليها، إلا أن المسلمين قد أيسوا من فتحها لما رأوا من حصانتها، فعمل السلطان برجاً من خشب، وشحنه بالمقاتلة، ونصب عليه المنجنيق، ورماه النشاب، فكشفوا الروم عن السور، وتقدم المسلمون إليه لينقبوه، فأتاهم من لطف الله ما لم يكن في حسابهم، فانهدم قطعة كبيرة من السور بغير سبب، فدخلوا المدينة وقتلوا من أهلها ما لا يحصى بحيث أن كثيراً من المسلمين عجزوا عن دخول البلد من كثرة القتلى، وأسروا نحواً مما قتلوا.
وسارت البشرى بهذه الفتوح في البلاد، فسر المسلمون، وقريء كتاب الفتح ببغداد في دار الخلافة، فبرز خط الخليفة بالثناء على ألب أرسلان والدعاء له.
ورتب فيها أميراً في عسكر جرار، وعاد عنها، وقد أرسله ملك الكرج في الهدنة، فصالحه على أداء الجزية كل سنة، فقبل ذلك.
ولما رحل السلطان عائداً قصد أصبهان، ثم سار منها إلى كرمان، فاستقبله أخوه قاروت بك بن جغري بك داود، ثم سار منها إلى مرو، فزوج ابنه ملكشاه بابنة خاقان، ملك ما وراء النهر، وزفت إليه في هذا الوقت، وزوج ابنه أرسلانشاه بابنة صاحب غزنة، واتحد البيتان: البيت السلجوقي، والبيت المحمودي، واتفقت الكلمة.
؟؟
ذكر عدة حوادثفي هذه السنة، في ربيع الأول، ظهر بالعراق وخوزستان وكثير من البلاد جماعة من الأكراد، خرجوا يتصيدون، فرأوا في البرية خيماً سوداً، وسمعوا منها لطماً شديداً، وعويلاً كثيراً، وقائلاً يقول: قد مات سيدوك ملك الجن، وأي بلد لم يلطم أهله عليه ويعملوا له العزاء قلع أصله، وأهلك أهله، فخرج كثير من النساء في البلاد إلى المقابر يلطمن، وينحن، وينشرن شعورهن، وخرج رجال من سفلة الناس يفعلون ذلك، وكان ذلك ضحكة عظيمة.
ولقد جرى في أيامنا نحن في الموصل، وما والاها من البلاد إلى العراق، وغيرها، نحو هذا، وذلك أن الناس سنة ستمائة أصابهم وجع كثير في حلوقهم، ومات منه كثير من الناس، فظهر أن امرأة من الجن يقال لها أم عنقود، مات ابنها عنقود، وكل من لا يعمل له مأتماً أصابه هذا المرض، فكثر فعل ذلك، وكانوا يقولون: يا أم عنقود اعذرينا. قد مات عنقود ما درينا، وكان النساء يلطمن، وكذلك الأوباش.
وفيها ولي أبو الغنائم المعمر بن محمد بن عبيد الله العلوي نابة العلويين ببغداد، وإمارة الموسم، ولقب بالطاهر ذي المناقب، وكان المرتضى أبو الفتح أسامة قد استعفى من النقابة، وصاهر بني خفاجة، وانتقل معهم إلى البرية، وتوفي أسامة بمشهد أمير المؤمنين علي، عليه السلام، في رجب سنة اثنتين وسبعين.
وفيها في جمادى الآخرة توفي أبو القاسم عبد الواحد بن علي بن برهان الأسدي النحوي المتكلم، وكان له اختيار في الفقه، وكان عالماً بالنسب، ويمشي في الأسواق مكشوف الرأس، ولم يقبل من أحد شيئاً، وكان موته في جمادى الآخرة، وقد جاوز ثمانين سنة، وكان يميل إلى مذهب مرجئة المعتزلة، ويعتقد أن الكفار لا يخلدون في النار.
وفيها انقض كوكب عظيم، وكثر نوره فصار أكثر من نور القمر، وسمع له دوي عظيم، ثم غاب.
ثم دخلت سنة سبع وخمسين وأربعمائة؟؟
ذكر الحرب بين بني حماد والعربفي هذه السنة كانت حرب بين الناصر بن علناس بن حماد ومن معه من رجال المغاربة من صنهاجة ومن زناتة ومن العرب: عدي والأثبج، وبين رياح، وزغبة، وسليم، ومع هؤلاء المعز بن زيري الزناتي، على مدينة سبتة.
وكان سببها أن حماد بن بلكين جد الناصر كان بينه وبين باديس بن المنصور من الخلف، وموت باديس محاصراً قلعة حماد، ما هو مذكور، ولولا تلك القلعة لأخذ سريعاً، وإنما امتنع هو وأولاده بها بعده، وهي من أمنع الحصون، وكذلك ما استمر بين حماد والمعز بن باديس، ودخول حماد في طاعته ما تقدم ذكره، وكذلك أيضاً ما كان بين القائد بن حماد وبين المعز، وكان القائد يضمر الغدر وخلع طاعة المعز، والعجز يمنعه من ذلك، فلما رأى القائد قوة العرب، وما نال المعز منهم، خلع الطاعة، واستبد بالبلاد، وبعده ولده محسن، وبعده ابن عمه بلكين بن محمد بن حماد، وبعده ابن عمه الناصر بن علناس بن محمد بن حماد، وكل منهم متحصن بالقلعة، وقد جعلوها دار ملكهم.
فلما رحل المعز من القيروان وصبرة إلى المهدية تمكنت العرب، ونهبت الناس، وخربت البلاد، فانتقل كثير من أهلها إلى بلاد بني حماد لكونها جبالاً وعرة يمكن الامتناع بها من العرب، فعمرت بلادهم، وكثرت أموالهم، وفي نفوسهم الضغائن والحقود من باديس، ومن بعده من أولادهم، يرثه صغير عن كبير.
وولي تميم بن المعز بعد أبيه، فاستبد كل من هو ببلد وقلعة بمكانه وتميم صابر يداري ويتجلد.
واتصل بتميم أن الناصر بن علناس يقع فيه في مجلسه ويذمه، وأنه عزم على المسير إليه ليحاصره بالمهدية. وأنه قد حالف بعض صنهاجة، وزناتة، وبني هلال ليعينوه على حصار المهدية. فلما صح ذلك عند أرسل إلى أمراء بني رياح، فأحضرهم إليه وقال: أنتم تعلمون أن المهدية حصن منيع، أكثره في البحر، لا يقاتل منه في البر غير أربعة أبراج يحميها أربعون رجلاً، وإنما جمع الناصر هذه العساكر إليكم. فقالوا له: الذي تقول حق، ونحب منك المعونة، فأعطاهم المال، والسلاح من الرماح والسيوف والدروع والدرق، فجمعوا قومهم، وتحالفوا، واتفقوا على لقاء الناصر.
وأرسلوا إلى من مع الناصر من بني هلال يقبحون عندهم مساعدتهم للناصر ويخوفونهم منه إن قوي، وأنه يهلكهم بمن معه من زناتة وصنهاجة، وأنهم إنما يستمر لهم المقام، والاستيلاء على البلاد، إذا تم الخلف وضعف السلطان. فأجابهم بنو هلال إلى الموافقة، وقالوا: اجعلوا أول حملة تحملونها علينا، فنحن ننهزم بالناس، ونعود عليهم، ويكون لنا ثلث الغنيمة. فأجابوهم إلى ذلك، واستقر الأمر.
وأرسل المعز بن زيري الزناتي إلى من مع الناصر من زناتة بنحو ذلك، فوعدوه أيضاً أن ينهزموا، فحينئذ رحلت رياح وزناتة جميعها، وسار إليهم الناصر بصنهاجة، وزناتة، وبني هلال، فالتقت العساكر بمدينة سبتة، فحملت رياح على بني هلال، وحمل المعز على زناتة، فانهزمت الطائفتان، وتبعهم عساكر الناصر منهزمين، ووقع فيهم القتل، فقتل فيمن قتل القاسم بن علناس، أخو الناصر في نفر يسير، وغنمت العرب جميع ما كان في العسكر من مال وسلاح ودواب وغير ذلك، فاقتسموها على ما استقر بينهم، وبهذه الوقعة تم للعرب ملك البلاد، فإنهم قدموها في ضيق وفقر وقلة دواب فاستغنوا، وكثرت دوابهم وسلاحهم، وقل المحامي عن البلاد، وأرسلوا الألوية والطبول وخيم الناصر بدوابها إلى تميم، فردها وقال: يقبح بي أن آخذ سلب ابن عمي! فأرضى العرب بذلك.
ذكر بناء مدينة بجايةلما كانت هذه الوقعة بين بني حماد والعرب، وقويت العرب، اهتم تميم بن المعز لذلك، وأصابه حزن شديد، فبلغ ذلك الناصر، وكان له وزير اسمه أبو بكر بن أبي الفتوح، وكان رجلاً جيداً يحب الاتفاق بينهم، ويهوي دولة تميم، فقال للناصر: ألم أشر عليك أن لا تقصد ابن عمك، وأن تتفقا على العرب، فإنكما لو اتفقتما لأخرجتما العرب.
فقال الناصر: لقد صدقت، ولكن لا مرد لما قدر، فأصلح ذات بيننا. فأرسل الوزير رسولاً من عنده إلى تميم يعتذر، ويرغب في الإصلاح، فقبل تميم قوله، وأراد أن يرسل رسولاً إلى الناصر، فاستشار أصحابه، فاجتمع رأيهم على محمد بن البعبع، وقالوا له: هذا رجل غريب، وقد أحسنت إليه، وحصل له منك الأموال والأملاك. فأحضره، وأعطاه مالاً ودواب وعبيداً وأرسله، فسار مع الرسول حتى وصل إلى بجاية، وكانت حينئذ منزلاً فيه رعية من البربر، فنظر إليها محمد بن البعبع، وقال في نفسه: إن هذا المكان يصلح أن يكون به مرسى ومدينة، وسار حتى وصل إلى الناصر، فلما أوصل الكتاب وأدى الرسالة قال للناصر: معي وصية إليك، وأحب أن تخلي المجلس، فقال الناصر: أنا لا أخفي عن وزيري شيئاً. فقال: بهذا أمرني الأمير تميم، فقام الوزير أبو بكر وانصرف، فلما خرج قال الرسول: يا مولاي إن الوزير مخامر عليك، هواه مع الأمير تميم، لا يخفي عنه من أمورك شيئاً، وتميم مشغول مع عبيده قد استبد بهم، واطرح صنهاجة وغير هؤلاء، ولو وصلت بعسكرك ما بت إلا فيها لبغض الجند والرعية لتميم، وأنا أشير عليك بما تملك به المهدية وغيرها. وذكر له عمارة بجاية، وأشار عليه أن يتخذها دار ملك، ويقرب من بلاد إفريقية، وقال له: أنا أنتقل إليك بأهلي، وأدبر دولتك، فأجابه الناصر إلى ذلك، وارتاب بوزيره، وسار مع الرسول إلى بجاية، وترك الوزير بالقلعة.
فلما وصل الناصر والرسول إلى بجاية أراه موضع الميناء والبلد والدار السلطانية، وغير ذلك، فأمر الناصر من ساعته بالبناء والعمل، وسر بذلك، وشكره، وعاهده على وزارته إذا عاد إليه، ورجعا إلى القلعة، فقال الناصر لوزيره: إن هذا الرسول محب لنا، وقد أشار ببناء بجاية، ويريد الانتقال إلينا، فاكتب له جواب كتبه، ففعل.
وسار الرسول، وقد ارتاب به تميم، حيث تجدد بناء بجاية عقيب مسيره إليهم، وحضوره مع الناصر فيها، وكان الرسول قد طلب من الناصر أن يرسل معه بعض ثقاته ليشاهد الأخبار ويعود بها، فأرسل معه رسولاً يثق به، فكتب معه: إنني لما اجتمعت بتميم لم يسألني عن شيء قبل سؤاله عن بناء بجاية، وقد عظم أمرها عليه، واتهمني، فانظر إلى من تثق به من العرب ترسلهم إلى موضع كذا، فإني سائر إليهم مسرعاً، وقد أخذت عهود زويلة وغيرها على طاعتك. وسير الكتاب، فلما قرأه الناصر سلمه إلى الوزير، فاستحسن الوزير ذلك، وشكره وأثنى عليه، وقال: لقد نصح وبالغ في الخدمة، فلا تؤخر عنه إنفاذ العرب ليحضر معهم.
ومضى الوزير إلى داره، وكتب نسخة الكتاب، وأرسل الكتاب بخط الرسول إلى تميم، وكتاباً منه يذكر له الحال من أوله إلى آخره. فلما وقف تميم على الكتاب عجب من ذلك، وبقي يتوقع له سبباً يأخذه به، إلا أنه جعل عليه من يحرسه في الليل والنهار من حيث لا يشعر، فأتى بعض أولئك الحرس إلى تميم، وأخبره أن الرسول صنع طعاماً، وأحضر عنده الشريف الفهري، وكان هذا الشريف من رجال تميم وخواصه، فأحضره تميم، فقال: كنت واصلاً إليك، وحدثه أن ابن البعبع الرسول دعاني، فلما حضرت عنده قال: أنا في ذمامك، أحب أن تعرفني مع من أخرج من المهدية، فمنعته من ذلك وهو خائف، فأوقفه تميم على الكتاب الذي بخطه، وأمره بإحضاره، فأحضره الشريف.
فلما وصل إلى باب السلطان لقيه رجل بكتاب العرب الذين سيرهم الناصر، ومعهم كتاب الناصر إليه يأمره بالحضور عنده، فأخذ الكتاب وخرج الأمير تميم، فلما رآه ابن البعبع سقطت الكتب منه، فإذا عنوان أحدها: من الناصر بن علناس إلى فلان، فقال له تميم: من أين هذه الكتب؟ فسكت، فأخذها وقرأها، فقال الرسول ابن البعبع: العفو يا مولانا! فقال: لا عفا الله عنك! وأمر به فقتل وغرقت جثته.
ذكر ملك ألب أرسلان جند وصيرانفي هذه السنة عبر ألب أرسلان جيحون، وسار إلى جند وصيران، وهما عند بخارى، وقبر جده سلجوق بجند، فلما عبر النهر استقبله ملك جند وأطاعه، وأهدى له هدايا جليلة، فلم يغير ألب أرسلان عليه شيئاً، وأقره على ما بيده، وعاد عنه بعد أن أحسن إليه وأكرمه، ووصل إلى كركانج خوارزم، وسار منها إلى مرو.
ذكر عدة حوادثفي هذه السنة ابتديء بعمارة المدرسة النظامية ببغداد.
وفيها انقض كوكب عظيم، وصار له شعاع كثير أكثر من شعاع القمر، وسمع له صوت مفزع.
وفيها توفي محمد بن أحمد أبو الحسين بن الآبنوسي، روى عن الدارقطني وغيره.
ثم دخلت سنة ثمان وخمسين وأربعمائة
ذكر عهد ألب أرسلان بالسلطنة لابنهفي هذه السنة سار ألب أرسلان من مرو إلى رايكان، فنزل بظاهرها، ومعه جماعة أمراء دولته، فأخذ عليهم العهود والمواثيق لولده ملكشاه بأنه السلطان بعده، وأركبه، ومشى بين يديه يحمل الغاشية.
وخلع السلطان على جميع الأمراء، وأمرهم بالخطبة له في جميع البلاد التي يحكم عليها، ففعل ذلك، وأقطع البلاد، فأقطع مازندران للأمير إينانج بيغو، وبلخ لأخيه سليمان بن دواد جغري بك، وخوارزم لأخيه أرسلان أرغو، ومرو لابنه الآخر أرسلان شاه، وصغانيان وطخارستان لأخيه إلياس، وولاية بغشور ونواحيها لمسعود بن أرتاش، وهو من أقارب السلطان، وولاية أسفرار لمودود بن أرتاش.
ذكر استيلاء تميم على مدينة تونسفي هذه السنة سير تميم، صاحب إفريقية، عسكراً كثيفاً إلى مدينة تونس، وبها أحمد بن خراسان قد أظهر عليه الخلاف.
وسبب ذلك أن المعز بن باديس، أبا تميم، لما فارق القيروان والمنصورية ورحل إلى المهدية، على ما ذكرناه، استخلف على القيروان وعلى قابس قائد بن ميمون الصنهاجي، وأقام بها ثلاث سنين، ثم غلبته هوارة عليها، فسلمها إليهم وخرج إلى المهدية، فلما ولي الملك تميم بن المعز بعد أبيه رده إليها، وأقام عليها إلى الآن، ثم أظهر الخلاف على تميم والتجأ إلى طاعة الناصر بن علناس بن حماد، فسير إليه تميم الآن عسكراً كثيراً، فلما سمع بهم قائد بن ميمون علم أنه لاطاقة له بهم، فترك القيروان وسار إلى الناصر، فدخل عسكر تميم القيروان، وخربوا دور القائد، وسار العسكر إلى قابس، وبها ابن خراسان، فحصروه بها سنة وشهرين، ثم أطاع ابن خراسان تميماً وصالحه.
وأما قائد فإنه أقام عند الناصر، ثم أرسل إلى أمراء العرب، فاشترى منهم إمارة القيراون، فأجابوه إلى ذلك، فعاد إليها فبنى سورها وحصنها.
ذكر ملك شرف الدولة الأنبار
وهيت وغيرهمافي هذه السنة سار شرف الدولة مسلم بن قريش بن بدران، صاحب الموصل، إلى السلطان ألب أرسلان، فأقطعه الأنبار، وهيت، وحربى، والسن، والبوازيج، ووصل إلى بغداد، فخرج الوزير فخر الدولة بن جهير في الموكب، فلقيه: ونزل شرف الدولة بالحريم الطاهري، وخلع عليه الخليفة.
ذكر عدة حوادث
في العشر الأول من جمادى الأولى ظهر كوكب كبير، له ذؤابة طويلة، بناحية المشرق، عرضها نحو ثلاث أذرع، وهي ممتدة إلى وسط السماء، وبقي إلى السابع والعشرين من الشهر وغاب، ثم ظهر أيضاً آخر الشهر المذكور، عند غروب الشمس، كوكب قد استدار نوره عليه كالقمر، فارتاع الناس وانزعجوا، ولما أظلم الليل صار له ذوائب نحو الجنوب، وبقي عشرة أيام ثم اضمحل.
وفيها، في جمادى الآخرة، كانت بخراسان والجبال زلزلة عظيمة، بقيت تتردد أياماً، تصدعت منها الجبال، وأهلكت خلقاً كثيراً، وانخسف منها عدة قرى، وخرج الناس إلى الصحراء فأقاموا هناك.
وفيها، في جمادى الأولى، وقع حريق بنهر معلى، فاحترق من باب الجريد إلى آخر السوق الجديد من الجانبين.
وفيها ولدت صبية بباب الأزج ولداً برأسين، ورقبتين، ووجهين، وأربع أيد، على بدن واحد.
وفي جمادى الآخرة توفي الإمام أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي البيهقي، ومولده سنة سبع وثمانين وثلاثمائة، وكان إماماً في الحديث والفقه على مذهب الشافعي، وله فيه مصنفات أحدها السنن الكبير، وعشرة مجلدات، وغيره من التصانيف الحسنة، وكان عفيفاً، زاهداً، ومات بنيسابور.
وفي شهر رمضان منها توفي أبو يعلى محمد بن الحسين بن الفراء الحنبلي، ومولده سنة ثمانين وثلاثمائة، وعنه انتشر مذهب أحمد، رضي الله عنه، وكان إليه قضاء الحريم ببغداد بدار الخلافة، وهو مصنف كتاب الصفات أتى فيه بكل عجيبة، وترتيب أبوابه يدل على التجسيم المحض، تعالى الله عن ذلك، وكان ابن تميمي الحنبلي يقول: لقد خريء أبو يعلى الفراء على الحنابلة خرية لا يغسلها الماء.
ثم دخلت سنة تسع وخمسين وأربعمائة
ذكر عصيان ملك كرمان على أرسلان
وعوده إلى طاعتهفي هذه السنة عصى ملك كرمان، وهو قرا أرسلان، على السلطان ألب أرسلان.
وسبب ذلك أنه كان له وزير جاهل سولت له نفسه الاستبداد بالبلاد عن السلطان، وأن صاحبه، إذا عصى، احتاج إلى التمسك به، فحسن لصاحبه الخلاف على السلطان، فأجاب إلى ذلك، وخلع الطاعة، وقطع الخطبة.
فسمع ألب أرسلان، فسار إلى كرمان، فلما قاربها وقعت طليعته على طليعة قرا أرسلان، فانهزمت طليعة قرا أرسلان بعد قتال، فلما سمع قرا أرسلان وعسكره بانهزام طليعتهم، خافوا وتحيروا، فانهزموا لا يلوي أحد على آخر، فدخل قرا أرسلان إلى جيرفت وامتنع بها، وأرسل إلى السلطان ألب أرسلان يظهر الطاعة ويسأل العفو عن زلته، فعفا عنه، وحضر عند السلطان فأكرمه، وبكى وأبكى من عنده، فأعاده إلى مملكته، ولم يغير عليه شيئاً من حاله، فقال للسلطان: إن لي بنات تجهيزهن إليك، وأمورهن إليك، فأجابه إلى ذلك، وأعطى كل واحدة منهن مائة ألف دينار سوى الثياب والإقطاعات.
ثم سار منها إلى فارس فوصل إلى إصطخر، وفتح قلعتها، واستنزل واليها، فحمل إليه الوالي هدايا عظيمة جليلة المقدار، من جملتها قدح فيروزج، فيه منوان من المسك، مكتوب عليه اسم جمشيد الملك، وأطاعه جميع حصون فارس، وبقي قلعة يقال لها بهنزاد، فسار نظام الملك إليها، وحصرها تحت جبلها، وأعطى كل من رمى بسهم وأصاب قبضة من الدنانير، ومن رمى حجراً ثوباً نفيساً، ففتح القلعة في اليوم السادس عشر من نزوله، ووصل السلطان إليه بعد الفتح، فعظم محل نظام الملك عنده، فأعلى منزلته، وزاد في تحكيمه.
ذكر عدة حوادثفي المحرم منها توفي الأغر أبو سعد، ضامن البصرة، على باب السلطان بالري، وعقدت البصرة وواسط على هزراسب بثلاثمائة ألف دينار.
وفي صفر منها وصل إلى بغداد شرف الملك أبو سعد المستوفي، وبنى على مشهد أبي حنيفة، رضي الله عنه، مدرسة لأصحابه، وكتب الشريف أبو جعفر بن البياضي على القبة التي أحدثها:
ألم تر أن العلم كان مشتتاً، ... فجمعه هذا المغيب في اللحد
كذلك كانت هذه الأرض ميتةً، ... فأنشرها فضل العميد أبي سعد
وفيها، في جمادى الأولى، وصلت أرسلان خاتون، أخت السلطان ألب أرسلان، وهي زوجة الخليفة، إلى بغداد، واستقبلها فخر الدولة بن جهير الوزير على فراسخ.
وفيها، في ذي القعدة، احترقت تربة معروف الكرخي، رحمة الله عليه، وسبب حريقها أن قيمها كان مريضاً، فطبخ لنفسه ماء الشعير، فاتصلت النار بخشب وبواري كانت هناك، فأحرقته واتصل الحريق، فأمر الخليفة أبا سعد الصوفي، شيخ الشيوخ، بعمارتها.
وفيها، في ذي القعدة، فرغت عمارة المدرسة النظامية، وتقرر التدريس بها للشيخ أبي إسحاق الشيرازي، فلما اجتمع الناس لحضور الدرس، وانتظروا مجيئه، تأخر، فطلب، فلم يوجد.
وكان سبب تأخره أنه لقيه صبي، فقال له: كيف تدرس في مكان مغصوب؟ فتغيرت نيته عن التدريس بها، فلما ارتفع النهار، وأيس الناس من حضوره، أشار الشيخ أبو منصور بن يوسف بأبي نصر بن الصباغ، صاحب كتاب الشامل، وقال: لا يجوز أن ينفصل هذا الجمع إلا عن مدرس، ولم يبق ببغداد من لم يحضر غير الوزير، فجلسس أبو نصر للدرس، وظهر الشيخ أبو إسحاق بعد ذلك، ولما بلغ نظام الملك الخبر أقام القيامة على العميد أبي سعد، ولم يزل يرفق بالشيخ أبي إسحاق حتى درس بالمدرسة، وكانت مدة تدريس ابن الصباغ عشرين يوماً.
وفيها، في ذي القعدة، قتل الصليحي، أمير اليمن، بمدينة المهجم، قتله أحد أمرائها وأقيمت الدعوة العباسية هناك، وكان قد ملك مكة، على ما ذكرناه سنة خمس وخمسين، وأمن الحجاج في أيامه، فأثنوا عليه خيراً، وكسا البيت بالحرير الأبيض الصيني، ورد حلى البيت إليه، وكان بنو حسن قد أخذوه وحملوه إلى اليمن، فابتاعه الصليحي منهم.
وفيها توفي عمر بن إسماعيل بن محمد أبو علي الطوسي، قاضيها، وكان يلقب العراقي لطول مقامه ببغداد، وتفقه على أبي طاهر الأسفراييني الشافعي، وأبي محمد الشاشي وغيرهما.
ثم دخلت سنة ستين وأربعمائة
ذكر عدة حوادثفي هذه السنة كانت حرب بين شرف الدولة بن قريش وبين كلاب بالرحبة، وهم في طاعة العلوي المصري، فكسرهم شرف الدولة، وأخذ أسلابهم، وأرسل أعلاماً كانت معهم، عليها سمات المصري، إلى بغداد، وكسرت، وطيف بها في البلد، وأرسلت الخلع إلى شرف الدولة.
وفيها، في جمادى الأولى، كانت بفلسطين ومصر زلزلة شديدة خربت الرملة، وطلع الماء من رؤوس الآبار، وهلك من أهلها خمسة وعشرون ألف نسمة، وانشقت الصخرة بالبيت المقدس، وعادت بإذن الله تعالى، وعاد البحر من الساحل مسيرة يوم، فنزل الناس إلى أرضه يلتقطون منه، فرجع الماء عليهم فأهلك منهم خلقاً كثيراً.
وفيها، في رجب، ورد أبو العباس الخوافي بغداد عميداً من جهة السلطان.
وفيها عزل فخر الدولة بن جهير من وزارة الخليفة، فخرج من بغداد إلى نور الدولة دبيس بن مزيد بالفلوجة، وأرسل الخليفة إلى أبي يعلى والد الوزير أبي شجاع يستحضره ليوليه الوزارة، وكان يكتب لهزارسب بن بنكير، فسار، فأدركه أجله في الطريق فمات، ثم شفع نور الدولة في فخر الدولة بن جهير، فأعيد إلى الوزارة سنة إحدى وستين في صفر.
وفيها كان بمصر غلاء شديد، وانقضت سنة إحدى وستين وأربعمائة.
وفيها حاصر الناصر بن علناس مدينة الأربس بإفريقية ففتحها وأمن أهلها.
وفيها، في المحرم، توفي الشيخ أبو منصور بن عبد الملك بن يوسف، ورثاه ابن الفضل وغيره من الشعراء، وعم مصابه المسلمين، وكان من أعيان الزمان، فمن أفعاله أنه تسلم المارستان العضدي، وكان قد دثر واستولى عليه الخراب، فجد في عمارته، وجعل فيه ثمانية وعشرين طبيباً، وثلاثة من الخزان، إلى غير ذلك، واشترى له الأملاك النفيسة، بعد أن كان ليس به طبيب ولا دواء، وكان كثير المعروف والصلات والخير، ولم يكن يلقب في زمانه أحد بالشيخ الأجل سواه.
وفي المحرم أيضاً توفي أبو جعفر الطوسي، فقيه الإمامية، بمشهد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، عليه السلام.
ثم دخلت سنة إحدى وستين وأربعمائة
ذكر عدة حوادثفي هذه السنة، في صفر، أعيد فخر الدولة بن جهير إلى وزارة الخليفة، على ما ذكرناه، فلما عاد مدحه ابن الفضل فقال:
قد رجع الحق إلى نصابه، ... وأنت من كل الورى أولى به
ما كنت إلا السيف سلته يد، ... ثم أعادته إلى قرابه
وهي طويلة.
وفي شعبان احترق جامع دمشق. وكان سبب احتراقه أنه وقع بدمشق حرب بين المغاربة أصحاب المصريين والمشارقة، فضربوا داراً مجاورة للجامع بالنار، فاحترقت، واتصلت بالجامع، وكانت العامة تعين المغاربة، فتركوا القتال واشتغلوا بإطفاء النار من الجامع، فعظم الخطب واشتد الأمر، وأتى الحريق على الجامع، فدثرت محاسنه، وزال ما كان فيه من الأعمال النفيسة.
ثم دخلت سنة اثنتين وستين وأربعمائة
ذكر عدة حوادثفي هذه السنة أقبل ملك الروم من القسطنطينية في عسكر كثيف إلى الشام، ونزل على مدينة منبج ونهبها وقتل أهلها، وهزم محمود بن صالح بن مرداس، وبني كلاب، وابن حسان الطائي، ومن معهما من جموع العرب، ثم إن ملك الروم ارتحل وعاد إلى بلاده، ولم يمكنه المقام لشدة الجوع.
وفيها سار أمير الجيوش بدر من مصر في عساكر كثيرة إلى مدينة صور وحصرها، وكان قد تغلب عليها القاضي عين الدولة بن أبي عقيل، فلما حصره أرسل القاضي إلى الأمير قرلوا، مقدم الأتراك المقيمين بالشام، يستنجده، فسار في اثني عشر ألف فارس، فحصر مدينة صيدا، وهي لأمير الجيوش بدر، فرحل حينئذ بدر، فعاد الأتراك، فعاود بدر حصر صور براً وبحراً سنة، وضيق على أهلها حتى أكلوا الخبز كل رطل بنصف دينار، ولم يبلغ غرضه فرحل عنها.
وفيها صارت دار ضرب الدنانير ببغداد في يد وكلاء الخليفة، وسبب ذلك أن البهرج كثر في أيدي الناس على السكك السلطانية، وضرب اسم ولي العهد على الدينار، وسمي الأميري، ومنع من التعامل بسواه.
وفيها ورد رسول صاحب مكة محمد بن أبي هاشم، ومعه ولده، إلى السلطان ألب أرسلان، يخبره بإقامة الخطبة للخليفة القائم بأمر الله وللسلطان بمكة، وإسقاط خطبة العلوي، صاحب مصر، وترك الأذان بحي على خير العمل، فأعطاه السلطان ثلاثين ألف دينار، وخلعاً نفيسة، وأجرى له كل سنة عشرة آلاف دينار، وقال: إذا فعل أمير المدينة مهنأ كذلك، أعطيناه عشرين ألف دينار، وكل سنة خمسة آلاف دينار.
وفيها تزوج عميد الدولة بن جهير بابنة نظام الملك بالري وعاد إلى بغداد.
وفيها، في شهر رمضان، توفي تاج الملوك هزراسب بن بنكير بن عياض بأصبهان وهو عائد من عند السلطان إلى خوزستان، وكان قد علا أمره، وتزوج بأخت السلطان، وبغى على نور الدولة دبيس بن مزيد، وأغرى السلطان به ليأخذ بلاده، فلما مات سار دبيس إلى السلطان، ومعه شرف الدولة مسلم، صاحب الموصل، فخرج نظام الملك فلقيهما، وتزوج شرف الدولة بأخت السلطان التي كانت امرأة هزارسب، وعادا إلى بلادهما من همذان.
وفيها كان بمصر غلاء شديد، ومجاعة عظيمة، حتى أكل الناس بعضهم بعضاً، وفارقوا الديار المصرية، فورد بغداد منهم خلق كثير هرباً من الجوع، وورد التجار، ومعهم ثياب صاحب مصر وآلاته، نهبت من الجوع، وكان فيها أشياء كثيرة نهبت من دار الخلافة وقت القبض على الطائع لله سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة، ومما نهب أيضاً في فتنة البساسيري وخرج من خزائنهم ثمانون ألف قطعة بلور كبار، وخمسة وسبعون ألف قطعة من الديباج القديم، وأحد عشر ألف كزاغند، وعشرون ألف سيف محلى، وقال ابن الفضل يمدح القائم بأمر الله، ويذكر الحال بقصيدة فيها:
قد علم المصري أن جنوده ... سنو يوسف منها، وطاعون عمواس
أقامت به حتى استراب بنفسه، ... وأوجس منه خيفة أي إيجاس
في أبيات.
وفيها توفي أبو الجوائز الحسن بن علي بن محمد الواسطي، كان أديباً، شاعراً، حسن القول، فمن قوله:
واحسرتي من قولها: ... خان عهودي ولها
وحق من صيرني ... وقفاً عليها ولها
ما خطرت بخاطري، ... إلا كستني ولها
وتوفي محمد بن أحمد أبو غالب بن بشران الواسطي الأديب، وانتهت الرحلة إليه في الأدب، وله شعر، فمنه في الزهد:
يا شائداً للقصور كهلاً ... أقصر، فقصر الفتى الممات
لم يجتمع شمل أهل قصر، ... إلا قصاراهم الشتات
وإنما العيش مثل ظل، ... منتقل ما له ثبات
وفيها توفي القاضي أبو الحسين محمد بن إبراهيم بن حزم، قاضي دمشق، وأبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي العجائز، الخطيب بدمشق.
ثم دخلت سنة ثلاث وستين وأربعمائة
ذكر الخطبة للقائم بأمر الله
والسلطان بحلبفي هذه السنة خطب محمود بن صالح بن مرداس بحلب لأمير المؤمنين القائم بأمر الله، وللسلطان ألب أرسلان.
وسبب ذلك أنه رأى إقبال دولة السلطان، وقوتها، وانتشار دعوتها، فجمع أهل حلب وقال: هذه دولة جديدة، ومملكة شديدة، ونحن تحت الخوف منهم، وهم يستحلون دماءكم لأجل مذاهبكم، والرأي أن نقيم الخطبة قبل أن يأتي وقت لا ينفعنا فيه قول ولا بذل فأجاب المشايخ ذلك، ولبس المؤذنون السواد، وخطبوا للقائم بأمر الله والسلطان، فأخت العامة حصر الجامع، وقالوا: هذه حصر علي بن أبي طالب، فليأت أبو بكر بحصر يصلي عليها الناس.
وأرسل الخليفة إلى محمود الخلع مع نقيب النقباء طراد بن محمد الزينبي، فلبسها، ومدحه ابن سنان الخفاجي، وأبو الفتيان بن حيوس، وقال أبو عبد الله بن عطية يمدح القائم بأمر الله، ويذكر الخطبة بحلب ومكة والمدينة:
كم طائع لك لم تجلب عليه، ولم ... تعرف لطاعته غير التقى سببا
هذا البشير بإذعان الحجاز، وذا ... داعي دمشق وذا المبعوث من حلبا
ذكر استيلاء السلطان أرسلان على حلبفي هذه السنة سار السلطان ألب أرسلان إلى حلب، وجعل طريقه على ديار بكر، فخرج إليه صاحبها، نصر بن مروان، وخدمه بمائة ألف، وحمل إليه إقامة عرف السلطان أنه قسطها على البلاد، فأمر بردها.
ووصل إلى آمد فرآها ثغراً منيعاً، فتبرك به، وجعل يمر يده على السور ويمسح بها صدره.
وسار إلى الرها فحصرها فلم يظفر منها بطائل، فسار إلى حلب وقد وصلها نقيب النقباء أبو الفوراس طراد بالرسالة القائمية، والخلع، فقال له محمود، صاحب حلب: أسألك الخروج إلى السلطان، والاستعفاء لي من الحضور عنده، فخرج نقيب النقباء، وأخبر السلطان بأنه قد لبس الخلع القائمية وخطب فقال: أي شيء تساوي خطبتهم وهم يؤذنون حي على خير العمل؟ ولا بد من الحضور، ودوس بساطي، فامتنع محمود من ذلك.
فاشتد الحصار على البلد، وغلت الأسعار، وعظم القتال، وزحف السلطان يوماً وقرب من البلد، فوقع حجر منجنيق في فرسه، فلما عظم الأمر على محمود خرج ليلاً، ومعه والدته منيعة بنت وثاب النميري، فدخلا على السلطان وقالت له: هذا ولدي، فافعل به ما تحب. فتلقاهما بالجميل، وخلع على محمود وأعاده إلى بلده، فأنفذ إلى السلطان مالاً جزيلاً.
ذكر خروج ملك الروم إلى خلاطفي هذه السنة خرج أرمانوس ملك الروم في مائتي ألف من الروم، والفرنج، والغرب، والروس، والبجناك، والكرج، وغيرهم، من طوائف تلك البلاد، فجاؤوا في تجمل كثير، وزي عظيم، وقصد بلاد الإسلام، فوصل إلى ملازكرد من أعمال خلاط. فبلغ السلطان ألب أرسلان الخبر، وهو بمدينة خوي من أذربيجان، قد عاد من حلب، وسمع ما هو ملك الروم فيه من كثرة الجموع، فلم يتمكن من جمع العساكر لبعدها وقرب العدو، فسير الأثقال مع زوجته ونظام الملك إلى همذان، وسار هو فيمن عنده من العساكر، وهم خمسة عشر ألف فارس. وجد في السير، وقال لهم: أنني أقاتل محتسباً صابراً، فإن سلمت فنعمة من الله تعالى، وإن كانت الشهادة فإن ابني ملكشاه ولي عهدي، وساروا.
فلما قارب العدو جعل له مقدمة، فصادفت مقدمته، عند خلاط، مقدم الروسية في نحو عشرة آلاف من الروم، فاقتتلوا، فانهزمت الروسية، وأسر مقدمهم، وحمل إلى السلطان، فجدع أنفه، وأنفذ بالسلب إلى نظام الملك، وأمره أن يرسله إلى بغداد، فلما تقارب العسكران أرسل السلطان إلى ملك الروم يطلب منه المهادنة، فقال: لا هدنة إلا بالري، فانزعج السلطان لذلك، فقال له إمامه وفقيهه أبو نصر محمد بن عبد الملك البخاري، الحنفي: إنك تقاتل عن دين وعد الله بنصره وإظهاره على سائر الأديان، وأرجو أن يكون الله تعالى قد كتب باسمك هذا الفتح، فالقهم يوم الجمعة، بعد الزوال، في الساعة التي تكون الخطباء على المنابر، فإنهم يدعون للمجاهدين بالنصر، والدعاء مقرون بالإجابة.
فلما كانت تلك الساعة صلى بهم، وبكى السلطان، فبكى الناس لبكائه، ودعا ودعوا معه، وقال لهم: من أراد الانصراف فلينصرف، فما هاهنا سلطان يأمر وينهى، وألقى القوس والنشاب، وأخذ السيف والدبوس، وعقد ذنب فرسه بيده، وفعل عسكره مثله، ولبس البياض، وتحنط، وقال: إن قتلت فهذا كفني.
وزحف إلى الروم، وزحفوا إليه، فلما قاربهم ترجل وعفر وجهه على التراب، وبكى، وأكثر الدعاء، ثم ركب وحمل وحملت العساكر معه، فحصل المسلمون في وسطهم وحجز الغبار بينهم، فقتل المسلمون فيهم كيف شاؤوا، وأنزل الله نصره عليهم، فانهزم الروم، وقتل منهم ما لا يحصى، حتى امتلأت الأرض بجثث القتلى، وأسر ملك الروم، أسره بعض غلمان كوهارائين، أراد قتله ولم يعرفه، فقال له خادم مع الملك: لاتقتله، فإنه الملك.
وكان هذا الغلام قد عرضه كوهرائين على نظام الملك، فرده استحقاراً له، فأثنى عليه كوهرائين، فقال نظام الملك: عسى أن يأتينا بملك الروم أسيراً، فكان كذلك.
فلما أسر الغلام الملك أحضره عند كوهرائين، فقصد السلطان وأخبره بأسر الملك، فأمر بإحضاره، فلما أحضر ضربه السلطان ألب أرسلان ثلاث مقارع بيده وقال له: ألم أرسل إليك في الهدنة فأبيت؟ فقال: دعني من التوبيخ، وافعل ما تريد! فقال الس: ما عزمت أن تفعل بي إن أسرتني؟ فقال: أفعل القبيح. قال له: فما تظن أنني أفعل بك؟ قال: إما أن تقتلني، وإما أن تشهرني في بلاد الإسلام، والأخرى بعيدة، وهي العفو، وقبول الأموال، واصطناعي نائباً عنك. قال: ما عزمت على غير هذا.
ففداه بألف ألف دينار وخمس مائة ألف دينار، وأن يرسل إليه عساكر الروم أي وقت طلبها، وأن يطلق كل أسير في بلاد الروم، واستقر الأمر على ذلك، وأنزله في خيمة، وأرسل إليه عشرة آلاف دينار يتجهز بها، فأطلق له جماعة من البطارقة، وخلع عليه من الغد، فقال ملك الروم: أين جهة الخليفة؟ فدل عليها، فقام وكشف رأسه وأومأ إلى الأرض بالخدمة، وهادنه السلطان خمسين سنة، وسيره إلى بلاده، وسير معه عسكراً أوصلوه إلى مأمنه، وشيعه السلطان فرسخاً.
وأما الروم فلما بلغهم خبر الوقعة وثب ميخائيل على المملكة فملك البلاد، فلما وصل أرمانوس الملك إلى قلعة دوقية بلغه الخبر، فلبس الصوف وأظهر الزهد، وأرسل إلى ميخائيل يعرفه ما تقرر مع السلطان، وقال: إن شئت أن تفعل ما استقر، وإن شئت أمسكت، فأجابه ميخائيل بإيثار ما استقر، وطلب وساطته، وسؤال السلطان في ذلك.
وجمع أرمانوس ما عنده من المال فكان مائتي ألف دينار، فأرسله إلى السلطان، وطبق ذهب عليه جواهر بتسعين ألف دينار، وحلف له أنه لا يقدر على غير ذلك، ثم إن أرمانوس استولى على أعمال الأرمن وبلادهم. ومدح الشعراء السلطان، وذكروا هذا الفتح، فأكثروا.
ذكر ملك أتسز الرملة وبيت المقدسفي هذه السنة قصد أتسز بن أوق الخوارزمي، وهو من أمراء السلطان ملكشاه، بلد الشام، فجمع الأتراك وسار إلى فلسطين، ففتح مدينة الرملة، وسار منها إلى البيت المقدس وحصره، وفيه عساكر المصريين، ففتحه، وملك ما يجاورهما من البلاد، ما عدا عسقلان، وقصد دمشق فحصرها، وتابع النهب لأعمالها حتى خربها، وقطع الميرة عنها، فضاق الأمر بالناس، فصبروا، ولم يمكنوه من ملك البلد، فعاد عنه، وأدام قصد أعماله وتخريبها حتى قلت الأقوات عندهم.
ذكر عدة حوادثفي هذه السنة توفي أبو القاسم عبد الرحمن بن محمد بن أحمد بن فوران الفوراني، الفقيه الشافعي، مصنف كتاب الإبانة وغيره.
وفي هذه السنة، في ذي الحجة، توفي الخطيب أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت البغدادي، صاحب التاريخ والمصنفات الكثيرة ببغداد، وكان إمام الدنيا في زمانه، وممن حمل جنازته الشيخ أبو إسحاق الشيرازي.
وتوفي أيضاً فيها، في شهر رمضان، أبو يعلى محمد بن الحسين بن حمزة الجعفري، فقيه الإمامية، وحسان بن سعيد بن حسان بن محمد بن عبد الله المنيعي المخزومي من أهل مرو الروذ، كان كثير الصدقة والمعروف، والعبادة، والقنوع بالقليل من القوت، والإعراض عن زينة الدنيا وبهجتها، وكان السلاطين يزورونه ويتبركون به، وأكثر من بناء المساجد والخانقاهات والقناطر، وغير ذلك من مصالح المسلمين.
وتوفيت أيضاً كريمة بنت أحمد بن محمد المروزية، وهي التي تروي صحيح البخاري، توفيت بمكة، وإليها انتهى علو الإسناد للصحيح إلى أن جاء أبو الوقت.
ثم دخلت سنة أربع وستين وأربعمائة
ذكر ولاية سعد الدولة كوهرائين شحنكية بغدادفي ربيع الأول من هذه السنة ورد إيتكين السليماني شحنة بغداد من عند السلطان إلى بغداد، فقصد دار الخلافة، وسأل العفو عنه، وأقام أياماً، فلم يجب إلى ذلك.
وكان سبب غضب الخليفة عليه أنه كان قد استخلف ابنه عند مسيره إلى السلطان، وجعله شحنة ببغداد، فقتل أحد المماليك الدارية، فأنفذ قميصه من الديوان إلى السلطان، ووقع الخطاب في عزله.
وكان نظام الملك يعنى بالسليماني، فأضاف إلى إقطاعه تكريت، فكوتب واليها، من ديوان الخلافة، بالتوقف عن تسليمها. فلما رأى نظام الملك والسلطان إصرار الخليفة على الاستقالة من ولايته شحنكية بغداد، سير سعد الدولة كوهرائين إلى بغداد شحنة، وعزل السليماني عنها، اتباعاً لما أمر به الخليفة القائم بأمر الله، ولما ورد سعد الدولة خرج الناس لتلقيه، وجلس له الخليفة.
ذكر تزويج ولي العهد بابنة السلطانفي هذه السنة أرسل الإمام القائم بأمر الله عميد الدولة بن جهير، ومعه الخلع للسلطان ولولده ملكشاه، وكان السلطان قد أرسل يطلب من الخليفة أن يأذن في أن يجعل ولده ملكشاه ولي عهده، فأذن، وسيرت له الخلع مع عميد الدولة، وأمر عميد الدولة أن يخطب ابنة السلطان ألب أرسلان من سفري خاتون لولي العهد المقتدي بأمر الله، فلما حضر عند السلطان خطب ابنته، فأجيب إلى ذلك.
وعقد النكاح بظاهر نيسابور، وكان عميد الدولة الوكيل في قبول النكاح، ونظام الملك الوكيل من جهة السلطان في العقد، وكان النثار جواهر، وعاد عميد الدولة من عند السلطان إلى ملكشاه، وكان ببلاد فارس، فلقيه بأصبهان، فأفاض عليه الخلع، فلبسها وسار إلى والده، وعاد عميد الدولة إلى بغداد، فدخلها في ذي الحجة.
ذكر ولاية أبي الحسن بن عمار طرابلسفي هذه السنة، في رجب، توفي القاضي أبو طالب بن عمار، قاضي طرابلس، وكان قد استولى عليها، واستبد بالأمر فيها، فلما توفي قام مكانه ابن أخيه جلال الملك أبو الحسن بن عمار، فضبط البلد أحسن ضبط، ولم يظهر لفقد عمه أثر لكفايته.
ذكر ملك السلطان ألب أرسلان قلعة فضلون بفارسفي هذه السنة سير السلطان ألب أرسلان وزيره نظام الملك في عسكر إلى بلاد فارس، وكان بها حصن من أمنع الحصون والمعاقل، وفيه صاحبه فضلون، وهو لا يعطي الطاعة، فنازله وحصره، ودعاه إلى طاعة السلطان فامتنع، فقاتله فلم يبلغ بقتاله غرضاً لعلو الحصن وارتفاعه، فلم يطل مقامهم عليه حتى نادى أهل القلعة بطلب الأمان ليسلموا الحصن إليه، فعجب الناس من ذلك.
وكان السبب فيه أن جميع الآبار التي بالقلعة غارت مياهها في ليلة واحدة فقادتهم ضرورة العطش إلى التسليم، فلما طلبوا الأمان أمنهم نظام الملك، وتسلم الحصن، والتجأ فضلون إلى قلة القلعة، وهي أعلى موضع فيها، وفيه بناء مرتفع، فاحتمى فيها، فسير نظام الملك طائفة من العسكر إلى الموضع الذي فيه أهل فضلون وأقاربه ليحملوهم إليه وينهبوا مالهم، فسمع فضلون الخبر، ففارق موضعه مستخفياً فيمن عنده من الجند، وسار ليمنع عن أهله، فاستقبلته طلائع نظام الملك، فخافهم فتفرق من معه، واختفى في نبات الأرض، فوقع فيه بعض العسكر، فأخذه أسيراً، وحمله إلى نظام الملك، فأخذه وسار به إلى السلطان فأمنه وأطلقه.
ذكر عدة حوادثفي هذه السنة توفي القاضي أبو الحسين محمد بن أحمد بن عبد الصمد نب المهتدي بالله الخطيب بجامع المنصور، وكان قد أضر، ومولده سنة أربع وثمانين وثلاثمائة، وكان إليه قضاء واسط، وخليفته عليها أبو محمد السمال.
ثم دخلت سنة خمس وستين وأربعمائة
ذكر قتل السلطان ألب أرسلان
في أول هذه السنة قصد السلطان ألب أرسلان، واسمه محمد، وإنما غلب عليه ألب أرسلان ما وراء النهر، وصاحبه شمس الملك تكين، فعقد على جيحون جسراً وعبر عليه في نيف وعشرين يوماً، وعسكره يزيد على مائتي ألف فارس، فأتاه أصحابه بمستحفظ قلعة يعرف بيوسف الخوارزمي، في سادس شهر ربيع الأول، وحمل إلى قرب سريره مع غلامين، فتقدم أن تضرب له أربعة أوتاد وتشد أطرافه إليها، فقال له يوسف: يا مخنث! مثلي يقتل هذه القتلة؟ فغضب السلطان ألب أرسلان، وأخذ القوس والنشاب، وقال للغلامين: خلياه! ورماه الس بسهم فأخطأه، ولم يكن يخطيء سهمه، فوثب يوسف يريده، والسلطان على سدة، فلما رأى يوسف يقصده قام عن السدة ونزل عنها، فعثر، فوقع على وجهه، فبرك عليه يوسف وضربه بسكين كانت معه في خاصرته، وكان سعد الدولة واقفاً، فجرحه يوسف أيضاً جراحات، ونهض الس فدخل إلى خيمة أخرى، وضرب بعض الفراشين يوسف بمرزبة على رأسه، فقتله وقطعه الأتراك.
وكان أهل سمرقند لما بلغهم عبور السلطان النهر، وما فعل عسكره بتلك البلاد لا سيما بخارى، اجتمعوا، وختموا ختمات، وسألوا الله أن يكفيهم أمره، فاستجاب لهم.
ولما جرح السلطان قال: ما من وجه قصدته، وعدو أردته، إلا استعنت بالله عليه، ولما كان أمس صعدت على تل، فارتجت الأرض تحتي من عظم الجيش وكثرة العسكر، فقلت في نفسي: أنا أملك الدنيا، وما يقدر أحد علي، فعجزني الله تعالى بأضعف خلقه، وأنا أستغفر الله تعالى، وأستقيله من ذلك الخاطر. فتوفي عاشر ربيع الأول من السنة، فحمل إلى مرو ودفن عند أبيه.
ومولده سنة أربع وعشرين وأربعمائة، وبلغ من العمر أربعين سنة وشهوراً، وقيل كان مولده سنة عشرين وأربعمائة، وكانت مدة ملكه منذ خطب له بالسلطنة إلى أن قتل تسع سنين وستة أشهر وأياماً، ولما وصل خبر موته إلى بغداد جلس الوزير فخر الدولة بن جهير للعزاء به في صحن السلام.
ذكر نسب ألب أرسلان
وبعض سيرتههو ألب أرسلان محمد بن داود بن جغري بك من ميكائيل بن سلجوق، وكان كريماً، عادلاً، عاقلاً، لا يسمع السعايات، واتسع ملكه جداً، ودان له العالم، وبحق قيل له سلطان العالم.
وكان رحيم القلب رفيقاً بالفقراء، كثير الدعاء بدوام ما أنعم الله به عليه.
اجتاز يوماً بمرو على فقراء الخرائين، فبكى، وسأل الله تعالى أن يغنيه من فضله.
وكان يكثر الصدقة، فيتصدق في رمضان بخمسة عشر ألف دينار، وكان في ديوانه أسماء خلق كثير من الفقراء في جميع ممالكه، عليهم الإدرارات والصلات، ولم يكن في جميع بلاده جناية ولا مصادرة، قد قنع من الرعايا بالخراج الأصلي يؤخذ منهم كل سنة دفعتين رفقاً بهم.
وكتب إليه بعض السعاة سعاية في نظام الملك وزيره، وذكر ما له في ممالكه من الرسوم والأموال، وتركت على مصلاه، فأخذها فقرأها، ثم سلمها إلى نظام الملك وقال له: خذ هذا الكتاب، فإن صدقوا في الذي كتبوه فهذب أخلاقك، وأصلح أحوالك، وإن كذبوا فاغفر لهم زلتهم واشغلهم بمهم يشتغلون به عن السعاية بالناس.
وهذه حالة لا يذكر عن أحد من الملوك أحسن منها.
وكان كثيراً ما يقرأ عليه تواريخ الملوك وآدابهم، وأحكام الشريعة، ولما اشتهر بين الملوك حسن سيرته، ومحافظته على عهوده، أذعنوا له بالطاعة والموافقة بعد الامتناع، وحضروا عنده من أقاصي ما وراء النهر إلى أقصى الشام.
وكان شديد العناية بكف الجند عن أموال الرعية، بلغه أن بعض خواص مماليكه سلب من بعض الرستاقية إزاراً، فأخذ المملوك وصلبه، فارتدع الناس عن التعرض إلى مال غيرهم.
ومناقبه كثيرة لا يليق بهذا الكتاب أكثر من هذا القدر منها. وخلف ألب أرسلان من الأولاد: ملكشاه، وهو صار السلطان بعده، وإياز، وتكش، وبوري برش، وتتش، وأرسلان أرغو، وسارة، وعائشة، وبنتاً أخرى.
ذكر ملك السلطان ملكشاه
لما جرح السلطان ألب أرسلان أوصى لابنه ملكشاه، وكان معه، وأمر أن يحلف له العسكر، فحلفوا جميعهم، وكان المتولي للأمر في ذلك نظام الملك، وأرسل ملكشاه إلى بغداد يطلب الخطبة له، فخطب له على منابرها، وأوصى ألب أرسلان ابنه ملكشاه أيضاً أن يعطي أخاه قاروت بك بن داود أعمال فارس وكرمان، وشيئاً عينه من المال، وأن يزوج بزوجته، وكان قاروت بك بكرمان، وأوصى أن يعطى ابنه إياز بن ألب أرسلان ما كان لأبيه داود، وهو خمسمائة ألف دينار، وقال: كل من لم يرض بما أوصيت له فقاتلوه، واستعينوا بما جعلته له على حربه.
وعاد ملكشاه من بلاد ما وراء النهر، فعبر العسكر الذي قطع النهر في نيف وعشرين يوماً في ثلاثة أيام، وقام بوزارة ملكشاه نظام الملك، وزاد الأجناد في معايشهم سبع مائة ألف دينار، وعادوا إلى خراسان، وقصدوا نيسابور، وراسل ملكشاه جماعة الملوك أصحاب الأطراف يدعوهم إلى الخطبة له والانقياد إليه، وأقام إياز أرسلان ببلخ وسار السلطان ملكشاه في عساكره من نيسابور إلى الري.
ذكر ملك صاحب سمرقند مدينة ترمذفي هذه السنة، في ربيع الآخر، ملك التكين صاحب سمرقند مدينة ترمذ.
وسبب ذلك أنه لما بلغه وفاة ألب أرسلان، وعود ابنه ملكشاه عن خراسان، طمع في البلاد المجاورة له، فقصد ترمذ أول ربيع الآخر، وفتحها، ونقل ما فيها من ذخائر وغيرها إلى سمرقند.
وكان إياز بن ألب أرسلان قد سار عن بلخ إلى الجوزجان، فخاف أهل بلخ، فأرسلوا إلى التكين يطلبون منه الأمان، فأمنهم، فخطبوا له فيها، وورد إليها، فنهب عسكره شيئاً من أموالل الناس، وعاد إلى ترمذ، فثار أوباش بلخ بجماعة من أصحابه فقتلوهم، فعاد إليهم وأمر بإحراق المدينة، فخرج إليه أعيان أهلها وسألوه الصفح، واعتذروا، فعفا عنهم، لكنه أخذ أموال التجار فغنم شيئاً عظيماً.
فلما وصل الخبر إلى إياز عاد من الجوزجان إلى بلخ، فوصل غرة جمادى الأولى، فأطاعه أهلها، وسار عنها إلى ترمذ في عشرة آلاف فارس في الثالث والعشرين من جمادى الآخرة، فلقيهم عسكر التكين، فانهزم إياز، فغرق من عسكره في جيحون أكثرهم، وقتل كثير منهم، ولم ينج إلا القليل.
ذكر قصد صاحب غزنة سكلكندوفي هذه السنة أيضاً، في جمادى الأولى، وردت طائفة كثيرة من عسكر غزنة إلى سكلكند، وبها عثمان عم السلطان ملكشاه، ويلقب بأمير الأمراء، فأخذوه أسيراً، وعادوا به إلى غزنة مع خزائنه وحشمه، فسمع الأمير كمشتين بلكابك، وهو من أكابر الأمراء، فتبع آثارهم، وكان معه أنوشتكين جد ملوك خوارزم في زماننا، فنهبوا مدينة سكلكند.
ذكر الحرب بين السلطان ملكشاه وعمه قاورت بكلما بلغ قاورت بك، وهو بكرمان، وفاة أخيه ألب أرسلان سار طالباً للري يريد الاستيلاء على الممالك، فسبقه إليها السلطان ملكشاه ونظام الملك، وسارا منها إليه، فالتقوا بالقرب من همذان في شعبان، وكان العسكر يميلون إلى قاورت بك، فحملت ميسرة قاورت على ميمنة ملكشاه، فهزموها، وحمل شرف الدولة مسلم بن قريش، وبهاء الدولة منصور بن دبيس بن مزيد، وهما مع ملكشاه، ومن معهما من العرب والأكراد، على ميمنة قاورت بك فهزموها، وتمت الهزيمة على أصحاب قاورت بك، ومضى المنهزمون من أصحاب السلطان ملكشاه إلى حلل شرف الدولة، وبهاء الدولة، فنهبوها غيظاً منهم، حيث هزموا عسكر قاورت بك، ونهبوا أيضاً ما كان لنقيب النقباء طراد بن محمد الزينبي رسول الخليفة.
وجاء رجل سوادي إلى السلطان ملكشاه، فأخبره أن عمه قاورت بك في بعض القرى، فأرسل من أخذه وأحضره، فأمر سعد الدولة كوهرائين فخنقه، وأقرر كرمان بيد أولاده، وسير إليهم الخلع، وأقطع العرب والأكراد إقطاعات كثيرة لما فعلوه في الوقعة.
وكان السبب في حضور شرف الدولة، وبهاء الدولة، عند ملكشاه، أن السلطان ألب أرسلان كان ساخطاً على شرف الدولة، فأرسل الخليفة نقيب النقباء طراد بن محمد الزينبي إلى شرف الدولة بالموصل، فأخذه وسار به إلى ألب أرسلان ليشفع فيه عند الخليفة، فلما بلغ الزاب وقف على ملطفات كتبها وزيره أبو جابر بن صقلاب، فأخذه شرف الدولة فغرقه، وسار مع طراد، فبلغهما الخبر بوفاة ألب أرسلان، ومسير ابنه ملكشاه، فتمما إليه.
وأما بهاء الدولة فإنه كان قد سار بمال أرسله به أبوه إلى السلطان، فحضر الحرب بهذا السبب.
ذكر تفويض الأمور إلى نظام الملكثم إن عسكر ملكشاه بسطوا ومدوا أيديهم في أموال الرعية، وقالوا: ما يمنع السلطان أن يعطينا الأموال إلا نظام الملك، فنال الرعية أذى شديد، فذكر ذلك نظام الملك للسلطان، فبين له ما في هذا الفعل من الوهن، وخراب البلاد، وذهاب السياسة، فقال له: افعل في هذا ما تراه مصلحة! فقال له نظام الملك: ما يمكنني أن أفعل إلا بأمرك.
فقال السلطان: قد رددت الأمور كلها كبيرها وصغيرها إليك، فأنت الوالد، وحلف له وأقطعه إقطاعاً زائداً على ما كان، من جملته طوس مدينة نظام الملك، وخلع عليه، ولقبه ألقاباً من جملتها: أتابك، ومعناه الأمير الوالد، فظهر من كفايته، وشجاعته، وحسن سيرته ما هو مشهور، فمن ذلك أن امرأة ضعيفة استغاثت به، فوقف يكلمها وتكلمه، فدفعها بعض حجابه، فأنكر ذلك عليه وقال: إنما استخدمتك لأمثال هذه، فإن الأمراء والأعيان لا حاجة بهم إليك، ثم صرفه عن حجابته.
ذكر قتل ناصر الدولة بن حمدانفي هذه السنة قتل ناصر الدولة أبو علي الحسن بن حمدان، وهو من أولاد ناصر الدولة بن حمدان، بمصر، وكان قد تقدم فيها تقدماً عظيماً.
ونذكر هاهنا الأسباب الموجبة لقتله، فإنها تتبع بعضها بعضاً، وفي حروب وتجارب، وكان أول ذلك انحلال أمر الخلافة، وفساد أحوال المستنصر بالله العلوي، صاحبها، وسببه أن والدته كانت غالبة على أمره، وقد اصطنعت أبا سعيد إبراهيم التستري، اليهودي، وصار وزيراً لها، فأشار عليها بوزارة أبي نصر الفلاحي، فولته الوزارة، واتفقا مدة، ثم صار الفلاحي ينفرد بالتدبير، فوقع بينهما وحشة، فخافه الفلاحي أن يفسد أمره مع أم المستنصر، فاصطنع الغلمان الأتراك، واستمالهم، وزاد في أرزاقهم، فلما وثق بهم وضعهم على قتل اليهودي، فقتلوه، فعظم الأمر على أم المستنصر، وأغرت به ولدها، فقبض عليه، وأرسلت من قتله تلك الليلة، وكان بينهما في القتل تسعة أشهر.
ووزر بعده أبو البركات حسن بن محمد، فوضعه على الغلمان الأتراك فأفسد أحوالهم، وشرع يشتري العبيد للمستنصر، واستكثر منهم، فوضعته أم المستنصر ليغري العبيد المجردين بالأتراك، فخاف عاقبة ذلك، وعلم أنه يورث شراً وفساداً، فلم يفعل، فتنكرت له، وعزلته عن الوزارة.
وولي بعده الوزارة أبو محمد اليازوري من قرية من قرى الرملة اسمها يازور، فأمرته أيضاً بذلك، فلم يفعل، وأصلح الأمور إلى أن قتل.
ووزر بعده أبو عبد الله الحسين بن البابلي، فأمرته بما أمرت به غيره من الوزراء من إغراء العبيد بالأتراك، ففعل، فتغيرت نياتهم.
ثم إن المستنصر ركب ليشيع الحجاج، فأجرى بعض الأتراك فرسه، فوصل به إلى جماعة العبيد المحدثين، وكانوا يحيطون بالمستنصر، فضربه أحدهم فجرحه، فعظم ذلك على الأتراك ونشبت بينهم الحرب، ثم اصطلحوا على تسليم الجارح إليهم، واستحكمت العداوة، فقال الوزير للعبيد: خذوا حذركم، فاجتمعوا في محلتهم.
وعرف الأتراك ذلك، فاجتمعوا إلى مقدميهم، وقصدوا ناصر الدولة بن حمدان، وهو أكبر قائد بمصر، وشكوا إليه، واستمالوا المصامدة، وكتامة، وتعاهدوا، وتعاقدوا، فقوي الأتراك، وضعف العبيد المحدثون، فخرجوا من القاهرة إلى الصعيد ليجتمعوا هناك، فانضاف إليهم خلق كثير يزيدون على خمسين ألف فارس وراجل، فخاف الأتراك وشكوا إلى المستنصر، فأعاد الجواب أنه لا علم له بما فعل العبيد، وأنه لا حقيقة له، فظنوا قوله حيلة عليهم.
ثم قوي الخبر بقرب العبيد منهم بكثرتهم، فأجفل الأتراك، وكتامة، والمصامدة، وكانت عدتهم ستة آلاف، فالتقوا بموضع يعرف بكوم الريش، واقتتلوا، فانهزم الأتراك ومن معهم إلى القاهرة، وكان بعضهم قد كمن في خمسمائة فارس، فلما انهزم الأتراك خرج الكمين على ساقة العبيد ومن معهم، وحملوا عليهم حملة منكرة، وضربت البوقات، فارتاع العبيد، وظنوها مكيدة من المستنصر، وأنه ركب في باقي العسكر، فانهزموا، وعاد عليهم الأتراك وحكموا فيهم السيوف، فقتل منهم وغرق نحو أربعين ألفاً وكان يوماً مشهوداً.
وقويت نفوس الأتراك، وعرفوا حسن رأي المستنصر فيهم، وتجمعوا، وحشدوا، فتضاعفت عدتهم، وزادت واجباتهم للإنفاق فيهم، فخلت الخزائن، واضطربت الأمور، وتجمع باقي العسكر من الشام وغيره إلى الصعيد، فاجتمعوا مع العبيد، فصاروا خمسة عشر ألف فارس وراجل، وساروا إلى الجيزة، فخرج عليهم الأتراك ومن معهم، واقتتلوا في الماء عدة أيام، ثم عبر الأتراك النيل إليهم مع ناصر الدولة بن حمدان، فاقتتلوا، فانهزم العبيد إلى الصعيد، وعاد ناصر الدولة والأتراك منصورين.
ثم إن العبيد اجتمعوا بالصعيد في خمسة عشر ألف فارس وراجل، فقلق الأتراك لذلك، فحضر مقدموهم دار المستنصر لشكوى حالهم، فأمرت أم المستنصر من عندها من العبيد بالهجوم على المقدمين والفتك بهم، ففعلوا ذلك، وسمع ناصر الدولة الخبر، فهرب إلى ظاهر البلد، واجتمع الأتراك إليه، ووقعت الحرب بينهم وبين العبيد، ومن تبعهم من مصر، والقاهرة، وحلف الأمير ناصر الدولة بن حمدان أنه لا ينزل عن فرسه ولا يذوق طعاماً، حتى ينفصل الحال بينهم، فبقيت الحرب ثلاثة أيام، ثم ظفر بهم ناصر الدولة، وأكثر القتل فيهم، ومن سلم هرب، وزالت دولتهم من القاهرة.
وكان بالإسكندرية جماعة كثيرة من العبيد، فلما كانت هذه الحادثة طلبوا الأمان، فأمنوا وأخذت منهم الإسكندرية، وبقي العبيد الذين بالصعيد.
فلما خلت الدولة من الأتراك طمعوا في المستنصر، وقل ناموسه عندهم، وطلبوا الأموال، فخلت الخزائن، فلم يبق فيها شيء البتة، واختل ارتفاع الأعمال، وهم يطالبون، واعتذر المستنصر بعدم الأموال عنده، فطلب ناصر الدولة العروض، فأخرجت إليهم، وقومت بالثمن البخس، وصرفت إلى الجند، قيل إن واجب الأتراك كان في الشهر عشرين ألف، فصار الآن في الشهر أربعمائة ألف دينار.
وأما العبيد فإنهم أفسدوا، وقطعوا الطريق، وأخافوا السبيل، فسار إليهم ناصر الدولة في عسكر كثير، فمضى العبيد من بين يديه إلى الصعيد الأعلى، فأدركهم، فقاتلهم، وقاتلوه، فانهزم ناصر الدولة منهم وعاد إلى الجيزة بمصر، واجتمع إليه من سلم من أصحابه، وشغبوا على المستنصر، واتهموه بتقوية العبيد والميل إليهم. ثم جهزوا جيشاً وسيروه إلى طائفة من العبيد بالصعيد، وقاتلوهم، فقتلت تلك الطائفة من العبيد، فوهن الباقون، وزالت دولتهم.
وعظم أمر ناصر الدولة، وقويت شوكته، وتفرد بالأمر دون الأتراك، فامتنعوا من ذلك، وعظم عليهم، وفسدت نياتهم له، فشكوا ذلك إلى الوزير، وقالوا: كلما خرج من الخليفة مال أخذ أكثره له ولحاشيته، ولا يصل إلينا منه إلا القليل. فقال الوزير: إنما وصل إلى هذا وغيره بكم، فلو فارقتموه لم يتم له أمر. فاتفق رأيهم على مفارقة ناصر الدولة، وإخراجه من مصر، فاجتمعوا، وشكوا إلى المستنصر، وسألوه أن يخرج عنهم ناصر الدولة، فأرسل إليه يأمره بالخروج، ويتهدده إن لم يفعل، فخرج من القاهرة إلى الجيزة، ونهبت داره ودور حواشيه وأصحابه.
فلما كان الليل دخل ناصر الدولة مستخفياً إلى القائد المعروف بتاج الملوك شاذي، فقبل رجله، وقال: اصطنعني! فقال: أفعل، فحالفه على قتل مقدم من الأتراك اسمه الدكز، والوزير الخطير، وال ناصر الدولة لشاذي: تركب في أصحابك، وتسير بين القصرين، فإذا أمكنتك الفرصة فيهما فاقتلهما.
وعاد ناصر الدولة إلى موضعه إلى الجيزة. وفعل شاذي ما أمره، فركب الدكز إلى القصر، فرأى شاذي في جمعه، فأنكره، وأسرع فدخل القصر، ففاته، ثم أقبل الوزير في موكبه، فقتله شاذي، وأرسل إلى ناصر الدولة يأمره بالركوب، فركب إلى باب القاهرة، فقال الدكز للمستنصر: إن لم تركب، وإلا هلكت أنت ونحن. فركب، ولبس سلاحه، وتبعه خلق عظيم من العامة والجند، واصطفوا للقتال، فحمل الأتراك على ناصر الدولة فانهزم، وقتل من أصحابه خلق كثير، ومضى منهزماً على وجهه لا يلوي على شيء، وتبعه فل أصحابه، فوصل إلى بني سنبس، فأقام عندهم وصاهرهم فقوي بهم.
وتجهزت العساكر إليه ليبعدوه، فساروا حتى قربوا منه، وكانوا ثلاث طوائف، فأراد أحد المقدمين أن يفوز بالظفر وحده دون أصحابه، فعبر فيمن معه إلى ناصر الدولة، وحمل عليه فقاتله، فظفر به ناصر الدولة، فأخذه أسيراً، وأكثر القتل في أصحابه، وعبر العسكر الثاني، ولم يشعروا بما جرى على أصحابهم، فحمل ناصر الدولة عليهم، ورفع رؤوس القتلى على الرماح، فوقع الرعب في قلوبهم، فانهزموا وقتل أكثرهم، وقويت نفس ناصر الدولة.
وعبر العسكر الثالث، فهزمه وأكثر القتل فيهم، وأسر مقدمهم، وعظم أمره، ونهب الريف فأقطعه، وقطع الميرة عن مصر براً وبحراً، فغلت الأسعار بها، وكثر الموت بالجوع، وامتدت أيدي الجند بالقاهرة إلى النهب والقتل، وعظم الوباء حتى إن أهل البيت الواحد كانوا يموتون كلهم في ليلة واحدة.
واشتد الغلاء، حتى حكي أن امرأة أكلت رغيفاً بألف دينار، فاستبعد ذلك، فقيل: إنها باعت عروضاً قيمتها ألف دينار بثلاثمائة دينار، واشترت بها حنطة، وحملها الحمال على ظهره، فنهبت الحنطة في الطريق، فنهبت هي مع الناس، فكان الذي حصل لها ما عملته رغيفاً واحداً.
وقطع ناصر الدولة الطريق براً وبحراً، فهلك العالم، ومات أكثر أصحاب المستنصر، وتفرق كثير منهم، فراسل الأتراك من القاهرة ناصر الدولة في الصلح، فاصطلحوا على أن يكون تاج الملوك شاذي نائباً عن ناصر الدولة بالقاهرة، يحمل المال إليه، ولا يبقى معه لأحد حكم.
فلما دخل تاج الملوك إلى القاهرة تغير عن القاعدة، واستبد بالأموال دون ناصر الدولة، ولم يرسل إليه منها شيئاً، فسار ناصر الدولة إلى الجيزة، واستدعى إليه شاذي وغيره من مقدمي الأتراك، فخرجوا إليه إلا أقلهم، فقبض عليهم كلهم، ونهب ناحيتي مصر، وأحرق كثيراً منهما، فسير إليه المستنصر عسكراً فكبسوه، فانهزم منهم ومضى هارباً، فجمع جمعاً، وعاد إليهم فقاتلهم فهزمهم، وقطع خطبة المستنصر بالإسكندرية ودمياط، وكانا معه، وكذلك جميع الريف، وأرسل إلى الخليفة ببغداد يطلب خلعاً ليخطب له بمصر.
واضمحل أمر المستنصر، وبطل ذكره، وتفرق الناس من القاهرة، وأرسل ناصر الدولة إليه أيضاً يطلب المال، فرآه الرسول جالساً على حصير، وليس حوله غير ثلاثة خدم، ولم ير الرسول شيئاً من آثار المملكة، فلما أدى الرسالة قال: أما يكفي ناصر الدولة أن أجلس في مثل هذا البيت على مثل هذا الحصير؟ فبكى الرسول، وعاد إلى ناصر الدولة فأخبره الخبر، فأجرى له كل يوم مائة دينار، وعاد إلى القاهرة، وحكم فيها، وأذل السلطان وأصحابه.
وكان الذي حمله على ذلك أنه كان يظهر التسنن من بين أهله، ويعيب المستنصر، وكان المغاربة كذلك فأعانوه على ما أراد، وقبض على أم المستنصر، وصادرها بخمسين ألف دينار، وتفرق عن المستنصر أولاده وكثير من أهله إلى الغرب، وغيره من البلاد، فمات كثير منهم جوعاً.
وانقضت سنة أربع وستين وما قبلها بالفتن. وانحط السعر سنة خمس وستين، ورخصت الأسعار، وبالغ ناصر الدولة في إهانة المستنصر، وفرق عنه عامة أصحابه، وكان يقول لأحدهم: إنني أريد أن أوليك عمل كذا، فيسير إليه، فلا يمكنه من العمل ويمنعه من العود، وكان غرضه بذلك أن يخطب للخليفة القائم بأمر الله، ولا يمكنه مع وجودهم، ففطن لفعله قائد كبير من الأتراك اسمه الدكز، وعلم أنه متى ما تم ما أراد تمكن منه ومن أصحابه، فأطلع على ذلك غيره من قواد الأتراك، فاتفقوا على قتل ناصر الدولة، وكان قد أمن لقوته، وعدم عدوه، فتواعدوا ليلة على ذلك، فلما كان سحر الليلة التي تواعدوا فيها على قتله جاؤوا إلى باب داره، وهي التي تعرف بمنازل العز، وهي على النيل، فدخلوا، من غير استئذان، إلى صحن داره، فخرج إليهم ناصر الدولة في رداء لأنه كان آمناً منهم، فلما دنا منهم ضربوه بالسيوف، فسبهم، وهرب منهم يريد الحرم، فلحقوه فضربوه حتى قتلوه، وأخذوا رأسه.
ومضى رجل منهم، يعرف بكوكب الدولة، إلى فخر العرب، أخي ناصر الدولة، وكان فخر العرب كثير الإحسان إليه، فقال للحاجب: استأذن لي على فخر العرب، وقل صنيعتك فلان على الباب، فاستأذن له، فأذن له وقال: لعله قد دهمه أمر. فلما دخل عليه أسرع نحوه كأنه يريد السلام عليه، وضربه بالسيف على كتفه، فسقط على الأرض، فقطع رأسه، وأخذ سيفه، وكان ذا قيمة وافرة، وأخذ جارية له أردفها خلفه، وتوجه إلى القاهرة، وقتل أخوهما تاج المعالي، وانقطع ذكر الحمدانية بمصر بالكلية.
فلما كان سنة ست وستين وأربعمائة ولي بمصر بدر الجمالي، أمير الجيوش، وقتل الدكز والوزير ابن كدينة، وجماعة من المسلحية، وتمكن من الدولة إلى أن مات، وولي بعده ابنه الأفضل، وسيرد ذكرهم إن شاء الله تعالى.
ذكر عدة حوادثفي هذه السنة أقيمت الدعوة العباسية بالبيت المقدس.
وفيها توفي الأمير ليث بن منصور صدقة بن الحسين بالدامغان، والشريف أبو الغنائم عبد الصمد بن علي بن محمد بن المأمون ببغداد، وكان موته في شوال، ومولده سنة أربع وسبعين وثلاثمائة، وكان عالي الإسناد في الحديث.
وفيها، في ذي الحجة، توفي الشريف أبو الحسين محمد بن علي بن عبد الله بن عبد الصمد بن المهتدي بالله، المعروف بابن الغريق، وكان يسمى راهب بني العباس، وهو آخر من حدث عن الدارقطني وابن شاهين وغيرهما، وكان موته ببغداد.
وفيها قتل ناصر الدولة أبو علي الحسين بن حمدان بمصر، قتله الدكز التركي، وقد تقدم شرحه مستوفى.
وفيها توفي الإمام أبو القاسم عبد الكريم بن هوزان القشيري، النيسابوري، مصنف الرسالة وغيرها، وكان إماماً، فقيهاً، أصولياً، مفسراً، كاتباً، ذا فضائل جمة، وكان له فرس قد أهدي إليه، فركبه نحو عشرين سنة، فلما مات الشيخ لم يأكل الفرس شيئاً فعاش أسبوعاً ومات.
وفيها أيضاً توفي علي بن الحسن بن علي بن الفضل أبو منصور، الكاتب المعروف بابن صر بعر، وكان نظام الملك قال له أنت ابن صر در، لا صر بعر، فبقي ذلك عليه، وهو من الشعراء المجيدين، وهجاه ابن البياضي فقال:
لئن نبز الناس قدماً أباك، ... فسموه من شعره صر بعرا
فإنك تنظم ما صره ... عقوقاً له، وتسميه شعرا
وهذا ظلم من ابن البياضي، إنه كان شاعراً محسناً، ومن شعر ابن صر در قوله:
تزاورن عن أذرعات يمينا، ... نواشز ليس يطقن البرينا
كلفن بنجد، كأن الرياض ... أخذن لنجد عليها يمينا
وأقسمن يحملن إلا نحيلا ... إليه، ويبلغن إلا حزينا
فلما استمعن زفير المشوق، ... ونوح الحمام، تركن الحنينا
إذا جئتما بانة الواديين، ... فأرخو النسوع، وحلوا الوضينا
فثم علائق من أجلهن، ... ملاء الدجى والضحى قد طوينا
وقد أنبأتهم مياه الجفون ... بأن بقلبك داء دفينا
ثم دخلت سنة ست وستين وأربعمائة
ذكر تقليد السلطان ملكشاه السلطنة
والخلع عليهفي هذه السنة، في صفر، ورد كوهرائين، إلى بغداد من عسكر السلطان، وجلس له الخليفة القائم بأمر الله، ووقف على رأسه ولي العهد المقتدي بأمر الله، وسلم الخليفة إلى كوهرائين عهد السلطان ملكشاه بالسلطنة، وقرأ الوزير أوله، وسلم إليه أيضاً لواء عقده الخليفة بيده، ولم يمنع يومئذ أحد من الدخول إلى دار الخلافة، فامتلأ صحن السلام بالعامة، حتى كان الإنسان تهمه نفسه ليتخلص، وهنأ الناس بعضهم بعضاً بالسلامة.
ذكر غرق بغدادفي هذه السنة غرق الجانب الشرقي وبعض الغربي من بغداد.
وسببه أن دجلة زادت زيادة عظيمة، وانفتح القورج عند المسناة المعزية، وجاء في الليل سيل عظيم، وطفح الماء من البرية مع ريح شديدة، وجاء الماء إلى المنازل من فوق، ونبع من البلاليع والآبار بالجانب الشرقي، وهلك خلق كثير تحت الهدم، وشدت الزواريق تحت التاج خوف الغرق.
وقام الخليفة يتضرع ويصلي، وعليه البردة، وبيده القضيب، وأتى ايتكين السليماني من عكبرا، فقال للوزير: إن الملاحين يؤذون الناس في المعابر فأحضرهم، وتهددهم بالقتل، وأمر بأخذ ما جرت به العادة.
وجكع الناس، وأقيمت الخطبة للجمعة في الطيار مرتين، وغرق من الجانب الغربي مقبرة أحمد، ومشهد باب التبن، وتهدم سوره، فأطلق شرف الدولة ألف دينار تصرف في عمارته، ودخل الماء من شبابيك البيمارستان العضدي.
ومن عجيب ما يحكى في هذا الغرق أن الناس، في العام الماضي، كانوا قد أنكروا كثرة المغنيات والخمور، فقطع بعضهم أوتار عود مغنية كانت عند جندي، فثار به الجندي الذي كانت عنده، فضربه، فاجتمعت العامة ومعهم كثير من الأئمة منهم أبو إسحاق الشيرازي، واستغاثوا بالخليفة، وطلبوا هدم المواخير والحانات وتبطيلها، فوعدهم أن يكاتب السلطان في ذلك، فسكنوا وتفرقوا.
ولازم كثير من الصالحين الدعاء بكشفه، فاتفق أن غرقت بغداد، ونال الخليفة والجند من ذلك أمر عظيم، وعمت مصيبته الناس كافة، فرأى الشريف أبو جعفر بن أبي موسى بعض الحجاب الذين يقولون: نحن نكاتب السلطان، ونسعى في تفريق الناس، ويقول: اسكنوا إلى أن يرد الجواب. فقال له أبو جعفر: قد كتبنا، وكتبتم، فجاء جوابنا قبل جوابكم، يعني أنهم شكوا ما حل بهم إلى الله تعالى، وقد أجابهم بالغرق، قبل ورود جواب السلطان.
ذكر ملك السلطان ملكشاه ترمذ
والهدنة بينه وبين صاحب سمرقندقد ذكرنا أن خاقان التكين صاحب سمرقند ملك ترمذ بعد قتل السلطان ألب أرسلان، فلما استقامت الأمور للسلطان ملكشاه سار إلى ترمذ وحصرها، وطم العسكر خندقها، ورماها بالمجانيق، فخاف من بها، فطلبوا الأمان فأمنهم، وخرجوا منها وسلموها.
وكان بها أخ لخاقان التكين، فأكرمه السلطان، وخلع عليه وأحسن إليه وأطلقه، وسلم قلعة ترمذ إلى الأمير ساوتكين، وأمره بعمارتها وتحصينها وعمارة سورها بالحجر المحكم، وحفر خندقها وتعميقه، ففعل ذلك.
وسار السلطان ملكشاه يريد سمرقند، ففارقها صاحبها، وأنفذ يطلب المصالحة، ويضرع إلى نظام الملك في إجابته إلى ذلك، ويعتذر من تعرضه إلى ترمذ، فأجيب إلى ذلك، واصطلحوا، وعاد ملكشاه عنه إلى خراسان، ثم منها إلى الري، وأقطع بلخ وطخارستان لأخيه شهاب الدين تكش.
ذكر عدة حوادثفيها توفي زعيم الدولة أبو الحسن بن عبد الرحيم بالنيل فجأة، وله سبعون سنة، وقد تقدم من أخباره ما فيه كفاية.
وفيها توفي إياز أخو السلطان ملكشاه، وكفي شره كما كفي شر عمه قاورت بك.
وفيها، في ربيع الأول، توفي القاضي أبو الحسين بن أبي جعفر السمناني حمو قاضي القضاة أبي عبد الله الدامغاني، وولي ابنه أبو الحسن ما كان إليه من القضاء بالعراق والموصل، وكان مولده سنة أربع وثمانين وثلاثمائة بسمنان، وكان هو وأبوه من المغالين في مذهب الأشعري، ولأبيه فيه تصانيف كثيرة، وهذا مما يستطرف أن يكون حنفي أشعرياً.
وفيها، في جمادى الآخرة، توفي عبد العزيز بن أحمد بن محمد بن علي أبو محمد الكتاني، الدمشقي، الحافظ، وكان مكثراً في الحديث، ثقة، وممن سمع منه الخطيب أبو بكر البغدادي.
ثم دخلت سنة سبع وستين وأربعمائة
ذكر وفاة القائم بأمر الله
وذكر بعض سيرتهفي هذه السنة، ليلة الخميس ثالث شعبان، توفي القائم بأمر الله أمير المؤمنين، رضي الله عنه، واسمه عبد الله أبو جعفر بن القادر بالله أبي العباس أحمد ابن الأمير إسحاق بن المقتدر بالله أبي الفضل جعفر بن المعتضد بالله أبي العباس أحمد.
وكان سبب موته أنه كان قد أصابه شرى، فافتصد، ونام منفرداً، فانفجر فصاده، وخرج منه دم كثير ولم يشعر، فاستيقظ وقد ضعف وسقطت قوته، فأيقن بالموت، فأحضر ولي العهد، ووصاه بوصايا، وأحضر النقيبين وقاضي القضاة وغيرهم مع الوزير ان جهير، وأشهدهم على نفسه أنه جعل ابن ابنه أبا القاسم عبد الله بن محمد بن القائم بأمر الله ولي عهده.
ولما توفي غسله الشريف أبو جعفر بن أبي موسى الهاشمي، وصلى عليه المقتدي بأمر الله.
وكان عمره ستاً وسبعين سنة وثلاثة أشهر وخمسة أيام، وخلافته أربعاً وأربعين سنة وثمانية أشهر وأياماً، وقيل كان مولده ثامن عشر ذي الحجة سنة إحدى وتسعين وثلاثمائة، وعلى هذا يكون عمره ستاً وسبعين سنة وتسعة أشهر وخمسة وعشرين يوماً.
وأمه أم ولد تسمى قطر الندى، أرمينية، وقيل رومية، أدركت خلافته، وقيل اسمها علم، وماتت في رجب سنة اثنتين وخمسين وأربعمائة.
وكان القائم جميلاً، مليح الوجه، أبيض، مشرباً حمرة، حسن الجسم، ورعاً، ديناً، زاهداً، عالماً، قوي اليقين بالله تعالى، كثير الصبر، وكان للقائم عناية بالأدب، ومعرفة حسنة بالكتابة، ولم يكن يرتضي أكثر ما يكتب من الديوان، فكان يصلح فيه أشياء، وكان مؤثراً للعدل والإنصاف يريد قضاء حوائج الناس، لا يرى المنع من شيء يطلب منه.
قال محمد بن علي بن عامر الوكيل: دخلت يوماً إلى المخزن، فلن يبق أحد إلا أعطاني قصة، فامتلأت أكمامي منها، فقلت في نفسي: لو كان الخليفة أخي لأعرض عن هذه كلها، فألقيتها في بركة، والقائم ينظر ولا أشعر، فلما دخلت إليه أمر الخدم بإخراج الرقاع من البركة، فأخرجت، ووقف عليها، ووقع فيها بأغراض أصحابها، ثم قال لي: يا عامي! ما حملك على هذا؟ فقلت: خوف الضجر منها، فقال: لا تعد إلى مثلها! فإنا ما أعطيناهم من أموالنا شيئاً، إنما نحن وكلاء.
ووزر للقائم أبو طالب محمد بن أيوب، وأبو الفتح بن دارست، ورئيس الرؤساء، وأبو نصر بن جهير، وكان قاضيه ابن ماكولا، وأبو عبد الله الدامغاني.
ذكر خلافة المقتدي بأمر اللهلما توفي القائم بأمر الله بويع المقتدي بأمر الله عبد الله بن محمد بن القائم بالخلافة، وحضر مؤيد الملك بن نظام الملك، والوزير فخر الدولة بن جهير وابنه عميد الدولة، والشيخ أبو إسحاق، وأبو نصر بن الصباغ، ونقيب النقباء طراد، والنقيب الطاهر المعمر بن محمد، وقاضي القضاة أبو عبد الله الدامغاني، وغيرهم من الأعيان والأماثل، فبايعوه.
وقيل: كان أول من بايعه الشريف أبو جعفر بن أبي موسى الهاشمي، فإنه لما فرغ من غسل القائم بايعه، وأنشده:
إذا سيد منا مضى قام سيد
ثم ارتج عليه، فقال المقتدي:
قؤول بما قال الكرام فعول
فلما فرغوا من البيعة صلى بهم العصر.
ولم يكن للقائم من أعقابه