الجمعة، 20 مايو 2022

مجلد 13 و14.كتاب : الكامل في التاريخ ابن الأثير


مجلد 13 و14.كتاب : الكامل في التاريخ ابن الأثير
------
ورقاء هو ورقاء بن زهير بن جذيمة العبسي، ضرب خالد بن جعفر ابن كلاب وخالد قد أكب على أبيه زهير وضربه بالسيف فصرعه، فأقبل ورقاء فضرب خالداً ضربات فلم يصنع شيئاً، فقال ورقاء بن زهير
رأيت زهيراً تحت كلكل خالدٍ ... فأقبلت أسعى كالعجول أبادر
فشلت يميني يوم أضرب خالداً ... ويمنعه مبني الحديد المظاهر
ذكر خلافة عمر بن عبد العزيزفي هذه السنة استخلف عمر بن عبد العزيز.
وسبب ذلك أن سليمان بن عبد الملك لما كان بدابق مرض، على ما وصفنا، فلما ثقل عهد في كتاب كتبه لبعض بنيه، وهو غلام لم يبلغ، فقال له رجاء بن حيوة: ما تصنع يا أمير المؤمنين؟ إنه مما يحفظ الخليفة في قبره أن يستخلف على الناس الرجل الصالح. فقال سليمان: أنا أستخير الله وأنظر. ولم أعزم؛ فمكث سليمان يوماً أو يومين ثم خرقه ودعا رجاء فقال: ما ترى في ولدي دواد؟ قال الرجاء: رأيك. قال: فكيف ترى في عمر بن العزيز؟ قال رجاء: فقلت: أعلمه والله خيراً فاضلاً سليماً. قال سليمان: هو على ذلك ولئن وليته ولم أول أحداً سواه لتكونن فتنة ولا يتركونه أبداً يلي عليهم إلا أن يجعل أحدهم بعده، وكان عبد الملك قد عهد إلى الوليد وسليمان أن يجعلا أخاهما يزيد ولي عهد، فأمر سليمان أن يجعل يزيد بن عبد الملك بعد عمر، وكان يزيد غائباً في الموسم. قال رجاء: قلت رأيك. فتكب: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب من عبد الله سليمان أمير المؤمنين لعمر بن عبد العزيز، إني قد وليتك الخلافة بعدي ومن بعدك يزيد بن عبد الملك، فاسمعوا له وأطيعوا واتقوا الله ولا تختلفوا فيطمع فيكم. وختم الكتاب. وأرسل إلى كعب بن جابر العبسي صاحب شرطته فقال: ادع أهل بيتي. فجمعهم كعب. ثم قال سليمان لرجاء بعد اجتماعهم: اذهب بكتابي إليهم و أخبرهم بكتابي ومرهم فيبايعوا من وليت فيه.
ففعل رجاء، فقالوا: ندخل ونسلم على أمير المؤمنين؟ قال: نعم. فدخلوا، فقال لهم سليمان: في هذا الكتاب، وهو يشير إلى الكتاب الذي في يد رجاء بن حيوة، عهدي فاسمعوا وأطيعوا لمن سيمت فيه. فبايعوه رجلاً رجلاً وتفرقوا.
وقال رجاء: فأتاني عمر بن عبد العزيز فقال: أخشى أن يكون هذا أسند إلي شيئاً من هذا الأمر، فأنشدك الله وحرمتي ومودتي إلا أعلمتني إن كان ذلك حتى أستعفيه الآن قبل أن تأتي حال لا أقدر فيها على ذلك. قال رجاء: ما أنا بمخيبرك حرفاً قال: فذهب عمر عني غضبان.
قال رجاء: ولقيني هشام بن عبد الملك فقال: إن لي بك حرمةً وموده قديمة وعندي شكر فأعلمني بهذا الأمر، فإن كان إلى غيري تكلمت والله علي أن لا أذكر شيئاً من ذلك أبداً. قال رجاء: فأبيت أن أخبره حرفاً، فانصرف هشام وهو يضرب بإحدى يديه على الأخرى وهو يقول: فإلى من إذاً نحيت عني؟ أتخرج من بني عبد الملك؟ قال رجاء: ودخلت على سليمان فإذا هو يموت، فجعلت إذا أخذته سكرة من سكرات الموت حرفته إلى القبلة فيقول حين يفيق: لم يأن بعد. ففعلت ذلك مرتين أو ثلاثاً، فلما كانت الثالثة قال: من الآن يا رجاء إن كنت تريد شيئاً، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله، فحرفته، فمات، فلما غمضته وسجيته وأغلقت الباب أرسلت إلي زوجته فقالت: كيف أصبح؟ فقلت: هو نائم قد تغطى. ونظر إليه الرسول متغطياً فرجع فأخبرها، فظنت أنه نائم، قال: فأجلست على الباب من أثق به وأوصيته أن لا يبرح ولا يترك أحداً يدخل على الخليفة.
قال: فخرجت فأرسلت إلى كعب بن جابر فجمع أهل بيت سليمان، فاجتمعوا في مسجد دابق، فقلت: بايعوا. فقالوا قد بايعنا مرة. قلت: وأخرى، هذا عهد أمير المؤمنين. فبايعوا الثانية، فلما بايعوا بعد موته رأيت أني قد أحكمت الأمر فقلت: قوموا إلى صاحبكم فقد مات. قالوا: إنا لله وإنا إليه راجعون! وقرأت الكتاب، فلما انتهيت إلى ذكر عمر بن عبد العزيز قال هشام: لا نبايعه والله أبداً. قلت: أضرب واله عنقك، قم فبايع، فقام يجر رجليه. قال رجاء: فأخذت بضبعي عمر بن عبد العزيز فأجلسته على المنبر وهو يسترجع لما وقع فيه، وهشام يسترجع لما أخطأه. فبايعوه.
وغسل سليمان وكفن وصلى عليه عمر بن عبد العزيز ودفن. فلما دفن أتي عمر بمراكب الخلافة ولكل دابة سائس، فقال: ماهذا؟ فقيل: مراكب الخلافة. قال: دابتي أوفق لي، وركب دابته وصرفت تلك الدواب، ثم أقبل سائراً، فقيل له: أمنزل الخلافة؟ فقال: فيه عيال أبي أيوب، يعني سليمان، وفي فسطاطي كفاية حتى يتحولوا. فأقام في منزله حتى فرغوه.
قال رجاء: فأعجبني ما صنع في الدواب ومنزل سليمان، ثم دعا كاتباً فأملى عليه كتاباً واحداً وأمره أن ينسخه ويسيره إلى كل بلد.
وبلغ عبد العزيز بن الوليد، وكان غائباً، عن موت سليمان، ولم يعلم ببيعة عمر، فعقد لواء ودعا إلى نفسه، فبلغه بيعة عمر بعهد سليمان وأقبل حتى دخل عليه، فقال له عمر: بلغني أنك بايعت من قبلك وأردت دخول دمشق! فقال: قد كان ذاك وذلك أنه بلغني أن سليمان لم يكن عهد لأحد فخفت على الأموال أن تنهب. فقال عمر: لو بايعت وقمت بالأمر لم أنازعك فيه ولقعدت في بيتي. فقال عبد العزيز: ما أحب أنه ولي هذا الأمر غيرك، وبايعه، وكان يرجى لسليمان بتوليته عمر بن عبد العزيز وترك ولده.
فلما استقرت البيعة لعمر بن عبد العزيز قال لأمرأته فاطمة بنت عبد الملك: أن أردت صحبتي فردي ما معك من مال وحلى وجوهر إلى بيت مال المسلمين فإنه لهم، فإني لا أجتمع أنا وأنت وهو في بيت واحد. فرددته جميعه.
فلما توفي عمر وولي أخوها يزيد رده عليها وقال: أنا أعلم أن عمر ظلمك. قالت: كلا والله. وامتنعت من أخذه وقالت: ما كنت أطيعه حياً وأعصيه ميتاً. فأخذه يزيد وفرقه على أهله.
ذكر ترك سب أمير المؤمنين علي عليه السلامكان بنو أمية يسبون أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، عليه السلام، إلى أن ولي عمر بن عبد العزيز الخلافة، فترك ذلك وكتب إلى العمال في الآفاق بتركه.
وكان سبب محبته علياً أنه قال: كنت بالمدينة أتعلم العلم وكنت ألزم عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، فبلغه عني شيء من ذلك، فأتيته يوماً وهو يصلي، فأطال الصلاة، فقدت أنتظر فراغه، فلما فرغ من صلاته التفت إلي فقال لي:متى عملمت أن الله غضب على أهل بدر وبيعة الرضوان بعد أن رضي عنهم؟ قلت: لم أسمع ذلك. قال: فما الذي بلغني عنك في علي؟ فقلت: معذرة إلى الله وإليك! وتركت ما كنت عليه، وكان أبي إذا خطب فنال من علي، رضي الله عنه، تلجلج فقلت: يا أله إنك تمضي في خطبتك فإذا أتيت على ذكر علي عرفت منك تقصيراً؟ قال: أوفطنت لذلك؟ قلت: نعم. فقال: يا بني إن الذين حولنا لو يعلمون من علي ما نعلم تفروا عنا إلى أولاده.
فلما ولي الخلافة لم يكن عنده من الرغبة في الدينا ما يرتكب هذا الأمر العظيم لأجلها، فترك ذلك وكتب بتركه وقرأ عوضه: " إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى " النحل:90 الآية؛ فحل هذا الفعل عند الناس محلا حسناً وأكثروا مدحه بسببه؛ فمن ذلك قوله كثير عزة:
وليت فلم تشتم علياً ولن تخف ... برياً ولم تتبع مقالة مجرم
تكلمت بالحق المبين وإنما ... تبين آيات الهدى بالتكلم
وصدقت معروف الذي قلت بالذي ... فعلت فأضحى راضياً كل مسلم
ألا إنما يكفي الفتى بعد زيغه ... من الأود البادي ثقاف المقوم
فقال عمر حين أنشده هذا الشعر: أفلحنا إذاً.
ذكر عدة حوادثوفي هذه السنة وجه عمر بن عبد العزيز إلى مسلمة، وهو بأرض الروم، يأمره بالقفول منها بمن معه من المسلمين، ووجه له خيلاً عتاقاً وطعاماً كثيراً، وحث الناس على معونتهم. وفيها أغارت الترك على أذربيجان فقتلوا من المسلمين جماعة، فوجه عمر حاتم بن النعمان الباهلي فقتل أولئك الترك ولم يفلت منهم إلا اليسير، وقدم على عمر منهم بخمسن أسيراً. وفيها عزل يزيد بن المهلب عن العراق ووجه إلى البصرة عدي بن أرطاة الفزاري وعلى الكوفة عبد الحميد ابن عبد الرحمن بن زبد بن الخطاب العدوي القرشي، وضم إليه أبا الزناد، وكان كاتبه، وبعث عدي في أثر يزيد بن المهلب موسى بن الوجيه الحميري.
وحج بالناس هذه السنة أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حازم، وكان عامل عمر على المدينة. وكان العامل على مكة عبد العزيز بن عبد الله بن خالد. وعلى الكوفة عبد الحميد بن عبد الرحمن، وعلى القضاء بها عامر الشعبي. وكان على البصرة عدي بن أرطاة، وعلى القضاء الحسن بن فعزله عدي واستقضى أياساً.
واستعمل عمر بن عبد العزيز على خراسان الجراح بن عبد الله الحمي.
في هذه السنة مات نافع بن جبير بن مطعم بن عدي بالمدينة. ومود ابن الربيع ولد على عهد رسول الله، مطلوب وأبو ظبيان بن حصين بن جندب الجنبي والد قابوس؛ ظبيان بالظاء المعجمة. وفيها توفي أو هاشم عبد الله بن محمد بن علي بن أبي طالب من سم سقيه عند عوده من الشام، وضع عليه سليمان بن عبد الملك من سقاه، فلما أحس بذلك عاد إلى محمد بن علي بن عبد الله بن عباس وهو بالحميمة فعرفه حاله وأعلمه أن الخلافة صائرة إلى ولده وأعلمه أن الخلافة صائرة إلى ولده وأعلمه كيف يصنع، ثم مات عنده. وفي أيام سليمان توفي عبيد الله بن شريح المغني المشهول. وعبد الرحمن بن كعب بن مالك أبو الخطاب.
ثم دخلت سنة مائة
ذكر خروج شوذب الخارجيفي هذه السنة خرج شوذب، واسمه بسطام، من بني يشكر، في جوخى، وكان في ثمانين رجلاً، فكتب عمر بن عبد العزيز إلى عبد الحميد عاملة بالكوفة أن لا يحركهم حتى سفكوا دماء وفسدوا في الأرض، فإن فعلوا وجه إليهم رجلاً صليباً حازماً في جند.
فبعث عبد الحميد محمد بن جرير بن عبد الله البجلي في ألفين وأمره بما كتب به عمر، وكتب عمر إلى بسطام يسأله عن مخرجه، فقدم كتاب عمر عليه وقد وقدم عليه محمد بن جرير، فقام بإزائه لا يترحك.
فكان في كتاب عمر: بلغني أنك خرجت غضباً لله ولرسوله ولست أولى بذلك مني، فهلم إلي أناظرك، فإن كان الحق بأيدينا دخلت فيما دخل الناس، وإن كان في يدك نظرنا في أمرك.
فكتب بسطام إلى عمر: قد أنصفت وقد بعثت إليك رجلين يدارسانك ويناظرنك.
وأرسل إلى عمر مولى لبني شيبان حبشياً اسمه عاصم، ورجلاً من بني يشكر، فقدما على عمر بخناصرة فدخلا إليه، فقال لهما: ما أخرجكما هذا المخرج وما الذي نقمتم؟ فقال عاصم: ما نقمنا سيرتك، إنك لتتحرى العدل والإحسان، فاخبرنا عن قيامك بهذا الأمر أعن رضىً من الناس ومشورة أم ابتززتم أمرهم؟ فقال عمر: ما سألتهم الولاية عليهم ولا غلبتهم عليها، وعهد إلي رجل كان قبلي فقمت ولم ينكره على أحد ولم يكرهه غيركم، وأنتم ترون الرضا بكل من عدل وأنصف من كان من الناس، فاتركوني ذلك الرجل، فإن خالفت الحق ورغبت عنه فلا طاعة لي عليكم.
قالا: بيننا وبينك أمر واحد قال: ما هو. قالا: رأيناك خالفت أعمال أهل بيتك وسميتها مظالم، فإن كنت على هدىً وهم على الضلالة فالعنهم وابرأ منهم. فقال عمر: قد علمت أنكم لم تخرجوا طلباً للدنيا ولكنكم أردتم الآخرة فأخطأتم طريقها، وإن الله، عز وجل، لم يبعث رسول صلى الله عليه وسلم ، لعاناً، وقال إبراهيم " فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم " إبراهيم:36. وقال الله، عز وجل: " أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده " الأنعام:90. وقد سميت أعمالهم ظلماً، وكفى بذلك ذماً ونقصاً، وليس لعن أهل الذنوب فريضة لا بد منها، فإن قلتم إنها فريضة فأخبرني متى لعنت فرعون؟ قال: ما أذكر متى لعنته.
قال: أفيسعك أن لا تلعن فرعون وهو أخبث الخلق وشرهم ولا يسعني أن لا ألعن أهل بيتي وهم مصلون صائمون! قال: أما هم كفار بظلمهم؟ قال: لا لأن رسول الله، صلى الله عليه وسلم ، دعا الناس إلى الإيمان، فكان من أقر به وبشرائعه قبل منه، فإن أحدث حدثاً أقيم عليه الحد.
فقال الخارجي: إن رسول الله، " صلى الله عليه وسلم " ، دعا الناس إلى توحيد الله والإقرار بما نزل من عنده. قال عمر: فليس أحد منهم يقول لا أعمل بسنة رسول الله، ولكن القوم أسرفوا على أنفسهم على علم منهم أنه محرم عليهم، ولكن غلب عليهم الشقاء. قال عاصم: فابرأ مما خالف عملك ورد أحكامهم. قال عمر: أخبراني عن أبي بكر وعمر أليسا على حق؟ قالا: بلى. قال: أتعلمان أن أبا بكر حين قاتل أهل الردة سفك دماءهم وسبى الذراري وأخذ الأموال؟ قالا: بلى. قال: أتعلمان أن عمر رد السبايا بعده إلى عشائرهم بفدية؟ قالا: نعم. قال: فهل برئ عمر من أبي بكر؟ قالا:لا. قال: أفتراون أنتم من واحد منهما؟ قالا: لا. قال: فأخبراني عن أهل النهروان وهم أسلافكم هل تعلمان أن أهل الكوفة خرجوا فلم يسفكوا دماً ولم يأخذوا مالاً وأن من خرج إليهم من أهل البصرة قتلوا عبد الله بن خباب وجاريته وهي حامل؟ قالا: نعم. قال: فهل برئ من لم يقتل ممن قتل واستعرض؟ قالا: لا. قال: أفتبرأون أنتم من أحد من الطائفتين؟ قالا: لا. قال: أفيسعكم أن تتلوا أبابكر وعمر وأهل البصرة وأهل الكوفة وقد علمتم اختلاف أهمالهم ولا يسعني إلا البراءة من أهل بيتي والدين واحد! فاتقوا الله! فإنكم جهال تقبلون من الناس ما رد عليهم رسول الله، صلى الله عليه وسلم ، وتردون عليهم ما قبل، ويأمن عندكم من خاف عنده، ويخاف عندكم من أمن عنده، فإنكم يخاف عندكم من يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، وكان من فعل ذلك عند رسول الله آمنا وحقن دمه وماله، وأنتم تقتلونه، ويامن عندكم سائر أهل الأديان فتحرمون دماءهم وأموالهم.
قال اليشكري: أرأيت رجلاً ولي قوماً وأموالهم فعدل فيها ثم صيرها بعده إلى رجل غير مأمون، أتراه أدى الحق الذي يلزمه لله، عز وجل، أو تراه قد سلم؟ قال: لا. قال: أفتسلم هذا الأمر إلى يزيد من بعدك وأنت تعرف أنه لا يقوم فيه بالحق؟ قال: إنما ولاه غيري والمسلمون أولى بما يكون منهم فيه بعدي. قال: أفترى ذلك من صنع من ولاه حقاً؟ فبكى عرم وقال: أنظراني ثلاثاً.
فخرجا من عنده ثم عاد إليه فقال عاصم: أشهد أنك على حق. فقال عمر لليسكري: ما تقول أنت؟ قال: ما أحسن ما وصفت ولكني لا أفتات على المسلمين بأمر، أعرض عليهم ما قلت وأعلم ما حجتهم.
فأما عاصم فأقام عند عمر، فأمر له عمر بالعطاء، فتوفي بعد خمسة عشر يوماً. فكان عم بن عبد العزيز يقول: أهلكني أمر يزيد وخصمت فيه، فأستغفر الله.
فخاف بنو أمية أن يخرج ما بأيديهم من الأموال وأن يخلع يزيد ولاية العهد، فوضعوا على عمر من سقاه سماً، فلم يلبث بعد ذلك إلا ثلاثاً حتى مرض ومات، ومحمد بن جرير مقابل الخوارج لا يتعرض إليهم ولا يتعرضون إليه، كل منهم ينتظر عود الرسل من عند عمر بن عبد العزيز، فتوفي والأمر على ذلك.
ذكر القبض على يزيد بن المهلب
واستعمال الجراح على خراسانقيل: وفي هذه السنة كتب عمر بن عبد العزيز إلى عدي بن أرطأة يأمره بإنفاذ يزيد بن المهلب إليه موثقاً، وكان عمر قد كتب إليه أن يستخلف على عمله ويقبل إليه، فاستخلف مخلداً ابنه وقدم من خراسان ونزل واسطاً، ثم ركب السفن يريد البصرة، فبعث عدي بن أرطاة موسى بن الوجيه الحميري، فلحقه في نهر معقل عند الجسر، فأوثقه وبعث به إلى عمر بن عبد العزيز، فدعا به عمر، وكان يبغض يزيد وأهل بيته، ويقول: هؤلاء جبابرة ولا أحب مثلهم. وكان يزيد ببغض عمر ويقول: إنه مراءٍ، لما ولي عمر عرف يزيد أنه بعيد من الرياء، وملا دعا عمر يزيد سأله عن الأموال التي كتب بها إلى سليمان، فقال: كنت من سليمان بالمكان الذي قد رأيت، وإنما كتبت إلى سليمان لأسمع الناس به، وقد علمت أن سليمان لم يكن ليأخذني به. فقال له: لا أجد في أمرك إلا حبسك، فاتق الله وأد ما قبلك فإنها حقوق المسلمين ولا يسعني تركها.
وحبسه بحصن حلب، وبعث الجراح بن عبد الله الحكمي فسرحه إلى خراسان أميراً عليها، وأقبل مخلد بن يزيد من خراسان يعطي الناس، ففرق أموالاً عظيمة، ثم قدم على عمر فقال له: يا أمير المؤمنين إن الله صنع لهذه الأمة بولايتك وقد ابتلينا بك، فلا نكن نحن أشقى الناس بولايتك، علام تحبس هذا السيخ؟ أنا أتحمل ما عليه فصالحنني على ما تسأل. فقال عمر فقال له: يا أمير المؤمنين إن الله صنع لهذه الأمة بولايتك وقد ابتلينا بك، فلا نكن نحن أشقى الناس بولايتك، علام تحبس هذا الشيخ؟ أنا أتحمل ما عليه فصالحني على ما تسأل. فقال عمر: لا ألا أن يحمل الجميع. فقال: يا أمير المؤمنين إن كانت لك بينة فخذ بها وإلا فصدق مقالة يزيد واستحلفه فإن لم يفعل فصالحه. فقال عمر: ما آخذه إلا بجميع المال. فخرج مخلد من عنده، فقال عمر: هذا خير من أبيه. ثم لم يلبث مخلد إلا قليلاً حتى مات، فصلى عليه عمر بن عبد العزيزي، فقال: اليوم مات فتى العرب؛ وأنشد:
بكوا حذيفة لم يبكوا مثله ... حتى تبيد خلائق لم تخلق
فلما أبى يزيد أن يؤدي إلى عمر شيئاً ألبسه جبة صوف وحمله على جمل وقال: سيروا به إلى دهلك. فلما خرج ومروا به على الناس أخذ يقول: أما لي عشيرة؟ إنما يذهب إلى دهلك الفاسق واللص. فدخل سلامة بن نعيم الخولاني على عمر فقال: يا أمير المؤمنين اردد يزيد إلى محبسه فإني أخاف إن أمضيته أن ينزعه قومه، فإنهم قد عصبوا له. فرده إلى محبسه، فبقى فيه حتى بلغه مرض عمر.
ذكر عزل الجراح
واستعمال عبد الرحمن بن نعيم القشيري وعبد الرحمن بن عبد اللهوقيل: في هذه السنة عزل عمر الجراح بن عبد الله الحكمي عن خراسان واستعمل عليها عبد الرحمن بن نعيم القشيري، وكان عزل الجراح في رمضان.
وكان سبب ذلك أن يزيد لما عزل عن خراسان أرسل عامل العاق عاملاً على جرجان، فأخذ جهم بن زحر الجعفي، وكان على جرجان عاملاً ليزيد بن المهلب، فحبسه وقيده وحبس رهطاً قدموا معه، ثم خرج إلى الجراح بخراسان، فأطلق أهل جرجان عاملهم، وقال الجراح لجهم: لولا أنك ابن عمي لم أوسغك هذا فقال جهم: لولا أنك ابن عمي لم آتك.
وكان جهم سلف الجراح من قبل ابنتي الحصين بن الحارث، وأما كونه ابن عمه فلأن الحكم والجعفي ابنا سعد القشيري.
فقال له الجراح: خالفت إمامك فاغز لعلك تظفر فيصلح أمرك عنده. فوجهه إلى الختل فغنم منهم ورجع، وأوفد الجراح إلى عمر وفداً رجلين من العرب ورجلاً من الموالي يكنى أبا الصيد، فتكلم العربيان والمولى ساكت، فقال عمر: ما أنت من الوفد؟ قال: بلى . قال: فما يمنعك من الكلام؟ فقال: يا أمير المؤمنين عشرون ألفاً من الموالي يغزون بلا عطاء ولا رزق، ومثلهم قد اسلموا من الذمة يؤخذون بالخراج، فأميرنا عصبي جافٍ يقوم على منبرنا فيقول: أتيتكم حفياً، وأنا اليوم عصبي، والله لرجل من قومي أحب إلي من مائة من غيرهم. وهو بعد سيف من سيوف الحجاج، قد عمل بالظلم والعدوان. قال عمر: إذن بمثلك يوفد.
فكتب عمر إلى الجراح: انظر من صلى قبلك إلى القبلة فضع عنه الجزية. فسارع الناس إلى الإسلام، فقيل للجراح: إن الناس قد سارعوا إلى الإسلام نفوراً من الجزية فامتحنهم بالحنان. فكتب الجراح بذلك إلى عمر، فكتب عمر إليه: إن الله بعث محمداً، صلى الله عليه وسلم ، داعياً ولم يبعثه خاتناً، وقال: إيتوني رجلاً صدوقاً أسأله عن خراسان. فقيل له: عليك بأبي مجلز. فكتب إلى الجراح : أن أقبل واحمل أبا مجلز وخلف على حرب خراسان عبد الرحمن بن نعيم العامري. فخطب الجراح وقال: يا أهل خراسان جئتكم في ثيابي هذه التي علي وعلى فرسي لم أصب من مالكم إلا حلية سيفي. ولم يكن عنده إلا فرس وبغلة. فسار عنهم، فلما قدم على عمر قال: متى خرجت؟ قال: في شهر رمضان. قال: صدق من وصفك بالجفاء، هلا أقمت حتى تفطر ثم تخرج!
وكان الجراح كتب إلى عمر: إني قدمت خراسان فوجدت قوماً قد أبطرتهم الفتنة، فأحب الأمور إليهم أن يعودوا ليمنعوا حق الله عليهم، فليس يكفهم إلا السيف والسوط، فكرهت الإقدام على ذلك إلا بإذنك. فكتب إليه عمر: يا ابن أم الجراح، أنت أحرص على الفتنة منهم، لا تضربن مؤمناً ولا معاهداً سوطاً إلا في الحق، واحذر القصاص، فإنك صائر إلى من يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، وتقرأ كتاباً: " لا يغادر صغيرةً ولا كبيرةً إلا أحصاها " .
فلما قدم الجراح على عمر وقدم أبو مجلز قال له عمر: اخبرني عن عبد الرحمن بن عبد الله، قال: يكافي الأكفاء ويعادي الأعداء، وهو أمير يفعل ما يشاء، ويقدم إن وجد من يساعده. قال: فعبد الرحمن بن نعيم؟ قال: يحب العافية والتأني وهو أحب إلي. فولاه الصلاة والحرب، وولى عبد الرحمن القشيري الخراج، وكتب إلى أهل خراسان: إني استعملت عبد الرحمن على حربكم، وعبد الرحمن بن عبد الله على خراجكم، وكتب إليهما يأمرهما بالمعروف والإحسان.
فلم يزل عبد الرحمن بن نعيم على خراسان حتى مات عمر وبعد ذلك حتى قتل يزيد بن المهلب، ووجه مسلمة بن عبد العزيز الحارث بن الحكم فكانت ولايته أكثر من سنة ونصف
ذكر ابتداء الدعوة العباسيةفي هذه السنة وجه محمد بن علي بن عبد الله بن عباس الدعاة في الآفاق.
وكان سبب ذلك أم محمداً كان ينزل أرض الشراة من أعمال البلقاء بالشام، فسار أبو هاشم عبد الله بن محمد بن الحنفية إلى الشام إلى سليمان بن عبد الملك، فاجتمع به محمد بن علي فأحسن صحبته، واجتمع أو هاشم بسليمان وأكرمه وقضى حوائجه، ورأى من علمه وفصاحته ما حسده عليه وخافه، فوضع عليه من وقف على طريقه فسمه في لبن.
فلما مات أو هاشم قصدوا محمداً وبايعوه وعادوا فدعوا الناس إليه، فأجابوهم، وكان الذين سيرهم إلى الآفاق جماعةً، فوجه ميسرة إلى العراق، ووجه محمد بن خنيس وأبا عكرمة السراج، وهو أبو محمد الصادق، وحيان العطار، خال إبراهيم بن سلمة، إلى خراسان، وعليها الجراح الحكمي، وأمرهم بالدجعاء إليه وإلى أهل بيته. فلقوا من لقوا. ثم انصرفوا بكتب من استجاب لهم إلى محمد بن علي، فدفعوها إلى ميسرة، فبعث بها ميسرة إلى محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، فاختار أبو محمد الصادق لمحمد بن علي ا ثني عشر رجلاً نقباء، منهم: سليمان بن كثير الخزاعي، ولاهز بن قريظ التميمي، وقحطبة بن شبيب الطائي، وموسى بن كعب التميمي، وخالد بن إبراهيم أبو داود من بني شيبان بن ذهل، والقاسم بن مجاشع التميم، وعمران بن إسماعيل أبو النجم مولى آل أبي معيط، ومالك بن الهيثم الخزاعي، وطلحة بن زريق الخزاعي، وعمر بن أعين أبو حمزة مولى خزاعة، وشبل بن طهمان أبو علي الهروي مولى لبني حنيفة، وعيسى بن أعين مولى خزاعة، واختار سبعين رجلاً، وكتب إليهم محمد بن علي كتاباً ليكون لهم مثالاً وسيرة يسرون بها.
الحميمة بضم الحاء المهملة. والشراة بالشين المعجمة.
ذكر عدة حوادثفي هذه السنة أمر عمر بن عبد العزيز أهل طرندة بالقفول عنها إلى ملطية، وطرندة وأغلة في البلاد الرومية من ملطية بثلاث مراحل، وكان عبد الله ابن عبد الملك قد أسكنها المسلمين بعد أن غزاها سنة ثلاث وثمانين، وملطية يومئذ خراب، وكان يأتيهم جند من الجزيرة يقيمون عندهم إلى أن ينزل الثلج ويعودون إلى بلادهم، فلم يزالوا كذلك إلى أن ولي عمر فأمرهم بالعود إلى ملطية وأخلى طرندة خوفاً على المسلمين من العدو وأخرب طرندة، واستعمل على ملطية جعونة بن الحارث أحد بني عامر بن صعصعة.
وفيها كتب عمر بن عبد العزيز إلى ملوك السند يدعوهم إلى الإسلام على أن يملكهم بلادهم ولهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين، وقد كانت سيرته بلغتهم، فأسلم جيشه بن ذاهر، والملوك تسموا له بأسماء العب، وكان عمر قد استعمل على ذلك الثغر عمرو بن مسلم أخا قتيبة بن مسلم، فعزا بعض الهند، فظفر وبقي ملوك السن مسلمين على بلادهم أيام عمر ويزيد ابن عبد الملك، فلما كان أيام هشام ارتدوا عن الإسلام، وكان سببه ما نذكره إن شاء الله تعالى.
وفيها أغزى عمر بن عبد العزيز الوليد بن هشام المعيطي وعمرو بن قيس الكندي الصائفة.
وفيها استعمل عمر بن عبد العزيز عمر بن هبيرة الفزاري على الجزيرة عاملاً عليها.
وحج بالناس هذه السنة أبو بكر بن محمد بن عمرو. وكان العمال من تقدم ذكرهم إلا عامل خراسان. وكان على حربها عبد الرحمن ابن نعيم، وعلى خراجها عبد الرحمن بن عبد الله آخرها.
وفيها استعمل عمر بن عبد العزيز إسماعيل بن عبد الله مولى بني مخزوم على إفريقية، واستعمل السمح بن مالك الخولاني على الأندلس، وكان قد رأى منه أمانةً وديانةً عند الوليد بن عبد الملك فاستعمله.
في هذه السنة مات أبوالطفيل عامر بن واثلة بمكة، وهو آخر من مات من الصحابة. وفيها مات شهر بن حوشب، وقيل سنة اثنتي عشرة ومائة. وفيها توفي القاسم بن مخيمرة الهمداني. وفيها توفي مسلم بن يسار الفقيه، وقيل: سنة إحدى ومائة. وفيها توف أبو أمام أسعد بن سهل بن حنيف، وكان ولد على عهد النبي، صلى الله عليه وسلم ، فسماه وكناه بجده لأمه أبي أمام أسعد بن زراه، كان قد مات قبل بدر. وفيها توفي بسر بن سعد مولى الحضرميين؛ " لسر بضم الباء الموحدة، وبالسين المهملة. وعيسى بن طلح بن عبد الله التيمي. ومحمد بن جبير بن مطعم. وربيعي بن حراس الكوفي؛ جراش بكسر الحاء المهلمة، وبالراء المهملة، وقيل سنة أربع ومائة. وحنش بن عبد الله الصنعاني، كان من أصحاب علي، فلما قتل انتقل إلى مصر، وهو أول من اختط جامع سرقسطة بالأندلس؛ حنش بالحاء المهملة والنون المفتوحتين، والشين المعجمة.
ثم دخلت سنة إحدى ومائة
ذكر هر ابن المهلبقد ذكرنا حبس يزيد بن المهلب، فلم يزل محبوساً حتى اشتد مرض عمر بن العزيز، فعمل في الهرب، فخاف يزيد بن عبد الملك لأنه قد عذب أصهاره آل أبي عقيل، وكانت أم الحجاج بنت محمد بن يوسف، وهي ابنة أخي الحجاج، زوجة يزيد بن عبد الملك.
وكان سبب تعذيبهم أن سليمان بن عبد الملك لما ولي الخلافة طلب آل أبي عقيل فأخذهم وسلمهم إلى يزيد بن المهلب ليخلص أموالهم، فعذبهم وبعث ابن المهلب إلى البلقاء من أعمال دمشق، وبها خزائن الحجاج بن يوسف وعياله، فنقلهم وما معهم إليه، وكان فيمن أتي به أم الحجاج زوجة يزيد ابن عبد الملك، وقيل: بل أخت لها، فعذبها، فأتى يزيد عبد الملك إلى ابن المهلب في منزله فشفع فيها، فلم يشفعه، فقال: الذي قررتم عليها أنا أحمله، فلم يقبل منه، فقال لابن المهلب: أما والله لئن وليت من الأمر شيئاً لأقطعن منك عضوا! فقال ابن المهلب: وأنا والله لئن كان ذلك لأرمينك بمائة ألف سيف. فحمل يزيد بن عبد الملك ما كان عليها، وكان مائة ألف دينار، وقيل أكثر من ذلك.
فلما اشتد مرض عمر بن عبد العزيز خاف ابن المهلب من يزيد بن عبد الملك، فأرسل إلى مواليه، فأعدوا له إبلاً وخيلاً وواعدهم مكاناً يأتيهم فيه، فأرسل إلى عامل حلب مالاً وإلى الحرس الذين يحفظونه وقال: إن أمير المؤمنين قد ثقل وليس برجاء، وإن ولي يزيد يسفك دمي.
فأخبره، فهرب إلى المكان الذي أعد أصحابه فيه، فركب الدواب وقصد البصرة، وكتب إلى عمر بن عبد العزيز كتاباً يقول: إني لو وثقت بحياتك لم أخرج من محبسك، ولكني خفت أن يلي يزيد فيقتلني شر قتلة. فورد كتاب وبه رمق، فقال: الهم إن كان يري بالمسلمين سوءاً فألحقه به وهضه فقد هاضني.
ومر يزيد في طريقه بالهذيل بن زفر بن الحارث، وكان يخافه، فلم يشعر الهذيل إلا وقد دخل يزيد منزله ودعا بلبن فشربه، فاستحيا منه الهذيل وعرض عليه خيله وغيرها، فلم يأخذ منه شيئاً.
وقيل في سبب خوف ابن المهلب من يزيد بن عبد الملك ما يأتي ذكره إن شاء الله تعالى.
ذكر وفاة عمر بن عبد العزيزقيل: توفي عمر بن عبد العزيز في رجب سنة إحدى ومائة، وكانت شكواه عشرين يوماً، ولما مرض قيل له: لو تداويت. قال: لو كان دوائي في مسح أذني ما مسحتها، نعم المذهوب إليه ربي. وكان موته بدير سمعان، وقيل: بخناصرة، ودفن بدير سمعان. وكانت خلافته سنتين وخمسة أشهر، وكان عمره تسعاً وثلاثين سنة وأشهراً، وقيل: كان عمره أربعين سنة وأشهراً، وكانت كنيته أباحفص، وكان يقال له أشبح بني أمية، وكان قد رمحته دابة من دواب أبيه فشجته وهو غلام، فدخل على أمه فضمته إليها وعذلت ألاه ولامته حيث لم يجعل معه حاضناً، فقال لها عبد العزيز: اسكتي يا أم عاصم فطوباك إن كان أشبح بني أمية.
قال ميمون بن مهران: قال عمر بن عبد العزيز: لما وضعت الوليد في حفرته تظرت فإذا وجهه أسود، فإذا مت ودفنت فاكشف عن وجهي؛ ففعلت فرأيته أحسن مما كان أيام تنعمه.
وقيل: كان ابن عمر يقول: ياليت شعري من هذا الذي من ولد عمر في وجهه علامة يملأ الأرض عدلاً؟ وكانت أمر عمر بن عبد العزيز أم عاصم بنت عاصم بن عمر بن الخطاب، وعو عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية، ورثاه الشعراء فأكثروا، فقال كثير عزة:
أقول لما أتاني ثم مهلكه ... لا تبعدن قوام الحق والدين
قد غادروا في ضريح اللحد منجدلاً ... بدير سمعان قسطاس الموازين
ورثاه جرير والفرزدق وغيرهما.
ذكر بعض سيرتهقبل: لما ولي الخلافة كتب إلى يزيد بن المهلب: أما بعد فإن سليمان كان عبداً من عابد الله أنعم الله عليه عليه ثم قبضه واستخلفني، ويزيد بن عبد الملك من بعدي إن كان، وإن الذي ولاني الله من ذلك من ذلك وقدر لي ليس علي بهين، ولو كانت رغبتي في اخاذ أزواج أو اعتقاد أموال، لكان في الذي أعطاني من ذلك ما قد بلغ بن أفضل ما بلغ بأحد من خلافة، وأنا أخاف فيما ابتليت به حساباً شديداً ومسألة غليظة إلا ما عفا الله ورحم، وقد بايع من قبلنا فبايع من قبلك.
فلما قرأ الكتاب قيل له: لست من عماله لأن كلامه ليس ككلام من مضى من أهله. فدعا يزيد الناس إلى البيعة، فبايعوا.
قال مقاتل بن حيان: كتب عمر إلى عبد الرحمن بن نعيم: أما بعد فاعمل عمل من يعلم أن الله لا يصلح عمل المفسدين.
قال طفيل بن مرداس: كتب عمر إلى سليمان بن أبي السري: ان اعمل خانات، فمن مر بك من المسلمين فاقروه يوماً وليلة وعهدوا دوابهم ومن كانت به علة فاقروه يويمين وليلتين، وإن كان منقطعاً به فأبلغه بلده. فما أتاه كتاب عمر قال له أهل سمرقند: قتيبة ظلمنا وغدر بنا فأخذ بلادنا، وقد أظهر الله العدل والإنصاف فأذن لنا فليقدم منا وفد على أمير المؤمنين. فأذن لهم، فوجهوا وفداً إلى عمر، فكتب لهم إلى سليمان: إن أهل سمرقند شكروا ظلماً وتحاملاً من قتيبة عليهم حتى أخرجهم من أرضهم، فإذا أتاك كتابي فأجلس لهم القاضي فلينظر في أمرهم، فإن قضى لهم فأخرج العرب إلى معسكرهم كما كانوا قبل أن يظهر عليهم قتيبة. قال: فأجلس لهم سليمان جميع بن حاضر القاضي، فقضى أن يخرج عرب سمرقند إلى معسكرهم وينابذوهم على سواء فيكون صلحاُ جديداً أو ظفراً عنوةً. فقال أهل الصغد: بلى نرضى بما كان ولا نحدث حرباً، وتراضوا بذلك.
قال دواد بن سليمان الحميد: كتب عمر إلى عبد الحميد: أما بعد فإن أهل الكوفة قد أصابهم بلاء وشدة وجور في أحكام الله وسنة خبيثة سنها عليهم عمال السوء، وإن قوام الدين العدل والإحسان، فلا يكونن شيء أهم إليك من نفسك، فإنه لا قليل من الإثم، ولا تحمل خراباً على عامر ولا عامراً على خراب. انظر الخراب وخذ من ما أطاق وأصلحه حتى يعمر، ولا يؤخذ من العامر إلا وظيفة الخراج في رفق وتسكين لأهل الأرض، ولا تأخذن أجور الضرابين ولا هدية النوروز والمهرجان ولا ثمن الصحف، ولا أجور الفتوح ولا أجور البيوت، ولا درهم النكاح، ولا خراج على من أسلم من أهل الأرض، فاتبع في ذلك أمري فإني قد وليتك من ذلك ما ولأني الله، ولا تعجل دورني بقطع ولا صلب حتى تراجعني فيه، وانظر من أراد من الذرية أن يحج فعجل له مائة ليحج بها، والسلام.
قال عثمان بن عبد الحميد: حدثني أبي قال: قالت فاطمة بنت عبد الملك، رحمها الله، امرأة عمر: لما مرض عمر اشتد قلقه ليلة، فسهرنا معه، فلما أصبحنا أمرت وصيفاً له يقال له مرثد ليكون عنده، فإن كانت له حاجة كنت قريباً منه، ثم نمنا، فلما انتفخ النهار استيقظت فتوجهت إليه فرأيت مرثداً خارجاً من البيت نائماً، فقلت له: ما أخرجك؟ قال: هو أخرجني، وقال لي: إني أرى شيئاً ما هو بإنس ولا جن، فخرجت فسمعته يتلو: " تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علواً في الأرض ولا فساداً والعاقبة للمتقين " القصص:83. قالت: فدخلت فوجدته بعدما دخلت قد وجه نفسه للقبلة وهو ميت.
قال مسلمة بن عبد الملك: دخلت على عمر أعوده فإذا عليه قميص وسخ، فقلت لا مرأته فاطمة، وكانت أخت مسلمة: اغسلوا ثياب أمير المسلمين. فقالت: نفعل. ثم عدت فإذا القميص على حاله. فقلت: ألم آمركم أن تغسلوا قميصه؟ فقالت: والله ما له غيره. قيل: وكانت نفقته كل يوم درهمين.
قيل: وكان عبد العزيز قد بعث ابنه إلى المدينة ليتأدب بها، فكتب إلى صالح بن كيسان أن يتعاهده، فأبطأ عمر يوماً عن الصلاة، فقال: ما حبسك؟ فقال: كانت مرجلتي تصلح شعري، فكتب إلى أبيه بذلك، فأرسل أبوه رسولاً، فلم يزل حتى حلق شعره.
وقال محمد بن علي الباقر: إن لكل قوم نجبيبه، وإن نجيبة بني أمية عمر بن عبد العزيز، وإنه يبعث يوم القيامة أمه وحده.
وقال مجاهد: أتينا عمر نعلمه، فلم نبرح حتى تعلمنا منه.
وقال ميمون: كانت العلماء عند عمر تلامذه.وقيل لعمر: ما كان بدء إنابتك؟ قال: أردت ضرب غلام لي فقال: اذكر ليلةً صبيحتها يوم القيامة. وقال عمر: ما كذبت منذ علمت أن الكذب يضر أهله.
وقال رياح بن عبيدة: خرج عمر بن عبد العزيز وشيخ متوكئ على يده، فلما فرغ ودخل قلت: أصلح الله الأمير، من الشيخ الذي كان متوكئاً على يدك؟ قال: أرأيته؟ قلت نعم قال: ذاك أخي الخضر أعلمني أني سألي أمر هذه الأمة وأني سأعدل فيها.
قال: وأتاه أصحاب مراكب الخلافة يطلبون علفها، فأمر بها فبيعت، وجعل أثمانها في بيت المال وقال: تكفيني بغلتي هذه. فقال: ولما رجع من جنازة سليمان بن عبد الملك رآه مولى له مغتماً فسأله، فقال: ليس أحد من أمة محمد في شرق الأرض ولا غربها إلا وأنا أريد أن أؤدي إليه حقه من غير طلب منه. قال: ولما ولي الخلافة قال لأمرأته وجواريه إنه قد شغل بما في عنقه عن النساء، وخيرهن بين أن يقمن عنده أو يفارقنه، فبكين واخترن المقام معه.
قال: ولما ولي عمر بن عبد العزيز صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه، وكانت أول خطبة خطبها ثم قال: أيها الناس من صحبنا فليصحبنا بخمس وإلا فلا يقربنا: يرفع إلينا حاجة من لا يستطيع رفعها، ويعيننا على الخير بجهده، ويدلنا من الخير على ما نهتدي إليه، ولا يغتابن أحداً، ولا يعترض في ما لا يعنيه. فانقشع الشعراء والخطباء وثبت عنده الفقهاء والزهاد وقالوا: ما يسعنا أن نفارق هذا الرجل حتى يخالف قوله فعله. قال: فلما ولي الخلافة أحضر قريشاً ووجوه الناس فقال له: إن فدك كانت بيد رسول الله، صلى الله عليه وسلم ، فكان يضعها حيث أراه الله، ثم وليها أبو بكر كذلك، ثم أقطعها مروان، ثم إنها صارت إلي ولم تكن من مالي أعود منها علي، وإني أشهدكم أني قد رددتها على ما كانت عليه في عهد رسول الله، صلى الله عليه وسلم ؛ قال: فانقطعت ظهور الناس ويئسوا من الظلم.
قال: وقال عمر بن عبد العزيز لمولاه مزاحم: إن أهلي أقطعوني ما لم يكن إلي أن آخذه ول لهم أن يعطونيه، وإني قد هممت بردة على أربابه. قال: فكيف نصنع بولدك؟ فجرت دموعه وقال: أكلهم إلى الله. قال: وجد لولده ما يجد الناس، فخرج مزاحم حتى دخل على عبد الملك بن عمر فقال ل: إن أمير المؤمنين قد عزوم على كذا وكذا، وهذا أمر يضركم وقد نهيته عنه.
فقال عبد الملك: بئس وزير الخليفة أنت! ثم قام فدخل على أبيه وقال له: إن مزاحماً أخبرني بكذا وكذا فما رأيك؟ قال: إني أريد أن أقوم به العشية. قال: عجله فما يؤمنك أن يحدث لك حدث أو يحدث بقلبك حدث؟ فرفع عمر يديه وقال: الحمد الله الذي جعل من ذريتي من يعينني على ديني! ثم قام به من ساعته في الناس وردها.
قال: لما ولي عمر الخلافة أخذ من أهله ما بأيديهم وسمى ذلك مظالم، ففزع بنو أمية إلى عمته فاطمة بنت مروان، فأتته فقالت له: تكلم أنت يا أمير المؤمنين. فقال: إن الله بعث محمداً، صلى الله عليه وسلم ، رحمةً ولم يبعثه عذاباً إلى الناس كافة، ثم اختار له ما عنده وترك للناس نهراً شربهم سواء، ثم ولي أبو بكر فترك النهر على حاله، ثم ولي عمر فعمل عملهما، ثم لم يزل النهر يستقي منه يزيد ومروان وعبد الملك ابنه والوليد وسليمان ابنا عبد الملك حتى أفض الأمر إلي وقد يبس النهر الأعظم فلم يرو أصحابه حتى يعود إلى ما كان عليه. فقالت: حسبك، قد أردت كلامك فأما إذا كانت مقالتك هذه فلا أذكر شيئاً أبداً. فرجعت إليهم فأخبرتهن كلامه. وقد قيل: إنها قالت له: إن بني أمية يقولون كذا وكذا، فلما قال لها هذا الكلام قالت له: إنهم يحذرونك يوماً من أيامهم، فغضب وقال: كل يوم أخافه غير يوم القيامة فلا أمنت شره.
فرجعت إليهم فأخبرتهم وقالت: أنتم فعلتم هذا بأنفسكم، تزوجتم بأولاد عمر بن الخطاب فجاء يشبه جده. فسكتوا.
قال: وقال سفيان الثوري: الخلفاء خمسة: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وعمر بن عبد العزيز، وما كان سواهم فهم منتزون.
قال: وقال الشافعي مثله، قال: وكان يكتب إلى عماله بثلاث، فهي تدور بينهم: بإحياء سنة أو إطفاء بدعة، أو قسم في مسكنة، أورد مظلمة.
قال: وكانت فاطمة بنت الحسين بن علي تثني عليه وتقول: لو كان بقي لنا عمر بن عبد العزيز ما احتجنا بعهده إلى أحد. قالت فاطمة امرأته: دخلت عليه وهو في مصلاة ودموعه تجري على لحيته فقلت: أحدث شيء؟ فقال: إني تقلدت أمر أمة محمد فتفكرت في الفقير الجائع والمريض الضائع والغازي والمظلوم المقهور والغريب الأسير والشيخ الكبير وذي العيال الكثير والمال القليل وأشباههم في أقطار الأرض فعلمت أن ربي سيسألني عنهم يوم القيامة، وأن خصمي دونهم محمد، صلى الله عليه وسلم، إلى الله، فخشيت أن لا تثبت حجتي عند الخصومة، فرحمت نفسي فبكيت.
قيل: ولما مرض ابنه عبد الملك مرض موته، وكان من أشد أعوانه على العدل، دخل عليه عمر فقال له: يا بني كيف تجدك؟ قال: أجدني في الحق. قال: يا بني أن تكون ميزاني أحب إلي من أن أكون في ميزانك. فقال ابنه: يا أبتاه لأن يكون ما تحب أحب إلي من أن يكون ما أحب. فمات في مرضه وله سبععشرة سنة.
قيل: وقالعبد الملك لأبيه عمر: يا أمير المؤمنين ما تقول لربك إذا أتيته وقد تركت حقاً لم تحيه وباطلاً لم تمته؟ فقال: يا بني إن أباك وأجدادك قد دعوا الناس عن الحق فانتهت الأمور إلي وقد أقبل شرها وأدبر خيرها، ولكن أيس حسناً ألا تطلع الشمس على في يوم إلا أحييت فيه حقاً وأمت فيه باطلاً حتى يأتيني الموت فأنا على ذلك؟ وقال له أيضاً: يا أمير المؤمنين انقد لأمر الله وإن جاشت بي وبك القدور. فقال: يا بني إن بادهت الناس بما تقول أحوجوني إلى السيف ولا خير في خير لا يحيا إلا بالسيف، فكرر ذلك.
قيل: كتب عمر بن عبد العزيز إلى عماله نسخة واحدة: أما بعد فإن الله، عز وجل، أكرم بالإسلام أهله، وشرفهم وأعزهم، وضرب الذلة والصغار على من خالفهم، وجعلهم خير أمة أخرجت للناس، فلا تولين أمور المسلمين أحداً من أهل ذمتهم وخراجهم فتتبسط عليهم أيديهم وألسنتهم فتذلهم بعد أن أعزهم الله، وتهينهم بعد أن أكرمهم الله تعالى، وتعرضهم لكيدهم والاستطالة عليهم، ومع هذا فلا يؤمن غشهم إياهم، فإن الله، عز وجل، يقول: " لا تتخذوا بطانةً من دونكم لا يألونكم خبالاً ودوا ما عنتم " آل عمران:118، " لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعضٍ " المائدة: 51؛ والسلام.
فهذا القدر كافٍ في التنبيه على فضله وعدله.
وفي هذه السنة مات محمد بن مروان في قول، وأبو صالح ذكوان.
ذكر خلافة يزيد بن عبد الملكوفيها تولى يزيد بن عبد الملك بن مروان الخلافة، وكنيته أو خالد، بعهدٍ من أخيه سليمان بعد عمر بن عبد العزيز، ولما احتضر عمر قيل له: اكتب إلى يزيد فأوصه بالأمة، قال: بماذا أوصيه؟ إنه من بني عبد الملك. ثم كتب إليه: أما بعد فاتق يايزيد الصرعة بعد الغفلة حين لا تقال العثرة ولا تقدر على الرجعة، إنك تترك ما تترك لمن لا يحمدك وتصير إلى من لا يعذرك والسلام.
فلما ولي يزيد نزع أبا بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن المدينة واستعمل عبد الرحمن بن الضحاك بن قيس الفهري عليها، واستقضى عبد الرحمن سلمة بن عبد الله بن عبد الأسد المخزومي، وأراد معاضة ابن حزم فلم يجد عليه سبيلاً، حتى شكا عثمان بن حيان إلى يزيد بن عبد الملك من ابن حزم وأنه ضربه حدين وطلب منه أن يقيده منه، فكتب يزيد إلى عبد الرحمن بن الضحاك كتاباً: أما بعد فانظر فيما ضرب ابن حزم ابن حيان، فإن كان ضربه في أمر بينٍ أو أمر يختلف فيه فلا تلتفت إليه.
فأرسل ابن الضحاك فأحضر ابن حزم وضربه حدين في مقام واحد ولم يسأله عن شيء.
وعمد يزيد إلى كل ما صنعه عمر بن عبد العزيز مما لم يوافق هواه فرده ولم يخف شناعة عاجلة ولا إثماً عاجلاً، فمن ذلك أن محمد بن يوسف أخا الحجاج بن يوسف كان على اليمين، فجعل عليهم خراجاً مجدداً، فلما ولي عمر بن عبد العزيز كتب إلى عامله يأمره بالاقتصار على العشر ونصف العشر وترك ما جدده محمد بن يوسف وقال: لأن يأتيني من اليمن حصة ذرة أحب إلي من تقرير هذه الوضيعة، فلما ولي يزيد بعد عمر أمر بردها وقال لعالمه: خذها منهم ولو صاروا حرضاً، والسلام.
ذكر مقتل شوذب الخارجيقد ذكرنا خروجه ومراسلته عمر بن عبد العزيز المناظرته، فلما مات عمر أحب عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب، وهو الأمير على الكوفة، أن يحظى عند يزيد بن عبد الملك، فكتب إلى محمد بن جرير يأمره بمناجزة شوذب، واسمه بسطام، ولم يرجع رسولاً شوذب ولم يعلم بموت عمر.
فلما رأوا محمداً يستعد للحرب أرسل إليه شوذب: ما أعجلكم قبل انقضاء المدة! أليس قد تواعدنا إلى أن يرجع الرسولان؟ فأرسل محمد: إنه لا يسعنا ترككم على هذه الحال، فقالت الخوارج: ما فعل هؤلاء هذا إلا وقد مات الرجل الصالح.
فاقتتلوا فأصيب من الخوارج نفر وقتل الكثير من أهل الكوفة وانهزموا، وجرح محمد بن جرير في استه، فدخل الكوفة وتبعهم الخوارج حتى بلغوا الكوفة ثم رجعوا إلى مكانهم.
وأقام شوذب ينتظر صاحبيه، فقدما عليه وأخبراه بموت عمر، ووجه يزيد من عند تميم بن الحباب في ألفين قد أرسلهم، وأخبرهم أن يزيد لا يفارقهم على ما فارقهم عليه عمر، فلعنوه ولعنوا معه وحاربوه فقتلوه وقتلوا أصحابه، ولجأ بعضهم إلى الكوفة وبعضهم إلى يزيد. فأرسل إليهم يزيد نجدة بن الحكم الأزدي في جمع، فقتلوه وهزموا أصحابه، فوجه إليهم يزيد السحاج بن وداع في ألفين، فقتلوه وهزموا أصحابه، وقتل منهم نفر، منهم هدبه ابن عم شوذب. فقال أيوب بن خولي يرثيهم:
تركنا تميماً في الغبار ملحباً ... تبكي عليه عرسه وقرائبه
وقد أسلمت قيس تميماً ومالكاً ... كما أسلم الشحاج أمس أقاربه
وأقبل من حران يحمل رايةً ... يغالب أمر الله والله غالبه
فيا هدب للهيحا ويا هدب للندى ... ويا هدب للخصم الألد يحاربه
وياهدب كم من ملجم قد أجبته ... وقد أسلمته للرياح جوالبه
كان أبو شيبان خير مقاتل ... يرجى وخشى حربه من يحاربه
ففاز ولا قى الله في الخير كله ... وخذمه بالسيف في الله ضاربه
تزود من دنياه درعاً ومغفراً ... وعضباً حساماً لم تخنه مضاربه
وأجرد محبرك السراة كأنه ... إذا انقض وافي الريش حجن مخالبه
وأقام الخوارج بمكانهم حتى دخل مسلمة بن عبد الملك الكوفة، فشكا إليه أهل الكوفة مكان شوذب وخوفوه منه، فأرسل إليه مسلمة سعيد بن عمرو الحرشي، وكان فارساً، في عشرة آلاف، فأتاه وهو بمكانه، فرأى شوذب وأصحابه ما لا قبل لهم به، فقال لأصحابه: من كان يريد الشهادة فقد جاءته، ومن كان يريد الدنيا فقد ذهبت. فكسروا أغماد سيوفهم وحملوا فكشفوا سعيداً وأصحابه مراراً حتى خاف سعيد الفضيحة، فوبخ أصحابه وقال: من هذه الشرذمة لا أب لكم تفرون! يا أهل الشام يوماً كأيامكم! فحملوا عليهم فطحنوهم طحناً وقتلوا بسطاماً، وهو شوذب، وأصحابه.
ذكر موت محمد بن مروان
وفي هذه السنة توفي محمد بن مروان بن الحكم أخو عبد الملك، وكان قد ولي الجزيرة وأرمينية وأذربيجان، وغزا الروم وأهل أرمينية عدة دفعات، وكان شجاعاً قوياً، وكان عبد الملك يحسده لذلك، فلما انتظمت الأمور لعبد الملك أظهر ما في نفسه له، فتجهز محمد ليسير إلى أرمينية، فلما ودع عبد الملك سأله عن سبب مسيره، فقال وأنشد:
وإنك لا ترى طرداً لحر ... كإلصاقٍ به بعض الهوان
فلو كنا بمنزلةٍ جميعاً ... جريت وأنت مضطرب العنان
فقال له عبد الملك: أقسمت عليك لتقيمن، فوالله لا رأيت مني ما تكره، وصلح له؛ ولما أراد الوليد عزله طلب من يسد مكانه، فلم يقدم أحد عليه إلا مسلمة بن عبد الملك.
ذكر دخول يزيد بن المهلب البصرة وخلعة يزيد بن عبد الملكقيل: وفي هذه السنة هرب يزيد بن المهلب من حبس عمر بن عبد العزيز، على ما تقدم، فلما مات عمر وبويع يزيد بن عبد الملك كتب إلى عبد الحميد ابن عبد الرحمن وإلى عدي بن أرطاة يأمرهما بالتحرز من يزيد ويعرفهما هربه، وأمر عدياً أن يأخذ من بالبصرة من آل المهلب، فأخذهم وحبسهم، فيهم: المفضل وحبيب ومروان بنو المهلب، وأقبل يزيد حتى ارتفع على القطقطانة، وبعث عبد الحميد جنداً إليهم عليهم هشام بن مساحق العامري، عامر بني لؤي، فساروا حتى نزلوا العذيب، ومر يزيد قريباً منهم فلم يقدموا عليه، ومضى يزيد نحو البصرة وقد جمع عدي بن أرطاة أهل البصرة وخندق عليها، وبعث على خيل البصرة المغيرة بن عبد الله بن أبي عقيل الثقفي، وجاء يزيد في أصحابه الذين معه، فالتقاه أخوه محمد بن المهلب فيمن اجتمع إليه من أهله وقومه ومواليه، فبعث عدي على كل خمس من أخماس البصرة رجلاً، فبعث على الأزد المغيرة بن زياد بن عمرو العتكي، وبعث على تميم محرز بن حمران السعدي، وعلى خمس بكر مفرج بن شيبان بن مالك بن مسمع، وعلى عبد القيس مالك بن المنذر بن الجارود، وعلى أهل العالية عبد الأعلى بن عبد الله بن عامر؛ وأهل العالية قريش وكنانة والأزد وبجيلة وخشعم وقيس عيلان كلها ومزنية، وأهل العالية والكوفية يقال لهم ربع أهل المدينة.
فأقبل يزيد لا يمر بخيل من خيلهم ولا قبيلة من قبائلهم إلا تنحوا له عن طريقه، وأقبل يزيد حتى نزل داره، فاختلف الناس إليه، فأرسل إلى عدي: أن أبعث إلي إخوتي وإني أصالحك على البصرة وأخليك وإياها حتى آخذ لنفسي من يزيد ما أحب. فلم يقبل منه، فسار حميد بن عبد الملك بن المهلب إلى يزيد بن عبد الملك، فبعث معه يزيد بن عبد الملك خالداً القسري وعمرو ابن يزيد الحكمي بأمان يزيد بن المهلب وأهله.
وأخذ يزيد بن المهلب يعطي من أتاه قطع الذهب والفضة، فمال الناس إليه، وكان عدي لا يعطي إلا درهمين ويقول: لا يحل لي أن أعطيكم من بيت المال درهماً إلا بأمر يزيد بن عبد الملك، ولكن تبلغوا بهذه حتى يأتي الأمر في ذلك؛ وفي ذلك يقول الفرزدق:
أظن رجال الدرهمين تقودهم ... إلى الموت آجال لهم ومصارع
وأكيسهم من قر في قعر بيته ... وأيقن أن الموت لا بد واقع
وخرجت بنو عمرو بن تميم من أصحاب عدي فنزلوا المربد، وبعث إليهم يزيد بن المهلب مولى له يقال له دارس، فحمل عليهم فهزمهم، وخرج يزيد حين اجتمع الناس له حتى نزل جبانة بني يشكر، وهي النصف فيما بينه وبين القصر، فلقيه قيس وتميم وأهل الشام واقتتلوا هنيهة، وحمل عليهم أصحاب يزيد فانهزموا، وتبعهم ابن المهلب حتى دنا من القصر، فخرج إليهم عدي بنفسه، فقتل من أصحابه موسى بن الوجيه الحميري، والحارث بن المصرف الأودي، وكان من فرسان الحجاج وأشراف أهل الشام، وانهزم أصحاب عدي، وسمع إخوة يزيد، وهم في محبس عدي، الأصوات تدنو والنشاب تقع في القصر، وقال لهم عبد الملك: إني أرى أن يزيد قد ظهر ولا آمن من مع عدي من مضر وأهل الشم أن يأتونا فيقتلونا قبل أن يصل إلينا يزيد، وهم في محبس عدي، الأصوات تدنو والنشاب تقع في القصر، وقال لهم عبد الملك: إني أرى أن يزيد قد ظهر ولا آمن من مع عدي من مضر وأهل الشام أن يأتونا فيقتلونا قبل أن يصل إلينا يزيد، فأغلقوا الباب وألقوا عليه الرحل. ففعلوا، فلم يلبثوا أن جاءهم عبد الله بن دينار مولى بني عامر، وكان على حرس عدي، فجاء يشتد إلى الباب هو وأصحابه وأخذوا يعالجون الباب فلم يطيقوا قلعة، وأعجلهم الناس فخلوا عنهم.
وجاء يزدي بن المهلب حتى نزل داراً لسليمان بن زياد بن أبيه، وإلى جنب القصر، وأتى بالسلاليم وفتح القصر، وأتي بعد بن أرطاة فحبسه وقال له: لولا حبسك إخوتي لما حبستك.
فلما ظهر يزيد هرب رؤوس أهل البصرة من تميم وقيس ومالك بن المنذر فلحقوا بالكوفة، ولحق بعضهم بالشام، وخرج المغيرة بن زياد بن عمرو العتكي نحو الشام فلقي خالداً القسري وعمرو بن يزيد الحكمي ومعهما حميد بن عبد الملك بن المهلب قد أقبلوا بأمان يزيد بن المهلب وكل شيء أراده، فسألاه عن الخبر، فخلا بهما سراً من حميد وأخبرهما وقال: أين فارجعا. فرجعا وأخذا حميداً معهما، فقال لهما حميد: أنشدكما الله أن تخلفا ما بعثتما به، فإن ابن المهلب قابل منكما، وإن هذا وأهل بيته لم يزالوا لنا أعداء، فلا تسمعا مقالته. فلم يقبلا قوله ورجعا به.
وأخذ عبد الحميد بن عبد الرحمن بالكوفة خالد بن يزيد بن المهلب وحمال ابن زحر، ولم يكونا في شيء من الأمر، فأوثقهما وسيرهما إلى الشام، فحبسهما يزيد بن عبد الملك، فلم يفارقا السجن حتى هلكا فيه، وأرسل يزيد ابن عبد الملك إلى الكوفة شيئاً على أهلها ويمتيهم الزيادة.
وجهز أخاه سلمة ابن عبد الملك وابن أخيه العابس بن الوليد بن عبد الملك في سبعين ألف مقاتل من أهل الشام والجزيرة، وقيل: كانوا ثمانين ألفاً، فساروا إلى العراق. وكان مسلمة يعيب العابس ويذمه، فوقع بينهما اختلاف؛ فكتب إليه العباس:
ألا نفسي فداك أبا سعيد ... وتقصر عن ملا حاتي وعذلي
فلولا أن أصلك حين ينمى ... وفرعك منتهى فرعي وأصلي
وأني أن رميتك هضت عظمي ... ونالتني إذا نالتك نبلي
لقد أنكرتني إنكار خوفٍ ... يقصر منك عن شتمي وأكلي
كقول المرء عمرو في الوافي ... أريد حياته ويريد قتلي
قيل: إن الأبيات للعابس، وقيل: إنما تمثل بها فبلغ ذلك يزيد بن عبد الملك، فأرسل إليهما وأصلح بينهما، وقدما الكوفة ونزلا بالنخيلة، فاقل مسلمة: ليت هذا المزوني، عني ابن المهلب، لا كلفنا اتباعه في هذا البرد. فقال حيان النبطي مولى لشيبان: أنا أضمن لك أنه لا يبره الأرصة، يريد أضمن أنه لا يبرح العرصة. فقال له العباس: لا أم لك أنت بالنبطية أبصر منك بهذا! فقال حيان: أنبط الله وجهك أسقر أهمر ليس أليه طابئ الخلافة، يريد: أشقر أحمر ليس عليه طابع الخلافة. قال مسلمة: يا أبا سفيان لا يهولنك كلام العباس. فقال: إنه أهمق، يريد أحمق.
ولما سمع أصحاب بن المهلب وصول مسلمة وأهل والشام راعهم ذلك، فبلغ ابن المهلب، فخطب الناس وقال: قد رأيت أهل العسكر وخوفهم، يقولون: جاء أهل الشام ومسلمة، موما أهل الشام؟ هل هم إلا تسعة أسياف، سبعة منها إلي وسيفان علي؟ وما مسلمة إلا جرادة صفراء، أتاكم في برابرة وجرامقة وجراجمة وأنباط وأبناء فلاحين وأوباش وأخلاط، أوليسوا بشراً بألمون كما تألمون، وترجون من الله ما لا يرجون؟ أعيروني سواعدكم تصفقون بها وجوهمم وقد ولوا الأدبار. واستسقوا أهل البصرة ليزيد بن المهلب، وبعث عماله على الأهواز وفارس وكرمان، وبعث إلى خراسان مدرك بن المهلب، وعليها عبد الرحمن بن نعيم، فقال لأهلها: هذا مدرك قد أتاكم ليلقي بينكم الحرب وأنتم في بلاد عافية وطاعة، فسار بنو تميم ليمنعوه، وبلغ الأزد بخراسان ذلك،فخرج منهم نحو ألفي فارس، فلقوا مدركاً على رأس المفازة، فقالوا له: إنك أحب الناس إلينا وقد خرج أخوك، فإن يظهر فإنما ذلك لنا ونحن أسرع الناس إليكم وأحقه بذلك، وإن تكن الأخرى فما لك في أن تغشينا البلاء راحة. فانصرف عنهم، فلما استجمع أهل البصرة ليزيد خطبهم وأخبرهم أنه يدعوهم إلى كتاب الله وسنة نبيه ويحثهم على الجهاد ويزعم أن جهاد أهل الشام أعظم ثواباً من جهاد الترك والديلم.
وكان الحسن البصري يسمع، فرفع صوته يقول: والله لقد رأيناك والياً ومولى عليك، فماينبغي لك ذلك. ووثب أصحابه فأخذوا بفمه وأجلسوه، ثم خرجوا من المسجد وعلى باب المسجد النضر بن أنس بن مالك يقول: يا عباد الله ما تنقمون من أن تجيبوا إلى كتبا الله وسنة نبيه، فوالله ما رأينا مذ ولوا علياً إلا أيام عمر بن عبد العزيز. فقال الحسن: والنضر أيضاً قد شهد. ومر الحسن بالناس وقد نصبوا الرايات وهم ينتظرون خروج يزيد، وهم يقولون: تدعونا إلى سنة العمرين، وإن من سنة العمرين أن يوضع في رجله قيد؛ ثم رد إلى محبسه. فقال ناس من أصحابه: لكأنك راضٍ عن أهل الشام؟ فقال: أنا راضٍعن أهل الشام؟ قبحهم الله وبرحهم! أليس هم الذين أحلوا حرم رسول الله، صلى الله عليه وسلم ، يقتلون أهله ثلاثاً؟ قد أبا حوها لأنباطهم وأقباطهم، يحملون الحرائر ذوات الدين، لا ينتهون عن انتهاك حرمة، ثم خرجوا إلى مال بيت الله الحرام فهدموا الكعبة وأوقدوا النيران بين أحجارها وأستارها، عليهم لعنة الله وسوء الدار.
ثم إن يزيد سار من البصرة واستعمل عليها أخاه مروان بن المهلب وأتى واسطاً، وكان قد استشار أصحابه حين توجه نحو واسط، فقال له أخوه حبيب وغيره: نرى أن نخرج وننزل بفارس فنأخذ بالشعاب والعقاب وندنو من خراسان ونطاول أهل الشام، فإن أهل الجبال يأتون إليك وفي يدك القلاع والحصون. فقال: ليس هذا برأيي، تريدون أن تجعلوني طائراً على رأس جبل. فقال حبيب: إن الرأي الذي كان ينبغي أن يكون أول الأمر قد فات، قد أمرتك حيث ظهرت على البصرة أن توجه خيلاً عليها بعض أهلك إلى الكوفة، وإنما بها عبد الحميد، مررت به في سبعين رجلاً فعجز عنك فهو عن خيلك أعجز فسبق إليها أهل الشام وأكثر أهلها يرون رأيك، ولأن تلي عليهم أحب إليهم من أن يلي عليهم أهل الشام، فلم تطعني، وأنا أشير برأي، سرح مع بعض أهلك خيلاً كثيرة من خيلك فتأتي الجزيرة وبتادر إليها حتى ينزلوا حصناً من حصونهم، وتسير في أثرهم، فإذا أقبل أهل الشام يريدونك لم يدعوا جندك بالجزيرة يقبلون إليك فيقيمون عليهم فيحبسونهم عنك حتى تأتيهم، ويأتيك من بالموصل من قومك وينفض إليك أهل العراق وأهل الثغور وتقاتلهم في أرض رخيصة السعر، وقد جعلت العراق كله وراء ظهرك. قال: أكره أن أقطع جيشي. فلما نزل واسطاً أقام بها أياماً يسيرة وخرجت السنة
ذكر عدة حوادثحج بالناس عبد الرحمن بن الضحاك بن قيس، وكان عامل المدينة. وكان على مكة عبد العزيز بن عبد الله بن خالد بن أسيد، وكان على الكوفة عبد الحميد، وعلى قضائها الشعبي وكانت البصرة قد غلب عليها ابن المهلب. وكان على خراسان عبد الرحمن بن نعيم.
وفيها عزل إسماعيل بن عبيد الله عن إفريقية واستعمل مكانه يزيد بن أبي مسلم كاتب الحجاج، فبقي عليها إلى أن قتل على ما نذكره إن شاء الله تعالى. وفيها توفي مجاهد بن جبر، وقيل سنة ثلاث، وقيل: وفيها توفي أبو صالح ذكوان. وفيها توفي عامر بن أكثمة الليثي. وأبو صالح السمان، وقيل له الزيات أيضاً لأنه كان يبعهما. وأبو عمرو سعيد بن إياس الشيباني، وكان عمره سبعاً وعشرين ومائة سنة، وليست له صحبة. وفي خلافة عمر توفي عبيدة بن أبي لبابة أبو القاسم العامري.
ثم دخلت سنة اثنتين ومائة
ذكر مقتل يزيد بن المهلبثم إن يزيد بن المهلب سار عن واسط واستخلف عليها ابنه معاوية وجعل عنده بيت المال والأسراء، وسار على فم النيل حتى نزل العقر، وقدم أخاه عبد الملك بن المهلب نحو الكوفة، فاتقبله العباس بن الوليد بسورا، فاقتتلوا، فحمل عليهم أصحاب عبد الملك حملة كشوفهم فيها؛ ومعهم ناس من تميم وقيس من أهل البصرة، فنادوا: يا أهل الشام! الله الله إن تسلمونا! وقد اضطرهم أصحاب عبد الملك إلى النهر. فقال أهل الشام: لا بأس عليكم، إن لنا جولة في أول القتال؛ ثم كروا عليهم فانكشف أصحاب عبد الملك فانهزموا وعادوا إلى يزيد. وأقبل مسلمة يسير على شاطئ الفرات إلى الأنبار وعقد عليها الجسر، فعبر وسار حتى نزل على ابن المهلب، وأتى إلى ابن المهلب ناس من أهل الكوفة كثير ومن الثغور، فبعث على من خرج إليه من أهل الكوفة وربع أهل المدينة عبد الله بن سفيان بن يزيد بن المغفل الأزدي، وعلى ربع مذحج وأسد النعمان بن إبراهيم بن الأشتر، وعلى كندة وربيعة محمد بن إسحاق بن الأشعث، وعلى تميم وهمدان حنظلة بن عتاب بن ورقاء التميمي، وجمعهم جميعاً مع المفضل بن المهلب وأحصى ديوان ابن المهلب مائة ألف وعشرين ألفاً، فقال: لوددت أن لي بهم من بخراسان من قومي؛ ثم قام في أصحابه فحرصنهم على القتال.
وكان عبد الحميد بن عبد الرحمن قد عسكر بالنخيلة وشق المياه وجعل على أهل الكوفة الأرصاد لئلا يخرجوا إلى ابن المهلب، وبعث بعثناً إلى مسلمة مع سبرة بن عبد الرحمن بن مخنف، وبعث مسلمة فعزل عبد الحميد عن الكوفة واستعمل عليها محمد بن عمرو بن الوليد بن عقبة، وهو ذو الشامة.
فجمع يزيد رؤوس أصحابه فقال: قد رأيت أن أجمع اثني عشر ألفاً فأبعثهم مع أخي محمد بن المهلب حتى يبتوا مسلمة ويجملوا معهم البراذع والكف والزبيل لدفن خندقهم فيقاتلهم على خندقهم بقية ليلته، وأمده بالرجال حتى اصبح، فإذا أصبحت نهضت إليهم في الناس فأناجزهم، فإنني أرجو عند ذلك أن ينصرنا الله عليهم، فقال السميدع: إنا قد دعوناهم إلى كتاب الله وسنة نبيه،صلى الله عليه وسلم ، وقد زعموا أنهم قبلوا هذا منا، فليس لنا أن تمكر ولا نغدر حتى يردوا علينا ما زعموا أنهم قابلوه منا. وقال أبو رؤبة، وهو رأس الطائفة المرجئة، ومعه أصحاب له: صدق، هكذا ينبغي.
فقال يزيد: ويحكم! أتصدقون بني أمية أنهم يعملون بالكتاب والسنة وقد ضيعوا ذلك منذ كانوا؟ إنهم يخادعونكم ليمكروا بكم فلا يسبقوكم إليه، إني لقيت بني مروان فما لقيت منهم أمكر ولا أبعد غدراً من هذه الجرادة الصفراء، يعني مسلمة. قالوا: لا نفعل ذلك حتى يردوا علينا ما زعموا أنهم قابلوه منا.
وكان مروان بن المهلب بالبصرة يحث الناس على حرب أهل الشام، والحسن البصري يثبطهم، فلما بلغ ذلك مروان قام في الناس يأمرهم بالجد والاحتشاد، ثم قال: بلغني أن هذا الشيخ الضال المرائي، ولم يسمعه الناس، والله لو أن جاره نزع من خص داره قصبة لظل يرعف أنفه! وايم الله ليكفن عن ذكرنا وعن جمعه إليه سقاط الأبلة وعلوج فرات البصرة أو لأنحين عليه مبرداً خشناً.
فلما بلغ ذلك الحسن قال: والله ما كره أن يكرمني الله بهوانه. فقال ناس من أصحابه: لو أرادك ثم شئت لمنعناك. فقال لهم: فقد خالفتكم إذ ذاك ما نهيتكم عنه، آمركم أن لا يقتل بعضكم بعضاً مع غيري، وآمركم أن يقتل بعضكم بعضاً دوني! فبلغ ذلك مروان فاشتد عليهم وطلبهم وتفرقوا، وكف عن الحسن.
وكان اجتماع يزيد بن المهلب ومسلمة بن عبد الملك بن مروان ثمانية أيام، فلما كان يوم الجمعة لأربع عشرة مضت من صفر بعث مسلمة إلى الوضاح أن يخرج بالسفن حتى يحرق الجسر، ففعل، وخرج مسلمة فعبأ جنود أهل الشام ثم قرب من ابن المهلب وجعل على ميمنته جبلة بن مخرمة الكندي، وعلى ميسرته الهذيل بن زفر بن الحارث الكلابي، وجعل العباس ابن الوليد على ميمنته سيف بن هانئ الهمداني، وعلى ميسرته سويد بن القعقاع التميمي، وكان مسلمة على الناس.
وخرج يزيد بن المهلب وقد جعل على ميمنته حبيب بن المهلب، وعلى ميسرته المفضل.
فخرج رجل من أهل الشام فدعا إلى المبارزة، فبرز إليه محمد بن المهلب، فضربه محمد، فاتقاه الرجل بيده وعلى كفه كف من حديد، فضربه محمد فقطع الكف الحديد، وأسرع السيف في كفه واعتنق فرسه فانهزم.
فلما دنا الوضاح من الجسر ألهب فيه النار، فسطع دخانه، وقد أقبل الناس، ونشبت الحرب، ولم يشتد القتال، فلما رأى الناس الدخان وقيل لهم أحرق الجسر انهزموا فقيل ليزيد: قد انهزم الناس. فقال: مم انهزموا؟ هل كان قتال ينهزم من مثله؟ فقيل له: أحرق الجسر فلم يثبت أحد. فقال: قبحهم الله! بق دخن عليه فطار! ثم خرج معه أصحابه فقال: اضربوه وجوه المنهزيمين، ففعلوا ذلك بهم حتى كثروا عليه، واستقبله أمثال الجبال، فقال: دعوهم فوالله إني لأرجو أن لا يجمعني وإياهم مكان أبداً، دعوهم يرحمهم الله، غنم عدا في نواحيها الذئب! وكان يزيد لا يحدث نفسه بالفرار، وكان قد أتاه يزيد بن الحكم بن أبي العاص الثقفي، وهو ابن أخي عثمان بن أبي العاص صاحب رسول الله، صلى الله عليه وسلم ، ليس بينه وبين الحكم بن أبي العاص والد مروان نسب، وهو بواسط، فقال له: إن بني مروان قد باد ملكهم، فإن كنا لم تشعر بذلك فاشعر. فقال: ما شعرت؛ فقال ابن الحكم:
فعش ملكاً أو مت كريماً فإن تمت ... وسيفك مشهور بكفك تعذر
فقال: أما هذا فعسى. فلما رأى يزيد انهزام أصحابه قال: يا سميدع أرأيي أجود أم رأيك؟ ألم أعلمك ما يريد القوم؟ قال: بلى، فنزل سميدع ونزل يزيد في أصحابهما. وقيل: كان على فرس أشهب فأتاه آتٍ فقال: إن أخاك حبيباً قد قتل. فقال: لا خير في العيش بعده، قد كنت والله أبغض الحياة بعد الهزيمة وقد ازددت لها بغضاً، امضوا قدماً. فعلموا أنه قد استقتل، فتسلل عنه من يكره القتال وبقي معه جماعة جنسه وهو يتقدم، فكلما مر بخيل كشفها، أو جماعة من أهل الشام عدلوا عنه، وأقبل نحوه مسلمة لا يريد غيره. فلما دنا منه أدنى مسلمة فرسه ليركب، فعطف عليه خيول أهل الشام وعلى أصحابه فقتل يزيد والسميدع ومحمد بن المهلب.
وكان رجل من كلب يقال له القحل بن عياش، فلما نظر إلى يزيد قال: هذا والله يزيد! والله لأقتلنه أو ليقتلني! فمن يحمل معي يكفيني أصحابه حتى أصل إليه؟ فحمل معه ناس فاقتتلوا ساعة وانفرج الفريقان عن يريد قتيلاً وعن القحل بآخر رمقه، فأومأ إلى أصحابه يريهم مكان يزيد وأنه هو قاتله وأن يزيد قتله.
وأتى برأس يزيد مولى لبني مرة، فقيل له: أنت قلته؟ قال: لا، فلما أتى مسلمة سيرة إلى يزيد بن عبد الملك من خال بن الوليد بن عقبة بن أبي معيط. وقيل. وقيل: بل قتله الهذيل بن زفر بن الحارث الكلابي، ولم ينزل يأخذ رأسه أنفةً.
ولما قتل يزيد كان المفضل بن المهلب يقاتل أهل الشام وما يدري بقتل يزيد ولا بهزيمة الناس، وكان كلما حمل على الناس انكشفوا، ثم يحمل حتى يخالطهم، وكان معه عامر بن العميثل الأزدي يضرب بسيفه ويقول:
قد علمت أم الصبي المولود ... أني بنصل السيف غير رعديد
فاقتتلو ساعةً فانهزمت ربيعة، فاستقبلهم المفضل يناديهم: يا معشر ربيعة الكرة الكرة! والله ما كنتم بكشف ولا لئام ولا لكم هذه بعادة، فلا يؤتين أهل العراق من قبلكم، فدتكم نفسي! فرجعوا إليه يريدون الحملة، فآتى وقيل له: ما تصنع هاهنا وقد قتل يزيد وحبيب ومحمد وانهزم الناس منذ طويل؟ فتفرق الناس عنه، ومضى المفضل إلى واسط، فما كان من العرب أضرب بسيفه ولا أحسن تعبية للحرب ولا أغشى للناس منه. وقيل: بل أتاه أخوه عبد الملك وكره أن يخبره بقتل يزيد فيستقتل، فقال له: إن الأمير قد انحدر إلى واسط. فانحدر المفضل بمن بقي من ولد المهلب إلى واسط، فلما علم بقتل يزيد حلف أنه لا يكلم عبد الملك أبداً، فما كلمه حتى قتل بقندابيل. وكانت عينه أصيبت في الحرب، فقال: فضحني عبد الملك، ما عذري إذا رآني الناس فقالوا شيخ أعور مهزوم! ألا صدقني فقتلت؟ ثم قال:
ولا خير في طعن الصناديد باقنا ... ولا في لقاء الحرب بعد يزيد
فلما فارق المفضل المعركة جاء عسكر الشام إلى عسكر يزيد، فقاتلهم أبو رؤبة صاحب المرجئة ساعةً من النهار، وأسر ملمة نحو ثلاثمائة أسير فسرحهم إلى الكوفة، فحبسوا بها، فجاء كتاب يزيد بن عبد الملك إلى محمد بن عمرو ابن الوليد يأمره بضرب رقاب الأسرى، فأمر العريان بن الهيثم، وكان على شرطته، أن يخرجهم عشرين عشرين وثلاثين ثلاثين، فقام نحو ثلاثين رجلاً من تميم فقالوا: نحن انهزمنا بالناس فأبدأوا بنا قبل الناس. فأخرجهم العريان فضرب رقابهم وهم يقولون: انهزمنا بالناس فكان هذا جزاءنا. فلما فرغوا منهم جاء رسول بكتاب من عند مسلمة يأمره بترك قتل الآسرى. وأقبل مسلمة حتى نزل الحية.
ولما أتت هزيمة يزيد إلى واسط أخرج ابنه معاوية اثنين وثلاثين أسيراً كانوا عنده فضرب أعناقهم، منهم عدي بن أرطاة، ومحمد بن عدي بن أرطاة، ومالك وعبد الملك ابنا مسمع وغيرهم، ثم أقبل حتى أتى البصرة ومعه المال والخزائن، وجاء المفضل بن المهلب، اجتمع أهل المهلب بالبصرة فأعدوا السفن وتجهزوا للركوب في البحر. وكان يزيد بن المهلب بعث وداع ابن حميد الزدي على قندابيل أميراً وقال له: إني سائر إلى هذا العدو ولو قد لقيتم لم أبرح العرصة حتى يكون لي أولهم، فغن ظفرت أكرمتك، وإن كانت الأخرى كنت بقندابيل حتى يقدم عليك أهل بيتي فيتحصنوا بها حتى يأخذوا لأنفسهم أماناً، وقد اخترتك لهم من بين قومي، فكن عند أحسن ظني. وأخذ عليه العود لينا صحن أهل بيته إن هم لجأوا إليه.
فلما اجتمع آل المهلب بالبصرة حملوا عيالاتهم وأموالهم في السفن البحرية ثم لججوا في البحر حتى إذا كانوا بحيال كرمان خرجوا من سفنهم وحملوا عيالاتهم وأموالهم على الدواب، وكان المقدم عليهم المفضل بن المهلب، وكان بكرمان فلول كثيرة، فاجتمعوا إلى المفضل، وبعث مسلمة بن عبد الملك مدرك بن ضب الكلبى في طلبهم وفي أثر الفل، فأدرك مدرك المفضل، ومعه الفلول في عقبه، فعطفوا عليه فقاتلوه، واشتد قتالهم إياه، فقتل من أصحاب المفضل النعمان بن إبراهيم بن الأشتر النخعي، ومحمد بن إسحاق بن محمد بن الأشعث وهرب ابن المهلب فطلبوا الأمان فأمنوا، منهمك مالكم بن إبراهيم بن الأشتر، والورد بن عبد الله بن حبيب السعدي التميمي.
ومضى آل المهلب ومن معهم إلى قندابيل، وبعث مسلمة إلى مدرك بن ضب فرده وير في أثرهم هلال بن أحوز التميمي، لحقهم بقندابيل، فأراد أهل المهلب دخولها فمنعهم وداع بن حميد، وكان هلال بن أحوز لم يباينآل المهلب، فلما التقوا كان وداع على المينة وعبد الملك بن هلال على الميسرة، وكلاهما أزدي، فرفع هلال بن أحور راية أمان، فمال إليه وداع ابن حميد وعبد الملك بن هلال وتفرق الناس عن آل المهلب. فلما رأى ذلك مروان بن المهلب أراد أن ينصرف إلى النساء فيقتلهن لئلا يصرن إلى أولئك، فنهاه المفضل عن ذلك وقال: إنا لا نخاف عليهن من هؤلاء. فتركهن، وتقدموا بأسيافهم فقاتلوا حتى قتلوا من عند آخرهم، وهم: المفضل، وعبد الملك، وزياد، ومروان بنو المهلب، ومعاوية بن يزيد بن المهلب، والمنهال ابن أبي عيينه بن المهلب، وعمرو والمغيرة ابنا قبيصة بن لمهلب، وحملت رؤوسهم، وفي أذن كل واحد رقعة فيها اسمه إلا أبا عيينة بن المهلب، وعمر بن يزيد بن المهلب، وعثمان بن المفضل بن المهلب، فإنهم لحقوا برتبيل. وبعث هلال بن أحوز بنسائهم ورؤوسهم والاسرى من آل المهلب إلى مسلمة بالحيرة، فبعثهم مسلمة إلى يزيد بن عبد الملك، فسيرهم يزيد إلى العباس بن الوليد وهو على حلب، فنصب الرؤوس، وأراد مسلمة أن يبيع الذرية، فاشتراهم منه الجراح بن عبد الله الحكمي بمائة ألف وخلى سبيلهم، ولم يأخذ مسلمة من الجراح شيئاً.
ولما بلغ يزيد بن عبد الملك الخبر بقتل يزيد سره لأنتصاره ولما في نفسه منه قبل الخلافة.
وكان سبب العداوة بينهما أن ابن المهلب خرج من الحمام أيام سليمان ابن عبد الملك وقد تضمخ بالغالية فاجتاز بيزيد بن عبد الملك، وهو إلى جانب عمر بن عبد العزيز، فقال: قبح الله الدنيا، لوددت أم مثقال غالية بألف دينار فلا ينالها إلا كل شريف. فسمع ابن المهلب فقال له: بل وددت أن الغالية كانت في جبهة الأسد فلا ينالها إلا مثلي. فقال له يزيد بن عبد الملك: والله لئن وليت يوماً لأقتلنك. فقال له ابن المهلب: والله لئن وليت هذا الأمر وأنا حي لأضربن وجهك بخمسين ألف سيف، فهذا كان سبب البغض بينهما، وقيل غير ذلك، وقد تقدم ذكره.
وأما الأسى فكانوا ثلاثة عشر رجلاً، فلما قدم بهم على يزيد بن عبد الملك وعنده كثير عزة فأنشد:
حليم إذا ما نال عاقب مجملاً ... أشد العقاب أو عفا لم يثرب
فعفواً أمير المؤمنين وحسبهً ... فما تأته من صالح لك يكتب
أساؤوا فإن تصفح فإنك قادر ... وافضل حلمٍ حسبةً حلم مغضب
قال يزيد بن عبد الملك: هيهات يا أبا صخر! طف بك الرحم لا سبيل إلى ذلك، إن الله، عز وجل، أفادنيهم بأعمالهم الخبيثة. ثم أمر بهم فقتلوا، وبقي غلام صغير فقال: اقتلوني فما أنا بصغير. فقال: انظروا أنبت. فقال: أنا أعلم بنفسي، قد احتملت ووطئت النساء.
فأمر به يزيد فقتل.
وأسماء الأسرى الذين قتلوا: المعارك وعبد الله والمغيرة والمفضل ومنجاب أولاد يزيد بن المهلب، ودريد والحجاج وغشان وشبيب والفضل أولاد المفضل بن المهلب، والمفضل بن قبيصة بن المهلب. وقال ثابت يرثى يزيد بن المهلب:
أبى طول هذا الليل أن يتصرما ... وهاج لك الهم الفؤاد المتيما
أرقت ولم تأرق معي أم خالد ... وقد أرقت عيناي حولاً محرما
على هالكٍ هد العشيرة فقده ... دعته المنايا فاستجاب وسلما
على ملكٍ بالعقر يا صاح جبنت ... كتائبه واستورد الموت معلما
أصيب وأشهد ولو كنت شاهداً ... تسليت إن لم يجمع الحي مأتما
وفي غير الأيام يا هند فاعلمي ... لطالب وترٍ نظرة إن تلوما
فعلي إن مالت بي الريح ميلةً ... على ابن أبي ذبان أن يتندما
أمسلم إن تقدر عليك رماحنا ... نذقك بها قيء الأساود مسلما
وإن نلق للعباس في الدهر عشرةً ... نكافئه باليوم الذي كان قدما
قصاصاً ولم نعد الذي كان قد أتى ... إلينا وإن كان ابن مروان أظلما
ستعلم إن زلت بك النعل زلةً ... وأظهر أقوام حياءً مجمجما
من الظالم الجاني على أهل بيته ... إذا أحضرت أسباب أمر وأبهما
وإنا لعطافون بالحلم بعدما ... نرى الجهل من قرط اللئيم تكرما
وإنا لحلالون بالثغر لا نرى ... به ساكناً إلا الخميس العرمرما
نرى أن للجيران حقاً وذمةً ... إذا الناس لم يرعوا الذي الجار محر
وغنا لنقري الضيف من قمع الذرى ... إذا كان رفد الرافدين تجسما
وأما أبو عيينة بن المهلب فأرسلت هند بنت المهلب إلى يزيد بن عبد الملك في أمانه، فآمنه، وبقي عمر وعثمان حتى ولي أسد بن عبد الله القسري خراسان، فكتب إليهما بأمانهما فقدماخراسان.
قطنة بالنون، وهو ثابت بن كعب بن جابر العتكي الأزدي، أصيبت عينه بخراسان فجعل عليها قطنة فعرف بذلك، وهو يشتبه بثابت بن قطبة بالباء الموحدة، وهو خزاعي وذاك عتكي.
ذكر استعمال مسلمة على العراق وخراسانولما فرغ مسلمة بن عبد الملك من حرب يزيد بن المهلب جمع له أخوه يزيد ابن عبد الملك ولاية الكوفة والبصرة وخراسان، فأقر محمد بن عمرو بن الوليد على الكوفة، وكان قد قام بأمر البصرة بعد آل المهلب شبيب بن الحارث التميمي، فبعث عليها مسلمة عبد الرحمن بن سليمان الكلبي، وعلى شرطتها وأحداثها عمرو بن يزيد التميمي، فأراد عبد الرحمن أن يستعرض أهل البصرة فيقتلهم، فنهاه عمرو واستمهله عشرة أيام وكتب إلى مسلمة بالخبر، فعزله وولى البصرة بعد الملك بن بشر بن مروان، وأقر عمرو بن يزيد على الشرط والأحداث.
ذكر استعمال سعيد خذينة على خراسان لمسلمةاستعمل مسلمة على خراسان سعيد بن عبد العزيز بن الحارث بن الحكم بن أبي العاص بن أمية، وهو الذي يقال له سعيد خذينة، وإنما لقب بذلك لأنه كان رجلاً ليناً متنعماً، فدخل عليه ملك أبغر وسعيد في ثياب مصبغة وحوله مرافق مصبغة، فلما خرج من عنده قالا: كيف رأيت الأمير؟ قال: خذينة، فلقب خذينة، وخذينة هي الهقانة ربة البيت.
وكان سعيد تزوج ابنة مسلمة، فلهذا استعمله على خراسان. فلما استعمل مسلمة سعيداً على خراسان سار إليها فاستعمل شعبة بن ظهير النهشلي على سمرقند، فسار إليها فقدم الصغد، وكان أهلها كفروا في ولاية عبد الرحمن ابن نعيم، ثم عادوا إلى الصلح، فخطب شعبة أهل الصغد ووبخ سكانها من العرب وغيرهم بالجبن وقال: ما أرى فيكم جريحاً ولا أسمع أنة.
فاعتذروا ليه بأن جبنوا أميرهم علباء بن حبيب العبدي.
وأخذ سعيد عمال عبد الرحمن بن عبد الله الذين ولوا أيام عمر بن عبد العزيز فحبسهم ثم أطلقهم، ثم رفع إلى سعيد أن جهم بن زحر الجعفي، وعبد العزيز بن عمرو بن الحجاج الزبيدي، والمنتجع بن عبد الرحمن الأزدي، ولوا ليزيد بن المهلب في ثمانية نفر وعندهم أموال قد أخفوها من فيء المسلمين. فأرسل إليهم فحبسهم بقهندر مرو، وحمل جهم بن زحر على حمار وأطاف به فضربه مائتي سوط وأمر به وبالثمانية الذين حبسوا معه فسلموا إلى ورقاء بن نصر الباهلي فاستعفاه، فأعفاه، فسلمهم إلى عبد الحميد ابن دثار وعبد الملك بن دثار والزير بن نشيط مولى باهلة، فقتلوا في العذاب جهم بن زحر وعبد العزيز والمنتجع، وعذبوا القعقاع وقماً حتى أشفوا على الموت، فلم يزالوا في السجن حتى غزاهم الترك والصغد، فأمر سعيد بإخراجهم، وكان يقول: قبح الله الزبير فإنه قتل جهماً!
ذكر البيعة بولاية العهد لهشام والوليدلما وجه يزيد بن عبد الملك الجيوش إلى يزيد بن المهلب، على ما ذكرناه، واستعمل على الجيش مسلمة بن عبد الملك أخاه والعباس بن الوليد بن عبد الملك وهو ابن أخيه، قالا له: يا أمير المؤمنين إن أهل العراق أهل غدر وإرجاف، وقد توجهنا محاربين والحوادث تحدث ولا نأمن أن يرجف أهل العراق ويقولوا مات أمير المؤمنين فيفت ذلك في أعضادنا، فلو عهدت عهد عبد العزيز بن الوليد لكان رأياً صواباً.
فبلغ ذلك مسلمة بن عبد الملك، فأتى أخاه يزيد فقال: يا أمير المؤمنين إنما أحب إليك أخوك أم ابن أخيك؟ فقال: بلى أخي. فقال: فأخوك أحق بالخلافة. فقال يزيد: إذا لم تكن في ولدي فأخي أحق بها من ابن أخي كما ذكرت. قال: فابنك لم يبلغ فبايع لهشام بن عبد الملك ثم بعده لابنك الوليد، وكان الويد يومئذ ابن إحدى عشرة سنة، فبايع بولاية العهد لهشام بن عبد الملك أخيه وبعده لأبنه الوليد بن يزيد، ثم عاش يزيد حتى بلغ ابنه الوليد، فكان إذا رآه يقول: والله بيني وبين من جعل هشاماً بيني وبينك.
ذكر غزو التركلما ولي سعيد خراسان استضعفه الناس وسموه خذينة، وكان قد استعمل شعبة على سمرقند ثم عزله، فطمعت الترك، فجمعهم خاقان ووجههم إلى الصغد، وعلى الترك كور صول، فأقبلوا حتى نزلوا بقصر الباهلي.
وقيل: أراد عظماء الدهاقين أن يتزوج امرأة من باهلة كانت في ذلك القصر، فأبت، استجاش، ورجوا أن يسبوا من في القصر، فأقبل كورصول حتى حصر أهل القصر وفيه مائة أهل بيت بدرايهم، وكان على سمقند عثمان بن عبد الله بن مطرف بن الشخير، قد استعمله سعيد بعد شعبة، فكتبوا إليه وخافوا أن يبطئ عنهم المدد فصالحوا الترك على أربيعين ألفاً وأعطوهم سبعة عشر رجلاً رهينةً، وندب عثمان الناس، فانتدب المسيب بن بشر الرياحي، وانتدب معه أربعة آلاف من جميع القبائل، وفيهم سعبة بن ظهير وثابت قطنة وغيرهما الفرسان، فلما عسكروا قال لهم المسيب: إنكم تقدمون على حلبة الترك عليهم خاقان، والعوض إن صبرتم الجنة، والعقاب إن فررتم النار، فمن أراد الغزو والصبر فليقدم، فرجع عنه ألف وثلاثمائة، فلما سار فرسخاً رجع بمثل مقالته الأولى فاعتزله ألف، ثم سار فرسخاً أخر فقال لهم مثل ذلك، فاعزله ألف، ثم سار فلما كان على فرسخين منهم نزل، فأتاهم ترك خاقان ملك قي فقال: لم يبق ها هنا دهقان إلا وقد بايع الترك غيري وأن في ثلاثمائة مقاتل، فهم معك وعندي الخبر قد كانوا صالحوهم وأعطوهم سبعة عشر رجلاً يكونون رهينة في أيديهم حتى يأخذوا صلحهم، فلما بلغهم مسيركم إليهم قتلوا الرهائن، وميعادهم أن يقاتلوا غداً ويفتحو لهم القصر.
فبعث المسيب رجلين، رجلاً من العرب ورجلاً من العجم، ليعلما علم القوم، فأقبلا في ليلة مظلمة وقد أخذت الترك في نواحي القصر فليس يصل إليه أحد، ودنوا من القصر، فصاح بهما الربيئة، فقالا له: اسكت وادع لنا عبد الملك بن دثار. فدعاه، فأعلماه بقرب المسيب منهم وقالا: هل عندكم امتناع الليلة وغداً؟ قالزا: قد أجمعنا على تقديم نسائنا للموت أمامنا حتى نموت جيمعا غداً،. فرجعا إلى المسيب فأخبراه، فقال لمن معه: إني سائر إلى هذا العدو، فمن أحب أن يذهب فليذهب، فلم يفارقه أحد وبايعوه على الموت.
فأصبح وسار وقد ازداد القصر تحصيناً بالماء الذي أجراه الترك، فلما صار بينه وبين الترك نصف فرسخ نزل وقد أجمع على بيانهم، فلما أمى أمر أصحابه بالصبر وحثهم عليه وقال: ليكن شعاركم يا محمد، ولا تتبعوا مولياً، وعليكم بالدواب فاعقروها، فإنها إذا عقرت كانت أشد عليهم منكم، وليست بكم قلة، فإن سبعمائة سف لا يضرب بها في عسكر إلا أوهنوه وإن كثر أهله. وجعل على ميممنته كثيراً الدبوسي، وعلى ميسرته ثابت قطنة، وهو من الأزد، فلما دنوا منهم كبروا، وذلك في السحر، وثار الترك وخالطهم المسلمون فعقروا الدواب، وترجل المسيب في رجال معه فقاتلوا قتالاً شديداً، وانقطعت يمين البختري المرائي، فاخذ السيف بشماله فقطعت، فجعل يذب بيديه حتى استشهد. وضرب ثابت قطنة عظيماً من عظماء الترك فقتله، وانهزمت الترك، ونادى منادي المسيب: لا تتبعوهم فإنهم لا يدرون من الرعب أبتعتموهم أم لا، واقصدو القصر، ولا تحملوا إلا الماء، ولا تحملوا إلا من يقدر على المشي، ومن حمل امرأة أو صبياً أو ضعيفاً حسبة فأجره على الله، ومن أبى فله أربعون درهماً، وإن كان في القصر أحد من أهل عهدكم فاحملوه. فحملوا من القصر وأتوا ترك خاقان، فأنزلهم قصره وأتاهم بطعام، ثم ساروا إلى سمرقند. ورجعت الترك من الغد فلم يروا في القصر أحداً، ورأوا قتلاهم فقالوا: لم يكن الذي جاءنا من الإنس؛ فقال ثابت قطنة:
فدت نفسي فوارس من تميمٍ ... غداة الروع في ضنك المقام
فدت نفسي فوارس أكنفوني ... على الأعداء فر رهج القتام
بقصر الباهلي وقد رأوني ... أحامي حيث ضربه المحامي
بسيفي بعد حطم الرمح قدماً ... أذودهم بذي شطب حسام
أكر عليهم اليحموم كراً ... ككر الشرب آنية المدام
أكر به لدى الغمرات حتى ... تجلت لا يضيق به مقامي
فلولا الله ليس له شريك ... وضربي قونس الملك الهمام
إذاً لسعت نساء بني دثار ... أمام الترك بادية الخدام
فمن مثل المسيب في قيمٍ ... أبي بشرٍ كقادمة الحمام
وعور تلك الليلة معاوية بن الحجاج الطائي وشلت يده، وكان قد ولي ولاية قبل سعيد، فأخذه سعيد بشيء بقي عليه فدفعه إلى شداد بن خليد الباهلي ليستأديه، فضيق عليه شداد، فقال معاوية: يا معشر قيس سرت إلى قصر الباهلي وأنا شديد البطش حديد البصر، فعورت وشلت يدي، وقاتلت حتى استقذناهم بعدما أشرفوا على القتل والأسر والسبي، وهذا صاحبكم يصنع بي ما يصنع فكفوه عني، فخلاه.
قال بعض من كان بالقصر: لما التقوا ظنا أن القيامة قد قامت لما سمعنا من هماهم القوم ووقع الحديد وصهيل الخيل.
ذكر غزو الصغدوفي هذه السنة عبر سعيد خذينة النهر وغزا الصغد، وكانوا قد نقضوا العهد وأعانوا الترك على المسلمين، فقال الناس لسعيد: إنك قد تركت الغزو وقد أغار الترك وكفر أهل الصغد. فقطع النهر وقصد الصغد، فلقيه الترك وطائفة من الصغد فهزمهم المسلمون، فقال سعيد: لا تتبعوهم فإن الصغد بستان أمير لمؤمنين وقد هزمتموهم، أفتريدون بوارهم؟ وقد قاتلتم يا أهل العراق الخلفاء غير مرة فهل أبادوكم؟ وقال سورة بن الحر لحيان النبطي: ارجع عنهم يا حيان. قال: عقيرة الله لا أدعها. قال: انصرف يا نبطي. قال: أنبط الله وجهك! وسار المسلمون فانتهوا إلى واد بينهم وبين المرج، فقطعه بعضهم وقد أكمن لهم الترك، فلما جاءهم المسلمون خرجوا عليهم، فانهزم المسلمون حتى أنتهوا إلى الوادي، فصبروا حتى انكشفوا لهم. وقيل: بل كان المنهزمون مسلحة المسلمين، فما شعروا إلا والترك قد خرجوا عليهم من غيضة وعلى الخيل شعبة بن ظهير، فأعجلهم الترك عن الركوب، فقاتلهم شعبة فقتل وقتل نحو من خمسين رجلاً وانهزم أهل المسلحة، وأتى المسلمين الخبر، فركب الخليل بن أوس العبشمي أحد بين ظالم ونادى: يا بني تميم إلي أنا الخليل! فاجتمع معه جماعة، فحمل بهم على العدو فكفوهم حتى جاء الأمير والناس فانهزم العدو، فصار الخليل على خيل بني تميم حتى ولي نصر بن سيار، ثم صارت رياستهم لأخيه الحكم بن اؤس.
فلما كان العام المقبل بعض رجالاً من تميم إلى ورغسر فقالوا: ليتنا نلقى العدو فناطردهم. وكان سعيد إذا بعث سرية فأصابوا أو غنموا وسبوا رد السبي وعاقب السرية؛ فقال الهجري الشاعر:
سريت إلى الأعداء تلهو بلبةٍ ... وأيرك مسلول وسيفك مغمد
وأنت لمن عاديت عرس خفية ... وأنت علينا كالحسام المهند
فقعد سعيد على النا وضعفوه. وكان رجل من بني أسد يقال له إسماعيل منقطعاً إلى مروان بن محمد، فذكر إسماعيل عند خذينة مودته لموان، فقال خذينة: وما ذاك السلط؟ فقال إسماعيل:
زعمت خذينة انني سلط ... لخدينة المرآة والمشط
ومجامر وكاحل جعلت ... ومعازف وبخدها نقط
أفذاك أم زعف مضاعفة ... ومهند من شأنه القط
لمقرسٍ ذكرٍ أخي ثقةٍ ... لم يغذه التأنيث واللقط
في أبيات غيرها.
ذكر موت حيان النبطي
وقد ذكر من أمر حيان فيما تقدم عند قتل قتيبة وأنه ساد وتقدم بخراسان، فلما قال سورة بن الحر: يا نبطي، وأجابه حيان فقال: أنبط الله وجهك، على ما تقدم آنفا، حقدها عليه سورة، فقال لسعيد حذينة: إن هذا العبد أعدى الناس للعرب والوالي، وهو أفسد خراسان على قتيبة، وهو واثب بك يفسد عليك خراسان ثم يتحصن في بعض هذه القلاع. فقال سعيد: لا تسمعن هذا أحداً. ثم دعا في مجلسه بلبن وقد أمر بذهب، فسحق وألقي في اللبن الذي في إناء حيان، فشربه حيان، ثم ركض سعيد والناس معه أربعة فراسخ ثم رجع، فعاش حيان أربعة أيام ومات، وقيل: إنه لم يمت هذه السنة، وسيرد ذكره فيما بعد إن شاء الله تعالى.
ذكر عزل مسلمة عن العراق وخراسان
وولاية ابن هبيرةوكان سببب ذلك أنه ولي العراق وخراسان، فلم يرفع من الخراج شيئاً، واستحيا يزيد بن عبد الملك أن يعزله فكتب إليه: استخلف على عملك وأقبل.
وقيل: إن مسلمة شاور عبد العزيز بن حاتم بن النعمان في الشخوص إلى يزيد ليزوره.
قال: أمن شوق إليه؟ إن عهدك منه لقريب. قال: لا بد من ذلك. قال: إذا لا تخرج من عملك حتى تلقى الوالي عليه. فسار مسلمة فلقيه عمر بن هبيرة الزاري بالعراق على دواب البريد، فسأله عم مقدمة، فقال عمر: وجهني أمير المؤمنين في حيازة أموال بني المهلب.
فلما خرج من عنده أحضر مسلمة عبد العزيز بن حاتم وأخبره خبر ابن هبية، فقال: قد قلت لك. قال مسلمة: فإنه جاء لحيازة أموال آل المهلب. قال: هذا أعجب من الأول، يكون ابن هبيرة على الجزيرة فيعزل عنها ويبعث لحيازة أموال بني المهلب ولم يكتب معه إليك كتاب! فلم يلبث حتى أتاه ابن هبيرة عمالة والغلظة عليهم؛ فقال الفرزدق:
راحت بمسلمة البغال عشيةً ... فارعي فزارة لا هناك المرتع
عزل ابن بشرٍ وابن عمرو قبله ... وأخو هراة لمثلها يتوقع
يعني بابن بشر بن مروان، وبابن عمرو محمداً ذا الشامة، وبأخي هراة سعيد خذينة.
وأما ابتداء أمر ابن هبيرة حتى ولي العراق فإنه قدم من البادية من بني فزارة فافترض مع بعض ولاة الحرب، وكان يقول: لأرجو أن لا تنقضي الأيام حتى ألي العراق. وسار مع عمرو بن معتوية العقيلي إلى غزو الروم، فأتي بفرس رائع إلا أنه لا يستطاع ركوبه، فقال: من ركبه فهو له، فقام عمر بن هبيرة وتنحى علن الفرس وأقبل حتى إذا كان بحيث تناله رجلا الفرس إذا رمحه وثب فصار على سرجه، فأخذ الفرس.
فلما خلع مطرف بن المغيرة بن شعبة الحجاج سار عمر بن هبيرة في الجيش الذين حاربوه من الري، فلما التقى العسكان التحق ابن هبيرة بمطرف مظهر أنه معه، فلما جال الناس كان ممن قتله وأخذ رأسه، وقيل قتله غيره وأخذ هو رأسه وأتى به عديا فأعطاه مالاً وأوفده إلى الحجاج بالرأس، فسيره الحجاج إلى عبد الملك، فأقطعه ببرزة، وهي قرية بدمشق، وعاد إلى الحجاج، فوجهه إلى كردم بن مرثد الفزاري ليخلص منه مالاً، فاخذه منه وهرب إلى عبد الملك وقال: أنا عائذ بالله وبأمير المؤمنين من الحجاج، فإنني قتلت ابن عمه مطرف بن المغيرة وأتيت أمير المؤمنين برأسه ثم رجعت فأراد قتلي، ولست آمن أن ينسبني إلى أمر يكون فيه هلاكي. فقال: أنت في جواري. فأقام عنده، فكتب فيه الحجاج إلى عبد الملك يذكر أخذه المال وهربه، فقال له: أمسك عنه.
وتزوج بعض ولد عبد الملك بنتا للحجاج، فكان ابن هبيرة يهدي ويبرها وييسر عليها، فكتب إلى أبيها تثني عليه، فكتب إليه الحجاج يأمره أن ينزل به حاجاته، وعظم شأنه بالشام .
فلما استخلف عمر بن عبد العزيز استعمله على الجزيرة، فلما ولي يزيد بن عبد الملك ورأى ابن بيرة تحكم حرابة عليه تابع هداياه إليها وإلى يزيد بن عبد الملك، فعملت له في ولاية العراق، فولاه يزيد.
وكان ابن هبيرة بينه وبين القعقاع بن خليد العبسي تحاسد، فقال القعقاع: من يطيق ابن هبيرة، حبابة بالليل وهداياه بالنهار! فما ماتت حبابة قال القعقاع:
هلم فقد ماتت حبابة سامين ... بنفسك يقدمك الذرى والكمواهل
أغرك أن كانت حبابة مرةً ... تميحك فانظر كيف ما أنت فاعل
في أبيات. وكان بينه وبين القعقاع يوماً كلام، فقال له القعقاع: يا بن اللخناء من قدمك؟ فقال: قدمك أنت وأهلك أعجاز الغواني، وقدمتي صدور العوالي. فسكت القعقاع. يعني أن عبد الملكل قدمهم لما تزوج إليهم فإن أم الوليد وسليمان ابني عبد الملكل بن مروان عبسية
ذكر بعض الدعاة للدولة العباسيةوفي هذه السنة وحه ميسرة رسله من العراق إلى خراسان، فظهر أمر الدعاة بها، فجاء عمر بن بحير بن ورقاء السعدي إلى سعيد خذينة فقال له: إن هاهنا قوماً قد ظهر منهم كلام قبيح، وأعلمه حالهم، فبعث سعيد إلهم فأتي بهم، فقال: ممن أنتم؟ قالوا: ناس من التجار. قال: فما هذا الذي يحكى؟ قالزا: لا ندري. قال: جئتم دعاة؟ قالوا: إن لنا في أنفسنا وتجارتنا شغلاً عن هذا. فقال: مني يعرف هؤلاء؟ فجاء ناس من أهل خراسان أكثرهم من ربيعة واليمن فقالوا: نحن نعرفهم، وهم علينا إن أتاك منهم شيء تكرهه. فخلى سبيلهم.
ذكر قتل يزيد بن أبي مسلمقيل: كان يزيد بن عبد الملك قد استعمل يزيد بن أبي مسلم بإفريقية سنة إحدى ومائة، وقيل هذه السنة؛ وكان سبب قتله أنه عزم أن يسير فيهم بسيرة الحجاج في أهل الإسلام الذين سكنوا الأمصار ممن كان أصله من السواد من أهل الذمة، فأسلم بالعراق، فإنه ردهم إلى قراهم ووضع الجزية على رقابهم على نحو ما كانت تؤخد منهم وهم كفار، فلما عزم يزيد على ذلك اجتمع رأيهم على قتله وولوا على أنفسهم الوالي الذي ككان عليهم قبل يزيد بن أبي مسلم، وهو محمد بن زيد، فولي الأمصار، وكان عندهم، وكتبوا إلى يزيد بن عبد الملك: إنا لم نخلع أيدينا من طاعة، ولكن يزيد بن أب مسلم سامنا ما لا يراه الله والمسلمون فقتلناه وأعدنا عاملك. فكتب إليهم يزيد بن عبد الملك: إني لم أرض ما صنع يزيد بن أبي مسلم؛ وأقر محمد ابن يزيد على عمله.
ذكر عدة حوادثفي هذه السنة غزا عمر بن هبيرة الروم من ناحية أرمينية وهو على الجزيرة قبل أن يلي العراق، فهزمهم وأسر منهم خلقاً كثيراً وقتل سبعمائة أسير. وفيها غزا عباس بن الوليد بن عبد الملك الروم فافتتح دلسة.
وحج بالناس هذه السنة عبد الرحمن بن الضحاك، وهو عامل المدينة، وكان على مكة عبد العزيز بن عبد الله بن خالد. وكان على الكوفة محمد بن عمرو ذو الشامة، وعلى قضائها القاسم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود، وعلى البصرة عبد الله بن بشر بن مروان إلى أن عزله عمر بن هبيرة، وعلى خراسان سعيد خذينة، وعلى مصر أسامة بن زيد.
ثم دخلت سنة ثلاث ومائة
ذكر استعمال سعيد الحرشي على خراسانفي هذه السنة عزل عمر بن هبيرة سعيد خذينة عن خراسان. وكان سب عزله أن المجشر بن مزاحم السلمي وعبد الله بن عمير الليثي قدما على عمر بن هبيرة فشكواه، فعزله واستعمل سعيد بن عمروا الحرشي، بلحاء المهملة، والشين المعجمة، من بني الحريش بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة. وكان خذينة غازيا بباب سمرقند، فبلغه عزله، وخلف بسمرقند ألف رجل.
وقيل: إن عمر بن هبيرة كتب إلى يزيد بن عبد الملك بأسماء من أبلى يوم العقر ولم يذكر سعيداً الحرشي، فقال يزيد: لم يذكر الحرشي؟ وكتب إلى عمر بن هبيرة أن أول الحرشي خراسان، فولاه، فقدم بين يديه المجشر بن مزاحم السلمي؛ فقال نهار بن توسعة:
فهل من مبلغ فتيان قومي ... بأن النبل ريشت كل ريش
وأن الله أبدل من سعيد ... سعيداً لا المخنث من قريش
وقدم سعيد الحرشي خراسان، فلم يعرض لعمال خذينة، وقرأ رجل عهده فلحن فيه، فقال: صه، مهما سمعتم فهو من الكتاب والأمير منه بريء. ولما قدم الحرشي خراسان كان الناس بإزاء العدو، وكانوا قد نكبوا، فخطبهم وحثهم على الجهاد وقال: إنكم لا تقاتلون بكثرة ولا بعدة ولكن بنصر الله وعز الإسلام، فقالوا: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم؛ وقال:
فلست لعامر إن لم تروني ... أمام الخيل أطعن بالعوالي
وأضرب هامة الجبار منهم ... بعضب الحد حودث بالصقال
فما أنا في الحروب بمستكين ... ولا أخشى مصاولة الرجال
أبى لي والدي من كل ذم ... وخالي في الحوادث خير خال
فلما سمع أهل الصغد بقدوم الحرشي خافوا على نفوسهم لأنهم كانوا قد أعانوا لترك أيام خذينة، فاجتمع عظماؤهم على الخروج من بلادهم، فقال لهم ملكهم: لا تفعلوا، أقيموا واحملوا الخراج ما مضى واضمنو له خراج ما يأتي وعمارة الأرض والغزو معه إن أراد ذلك، واعتذروا مما كان منكم وأعطوه رهائن. قالوا: نخاف أن لا يرضى ولا يقبل ذلك منا ولكنا نأتي خجندة فنستجير ملكها ونرسل إلى الأمير فنسأله الصفح عما كان منا ونوثق أنه لا يرى أمراً يكرهه. فقال: أنا رجل منكم، والذي أشرت به عليكم خير لكم.
فأبوا وخرجوا إلى خجندة، وأرسلوا إلى ملك فرغانة يسألونه أن يمنعهم وينزلهم مدينته، فأراد أن يفعل فقالت أمه: لا يدخل هؤلاء الشياطين مدينتك، ولكن فرغ لهم رستاقاً يكونون فيه، فأرسل إليهم: سموا رستاقاً تكونون فيه حتى أفرغه لكم وأجلوني أربعين يوماً، وقيل عشرين يوماً. فاختاروا شعب عصام بن عبد الله الباهلي، وكان قتيبة قد خلفه فيهم، فقال: نعم، ولا أنا على عقد وجوار حتى تدخلوه، وإن أتتكم العرب قبل أن تدخلوه لم أمنعكم. فرضوا، ففرغ لهم الشعب.
ذكر عدة حوادثقيل: وفي هذه السنة أغارت الترك على اللان. وفيها غزا العباس بن الوليد الروم ففتح مدينة يقال لها دلسة. وفيها جمعت مكة والمدينة لعبد الرحمن بن الضحاك. وفيها ولي عبد الواحد بن عبد الله النضري الطائف، وعزل عبد العزيز بن عبد الله بن خالد عنه وعن مكة.
وحج بالناس عبد الرحمن بن الضحاك، وكان عامل مكة والمدينة، وكان على العراق عمر بن هبيرة، وعلى خراسان الحرشي، وعلى قضاء الكوفة القاسم بن عبد الرحمن، وعلى قضاء البصرة عبد الملك بن يعلي.
وفي هذه السنة مات الشعبي، وقيل ينة أربع، وقيل خمس، وقيل سبع ومائة، وهو ابن سبع وسبعين سنة. وفيها مات يزيد بن الأصم وهو ابن أخت ميمونة زوج النبي، صلى الله عليه وسلم ، وقيل: مات سنة أربع ومائة وعمره ثلاث وسبعون سنة. وفيها مات أبو بردة بن أبي موسى الأشعري. ويزيد ابن نمير السكوني. وفيها توفي عطاء بن يسار، وهو أخو سليمان؛ يسار بالياء المثناة من تحت، والسين المهملة. وفيها توفيت عمرة بنت عبد الرحمن ابن يعبد ابن زرارة الأنصارية، وهي ابنة سبع وسبعين سنة. وفيها توفي مصعب ابن سعد بن أبي وقاص. ويحيى بن وثاب الأسدي المنقري. وعبد العزيز ابن حاتم بن النعمان الباهلي، وكان عامل عمر بن العزيز على الجزيرة.
ثم دخلت سنة أربع ومائة
ذكر الوقعة بين الحرشي والصغدقيل: وفي هذه السنة غزا الحرشي فقطع النهر وسار فنزل في قصر الريح على فرسخين من قيل: وفي هذه السنة غزا الحرشي فقطع النهر وسار فنزل في قصر الريح على فرسخين من الدبوسية، ولم يجتمع إليه جنده، فأمر بالرحيل، فقال له هلال بن عليم الحنظلي: يا هناه إنك وزيراً خير منك أميراً، لم يجتمع إليك جندك وقد أمرت بالرحيل. فعاد فأمر بالنزور، وأتاه ابن عم ملك فرغانة فقال له: إن أهل الصغد بخجندة، وأخبره بخبرهم، وقال: عاجلهم قبل أن يصلوا إلى الشعب فليس لهم جوار علينا حتى يمضي الأجل. فوجه معه عبد الرحمن القشيري وزياد بن عبد الرحمن في جماعة، ثم ندم بعدما فصلوا وقال: جائني علج لا أعلم أصدق أم كذب، فغررت بجندٍ من المسلمين؛ فارتحل في أثرهم حتى نزل أشروسنة فصالحهم بشيء يسير.
فبينا هو يتعشى إذ قيل له هذا عطاء الدبوسي، وكان مع عبد الرحمن، فسقطت اللقمة من يده، ودعاء بعطاء فقال: ويلك قاتلتم أحداً؟ قال: لا. قال: لله الحمد! وتعشى وأخبره بما قدم له، فسار مسرعاً حتى لحق القشيري بعد ثلاثة أيام، وسار فلما انتهى إلى حجندة قال له بعض أصحابه: ما ترى؟ قال: أرى المعالجة. قال: لا أرى ذلك، إن جرح رجل فإلى أين يرجع، وأقتل قتيل فإلى من يحمل؟ ولكني أرى النزول والتأني والاستعداد للحرب. فنزل فأخذ في التأهي، فلم يخرج أحد من العدو، فجبن الناس الحرشي وقالوا: كان يذكر بشجاعة وديانة، فلما صار بالعراق ماق. فحمل رجل من العرب فضرب باب خجندة بعمود ففتح الباب، وكانوا حفروا في ربضهم وراء الباب الخارج خندقاً وغطوه بقصب وتراب مكيدة، وأرادوا أذ التقوا إن انهزموا كانو قد عرفوا الطريق ويشكل على المسلمين ويسقطون في الخندق، فلما خرجوا قاتلوهم فانهزموا، وأخطأهم الطريق فسقطوا في الخندق، وأخرج منهم المسلمون أربعين رجلاً. وحصرهم الحرشي ونصب عليهم المحانيق. فأرسلوا إلى ملك فرغانة: غنك غدرت بنا، وسألوه أن ينصرهم، فقال: قد أتوكم قبل انقضاء الأجل، ولستم في جواري. فطلبوا الصلح وسألوا الأمان وأن يردهم إلى الصغد، واشترط عليهم أن يردوا ما في أيديهم من نساء العرب ودراريهم وأن يؤدوا ما كسروا من الخراج ولا يغتالوا أحداً ولا يتخلف منهم بخجندة أحد، فإن أحدثوا حدثاً حلت دامؤهم.
فخرج إليهم الملوك والتجار من الصغد، وترك أهل خجندة على حالهم، ونزل عظماء الصغد على الجند الذين يعرفونهم، ونزل كارزنج على أيوب بن أبي حسان. وبلغ الحرشي أنهم قتلوا امرأة ممن كان في أيديهم، فقال: بلغني أن ثابتاً قتل امرأة ودفنها، فجحد، فسأل فإذا الخبر صحيح، فدعا بثابت إلى خيمته فقتله، فلما سمع كارزنج بقتله خاف أن يقتل وأرسل إلى ابن أخيه ليأتيه بسراويل، وكان قد قال لابن أخيه: إذا طلبت سراويل فاعلم أنه القتل، فبعث به إليه وخرج واعترض الناس فقتل ناساً، وتضعضع العسكر ولقوا منه سراً، أنهى إلى ثابت بن عثمان بن مسعود فقتله ثابت.
وقتل الصغد أسرى عندهم من المسلمين مائة وخمسين رجلاً، فأخبر الحرشي بذلك، فسأل فرأى الخبر صحيحاً، فأمر بقتلهم وعزل التجار عنهم، فقاتلهم الصغد بالخشب، ولم يكن لهم سلاح، فقتلوا عن آخرهم، وكانوا ثلاثة آلاف، وقيل سعة آلاف، واصطفى أموال الصغد وذراريهم، وأخذ منها ما أعجبه، ثم دعا ملسم بن بديل العدوي عدي الرباب وقال: وليتك المقسم. فقال: بعدما عمل فيه عمالك ليلة! وله غيري، فولاه غيره. وكتب الحرشي إلى يزيد بن عبد الملك ولم يكتب إلى عمر بن هبيرة، فكان هذا مما أوغر صدره عليه؛ وقال ثابت قطنة يذكر ما أصابوا من عظمائهم:
أقر العين مصرع كارزنج ... وكشكير وما لاقى يباد
وديوشتى وما لاقى خلنج ... بحصن خجند إذا دمروا فبادروا
يقال : إن دويشتى دهقان سمرقند، واسمه ديو أشنج فأعربوه، وقيل: كان على أقباض خجندة علباء بن أحمر اليشكري، فاشترى رجل منهم جونة بدرهمين فوجد فيها سبائك ذهب فرجع وقد وضع يده على وجهه كأنه رمد فرد الجونة وأخذ الدرهمين، فطلب لم يعرف.
وسرح الحرشي سليمان بن أبي السري إلى حصن لا يطيف به وادي الصغد إلا من وجه واحد ومعه خوارزمشاه وصاحب آخرون وشومان، فسير سليمان على مقدمته المسيب بن بشر الرياحي، فتلقوه على فرسخ، فهزمهم حتى ردهم إلى حصنهم فحصرهم، فطلب الديوشتى أن ينزل على حكم الحرشي فسيره إليه فأكرمه، وطلب أهل القلعة الصلح على أن لا يتعرض لنسائهم زراريهم ويسلمون القلعة. فبعث سليمان إلى الحرشي ليبعث الأمناء لقبض ما في القلعة، فبعث من قبضه وباعوه وقسموه.
وسار الحرشي إلى كش وصالحوه على عشرة آلاف رأس، وقيل ستة آلاف رأس. وسار إلى زلرنج، فوافاه كتاب ابن هبيرة بإطلاق ديوشتى، فقتله وصلبه وولى نصر بن سيار قبض صلح كش، واستعمل سليمان بن أبي السري على كش ونسف حربها وخراجها. وكانت خزائن منيعة، فقال المجشر للحرشي: ألا أدلك على من يفتحها لك بغير قتال؟ قال: بلى. قال: المسربل بن الخريت بن راشد الناجي، فوجهه إليها، وكان صديقاً لملكها، واسم الملك سبغرى، فأخبر الملك بما صنع الحرشي بأهل خجندة وخوفه، قال: فما ترى؟ قال: أن تنزل بأمان. قال: فما أصنع بمن لحق بي؟ قال: تجعلهم في أمانك؛ فصالحهم فأمنوه وبلاده ورجع الحرشي إلى بلاده ومعه سبغرى، فقتل سبغرى وصلب ومعه الأمان.
ذكر ظفر الخزر بالمسلمينفي هذه السنة دخل جيش للمسلمين بلاد الخزر من أرمينية وعليهم ثبيت النهراني، فاجتمعت الخزر في جمع كثير وأعانهم قفجان وغيرهم من أنواع الترك فلقوا المسلمين في مكان يعرف بمرج الحجارة فاقتتلوا هنالك قتالاً شديداً، فقتل من الملمين بشر كثير واحتوت الخزر على عسكرهم وغنموا جميع ما فيه، وأقبل المنهزمون إلى الشام فقدموا على يزيد بن عبد الملك وفيهم قبيت، فوبخهم يزيد على الهزيمة فقال: يا أمير المؤمنين ما جبنت ولا نكبت عن لقاء العدو ولقد لصقت الخيل بالخيل والرجل بالرجل، ولقد طاعنت حتى انقصف رمحي، وضاربت حتى انقطع سيفي، غير أن الله، تبارك وتعالى، يفعل ما يريد.
ذكر ولاية الجراح أرمينية وفتح بلنجر وغيرهالما تمت الهزيمة المذكورة على المسلمين طمع الخزر في البلاد فجمعوا وحشدوا، واستعمل يزيد بن عبد الملك الجراح بن عبد الله الحكمي حينئذ على أرمينية وأمده بجيش كثيف وأمره بغزو الخزر وغيرهم من الأعداء وبقصد بلاده. فسار الجراح، وتسامع الخزيرية فعادوا حتى نزلوا بالباب والأبواب، ووصل الجراح إلى برذعة فأقام حتى استراح هو ومن معه سار نحو الخزر فعبر نهر الكر، فسمع بأن بعض من معه من أهل تلك الجبال قد كاتب ملك الخزر يخبره بمسير الجراح إليه، فحينئذ أمر الجراح مناديه فنادى في الناس: إن المير مقيم ها هنا عدة أيام فاستكثروا من الميرة، فكتب ذلك الرجل إلى ملك الخزر يخبره أن الجراح مقيم ويشير عليه بترك الحركة لئلا يطمع المسلمون فيه.
فلما كان الليل أمر الجراح بالرحيل، فسار مجداً حتى انتهى إلى مدينة الباب والأبواب فلم ير الخزر، فدخل البلد فبث سراياه في النهب والغارة على ما يجاوره، فغنموا وعادوا من الغد، وسار الخزر إليه وعليهم ابن ملكهم فالتقوا عند نهر الران واقتتلوا قتالاً شديداً، وحرض الجراح أصحابه، واشتد القتال، فظفروا بالخزر وهزموهم وتبعهم المسلمون يقتلون ويأسرون، فقتل منهم خلق كثير، وغنم المسلمون جميع ما معهم وساروا حتى نزلوا على حصن يعرف بالحصين فنزل أهله بالأمان على مال يحملونه، فأجابهم ونقلهم عنها.
ثم سار إلى مدينة يقال لها يرغوا، فأقام عليها ستة أيام، وهو مجد في قتلهم، فطلبوا الأمان، فأمنهم وتسلم حصنهم ونقلهم منه.
ثم سار الجراح إلى بلنجر، وهو حصن مشهور من حصونهم، فنازله، وكان أهل الحصن قد جمعوا ثلاثمائة عجلة فشدوا بعضها إلى بعض وجعلوها حول حصنهم ليحتموا بها وتمنع المسلمين من الوصول إلى الحصن، وكانت تلك العجل أشد شيء على المسلمين في قنالهم. فلما رأوا الضرر الذي عليهم منها انتدب جماعة منهم نحو ثلاثين رجلاً وعاهدوا على الموت وكسروا جفون سيوفهم وحملوا حملة رجل واحد وتقدموا نحو العجل، وجد الكفار في قتالهم ورموا من النشاب ما كان يحجب الشمس فلم يرجع أولئك حتى وصلوا إلى العجل وتعلقوا ببعضها وقطعوا الجبل الذي يمسكها وجذبوها فانحدرت، وتبعها سائر العجل لأن بعضها كان مشدوداً إلى بعض وانحدر الجميع إلى المسلمين والتحم القتال واشتد وعظم الأمر على الجميع حتى بلغت القلوب الحناجر.
ثم إن الخزر انهزموا واستولى المسلمون على الحصن عنوة وغنموا جميع ما فيه في ربيع الأول فأصاب الفارس ثلاثمائة دينار، وكانوا بضعة وثلاثين دينار، وكانوا بضعة وثلاثين ألفاً.
ثم إن الجراح أخذ أولاد صاحب بلنجر وأهله وأرسل إليه فأحضره ورد إليه أمواله وأهله وحصنه وجعله عيناً لهم يخبرهم بما يفعله الكفار.
ثم سار عن بلنجر فنزل على حصن السويدر، وبه نحو أربعين ألف بيت من الترك، فصالحوا الجراح على مال يؤدونه. ثم إن أهل تلك البلاد تجمعوا وأخذوا الطرق على المسلمين، فكتب صاحب بلنجر إلى الجراح يعلمه بذلك. فعاد مجداً حتى وصل إلى رستاق ملى وأدركهم الشتاء، فأقام المسلمون به، وكتب الجراح إلى يزيد بن عبد الملك يخبره بما فتح الله عليه وبما اجتمع من الكفار ويسأله المدد. فوعده إنفاذ العساكر إليه، فأدركه أجله قبل إنفاذ الجيش، فأرسل هشام بن عبد الملك إلى الجراح فأقره على عمله ووعده المدد.
ذكر عزل عبد الرحمن بن الضحاك عن المدينة ومكةوفي هذه السنة عزل يزيد بن عبد الملك عبد الرحمن بن الضحاك عن المدينة ومكة، وكان عامله عليهما ثلاث سنين، وولى عبد الواحد النضري.
وكان سبب ذلك أن عبد الرحمن خطب فاطمة بنت الحسين بن علي فقالت: ما أريد النكاح ولقد قعدت على بني هؤلاء. فألح عليها وقال: لئن لم تفعلي لأجلدن أكبر بنيك في الخمر، يعني عبد الله بن الحسن بن الحسين ابن علي، وكان على الديوان بالمدينة ابن هرمز، رجل من أهل الشام، وقد رفع حسابه ويريد أن يسير إلى يزيد، فدخل على فاطمة يودعها فقال: هل من حاجة؟ فقالت: تخبر أمير المؤمنين بما ألقى من ابن الضحاك وما يتعرض مني؛ وبعثت رسولاً بكتابك إلى يزيد بخبره بذلك.
وقدم ابن هرمز على يزيد، فاستخبره عن المدينة وقال: هل من مغربة خبر؟ فلم يذكر شأن فاطمة. فقال الحاجب ليزيد: بالباب رسول من فاطمة بنت الحسين. فقال أبن هرمز: إنها حملتني رساةً إليك. وأخبره بالخبر. فنزل من فراسه وقال: لا أم لك! عندك هذا ولا تخبرنيه؟ فاعتذر بالنسيان؛ وأذن لرسولها فأدخله وأخذ الكتاب فقرأه وجعل يضرب بخيزران في يده ويقول: لقد اجترأ ابن الضحاك، هل من رجل يسمعني صوته في العذاب؟ قيل له: عبد الواحد بن عبد الله النضري. فكتب بيده إلى عبد الواحد: قد وليتك المدينة فاهبط إليها واعزل عنها ابن الضحاك وأغرمه أربعين ألف دينار وعذبه حتى أسمع صوته وأنا على فراشي.
وسار البريد بالكتاب ولم يدخل على ابن الضحاك، فأخبر ابن الضحاك، فأحضر البريد وأعطاه ألف دينار ليخبره خبره، فسار ابن الضحاك مجداً فنزل على مسلمة بن عبد الملك فاسجاره، فحضر مسلمة عنه يزيد فطلب إليه حاجة خاله، فقال: كل حاجة خاله، فقال: كل حاجة فهي لك إلا ابن الضحاك. فقال: هي والله ابن الضحاك. فقال: والله لا أعفيه أبداً. وردة إلى المدينة إلى المدينة إلى عيد الواحد، فعذبه ولقي شراً، ثم لبس جبة صوف يسأل الناس.
وكان قدوم النضري في شوال سنة أربع ومائة. وكان ابن الضحاك قد آذى الأنصار طراً، فهجاه الشعراء وذمه الصالحون، ولما وليهم النضري أحسن السيرة فأحبوه، وكان خيراً يستشير فيما يرد فعله القاسم بن محمد وسالم ابن عبد الله بن عمر.
ذكر ولادة أبي العباس السفاحوقيل: وفيها ولد أبو العباس عبد الله بن محمد بن علي بن محمد بن علي في ربيع الآخر، وهو السفاح، ووصل إلى أبيه محمد بن علي أبو محمد الصادق من خراسان في عدة من أصحابه، فأخرج إليهم أبا العباس في خرقة وله خمسة عشر يوماً وقال لهم: هذا صاحبكم الذي يتم الأمر على يده فقلبوا أطرافه، وقال لهم: والله ليتمن الله هذا الأمر حتى تدركوا ثأركم من عدوكم.
ذكر عزل سعيد الحرشيوفي هذه السنة عزل بن هبيرة سعيداً الحرشي عن خراسان وولاها مسلم بن سعيد بن أسلم بن زرعة الكلابي.
وكان السبب في ذلك ما كان كتبه ابن هبيرة إلى الحرشي بإطلاق الديوشتى فقتله، وكان يستخف بابن هبيرة ويذكره بأبي المثنى ولا يقول الأمير فيقول: قال أبو المثنى، وفعل أبو المثنى، فبلغ ذلك ابن هبيرة فأرسل جميل بن عمران ليعلم حال الحرشي، وأظهر أنه ينظر في الدواوين، فلما قدم على الحرشي قال: كيف أبو المثنى؟ فقيل له: إن جميلاً لم يقدم إلا ليعلم علمك. فسم بطيخة وبعث بها إليه فأكلها ومرض وسقط شعره، ورجع إلى ابن هبيرة وقد عولج فصح، فقال له: الأمر أعظم مما بلغك، ما يرى الحرشي إلا أنك عامل له؛ فغضب وعزله ونفح في بطنه النمل وعذبه حتى أدى الأموال.
وسمر ليلة ابن هبيرة فقال: من سيد قيس؟ فقالوا: الأمير. قال: دعوا هذا، سيد قيس الكوثر بن زفر، لوثور بليل لوافاه عشرون ألفاً لا يقولون لم دعوتنا، وفارسها هذا الحمار الذي في الحبس وقد أمرت بقتله، يعني الحرشي، فأما خير قيس لها فعسى أن أكونه. فقال له أعرابي من بني فزارة: لو كنت كما تقول ما أمرت بقتل فارسها. فأرسل إلى معقل بن عروة أن كف عن قتله، وكان قد لسمه إليه ليقتله وكان ابن هبيرة لما ولى مسلم ابن سعيد خراسان أمره بأخذ الحرشي وتقيده وانفاذ إله، فقدم مسلم دار الإمارة فرأى الباب مغلقاً، فقيل للحرشي: قدم مسلم، فأرسل إليه: أقدمت أميراً أو وزيراً أو زائراً؟ فقال: مثلي لا يقدم زائراً ولا وزيراً. فأتاه الحرشي فشتمه وقيده وأمر بحبسه، ثم أمر صاحب الحبس أن يزيده قيداً، فأخبر الحرشي بذلك فقال لكاتبه: اكتب إليه إن صاحب سجنك ذكر أنك أمرته أن يزيدني قيداً، فإن كان أمراً ممن فوقك فسمعاً وطاعة، وإن كان رأياً رأيته فسيرك الحقحقة! وهي أشد السير؛ وتمثل:
فإما تثقفوني فاقتلوني ... ومن يثقف فليس له خلود
هم الأعداء إن شهدوا وغابوا ... أولو الأحقاد والأكباد سود
فلما هرب ابن هبيرة عن العراق أرسل خالد القسري في طلب الحرشي فأدركه على الفرات، فقال: ما ظنك بي؟ قال: ظني بك أنك لا تدفع رجلاً من قومك إلى رجل من قيس. فقال: هو ذاك.
ذكر عدة حوادثوحج بالناس هذه السنة عبد الواحد بن عبد الله النضري، وعلى العراق والمشرق عمر بن هبيرة. وعلى الكوفة حسين بن حسن الكن. وعلى قضاء البصرة عبد الملك بن يعلى.
وفيها مات أبو قلابة الجرمي، وقيل سنة سبع ومائة.
وفيها مات أبو قلابة الجرمي، وقيل سنة سبع ومائة. وعبد الرحمن بن حسان بن ثابت النصاري. وفيها توفي يحيى ابن عبد الرحمن بن حاطب بن أبي بلتعة. وفيها مات عامر بن سعد بن أبي وقاص. وفيها توفي موسى بن طلحة بن عبيد الله. وعمير مولى ابن عباس يكنى أبا عبد الله. وخالد بن معدان بن أبي كرب الكلاعي سكن الشام.
ثم دخلت سنة خمس ومائة
ذكر خروج عقفانفي أيام يزيد بن عبد الملك خرج حروري اسمه عقفان في ثماني رجلاً، فأراد يزيد أن يرسل إليه جنداً يقاتلونه، فقيل له: إن قتل بهذه البلاد اتخذها الخوارج دار هجرة، والرأي أن تبعث إلى كل رجل من أصحابه رجلاً من قومه يكلمه ويرده. ففعل ذلك فقال لهم أهلوهم: إنا نخاف أن نؤخذ بكم. وأومنوا وبقي عفان وحده، فبعث إليه يزيد أخاه فاستعطفه فرده، فلما ولي هشام بن عبيد الملك ولاه أمر العصاة، فقدم ابنه من خراسان غاضباً، فشده وثاقاً وبعث به إلى هشام، فأطلقه لأبيه وقال: لو خاننا عقفان لكتم أمر ابنه. واستعمل عفان على الصدقة فبقي عليها إلى أن توفي هشام.
ذكر خروج مسعود العبديوخرج مسعود بن أبي زينب العبدي بالبحرين على الأشعث بن عبد الله ابن الجارود، ففارق الأشعث البحرين، وسار مسعود إلى اليمامة وعليها سفيان ابن عمرو العقيلي، ولاه إياها عمر بن هبية، فخرج إليه سفيان، فاقتتلوا بالخضرمة قتالاً شديداً، فقتل مسعود، وقام بأمر الخوارج بعده هلال بن مدلج فقاتلهم يومه كله، فقتل ناس من الخوارج وقتلت زينب أخت مسعود، فلما أمسى هلال تفرق عنه أصحابه وبقي في نفر يسير، فدخل قصراً فتحصن به، فنصبوا عليه السلاليم وصعدوا إليه فقتلوه واستأمن أصحابه فآمنهم؛ وقال الفرزدق في هذا اليوم:
لعمري لقد سلنت حنيفة سلةً ... سوفاً أبت يوم الوغى أن تغيرا
تركن لمسعود وزينب أخته ... رداء وسر بالاً من الموت أحمرا
أرين الحروريين يوم لقائهم ... ببرقان يوماً يجعل الموت أشقرا
وقيل: إن مسعوداً غلب على البحرين والمامة تسع عشرة سنة حتى قتله سفيان بن عمرو العقيلي.
الخضرمة بكسر الخاء وسكون الضاد المعجمتين، وكسر الراء.
ذكر مصعب بن محمد الواليكان مصعب من رؤساء الخوارج، وطلبه عمر بن هبيرة وطلب معه مالك بن الصعب وجابر بن سعد، فخرجوا واجتمعوا بالخورنق وأمروا عليهم مصعباً ومعه أخته آمنة وساروا عنه.
فلما ولي هشام بن عبد الملك واستعمل على العراق خالداً القسري سير إليهم جيشاً، وكانوا قد صاروا بحزة من أعمال الموصل، فالتقوا واقتتلوا، فقتل الخوارج، وقيل كان قتلهم آخر أيام يزيد بن عبد المكل، فقال فيهم بعض الشعراء:
فتية تعرف التخشع فيهم ... كلهم أحكم القرآن إماما
قد برى لحمه التهجد حتى ... عاد جلداً مصفراً وعظاماً
غادروهم بقاع حزة صرعى ... فسقى الغيث أرضهم يا إماما
ذكر موت يزيد بن عبد الملكفي هذه السنة توفي يزيد بن عبد الملك لخمس بقين من شعبان وله أربعون سنة، وقيل خمس وثلاثون سنة، وقيل غير ذلك، وكانت ولايته أربع سنين وشهراً وأياماً وكنيته أبو خالد، وكان مرضه السل.
وقيل: كان سبب موته أن حبابة لما ماتت وجد عليها وداً شديداً، على ما نذكره إن شاء الله تعالى، فخرج مشيعاً لجنازتها ومعه أخوه مسلمة بن عبد الملك ليسليه ويعزيه، فلم يحبه بكلمة، وقيل إن يزيد لم يطق الركوب من الجزع وعجز عن المشي فأمر مسلمة فصلى عليها، وقيل: منعه مسلمة عن ذلك لئلا يرى الناس منه ما يعيبونه به. فلما دفنت بقي بعدها همسة عشر يوماً ومات ودفن إلى جانبها، وقيل: بقي بعدها أربعين يوماً لم يدخل عليه أحد إلا مرة واحدة ولما مات صلى عليه أخوه مسلمة، وقيل: ابنه الوليد، وكان هشام بن عبد الملك بحمص.
ذكر بعض سيرتهكان يزيد من فتيانهم، فقال يوماً وقد طرب وعنده حبابة وسلامة القس: دعوني أطير قالت حبابة: على من تدع الأمة؟ قال: عليك؛ قيل وغنته يوماً:
وبين الترافي واللهاة حرارة ... ما تطمئن وما تسوغ فتبردا
فأهوى ليطير، فقالت: يا أمير المؤمنين إن لنا فيك حاجة. فقال: والله لأطيرن! فقالت: على من تخلف الأمة والملك؟ قال: عليك والله! وقبل يدها؛ فخرج بعض خدمه وهو يقول: سخنت عينك فما أسخفك! وخرجت معه إلى ناحية الأردن يتنزهان، فرماها بحبة عنب فدخلت حلقها فشرقت ومرضت وماتت، فتركها ثلاثة أيام لم يدفنها حتى أنتنت وهو يشمها ويقبلها وينظر إليها ويبكي، فكلم في أمرها حتى أذن في دفنها، وعاد إلى قصره كئيباً حزيناً، وسمع جاريةً له تتمثل بعدها.
كفى حزناً بالهائم الصب أن يرى ... منازل من يهوى معطلة قفرا
فبكى، وبقي يزيد بعد موتها سبعة أيام لا يظهر للناس، أشار عليه مسلمة بذلك وخاف أن يظهر منه ما سفهه عندهم.
وكان يزيد قد حج أيام أخيه سليمان فاشترى حبابة بأربعة آلاف دينار، وكان اسمها العالية، وقال سليمان: لقد هممت أن أحجر على يزيد فردها يزيد فاشتراها رجل من أهل مصر، فلما أفضت الخلافة إلى يزيد قالت امرأته سعدة: هل بقي من الدنيا شيء تتمناه؟ قال: نعم، حبابة. فأرسلت فاشترتها ثم صيغتها وأتت بها يزيد فأجلستها من وراء الستر وقالت: يا أمير المؤمنين هل بقي من الدنيا شيء تتمناه؟ قال: قد أعلمتك. فرفعت الستر وقالت: هذه حبابة، وقامت وتركتها عنده، فحظيت سعدة عنده وأكرمها. وسعدة بنت عبد الله بن عمرو بن عثمان. ولما مات يزيد لم يعلم بموته حتى ناحت سلامة فقالت:
لا تلمنا إن خشعنا ... أو هممنا بخسوع
قد لعمري بت ليلي ... كأخي الداء الوجيع
ثم بات الهم مني ... دون من لي بضجيع
ثم بات الهم مني ... دون من لي بضجيع
للذي حل بنا اليو ... م من الأمر الفظيع
كلما أبصرت ربعاً ... خالياً فاضت دموعي
قد خلا من سيدٍ كا ... ن لنا غير مضيع
ثم نادت: وا أمير المؤمنين أه! فعلموا بموته. والشعر لبعض الأنصار.
وأخبار يزيد مع سلامة وحبابة كثيرة ليس هذا موضع ذكرها.
وإنما قيل لسلامة سلامة القس لأن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي عمار أحد بني جشم بن معاوية بن بكير كان فقيهاً عابداً مجتهداً في العبادة، وكان يسمى القس لعبادته، مر يوماً بمنزل مولاها فسمع غناءها فوقف يسمعه، فرآه مولاها فقال له : هل لك أن تنظر وتسمع فأبى، فقال: أنا أقعدها بمكان لا تراها وتسمع غناءها؛ فدخل معه فغنته، فأعجبه غناؤها، ثم أخرجها مولاها إليه، فشغف بها وأحبها وأحبته هي أيضاً، وكان شاباً جميلاً. فقالت له يوماً على خلوة: أنا والله أحبك! قال: وأنا والله أحبك! قالت: وأحب أن أقبلك! قال: وأنا والله! قالت: وأحب أن أضع بطني على بطنك! قال: وأنا والله! قالت: فما منعك؟ قال: قول الله تعالى: " الأخلاء يومئذٍ بعضهم لبعضٍ عدو إلا المتقين " الزخرف:67 وأن أكره أن تؤول خلتنا إلى عداوة؛ ثم قام وانصرف عنها وعاد إلى عبادته، وله فيها أشعار، منها:
ألم ترها لا يبعد الله دارها ... إذا طربت في صوتها كيف تصنع
تمد نظام القول ثم نرده ... إلى صلصلٍ من صوتها يترجع
وله فيها:
ألا قل هذا القلب هل أنت مبصر ... وهل أنت عن سلامة اليوم مقصر
ألا ليت أني حيث صارت بها النوى ... جليس لسلمى كلما عج مزهر
إذا أخذت في الصوت كاد جليسها ... يطير إليها قبله حين ينظر
فقيل لها سلامة القس لذلك.
سلامة بتشديد اللام، وحبابة بتخفيف الباء الموحدة.
ذكر خلافة هشام بن عبد الملكفي هذه السنة استخلف هشام بن عبد الملك لليال بقين من شعبان، وكان عمره يوم استخلف أربعاً وثلاثين سنة وأشهراً، وكانت ولادته عام قتل مصعب ابن الزبير سنة اثنتين وسبعين، فسماه عبد الملك منصوراً، وسمته أمه باسم أبيها هشام بن إسماعيل بن هشام بن الوليد بن المغيرة المخزومي، فلم ينكر عبد الملك ذلك. وكانت أمه عائشة بنت هشام حمقاء فطلقها عبد الملك. وكانت كنية هشام أبا الوليد، وأتته الخلافة وهو بالرصافة، أتاه البريد بالخاتم والقضيب وسلم عليه بالخلافة، فركب منها حتى أتى دمشق.
ذكر ولاية خالد القسري العراقفيها عزل هشام عمر بن هبيرة عن العراق واستعمل خالد بن عبد الله القسري في شوال.
قال عمر بن يزيد بن عيمر الأسيدي: دخلت على هشام وخالد عنده وهو يذكر طاعة أهل اليمن، فقلت: والله ما رأيت هكذا خطأ وخطلاً، والله ما فتحت فتنة في الإسلام إلا بأهل اليمن، هم قتلوا عثمان، وهم خلعوا عبد الملك، وإن سيوفنا لتقطر من دماء أهل المهلب.
قال: فلما قمت تبعني رجل من آل مروان فقال: يا أخا بني تميم ورت بك زنادي، قد سمعت مقالتك وأمير المؤمنين قد ولى خالداً العراق وليست لك بدار! فيسار خالد إلى العراق من يومه.
الأسيدي بضم الهمزة، وتشديد الياء، هكذا يقوله المحدثون، وأما النحاة فإنهم يخفون الياء، وهي عند الجميع نسبة إلى أسيد بن عمرو بن تميم، بضم الهمزة، وتشديد الياء.
ذكر دعاة بني العباسقيل: وفي هذه السنة قد بكير بن ماهان من السند، كان بها مع الجنيد ابن عبد الرحمن.
فلما عزل الجنيد قدم بكير الكوفة ومعه أربع لبنات من فضة ولبنة من ذهب، فلقي أبا عكرمة الصادق وميسرة ومحمد بن خنيس وسالماً الأعين وأبا يحيى مولى بني سلمة، فذكروا له أمر دعوة بني هاشم، فقبل ذلك ورضيه وأنف ما معه عليهم ودخل إلى محمد بن علي، ومات ميسرة فأقامه مقامه.
ذكر عدة حوادثفي هذه السنة غزا الجراح الحكمي اللن حتى حاز ذلك إلى مدائن وحصون وراء بلنجر ففتح بعض ذلك وأصاب غنائم كثيرة. وفيها كانت غزوة سعيد بن عبد الملك أرض الورم، فبعث سرية في نحو ألف مقاتل فأصيبوا جميعاً. وفيها غزا مسلم بن سعيد الكلابي أمير خراسان الترك بما وراء النهر، فلم يفتح شيئاً وقفل، فتبعه الترك فلحقوه والناس يعبرون جيحون، وعلى الساقة عبيد الله بن زيهر بن حيان على خيل تميم، فحاموا حتى عبر الناس. وغزا مسلم أفشين فصالح أهلها على ستة آلاف رأس ودفع إليه القلعة، وذلك لتمام خمس ومائة بعد موت يزيد بن عبد الملك. وفيها غزا مروان بن محمد الصائفة اليمنى فافتتح قونية من أرض الروم وكمخ.
وحج بالناس هذه السنة إبراهيم بن هشام خال هشام بن عبد الملك، فأرسل إلى عطاء: متى أخطب؟ قال: بعد الظهر قبل التروية بيوم، فخطب قبل الظهر وقال: أخبرني رسولي عن عطاء، فقال عطاء: ما أمرته غلا بعد الظهر، فاستحيا.
وكان هذه السنة على المدينة ومكة والطائف عبد الواحد النمضري. وكان على العراق وخراسان عمر بن هبيرة. وكان على قضاء الكوفة حسين بن حسن الكندي. وعلى قضاء البصرة موسى بن أنس.
في هذه السنة مات كثير عزة. وعكرمة مولى ابن عباس، وكان عكرمة زوج أم سعيد بنت جبير، وفيها مات حميد بن عبد الرحمن بن عوف، وقيل سنة خمس وتسعين، وهو ابن ثلاث وسبعين سنة، وأبو رجاء العطاري، وأبو عبد الرحمن السلمي، وله تسعون سنة، واسمه عبد الله بن حبيب بن ربيعة. وفيها توفي عبد الله بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، وأمه صفية أخت المختار، وأوصى إليه أبوه. وفيها توفي عبد الله بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، أمه صفية أخت المختار، وأوصى إليه أبوه. وفيها توفي أخوه عبيد الله بن عبد الله بن عمر، وهو أخو سالم لأمه، أمهما أم ولد. في أيام يزيد بن عبد الملك توفي أبان بن عثمان بن عفان، وكان قد فلج. وفيها توفي عمارة بن خزيمة بن ثابت الأنصاري، وله خمس وسبعون سنة. وفي أيام يزيد بن عبد الملك مات المغيرة بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي. وعطاء ابن يزيد الجندعي الليثي، ومولده سنة خمس وعشرين، سكن الشام.
الجندعي بضم الجيم، والدال المهلة المفتوحة، والنون. وعزاك ابن مالك الغفاري والد خيثم بن عزاك. ومورق العجلي.
ثم دخلت سنة ست ومائة
ذكر الوقعة بين مضر واليمن بخراسانقيل: وفي هذه السنة كانت الوقعة بين المضرية واليمانية بالبروقان من أرض بلخ.
وكان سبب ذلك أن مسلم بن سعيد بن أسلم بن زرعة غزا فتبطأ الناس عنه، وكان ممن تبطأ عنه البختري بن درهم، فرد مسلم نصر بن سيار وبلغاء بن مجاهد وغيرهما إلى بلخ فأمرهم أن يخرجوا الناس، فأحرق نصر باب البختري وزياد بن طريف الباهلي، فمنعهم عمرو بن مسلم أخو قتيبة دخول بلخ وكان عليها، وقطع مسلم بن سعيد النهر، ونزل نصر بن سيار البروقان، وأتاه أهل الغانيان ومسلمة التميمي وحسان بن خالد الأسدي وغيرهما، وتجمعت ربيعة والأزد بالبروقان على نصف فرسخ من نصر، وخرجت مضر إلى نصر، وخرجت ربيعة والأزد إلى عمرو بن مسلم بن عمرو، وأرسلت تغلب إلى عمرو بن مسلم: إنك منا، وأنشدوه سعراً قاله رجل عزا باهلة إلى تغلب، وكان بنو قتيبة من باهلة، فلم يقبل عمرو ذلك، وسفر الضحاك بن مزاحم ويزيد بن المفضل الحداني في الصلح وكلما نصراً، فانصرف، فحمل أصحاب عمرو بن مزاحم ويزيد بن المفضل الحداني في الصلح وكلما نصراً، فانصرف، فحمل أصحاب عمرو بن مسلم والبختري على نصر، وكر نصر عليهم، فكان أول قتيل رجل من باهلة من أصحاب عمرو بن مسلم في ثمانية عشر رجلاً، وانهزم عمرو وأرسل يطلب الأمان من نصر، فآمنه، وقيل: أصابوا عمراً في طاحونة فأتوا به نصراً وفي عنقه حبل، فآمنه وضربه مائة وضرب البختري وزياد بن طريف مائة مائة وحلق رؤوسهم ولحاهم والأبسهم المسوح.
وقيل إن الهزيمة كانت أولاً على نصر ومن معه من مضر، فقال عمروا بن مسلم لرجل معه من تميم: كيف ترى أستاه قومك يا أخا تميم؟ يعيره بذلك. ثم كرت تميم فهزمت أصحاب عمرو، فقال التميمي لعمرو: هذه أستاه قومي. وقيل: كان سبب انهزام عمرو أن ربيعة كانت مع عمرو فقتل منهم ومن الأزد جماعة، فقالت ربيعة: علام نقاتل إخواننا وأميرنا وقد تقربنا إلى عمرو فأنكر قرابتنا؟ فاعتزلوا، فانهزمت الأزد وعمرو ثم آمنهم نصر وأمرهم أن يحلقوا مسلم بن سعيد.
ذكر غزو مسلم الترك
ثم قطع مسلم النهر ولحق به من لحق من أصحابه، فلما بلغ بخارى أتاه كتاب خالد بن عبد الله بولايته العراق ويأمره بإتمام غزاته. فسار إلى فرغانة، فلما وصلها بلغه أن خاقان قد أقبل إليه وأنه في موضع ذكروه، فارتحل، فسار ثلاث مراحل في يوم، وأقبل إليهم خاقان فلقي طائفة من المسلمين وأصاب دواب لمسلم وقتل أخو غوزك وثار الناس في وجوههم فأخرجوهم من العسكر، ورحل مسلم بالناس فسار ثمانية أيام وهم مطيفون بهم، فلما كانت التاسعة أرادوا النزول فشاوروا الناس، فأشاروا به وقالوا: إذا أصبحنا وردنا الماء والماء منا غير بعيد. فنزلوا ولم يرفعوا بناء في العسكر، وأحرق الناس ما ثقل من الآنية والأمتعة، فحرقوا ماقيمته ألف ألف، وأصبح الناس فساروا فوردوا النهر وأهل فرغانة والشاش دونه، فقال مسلم بن سعيد: أعزم على كل رجل إلا اخترط سيفه، ففعلوا وصارت الدنيا كلها سيوفاً، فتركوا الماء وعبروا.
فأقام يوماً ثم قطع من غد واتبعهم ابن لخاقان، فأرسل إليه حميد بن عبد الله، وهو على الساقة: قف لي فإن خلفي مائتي رجل من الترك حتى أقاتلهم، وهو مثقل جراحة، فوقف الناس وعطف على الترك فقاتلهم وأسر أهل الصغد وقائدهم وقائد الترك في سبعة ومضى البقية، ورجع حميد فرمي بنشابه في ركبته فمات.
وعطش الناس، وكان عبد الرحمن العامري حمل عشرين قربة على إبله فساقها الناس جرعاً جرعاً، واستسقى مسلم بن يعيد، فأتوه بإناء، فأخذه جابر أو حارثه بن كثير أخو سليمان بن كثير من فيه، فقال مسلم: دعوه فما نازعني شربتي إلا من حر دخله. وأتوا خجندة، وقد أصابهم مجاعة وجهد، فانتشر الناس، فإذا فارسان يسألان عن عبد الرحمن بن نعيم، فأتياه بعهده على خراسان من أسد بن عبد الله أخي خالد، فأقراه عبد الرحمن مسلماً، فقال: سمعاً وطاعة. وكان عبد الرحمن أول من اتخذ الخيام في مفازة آمل.
قال الخزرج التغلبي: قاتلنا الترك فأحاطوا بنا حتى أيقنا بالهلاك، فحمل حوثرة بن يزيد بن الحر بن الخنيف على الترك في أربعة آلاف فقاتلهم ساعة ثم رجع، وأقبل نصر بن سيار في ثلاثين فارساً فقاتلهم حتى أزالهم عن مواضعهم فحمل عليهم الناس فانهزم الترك وحوثرة، وهو ابن أخي رقبة بن الحر.
قيل: وكان عمر بن هبيرة قال لمسلم بن سعيد خين ولاه: ليكن حاجبك من صالح مواليك، فإنه لسانك والمعبر عنك، وعليك بعمال العذر. قال: وما عمال العذر؟ قال: تأمر أهل كل بلد أن يختاروا لأنفسهم، فإن كان خيراً كان لك وإن كان شراً كان لهم دونك وكنت معذوراً.
وكان على خاتم مسلم بن سعيد توبة بن أبي سعيد، فلما ولي أسد بن عبد الله خراسان جعله على خاتمة أيضاً
ذكر حج هشام بن عبد الملكوحج بالناس هذه السنة هشام بن عبد الملك، وكتب له أبو الزناد سنن الحج قال أبو الزناد: لقيت هشاماً، فإني لفي الموكب إذ لقيه سعيد بن عبد الله ابن الوليد بن عثمان بن عفان، فسار إلى جنبه فسمعه يقول: يا أمير المؤمنين إن الله لم يزل ينعم على أهل بيت أمير المؤمنين وينصر خليفته المظلوم، ولم يزالوا يلعنون في هذه المواطن أبا تراب! فإنها مواطن صالحة، وأمير المؤمنين ينبغي له أن يلعنه فيها.
فشق على هشام قوله وقال: ما قدمنا لشتم أحد ولا للعنه، قدمنا حجاجاً، ثم قطع كلامه وأقبل علي فسألني عن الحج، فأخبرته بما كتبت له، قال: وشق على سعيد أني سمعته تكلم بذلك وكان منكسراً كلما رآني.
ذكر ولاية أسد خراسانقيل: وفي هذه السنة استعمل خالد بن عبد الله أخاه أسداً على خراسان فقدمها وسلم بن سعيد غازٍ بفرغانة، فلما أتى أسد لنهر ليقطعه منعه الأشهب بن عبيد التميم، وكان على السفن بآمل، وقال: قد نهيت عن ذلك فأعطاه ولا طفه، فأبى، وقال: فإني أمير، فأذن له، فقال أسد: اعرفوا هذا حتى نشكره في أمانتنا.
وأتى الصغد فنزل بالمرج، وعلى سمرقند هانئ بن هانئ، فخرج في الناس يلقى أسداً، فرآه على حجر فتفاءل الناس وقالوا: ما عند هذا خير، أسد على حجر. ودخل سمرقند وبعث رجلين معهما عهد عبد الرحمن بن نعيم على الجند، فقدما وسألا عنه وسلما إليه العهد، فأتى به مسلماً فقال: سمعاً وطاعة. وقفل عبد الرحمن بالناس ومعه مسلم، فقدموا على أسد بسمرقند، فعزل هانئاً عنها واستعمل عليها الحسن بن أبي العمرطة الكندي.
وقيل للحسن: إن الأتراك قد أتوك في سبعة آلاف. فقال: ما أتونا، نحن أتيناهم وغلبناهم على بلادهم واستعبدناهم ومع هذا فلأذنين بعضكم من بعض ولأقربن نواصي خيلكم بخيلهم، ثم سبهم ودعا عليهم، ثم خرج إليهم متبطئاً، فأغاروا ورجعوا سالمين.
واستخلف على سمرقند ثابت قطنة، فخطب الناس، فأرتج عليه وقال: ومن يطع الله ورسوله فقد ضل؛ فسكت ولم ينطق بكلمة، وقال:
إن لم أكن فيكم خطيباً فإنني ... بسيفي إذا جد الوغى لخطيب
فقيل له: لو قلت هذا على المنبر لكنت أخطب الناس؛ فقال حاجب الفيل اليشكري يعيره بحضرته.
أبا العلاء لقد لاقيت معضلةً ... يوم العروبة من كربٍ وتخنيق
تلوي اللسان إذا رمت الكلام به ... كما هوى زلق من شاهق النيق
لما رمتك عيون الناس صاحيةً ... أنشأت تجض لما قمت بالريق
أما القرآن فلا تهدى لمحكمةٍ ... من القرآن ولا تدى لتوفيق
ذكر استعمال الحر على الموصلفي هذه السنة استعمل هشام الحر بن يوسف بن يحيى بن الحكم بن أبي العاص بن أمية على الموصل، وهو الذي بنى المنقوشة داراً يسكنها، وإنما سميت المنقوشة لأنها كانت منقوشة بالساج والرخام والفصوص الملونة وما شاكلها، وكانت عند سرق القتابين والسعارين وسق الأربعاء، وأمام الآن خربة تجاور سوق الأربعاء. وهذا الحر الذي عمر النهار الذي كان بالموصل.
وسبب ذلك أنه رأى امرأة تحمل جرة ماء وهي تحملها قليلاً ثم تستريح قليلاً لبعد الماء، فكتب إلى هشام بذلك، فأمر بحفر نهر إلى البلد، فحفره، فكان أكثر شرب أهل البلاد منه وعليه كان الأشرع المعروف بشار النهر، وبقي العمل فيه عدة سنين، ومات الحر سنة ثلاث عشرو ومائة.
ذكر عدة حوادثفي هذه السنة كلم إبراهيم بن محمد بن طلحة هشام بن عبد الملك وهو في الحجر فقال له: أسألك بالله وبحرمة هذا البيت الذي خرجت معظماً له إلا رددت علي ظلامتي. قال: أي ظلامة؟ قال: داري. قال: فأين كنت عن أمير المؤمنين عبد الملك؟ قال: ظلمني. اقل: فالوليد وسليمان؟ قال: ظلماني. قال: فعمر؟ قال: يرحمه الله ردها علي. قال: فيزيد بن عبد الملك؟ قال: ظلمني وقبضها مني بعد قبضي لها، وهي في يدك. فقال هشام: لو كان فيك ضرب لضربتك. فقال: في والله ضرب بالسيف والسوط. فانصرف هشام والأبرش خلفه فقال: أبا مجاشع كيف سمعت هذا الإنسان؟ قال: ما أجوده! قال: هي قريش وألسنتها، ولا يزال في الناس بقايا ما رأيت مثل هذا.
وفيها عزل هشام عبد الواحد النضري عن مكة والمدينة والطائف وولى ذلك خاله إبراهيم بن هشام بن إسماعيل، فقدم المدينة في جمادى الأخرة، فكانت ولاية النضري سنة وثمانية أشهر .وفيها غزا سعيد بن عبد الملك الصائفة. وفيها غزا الجراح بن عبد الله اللان فصالح أهلها فأدوا الجزية. وفيها ولد عبد الصمد بن علي بن عبد الله بن عباس في رجب. وفيها اسقضى إبراهيم بن هشام على المدينة محمد بن صفوان الجمحي ثم عزله واستقضى الصلت الكندي.
وكان العامل على مكة والدينة والطائف إبراهيم بن هشام المخزومي، وكان على العراق وخراسان خالد بن عبد الله القسري البجلي، وكان عامل خالد على صلاة البصرة عقبة بن عبد الأعلى، وعلى شرطتها مالك بن المنذر بن الجارود، وعلى قضائها ثمامة بن عبد الله بن أنس.
وحج بالناس هشام بن عبد الملك.
وفيها مات يوسف بن مالك مولى الحضرميين، وبكر بن عبد الله المني
ثم دخلت سنة سبع ومائة
ذكر ملك الجنيد بعض بلاد السند
وقتل صاحبه جيشبةفي هذه السنة استعمل خالد القسري الجنيد بن عبد الرحمن على السند، فنزل شط مهران، فمنعه جيشبه بن ذاهر العبور وقال: إننا ملمسمون، فقد استعملني الرجل الصالح، يعين عمر بن عبد العزيز، على بلادي ولست آمنك، فأعطاه رهناً وأخذ منه رهناً بما على بلاده من الخراج، ثم إنهما ترادا الرهن وكفر جيشه وحاربه، وقيل: لم يحاربه ولكن الجنيد تجنى عليه فأتى الهند فجمع جموعاً وأخذ السفن، وقد جنحت سفينته فقتله، وهرب أخوه صصه إلى العراق ليشكو غدر الجنيد، فخدعه الجنيد حتى جاء إليه فقتله.
وغزا الجنيد الكيرج، وكانوا قد نقضوا، ففتحها عنوةً وفتح أزين والمالبة وغيرهما من ذلك الثغر.
ذكر غزوة عنبسة الفرنج بالأندلسفي هذه السنة غزا غنبسة بن سحيم الكلبي عامل الأندلس بلد الفرنج في جمع كثير ونازل مدينة قرقسونة وحصر أهلها، فصالحوه على نصف أعمالها وعلى جميع ما في المدينة من أسرى المسلمين وأسلابهم وأن يعطوا الجزية ويلتزموا بأحكام الذمة من محاربة من حاربه المسلمون وسالمة من سالموه، فعاد عنهم عنبسة وتوفي في شعبان سنة سبع ومائة أيضاً، وكانت ولايته أربع سنين وأربعة أشهر، ولما مات استعمل عليهم بشر بن صفوان يحيى بن سلمة الكلبي في ذي القعدة سنة سبع أيضاً.
ذكر حال الدعاة لبني العباسقيل: وفيها وجه بكير بن ماهان أبا عكرمة وأبا محمد الصادق ومحمد ابن خنيس وعماراً العبادي وزياداً خال الوليد الأزرق في عدة من شيعتهم دعاةً إلى خراسان، فجاء رجل من كندة إلى أسد بن عبد الله فوشى بهم إليه.، فأتى بأبي عكرمة ومحمد بن خنيس وعامة أصحابه، ونجا عمار، فقطع أسد أيدي من ظفر به منهم وصلبهم، وأقبل عمار إلى بكير بن ماهان فأخبره الخبر، فكتب إلى محمد بن علي بذلك، فأجابه: الحمد لله الذي صدق دعوتكم ومقالتكم وقد بقيت منكم قتلى ستقتل.
وفيها قدم مسلم بن سعيد إلى خالد بن عبد الله، فكان أسد يكرمه بخراسان ولم يعرض له، فقدم مسلم وابن هبيرة يريد الهرب، فنهاه عن ذلك وقال: إن القوم فينا أحسن رأياً منكم فيهم.
وفيها غزا أسد جبال نمرون ملك غرشس مما يلي جبال الطالقان، فصالحه نمرون وأسلم على يده، وهم يتولون اليوم اليمن.
ذكر الخبر عن غزوة الغورقيل: وفي هذه السنة غزا أسد الغور، وهي جبال هراة، فعمد أهلها إلى أثقالهم فصيروها في كهف ليس إليه طريق، فأمر أسد باتخاذ توابيت ووضع فيها الرجال ودلاها بسلاسل فاستخرجوا ما قدروا عليه.
ذكر عدة حوادثفي هذه السنة عزل هشام الجراح بن عبد الله الحكمي عن أرمينية وأذربيجان واستعمل عليها أخاه مسلمة بن عبد الملك، فاستعمل عليها مسلمة الحارث ابن عمرو الطائي، فافتتح من بلد الترك رستاقاً وقرى كثيرة وأثر فيها أثراً حسناً.
وفيها نقل أسد من كان بالبروقان إلى بلخ من الجند وأقطع كل من كان له بالبروقان بقدر مسكنة ومن لم يكن له مسكن أقطعه سمكناً، وأراد أن ينزلهم على الأخماس فقيل له إنهم يتعصبون فخط بينهم. وتولى بناء مدينة بلخ برمك أبو خالد بن برمك، وبينها وبين البروقان فرسخان.
وحج بالناس هذه السنة إبراهيم بن هشام، وكان عمال الأمصار من تقدم ذكرهم في السنة قبلها.
وفيها مات سليمان بن يسار وعمرة ثلاث وسبعون سنة، وعطاء بن زيدي الليثي وله ثمان وتسعون سنة، وقد تقدم ذكر وفاته سنة خمس ومائة.
يسار بالياء المثناة من تحت، وبالسين المهلملة.
ثم دخلت سنة ثمان ومائة
ذكر غزوة الختل والغورقيل: وفي هذه السنة قطع أسد النهر وأتاه خاقان فلم يكن بينهما قتال في هذه الغزوة، وقيل: عاد مهزوماً من الختل، وكان أسد قد أظهر أنه يريد أن يشتو بسرخ دره، فأمر الناس فارتحلوا، ووجه راياته وسار في ليلة مظلمة إلى سرخ دره، فكبر الناس، فقال: مالهم؟ فقالوا: هذه علامتهم إذا قفلوا. فقال للمنادي: ناد إن الأمير يريد غوريين، فمضى إليهم، فقاتلوهم يوماً وصبروا لهم. وبرز رجل من المشركين بني الصفين، فقال سالم بن أحوز لنصر بن سيار: أنا حامل على هذا العلج فلعلي أقتله فيرضى أسد، فحمل عليه فطعنه فقتله ورجع سالم فوقف قم قال لنصر: أنا حامل حملة أخرى، فحمل فقتل رجلاً آخر، وجرح سالم، فقال: أترى ما صنعنا يرضيه؟ لا أرضاه الله! قال: لا واللهز قال: وأتاهما رسول أسد فقال: يقول لكما الأمير قد رأيت موقفكما وقلة غنائكما عن المسلمين لعنكما الله. فقال: آمين إن عدنا لمثل هذا! وتحاجزوا.
ثم عادوا من الغد فاقتتلوا وانهزم المشركون وحوى المسلمون عسكرهم وظهروا على البلاد وأسروا وسبوا وغنموا. وقد كان أصاب الناس جوع شديد بالختل، فبعث أسد بكبشين مع غلام له وقال: بعهما بخمسمائة درهم. فلما مضى الغلام قال أسد: لا يشتريهما إلا ابن الشخير، وكان في المسلحة، فدخل حين أمسى الشاتين في السوق فاشتراهما بخمسائة، فذبح إحداهما وبعث بالأخرى إلى بعض إخوانه، فلما أخبر الغلام أسداً بالقصة بعث إلى ابن الشخير بألف درهم وهو عثمان بن عبد الله بن الشخير أبو مطرف.
ذكر عدة حوادث
في هذه السنة غزا مسلمة بن عبد الملك الروم مما يلي الجزيرة ففتح قياسرية، وهي مدينة مشهورة. وفيها أيضاً غزا إبراهيم بن هشام ففتح حصناً الروم. وفيها وجه بكير بن ما هان إلى خراسان جماعةً من شيعة بني العباس، منهم عمار العابدي، فسعى بهم رجل إلى أسد بن عبد الله أمير خراسان، فأخذ عماراً فقطع يديه ورجليه ونجا أصحابه فوصلوا إلى بكير فأخبروه بذلك، فكتب إلى محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، لأجابه: الحمد لله الذي صدق دعوتكم ونجى شيعتكم؛ وقد تقدم سنة سبع ومائة ذكر هذه القصة. وفيها: أن عماراً نجا؛ وفي هذه الرواية: أن عماراً قطع، فلهذا أعدنا ذكرها، والله أعلم.
وفيها وقع الحريق بدابق فاحترق المرعى والدواب والرحال. وفيها سار ابن خاقان ملك الترك إلى أذربيجان فحصر بعض مدنها، فسار إليه الحارث ابن عمرو الطائي فالتقوا فاققتلوا فانهزم الترك وتبعهم الحاث حتى عبر نهر أس، فعاد إليه ابن خاقان فعادو الحرب أيضاً، فانهزم ابن خاقان وقتل من الترك خلق كثير. وفيها خرج عباد الرعيني باليمن محكماً، فقتله أميرها يويف بن عمر وقتل أصحابه. وكانونوا ثلاثمائة. وفيها غزا معاوية بن هشام ابن عبد الملك وعه ميمون بن مهران على أهل الشام فقطعوا البحر إلى قبرس، وغزا في البر مسلمة بن عبد الملك بن مروان. وفيها كان بالشام طاعون شدؤد.
وحج الناس هذه السنة إبراهيم بن هشام وهو على المدينة ومكة والطائف. وكان العمال من تقدم ذكرهم في السنة قبلها.
وفيها مات محمد بن كعب القرطي، وقيل: سنة سبع عشرة، وقيل: إنه ولد على عهد رسول الله، صلى الله عليه وسلم . وفيها مات موسى بن محمد بن علي بن الله والد عيسى ببلاد الروم غازياً، وكان عمره سبعاً وسبعين سنة. وفيها مات القاسم بن محمد بم أبي بكر الصديق، وكان عمره سبعين سنة، وقيل: ثنين وسبعين سنة، وكان قد عمي، وقيل: مات سنة إحدى ومائة. وفيها توفي أبو المتوكل علي بن دودا الناجي. وأبو نضرة المنذر بن قطعة النضري؛ نضرة بالنون والضاد المعجمة. ومحارب ابن دثار الكوفي قاضيها؛ دثار بكسر الدال المهملة، والثاء المثلثة.
ثم دخلت سنة تسع ومائة
ذكر عزل خالد وأخيه أسد عن خاسان
وولاية أشرسقيل: وفي هذه السنة عزل هشام بن عبد الملك خالد بن عبد الله وأخاه عن خراسان.
وسبب ذلك أن أسداً تعصب حتى أفسد الناس وضرب نصر بن سيار ونفراً معه بالسياط، منهم: عبد الرحمن بن نعيم وسورة بن الحر والبختري ابن أبي درهم وعامر بن مالك الحماني، وحلقهم وسيرهم إلى أخيه خالد، وكتب إليه: إنهم أرادوا الوثوب بي. فلما قدموا على خالد لام أسداً وعنفه وقال: ألا بعث إلي برؤوسهم؟ فقال: نصر:
بعث بالعتاب في غير ذنبٍ ... في كتابٍ تلوم أم تميم
إن أكن موثقاً أسيراً لديهم ... في همومٍ وكربةٍ وسهوم
رهن تعس فما وجدت بلاءٍ ... كإسار الكرام عند اللئيم
أبلغ المدعين قسراً وقسر ... أهل عود القناة ذات الصون
هل فطمتم عن الخيانة والغد ... رأم أنتم كالحاكر المستديم
وقال الفرزدق:
أخالد لولا الله لم تعط طاعةً ... ولولا بنو مروان لم يوثقوا نصراً
إذاً للقيتم عند سد وثاقه ... بني الحرب لا كشف اللقاء ولا ضجرا
وخطب يوماً أسد فقال: قبح الله هذه الوجوه وجوه أهل الشقاق والنفاق والشغب والفساد! اللهم فرق بيني وبينهم وأخرجني إلى مهاجري ووطني.
فبلغ فعله هشام بن عبد الملك، فكتب إلى خالد: اعزل أخاك، فعزله، فرجع إلى العراق في رمضان سنة تسع ومائة، واستخلف على خراسان الحكم ابن عوانة الكلبي، فأقام الحكم صيفية فلم يغز، ثم استعمل هشام أشرس ابن عبد الله السلمي على خراسان وأمره أن يكاتب خالداً. وكان أشرس فاضلاً خيراً، وكانوا يسمونه الكامل لفضله، فلما قدم خراسان فرحوا به، واستقضى أبا المنازل الكندي ثم عزله واستقضى محمد بن زيد.
ذكر دعاة بني العباس
قبل: أول من قدم خراسان من دعاة بني العباس زياد أبو محمد مولى همدان في ولاية أسد، بعثه محمد بن علي بن عبد الله بن عباس وقال له: انزل في اليمن والأطف مضر، ونهاه عن رجل من نيسابور يقال له غالب لأنه كان مفرطاً في حب بني فاطمة، ويقال: أول من أتى خراسان بكتاب محمد بن علي حرب بن عثمان مولى بني قيس بن ثعلبة من أهل بلخ، فما قدم زياد دعا إلى بني العباس وذكر سيرة بني أمية وظلمهم، وأطعم الناس الطعام، وقدم عليه غالب وتناظرا في تفضيل آل علي وآل العباس، وافترقا؛ وأقام زياد بمرو وشتوة ويختلف إليه من أهلها يحيى بن عقيل الخزاعي وغيره.
فأخبر به أسد، فدعاه وقال له: ما هذا الذي بلغني عنك؟ قال: الباطل، وإنما قدمت إلى تجارة وقد فرقت مالي على الناس، فإذا اجتمع خرجت. فقال له أسد: اخرج عن بلادي.
فانصرف فعاد إلى أمره، فرفع أمره إلى أسد وخوف من جانبه، فأحضره وقتل معه عشرة من أهل الكوفة ولم يبنج منهم إلا غلامان استصغرهما، وقيل: بل أمر بزياد أن يوسط بالسيف، فضربوه بالسيف فلم يعمل فيه، فكبر الناس، فقال أسد: ما هذا؟ قيل: نبا السيف عنه، ثم ضرب أخرى فنبا السيف عنه، ثم ضربه الثالثة فقطعه باثنتين، وعرض البراءة على أصحابه، فممن تبرأ خلى سبيله، فتبرأ اثنان فتركا وأبى البراءة ثمانية فقتلوا.
فلما كان الغد أقبل أحدهما إلى أسد فقال: أسألك أن تلحقني بأصحابي، فقتله، وذلك قبل الأضحى بأربعة أيام، ثم قدم بعدهم رجل من أهل الكوفة يسمى كثيراً فنزل على أبي النجم، وكان يأتيه الذين لقوا زياداً، فكان على ذلك سنة أو سنتين، وكان أمياً، فقدم عليه خداش، واسمه عمارة غلب عليه خداش، فغلب كثيراً على أمره.
وقيل في أمل الدعاة ما تقدم.
ذكر عدة حوادثفي هذه السنة غزا عبد الله بن عقبة الفهري في البحر، وغزا معاوية ابن هشام أرض الروم ففتح حصناً يقال له طيبة، فأطيب معه قوم من أهل أنطاكية.
وفيها قتل عمر بن يزيد الأسيدي، قتله مالك بن المنذر بن الجارود، وسبب قتله أنه أبلى في قتال يزيد بن المهلب، فقال يزيد بن عبد الملك: هذا رجل العراق. فغاظ ذلك خالد بن عبد الله وأمر مالك بن المنذر، وهو على شرط البصرة، أن يعظمه ولا يعصي له أمراً، وأقبل يطلب له عثرة يقتله بها، فذكر مالك بن المنذر عبد الأعلى بن عبد الله بن عامر فافترى عليه، فقال عمر بن يزيد: لا تفتر على مثل عبد الأعلى. فأغلظ له مالك وضربه بالسياط حتى قتله الأسيدي بضم الهمزة، وتشديد الياء تحتها نقطتان.
وفيها غزا مسلمة بن عبد الملك الترك من ناحية أذربيجان فغنم وسبى وعاد سالماً.
وحج بالناس هذه السنة إبراهيم بن هشام، فخطب الناس فقال: اسألوني فإنكم لا تسألون أحداً أعلم مني. فسأله رجل من أهل العراق عن الأضحية أواجبة هي، فما درى ما يقول، فنزل ، وكان هو العامل على المدينة ومكة والطائف، وكان على البصرة والكوفة خالد بن عبد الله القشري، وكان قد استخلف على الصلاة بالبصرة أبان بن ضبارة الشربي، وعلى الشرطة بها بلال ابن أبي بردة، وعلى قضائها ثمامة بن عبد الله بن أنس، وعلى خراسان أشرس.
وفي هذه السنة مات أبو مجلز لاحق بن حميد البصري.
وفيها غزا بشر ابن صفوان عامل إفريقية جزيرة صقلية فغنم شيئاً كثيراً ثم رجع من غزاته إلى القيروان وتوفي بها من سنتها، فاستعمل هشام بعده عبيدة بن عبد الرحمن بن أبي الأغر السلمي، فعزل عبيدة يحيى بن مسلمة الكلبي عن الأندلس واستعمل حذيفة بن الأحوص الأشجعي، فقدم الأندلس في ربيع الأول سنة عشر ومائة، فبقي والياً عليها ستة أسهر ثم عزل، ووليها عثمان بن أبي نسعة الخثعي.
ثم دخلت سنة عشر ومائة
ذكر ما جرى لأشرس مع أهل سمرقند
وغيرها
في هذه السنة أرسل أشرس إلى أهل سمرقند وما وراء النهر يدعوهم إلى الإسلام على أن توضع عنهم الجزية، وأرسل في ذلك أبا الصيداء صالح بن طريف مولى بني ضبة والربيع بن عمران التميمي. فقال أبو الصيداء: إنما أخرج على شريطة أن من أسلم لا تؤخذ منه الجزية، وإنما خراج خراسان على رؤوس الرجال. فقال أشرس: نعم. فقال أبو الصيداء لأصحابه: فإني أخرج، فإن لم يف العمال أعنتموني عليهم؟ قالوا: نعم. فشخص إلى سمرقند من حولها إلى الإسلام على أن توضع عنهم الجزية،فسارع الناس، فكتب غوزك إلى أشرس أن الخراج قد انكسر. فكتب أشرس إلى ابن أبي العمرطة: إن في الخراج قوة للمسلمين، وقد بلغني أن أهل الصغد وأشباههم ما أسلموا رغبة إنما أسلموا تعوذاً من الجزية، فانظر من اختتن وأقام الفائض وقرأ سورة من القرآن فارفع خراجه.
ثم عزل أشرس ابن أبي العمرطة عن الخراج وصيره إلى هانئ بن هانئ، فمنعم أبو الصيداء من أخذ الجزية ممن أسلم، فكتب هانئ إلى أشرس: عن الناس قد أسلموا وبنوا المساجد. فكتب أشرس إليه وإلى العمال: خذوا الخراج ممن كنتم تأخذونه منه. فأعادوا الجزية على من أسلم. فامتنعوا واعتزلوا في سبعة آلاف على عدة فراسخ من سمرقند، وخرج إليهم أبو الصيداء وربيع بن عمران التميمي والهيثم الشيباني وأبو فاطمة الأزدي وعامر بن قشيراء وبجير الخجندي وبنان العنبري وإسماعيل بن عقبة لينصروهم، فعزل أشرس ابن أبي العمرطة عن الحرب وأستعمل مكانه المجشر بن مزاحم السمي على الحرب وصم إليه عميرة بن سعد الشيباني.
فلما قدم المجشر كتب إلى أبي الصيداء يسأله أن يقدم عليه هو وأصحابه، فقدم أبو الصيداء وثابت قطنة، فحبسهما، فقال أبو الصيداء: غرتم ورجعتم عما قلتم. فقال هانئ: ليس بغدر ما كان فيه حقن الدماء؛ ثم سيره إلى أشرس، فكتبوا إليه، فكتب أشرس: ضعوا عنهم الخراج، فرجع أصحاب أبي الصيداء وضعف أمرهم، فتبع الرؤساء، فأخذوا وحملوا إلى مرو، وبقي ثابت محبوساً، فألح هانئ في الخراج واستخفوا بعظماء العجم والدهاقين وأقيموا وتخرقت ثيابهم وألقيت مناطقهم في أعتاقهم، وأخذوا الجزية ممن أسلم من لضعفاء، فكفرت الصغد وبخارى واستجاشوا الترك.
ولم يزل ثابت قطنة في حبس المجشر حتى قدم نصر بن سيار إلى المجشر والياً فحمله إلى أشرس فحبسه، وكان نصر قد أحسن إليه؛ فقال ثابت يمدحه بأبيات يوقل فيها:
ما هاج شوقك من نؤيٍ وأحجار ... ومن رسومٍ عفاها صوب أمطار
إن كان ظنب بنصرٍ صادقاً أبداً ... فيما أدبر من نقضي وإمراري
لا يصرف الجند حتى يستفئ بهم ... نهباً عظيماً ويحوي ملك جبار
إني وإن كنت من جذم الذي نضرت ... منه الفروع وزندي الثاقب الواري
لذاكر منك أمراً قد سبقت به ... من كان قبلك يا نصر بن سيار
ناضلت عني نضال الحر إذا قصرت ... دوني العشيرة واستبطأت أنصاري
وصار كل صديقٍ كنت آمله ... ألباً علي ورث الحبل من جاري
وما تبلست بالأمر الذي وقعوا ... به علي ولا دنست أطماري
ولا عصيت إماماً كان طاعته ... حقاً علي ولا قارفت من عار
وخرج أشرس غازياً فنزل آمل فأقام ثلاثة أشهر. وقدم قطن بن قتيبة بن مسلم فعبر النهر في عشرة آلاف، فأقبل أهل الصغد وبخارى معهم خاقان والترك، فحصروا قطناً في خندقه، فأرسل خاقان من أغار على مسرح الناس، فأخرج أشرس ثابت قطنة بكفالة عبد الله بن بسطام بن مسعود بن عمرو، فوجهه مع عبد الله بن بسطام في خيل، فاتلوا الترك بآمل حتى استنقذوا ما بأيديهم ورجع الترك.
ثم عبر أشرس بالناس إلى قطن، وبعث أشرس سرية مع مسعود أحد بني حيان، فلقيهم العدو فقاتلوهم، فقتل رجال من المسلمين وهزم مسعود فرجع إلى أشرس، وأقبل العدو، فلقيهم المسلمون فجالوا جولة فقتل رجال من المسلمين، ثم رجع المسلمون وصبروا فانهزم المشركون، وسار أشرس بالناس حتى نزل بيكند، فقطع العدو عنهم الماء وأقام المسلمون يوماً وليلةً وعطشوا فرحلوا إلى المدينة التي قطع العدو بها، وعلى المقدمة قطن ابن قتيبة، فلقيهم العدو فقتلوهم فجهدوا من العطش، فمات منهم سبعمائة، فعجز الناس عن القتال، فحرض الحارث بن سريج الناس فقال: القتل بالسيف أكرم في الدنيا وأعظم أجراً عند الله من الموت عطشاً. وتقدم الحارث وقطن في فوارس من تميم فقاتلوا حتى أزالو التر عن الماء، فابتدره الناس فشربوا واستقوا.
ثم مر ثابت قطنة بعبد الملك بن دثار الباهلي فقال: هل لك في الجهاد؟ فقال: أمهلني حتى أغتسل وأتحنط. فوقف له حتى اغتسل ثم مضيا، وقال ثابت لأصحابه: أنا أعلم بقتال هؤلاء منك؛ وحرضهم، فحملوا، واشتد القتال، فقال ثابت قطنة: اللهم إني كنت ضيف ابن بسطان البارحة فاجعلني ضيفك الليلة، والله لا ينظر إلي بنو أمية مشدوداً ف الحديد. فحمل وحمل أصحابه، فرجع أصحابه وثبت هو، فرمي برذونة فشب، وضربه فأقدم، وضرب ثابت فارتث فقال وهو صريع: اللهم إني أصبحت ضيقاً لابن بسطام وأمست ضيفك! فاجعل قراي منك الجنة! فقتلوه وقتلوا معه عدة من المسلمين، منهم: صخر بن مسلم بن النعمان العبدي، وعبد الملك بن دثار الباهلي، وغيرهما؛ وجمع قطن وإسحاق بن محمد بن حبان خيلاً من المسلمين تبايعوا على الموت، فحملوا على العدو فقاتلوهم فكشفوهم وركبهم المسلمون يقتلونهم حتى حجزهم الليل وتفرق العدو، وأتى أشرس بخارى فحصر أهلها.
الحارث بن سريج بالسين المهلمة والجيم.
ذكر وقعة كمرجهثم عن خاقان حصر كمرجه، وهي من أعظم بلدان خراسان، وبها جمع من المسلمين، ومع خاقان أهل فرغانة وأفشينة ونسف وطوائف من أهل بخارى، فاغلق المسلمون الباب وقطعوا القنطرة التي على الخندق. فأتاهم ابن خسرو بن يزدجرد فقال: يا معشر العرب لم تقتلون أنفسكم؟ أنا الذي جئت بخاقان ليرد علي مملكتي وأنا آخذ الأمان. فشتموه. وأتاهم بازغرى في مائتين، وكان داهية، وكان خاقان لا يخالفه، فدنا من المسلمين بأمان وقال: لينزل إلي رجل منكم أكلمه بما أرسلني به خاقان. فأحذروا يزيد بن سعيد الباهلي، وكان يفهم التركية يسيراً، فقال له: إن خاقان أرسلني وهو يقول إني أجعل من عطاؤه منكم ستمائة ألفاً، ومن عطاؤه ثلاثمائة وستمائة، وهو يحسن إليكم. فقال له يزيد: كيف تكون العرب وهم ذئاب مع الترك وهم شاء! لا يكون بيننا وبينهم صلح. فغضب بازغرى، وكان معه تركيان، فقالا: ألا تضرب عنقه؟ فقال: إنه نزل بأمان. وفهم يزيد ما قالا فخاف فقال: بلى إنما تجعلوننا نصفين فيكون نصفنا مع أثقالنا ويسير النصف معكم، فإن ظفرتم فنحن معكم، وإن كان غير ذلك كنا كسائر مدائن الصغد. فرضوا بذلك، وقال: أعرض على أصحابي هذا. وصعد في الحبل، فلما صار على السور نادى: يا أهل كمرجه اجتمعوا فقد جاءكم قوم يدعونكم إلى الكفر بعد الإيمان، فما ترون؟ قالوا: لا نجيب ولا نرضى. قال: يدعونكم إلى قتال المسلمين مع المشركين. قالوا نموت قبل ذلك. فرد بازغرى.
ثم أمر خاقان بقطع الخندق، فجعلوا يلقون الحطب الرطب ويلقي المسلمون الحطب اليابس حتى سوي الخندق فأشعلوا فيه النيران وهاجت ريح شديدة صنعاً من الله فاحترق الحطب وكانوا جمعوه في سبعة أيام، في ساعة واحدة.
ثم فرق خاقان على الترك أغناماً وأمرهم أن يأكلوا لحمها ويحشوا جلودها تراباً وكبسوا خندقها، ففعلوا ذلك، فأرسل الله سحابة فمطرت مطراً شديداً، فاحتمل السيل ما في الخندق وأقاه في النهر العظيم. ورماهم المسلمون بالسهام فأصابت بازعغرى نشابة في سرته فمات من ليلته، فدخل عليهم بموته أمر عظيم. فلما امتد النهار جاؤوا بالأسرى الذين عندهم، وهم مائة، فيهم أبو العوجاء العتكي والحجاج بن حميد النضري، فقتلوهم ورموا برأس الحجاج، وكان عند المسلمين مائتان من أولاد المشركين رهائن فقتلوهم واستماتوا، واشتد القتال.
ولم يزل أهل كرمجه كذلك حتى أقبلت جنود العرب فنزلت فرغانة، فعير خاقان أهل الصغد وفرغانة والشاش والدهاقين وقال: زعمتم أن في هذه خمسين حماراً وأنا نفتحها في خمسة أيام فارت الخمسة شهرين. وأمرهم بالرحيل وشتمهم، فقالوا: ما ندع جهداً، فاحضرنا غداً وانظر ما نصنع. فلما كان الغد وقف خاقان وتقدم ملك الطاربند فقاتل المسلمين فقتل منهم ثمانية، وجاء حتى وقف على ثلمة إلى جانب بيت فيه مريض من تميم، فرماه التميمي بكلوب، فتعلق بدرعه، ثم نادى النساء والصبيان فجذبوه فسقط لوجه، ورماه رجل بحجر فأصاب أصل أذنه فصرع، وطعنه آخر فقتله، فاشتد قتله على الترك.
وأرسل خاقان إلى المسلمين: إنه ليس من رأينا أن نرتحل عن مدينة نحاصرها دون إفتتاحها أو ترحلهم عنها. فقالوا له: ليس من ديننا أن نعطي بأيدينا حتى نقتل فاصنعوا ما بدا لكم. فأعطاهم الترك الأمان أن يرحل خاقان عنهم وبرحوا هم عنها إلى سمرقند أو الدبوسية، فرأى أهل كمرجه ما هم فيه من الحصار فأجابوا إلى ذلكم، فأخذوا من الترك رهائن أن لا يعرضوا لهم وطلبوا أن كورصول التركي يكون معهم في جماعة لمينعهم إلى الدبوسية، فسلموا إليهم الرهائن وأخذوا أيضاً هم من المسلمين رهائن، وارتحل خاقان عنهم، ثم رحلوا هم بعده، فقال الأتراك الذين مع كورصول: إن بالدبوسية عشرة آلاف مقاتل ولا نأمن أن يخرجوا علينا. فقال لهم المسلمون : إن قاتلوكم قاتلناهم معكم.
فساروا، فلما صار بينهم وبين الدبوسية فرسخ نظر أهلها إلى الفرسان فظنوا أن كمرجه فتحت وأن خاقان قد قصدهم فتأهبوا للحرب، فأرسل المسلمون إليهم يخبرونهم خبرهم، فالتقوهم وحملوا من كان يضعف عن المشي ومن كان مجروحاً. فلما بلغ المسلمون الدبوسية أرسلوا إلى من عنده الرهائن يعلمونه بوصولهم ويأمرونه بإطلاقهم، فجعلت العرب تطلق رجلاً من الرهن والترك رجلاً حتى بقي سباع بن النعمان مع الترك، ورجل من الترك عند العرب، وجعل كل فريق يخاف من صاحبه الغدر، فقال سباع: خلوا رهينة الترك، فخلوه، وبقي سباع مع الترك، فقال له كورصول: ما حملك على هذا؟ قال: وثقت بك وقلت ترفع نفسك عن الغدر، فوصله كورصول وأعطاه سلاحه وبرذوناً وأطلقه.
وكانت مدة حصار كمرجة ثمانية وخمسين يوماً فيقال: إنهم لم يسقول إبلهم خمسة وثلاثين يوماً.
ذكر ردة أهل كردرفي هذه السنة أرتد أهل كردر، فأرسل إليهم أشرس جنداً فظفروا بهم؛ فقال عرفجة
ونحن كفينا أهل مرو وغيرهم ... ونحن نفينا الترك عن أهل كردر
فإن تجعلوا ما قد غنمنا لغيرنا ... فقد يظلم المرء الكريم فيصبر
ذكر عدة حوادثفي هذه السنة جمع خالد القسري الصلاة والأحداث والشرط والقضاء بالبصرة لبلال بن أبي بكرة وعزل ثمامة عن القضاء. وفيها غزا مسلمة الترك من باب اللان، فلقي خاقان في جموعه فاقتتلوا قريباً من شهر وأصابهم مطر شديد، فانهزم خاقان وانصرف ورجع مسلمة فسلك على مسلك ذي القرنين. وفيها غزا معاوية الروم ففتح صملة. وفيها غزا الصائفة عبد الله بن عقبة الفهري، وكان على جيش البحر عبد الرحمن بن معاوية بن حديج، بضم الحاء وفتح الدال المهملتين.
وحج بالناس إبراهيم بن إسماعيل. فكان العمال على البلاد هذه السنة من تقدم ذكرهم في السنة التي قبلها. وفيها مات الحسن البصري وله سبع وثمانون سنة. ومحمد بن سيرين وهو ابن إحدى وثمانين سنة. وفيها، أعني سنة عشر ومائة، مات الفرزدق الشاعر وله إحدى وتسعون سنة. وجرير بن الخطفى الشاعر.
ثم دخلت سنة إحدى عشرة ومائة
ذكر عزل أشرس عن خراسان
واستعمال الجنيدفي هذه السنة عزل هشام أشرس بن عبد الله عن خراسان.
وكان سبب ذلك أن شداد بن خليد الباهلي شكاه إلى هشام، فعزله واسعمل الجنيد بن عبد الرحمن على خراسان، وهو الجنيد بن عبد الرحمن بن عمرو بن الحارث بن خارجة بن سنان بن أبي حارثة امري. وكان سبب استعماله أنه أهدى لأم حكيم بنت يحيى بن الحكم امرأة هشام قلادةً في جوهر، فأعجبت هشاماً، فأهدى لهشام قلادةً أخرى، فاستعمله وحمله على ثمانية من البريد، فقدم خراسان وقطعا النهر، وأرسل الجنيد إلى أشرس وهو يقاتل أهل بخارى والصغد: أن أمدني بخيل، وخاف أن يقتطع دونه فوجه إليه أشرس عامر بن مالك الحماني، فلما كان عامر ببعض الطريق عرض له الترك والصغد، فدخل حائطاً حصيناً وقاتلهم على الثلمة ومعه ورد بن زياد بن أدهم بن كلثوم وواصل بن عمرو القيسي. فخرج واصل وعاصم بن عيمر المسقندي ومعهما غيرهما فاستداروا حتى صاروا من وراء الماء الذي هناك. ثم جمعوا قصباً وخشباً وعبروا عليه، فلم يشعر خاقان إلا والتكبير من خلفه، وحمل الملمون على الترك، فاتلوهم فقتلوا عظيماً من عظمائهم وانهزم الترك، وار عامر إلى الجنيد، فلقيه وأقبل معه، وعلى مقدمة الجنيد عمارة بن حريم، فلما انتهى إلى فرسخين من بيكند تلقته خيل الترك فقاتلتهم، فكاد الجنيد يهلك ومن معه، ثم أظهره الله وسار حتى قدم العسكر، فظفر الجنيد وقتل الترك، وزحف غليه خاقان، فالتقوا دون رزمان من بلاد سمرقند، وقطن بن قتيبة على ساقة الجنيد. فأسر الجنيد من الترك ابن أخي خاقان في هذه الغزاة فبعث به إلى هشام.
وكان الجنيد عماله ولم يستعمل إلا مضرياً، استعمل قطن بن قتيبة على بخارى، والوليد بن القعقاع العبسي على هراة، وحبيب بن مرة العبسي على شرطه، وعلى بلخ مسلم بن عبد الرحمن بالباهلي، وكان عليها نصر بن سيار، وكان ما بينه وبين الباهليين متباعداً لما كان بينهم بالبروقان، وأرسل مسلم إلى نصر فصادفوه نائماً، فجاؤووا به في قميص ليس عليه سراويل ملبياً، فقال شيخ من مضر: جئتم به على هذه الحال! فعزل الجنيد مسلماً عن بلخ واستعمل يحيى بن ضبيعة، واستعمل على خراج سمرقند شداد بن خليد الباهلي.
ذكر عدة حوادثفي هذه السنة غزا معاوية بن هشام الصائفة اليسرى، وغزا سعيد بن هشام الصائفة اليمنى حتى أتى قيسارية، وغزا في البحر عبد الله بن أبي مريم. واستعمل هشام على عامة الناس من الشام ومصر الحم بن قيس بن مخرمة ابن عبد المطلب بن عبد مناف. وفيها سارت الترك إلى أذربيجان فلقيهم الحارث ابن عمرو فهزمهم. وفيها استعمل هشام الجاح بن عبد الله الحكمي على أرمينية وعزل أخاه مسلمة بن عبد الملك، فدخل بلاد الجذر من ناحية تفليس فتح مدينتهم البيضاء وانصرف سالماً، فجمعت الخزر وحشدت وسارت إلى بلاد الإسلام، وكان ذلك سبب قتل الجراح، على ما نذكره إن شاء الله تعالى.
وفيها عزل عبيدة بن عبد الرحمن، عامل إفريقية، عثمان بن نسعة عن الأندلس واستعمل بعده الهيثم بن عبيد الكناني، وقدمها في المرحم سنة إحدى عشرة ومائة، وتوفي في ذي الحجة من السنة، فكانت ولايته عشرة أشهر.
وحج بالناس هذه السنة إبراهيم بن هشام المخزومي، فكان العمال من تقدم ذكرهم إلا خراسان كان بها الجنيد، وكان بأرمينية الجراح بن عبد الله.
ثم دخلت سنة اثنتي عشرة ومائة
ذكر قتل الجراح الحكميفي هذه السنة قتل الجراح بن عبد الله الحكمي. وسبب ذلك ما ذكرناه قبل من دخوله بلاد الخزر وانهزامهم، فلما هزمهم اجتمع الخزر والترك من ناحية اللان، فلقيهم الجراح بن عبد الله فيمن معه من أهل الشام فاقتتلوا أشد قتال رآه الناس، فصبر الفريقان، وتكاثرت الخزر والترك على المسلمين، فاستشهد الجراح ومن كان معه بمرج أدبيل، وكان قد استخلف أخاه الحجاج ابن عبد الله على أرمينية.
ولما قتل الجراح طمع الخزر وأغلوا في البلاد حتى قاربوا الموصل، وعظم الخطب على المسلمين.
وكان الجراح خيراً فاضلاً من عمال عمر بن عبد العزيز، ورثاه كثير من الشعراء. وقيل: كان قتله ببلنجر.
ولما بلغ هشاماً خبره دعا سعيداً الحرشي فقال له: بلغني أن الجراح قد انحاز عن المشركين. قال: كلا يا أمير المؤمنين، الجراح أعرف بالله من أن ينهزم ولكنه قتل. قال: فما رأيك؟ قال: تبعثني على أربعين دابة من دواب البريد، ثم تبعث إلي كل يوم أربعين رجلاً، ثم اكتب إلى أمراء الأجناد يوافوني.
ففعل ذلك هشام، وسار الحرشي، فكان لايمر بمدينة إلا ويستنهض أهلها فيجيبه من يزيد الجهاد، ولم يزل كذلك حتى وصل إلى مدينة أرزن، فلقيه جماعة من أصحاب الجراح وبكوا وبكى لبكائهم وفرق فيهم نفقةً وردهم معه، وجعل لا يلقاه أحد من أصحاب الجراح إلا رده معه، ووصل إلى خلاط، وهي ممتنعة عليه، فحصرها أيضاً وفتحها وقسم غنائمها في أصحابه. ثم سار عن خلاط وفتح الحصون والقلاع شيئاً بعد شيء إلى أن وصل إلى برذعة فنزلها.
وكان ابن خاقان يومئذ بأذربيجان يغي وينهب ويسبي ويقتل وهو محاصر مدينة ورثان، فخاف الحرشي أن يملكها، فأرسل بعض أصحابه إلى أهل ورثان سراً يعرفهم وصولهم ويأمرهم بالصبر، فسار القاصد، ولقيه بعض الخزر فأخذوه وسألوه عن حاله، فاخبرهم وصدقهم، فقالوا له: إن فعلت ما نأمرك به أحسنا إليك وأطلقناك وإلا قتلناك. قال: فما الذي يريدون؟ قالوا: تقول لأهل ورثان إنكم ليس لكم مدد ولا من يكشف ما بكم، وتأمرهم بتسليم البلد إلينا. فأجابهم إلى ذلك.
فلما قارب المدينة وقف بحيث يسمع أهلها كلامه فقال لهم: أتعرفوني؟ قالوا: نعم أنت فلان. قال: فإن الحرشي قد وصل إلى مكان كذا في عساكر كثيرة، وهو يأمركم بحفظ البلد والصبر، ففي هذين اليومين يصل إليكم فرفعوا أصواتهم بالتكبير والتهليل.
وقتلت الخزر ذلك الرجل ورحلوا عن مدينة ورثان، فوصلها الحرشي في العساكر وليس عندها أحد. فارتحل يطلب الخزر إلى أردبيل، فسار الخزر عنها ونزل الحرشي باجروان، فأتاه فارس على فرس أبيض فسلم عليه وقال له: هل لك أيها المير في الجهاد والغنيمة؟ قال: كيف لي ذلك؟ قال: هذا عسكر الخزر في عشرة آلاف ومعهم خمسة آلاف من أهل بين من المسلمين أسارى أو سبايا وقد نزلوا على أربعة فراسخ.
فسار الحرشي ليلاً فوافاهم آخر الليل وهم نيام، ففرق أصحابه في أربع جهات فكبسهم مع الفجر ووضع المسلمون فيهم السيف، فما بزغت الشمس حتى قتلوا أجمعون غير رجل واحد، وأطلق الحرشي من معهم من المسلمين وأخذهم إلى باجروان، فلما دخلها أتاه ذلك الرجل صاحب الفرس الأبيض فسلم وقال: هذا جيش للخزر ومعهم أموال المسلمين وحرم الجراح وأولاده بمكان كذا. فسار الحرشي إليهم، فما شعروا إلا والمسلمون معهم فوضعوا فيهم السيف فتقلوهم كيف شاؤوا، ولم يفلت من الخزر إلا الشريد، واستنفذوا من معهم في المسلمين والمسلمات وغنموا أموالهم، وأخذ أود الجراح فأكرمهم وأحسن إليهم، وحمل الجميع إلى باجروان.
وبلغ خبر فعله الحرشي بعساكر الخزر ابن ملكهم، فوبخ عساكره وذمهم ونسبهم إلى العجز والوهن، فحرض بعضهم بعضاً وأشاروا عليه بجمع أصحابه والعود إلى قتال الحرشي. فجمع أصحابه من نواحي أذربيجان، فاجتمع معه عساكر كثيرة، وسار الحرشي إليه فالتقيا بأرض برزند، واقتتل الناس أشد قتال وأعظمه، فانحاز المسلمون يسيراً، فحرضهم الحرشي وأمرهم بالصبر، فعادوا إلى القتال وصدقوهم الحملة، واستغاث من مع الخزر من الأساى ونادوا بالتكبير والتهليل والدعاء، فعندها حرص المسلمون بعضهم بعضاً ولم يبق أحد إلا وبكى رحمةً للأسرى، واشتدت نكايتهم في العدو، فولوا الأدبار منهزمين، وتبعهم المسلمون حتى بلغوا بهم نهر رأس، وعادوا عنهم وحووا ما في عساكرهم من الأموال والغنائم، وأطلقوا الأسرى والسبايا وحملوا الجميع إلى باجروان.
ثم إن ابن ملك الخزر جمع من لحق به من عساكره وعاد بهم نحو الحرشي فنزل على نهر البيلقان، فالتقوا هناك، فصاح الحرشي بالناس، فحملوا حملةً صادقة ضعضعوا صفوف الخزر، وتابع الحملات وصبر الخزر صبراً عظيماً ثم كانت الهزيمة عليهم، فولوا الأدبار منهزمين، وكان من غرق منهم في النهر أكثر ممن قتل.
وجمع الحرشي الغنائم وعاد إلى باجروان فقسمها، وأرسل الخمس إلى هشام بن عبد الملك وعرفه ما فتح الله على المسلمين، فكتب إليه هشام يشكره. وأقام بباجروان، فأتاه كتاب هشام يأمره بالمصير إليه، واستعمل أخاه مسلمة ابن عبد الملك على أرمينية وأذربيجان، فوصل إلى البلاد وسار إلى الترك في شتاء شديد حتى جاز الباب في آثارهم.
ذكر وقعة الجنيد بالشعب
في هذه السنة خرج الجنيد غازياً يريد طخارستان، فوجه عمارة بن حريم إلى طخارستان في ثمانية عشر ألفاً، ووجه إبراهيم بن بسام الليثي في عشرة آلاف إلى وجه آخر، وجاشت الترك فأتوا سمرقند وعليها سورة ابن الحر، فكتب سورة إلى الجنيد: إن خاقان جاش الترك فخرجت إليهم فلم أطق أن أمنع حائط سمرقند، فالغوث الغوث! فأمر الجنيد الناس بعبور النهر، فقام إليه المجشر بن مزاحم السلمي وابن بسطام الأزدي وغيرهما وقالوا: إن الترك ليسوا كغيرهم لا يلقونك صفاً ولا زحفاً وقد فرقت جندك، فمسلم بن عبد الرحمن بالبيروذ، والبختري بهراة، وعمارة بن حريم غائب بطخارستان، وصاحب خراسان لا يعبر النهر في أقل من خمسين ألفاً، فاكتب إلى عمارة فليأتك أمهل ولا تعجل. قال: فكيف بسورة ومن معه من المسلمين؟ لو لم أكن إلا في بني مرة أو من طلع معي من الشام لعبرت؛ وقال شعراً:
أليس أحق الناس أن يشهد الوغى ... وأن يقتل الأبطال ضخماً على ضخم
وقال:
ما علتي ما علتي ما علتي ... إن لم اقتلهم فجزوا لمتي
وعبر الجنيد فنزل كش وتأهب للمسير، وبلغ الترك فعوروا الآبار التي في طريق كش، فقال الجنيد: أي طريق إلى سمرقند أصلح؟ فقالوا: طريق المحترقة. فقال المجشر: القتل بالسيف أصلح من القتل بالنار، طريق المحترقة كثير الشجر والحشيش ولم يزرع منذ سنين، فإن لقينا خاقان أحرق ذلك كله فقتلنا بالنار والدخان، ولكن خذ طريق العقبة فهو بيننا وبينهم سواء.
فأخذ الجنيد طريق العقبة فارتقى في الجبل، فأخذ المجشر بعنان دابته وقال: إنه كان يقال: ليفرخ روعك. قال: أما ما كان بيننا مثلك فلا. فبات في أصل العقبة ثم سار بالناس حتى صار بينه وبين سمرقند أربعة فراسخ ودخل الشعب، فصبحه خاقان في جمع عظم، وزحف إليه أهل الصغد وفرغانة والشاش وطائفة من الترك، فحمل خاقان على المقدمة، وعليها عثمان بن عبد الله بن الشخير، فرجعوا إلى العسكر والترك تتبعهم وجاؤوهم من كل وجه، فجعل الجنيد تميماً والأزد في الميمنة، وربيعة في الميسرة مما يلي الجبل، وعلى مجففة خيل بني تميم عبيد الله بن زهير بن حيان، وعلى المجردة عمروا بن جرقاش المنقري، وعلى جماعة بني تميم عامر بن مالك الحماني، وعلى الأزد عبد الله بن بسطام بن مسعود بن عمرو، وعلى المجففة والمجردة فضيل ابن هناد وعبد الله بن حوذان.
فالتقوا، وقصد العدو الميمنة لضيق الميسرة، فترجل حسان بن عبيد الله ابن زهير بين يدي أبيه، فأمره أبوه بالركوب، فركب، وأحاط العدو بالميمنة، فأمدهم الجنيد بنصر بن سيار، فشد هو ومن معه على العدو فكشفوهم، ثم كروا عليهم وقنتلوا عبيد الله بن زهير وابن جرقاش والفضيل ابن هناد، وجالت الميمنة والجنيد واقف في اقلب، فأقبل إلى الميمنة ووقف تحت راية الأزد، وكان قد جفاهم، فقال له صاحب الراية: ما هلكنا لم تبك علينا. وتقدم فقتل، وأخذ الراية ابن مجاعة فقتل، وتداولها ثمانية عشر رجلاً فقتلوا، وقتل يومئذ من الأزد ثمانون رجلاً.
وصبر الناس يقاتلون حتى أعيوا، فكانت السيوف لا تقطع شيئاً، فقطع عبدهم الخشب يقاتلون به حتى مل الفريقان، فكانت المعانقة ثم تحاجزوا. وقتل من الأزد عبد الله بن بسطام، ومحمد بن عبد الله بن حوذان، والحسن ابن شيخ، والفضيل صاحب الخيل، ويزيد بن الفضل الحداني، وكان قد حج فأنفق في حجته ثمانين ومائة ألف، وقال لأمه: ادعي الله أن يرزقني الشهادة، فدعت له وغشي عليها، فاستشهد بعد مقدمة من الحج بثلاثة عشر يوماً، وقتل النضر بن راشد العبدي، وكان قد دخل على امرأته والناس يقتتلون فقال لها: كيف أنت إذا أتيت بأبي ضمرة في لبد مضرجاً بالدم؟ فشقت جيبها ودعت بالويل؛ فقال لها: حسبك، لو أعولت علي كل أنثى لعصيتها شوقاً إلى الحور العين! فرجع وقاتل حتى استشهد، رحمه الله.
فبينا الناس كذلك إذ أقبل رهج وطلعت فرسان، فنادى الجنيد: الأرض الأرض! فترجل وترجل الناس، ثم نادى: يخندق كل قائد على حياله، فخندقوا وتحاجزوا، وقد أصيب من الأزد مائة وتسعون رجلاً. وكان قتالهم يوم الجمعة، فلما كان يوم السبت قصدهم خاقان وقت الظهر فلم ير موضعاً للقتال أسهل من موضع بكر بن وائل، وعليهم زياد بن الحارث، فقصدهم، فلما قربوا حملت بكر عليهم فأخرجوا لهم، فسجد الجنيد واشتد القتال بينهم.
ذكر مقتل سورة بن الحرفلما اشتد القتال ورأى الجنيد شدة الأمر استشار أصحابه، فقال له عبيد الله بن حبيب: احتراماً أن تهلك أنت وسورة بن الحر. قال: هلاك سورة أهون علي. قال: فاكتب إليه فليأتك في أهل سمرقند، فإنه إذا بلغ الترك إقباله توجهوا إليه فقاتلوه. فكتب إليه الجنيد يأمره بالقدوم. وقال حليس بن غالب الشيباني: إن الترك بينك وبين الجنيد، فإن خرجت كروا عليك فاختطفوك. فكتب إلى الجنيد: إني لا أقدر على الخروج. فكتب إليه الجنيد: يا ابن اللخناء تخرج وإلا وجهت إليك شداد بن خليد الباهلي، وكان عدوه، فاخرج الزم الماء ولا تفارقه، فأجمع على المسير وقال: إذا سرت على النهر لا أصل في يويمين وبيني وينه في هذا الوجه ليلة، فإذا سكت الرجل سرت.
فجاءت عيون الأتراك فأخبروهم بمقالة يورة، ورحل سورة واستخلف على سمر قند موسى بن أسود الحنظلي، وسار في اثني عشر ألفاً، فأصبح على رأس جبل، فتلقاه خاقان حين أصبح وقد سار ثلاثة فراسخ وبينه وبين الجنيد فرسخ فقاتلهم، فاشتد القتال وصبروا. فقال غوزك لخاقان: اليوم حار فلا نقاتلهم حتى يحمى عليهم السلاح، فوافقهم وأشعل النار في الحشيش وحال بينهم وبين الماء، فقال سورة لعبادة: ما ترى يا أبا سليم؟ فقال: أرى أن الترك يريدون الغنيمة فاعقر الدواب واحرق المتاع وجر السيف، فإنهم يخلون لنا الطريق، وإن منعونا شرعنا الرماح ونزحف زحفاً، وإنما هو فرسخ حتى نصل إلى العسكر. فقال: لا أقوى على هذا ولا فلان وفلان، وعد رجالاً، ولكن أجمع الخيل فأصكهم بها سلمت أم عطبت.
وجمع الناس وحملوا، فانكشف الترك وثار الغبار فلم يبصروا من وراء الترك لهيب فسقطوا فيه، وسقط العدو والمسلمون وسقط سوة فاندقت فخذه وتفرق الناس، فقتلهم الترك ولم ينجح منهم غير ألفين، وقال ألف، وكان ممن نجا منهم عاصم بن عمير السمرقند، واستشهد حليس بن غالب الشيباني، وانحاز المهلب بن زياد العجلي في سبعمائة إلى رستاق يسمى المرغاب فنزلوا قصراً هناك، فأتاهم الأشكند صاحب نسف في خيل ومعه غوزك، فأعطاهم غوزك الأمان. فقال قريش بن عبد الله العبدي: لا تثقوا بهم، ولكن إذا جننا الليل خرجنا عليهم حتى نأتي سمرقند. فعصوه فنزلوا بالأمان، فساقهم إلى خاقان فقال: لا أجيز أمان غوزك، فقاتلهم الوجف بن خالد والمسلمون فأصيبوا غير سبعة عشر رجلاً فقتلوا غير ثلاثة.
وقتل سورة في اللهبن فلما قتل خرج الجنيد من الشعب يريد سمرقند مبادراً فقال له خالد بن عبيد الله: سر وأسرع. فقال له المجشر: انزل وخذ بلجام دابته، فنزل ونزل الناس معه، فلم يستتم نزولهم حتى طلع الترك، فقال المجشر له: لو لقونا ونحن نسير ألم يهلكونا؟ فلما أصبحوا تناهضوا فجال الناس، فقال الجنيد: أيها الناس إنها النار، فرجعوا، ونادى الجنيد: أي عبد قاتل فهو حر. فقاتل العبيد قتالاً عجب منه الناس، فسروا بما رأوا من صبرهم وصبر الناس حتى انهزم العدو ومضوا، فقال موسى بن التعراء للناس: تفرحون بما رأيتم من العبيد إن لكم منهم ليوماً أروزبان.
ومضى الجنيد إلى سمر قند فحمل عيال من كان مع سورة إلى مرو وأقام بالصغد أربعة أشهر.
وكان صاحب رأي خراسان في الحرب المجشر بن مزاحم وعبد الرحمن بن صبح الخرقي وعبيد الله بن حبيب الهجري، وكان المجشر ينزل الناس على راياتهم ويضع المسالح ليس لأحد مثل رأيه في ذلك، وكان المجشر ينزل الناس على راياتهم ويضع المسالح ليس لأحد مثل رأيه، وكان عبيد الله على تعبية القتال. وكان رجال من الموالي مثل هؤلاء في الرأي والمشورة والعلم بالحرب، فمنهم: الفضل بن بسام، مولى ليث، وعبد الله بن أي عبد الله، مولى سليم، والبختري بن مجاهد، مولى شيبان.
فلما انصرف الترك بعث الجنيد نهار بن توسعة، أحد بني تيم الللات، وزبل بن سويد المري إلى هشام، وكتب إليه: إن سورة عصاني، أمرته بلزوم الماء فلم يفعل فتفرق عنه أصحابه فأتتني طائفة إلى كش وطائفة إلى نسف وطائفة إلى سمرقند وأصيب سورة في بقية أصحابه.
فسأل هشام نهار بن توسعة عن الخبر، فأخبره بما شهد، فكتب هشام إلى الجنيد: قد وجهت إليك عشرة آلاف من أهل البصرة، وعشرة آلاف من أهل الكوفة، ومن السلاح ثلاثين ألف رمح، ومثلها ترسة، فافرض فلا غاية لك في الفريضة لخمسة عشر ألفاً. فلما سمع هشام مصاب سورة قال: إنا لله وإنا إليه راجعون، مصاب سورة بخراسان ومصاب الجراح بالباب.
وأبلى نصر بن سيار يومئذ بلاء حسناً. وأرسل الجنيد ليلة بالشعب رجلاً وقال له: تسمع ما يقول الناس وكيف حالهم. ففعل ثم رجع إليه فقال: رأيتهم طيبة أنفسهم، يتناشدون الأشعار ويقرأون القرآن. فسره ذلك.
قال عبيد بن حاتم بن النعمان: رأيت فساطيط بين السماء والأرض فقلت: لمن هذا؟ فقالوا: بعدب الله بن بسطام وأصحابه، فقتلوا في غدٍ، فقال رجل: مررت في ذلك الموضع بعد ذلك بحين فشممت رائحة المسك.
وأقام الجنيد بسمرقند وتوجه خاقان إلى بخارى وعليها قطن بن قتيبة بن مسلم، فخاف الجنيد الترك على قطن بن قتيبة فشاور أصحابه فقال قوم: نلزم سمرقند. وقال قوم: نسير منها فنأتي ربنجين، ثم كش، ثم إلى نسف فنتصل منها إلى أرض زم ونقطع النهر وننزل آمل فنأخذ عليه بالطريق.
فاستشار عبد الله بن أبي عبد الله مولى بني سليم وأخبره بما قالوا فاشترط عليه أن لا يخالفه فيما يشير به عليه من ارتحال ونزول وقتال، قال: نعم. قال: فإن أطلب إليك خصالاً. قال: وما هي؟ قال: تخندق حيث ما نزلت، فلا يفوتنك حمل الماء ولو كنت على شاطئ نهر ، وأن تعطيني في نزولك وارتحالك. قال: نعم. قال: أما ما أشاروا عليك في مقامك بسمرقند حتى يأتيك الغياث فالغياث يبطئ عنك، وأما ما أشاروا من طريق كش ونسف فإنك إن سرت بالناس في غير الطريق فتت في أعضادهم وانكسروا عن عدوهم واجترأ عليك خاقان، وهو اليوم قد استفتح بخارى فلم يفتحوا له، فإن أخذت غير الطريق بلغ أهل بخارى ما فعلت فيستسلموا لعدوهم، وإن أخذت الطريق الأعظم هابك العدو، والرأي عندي أن تأخذ عيال من قتل مع سورة فتقسمهم على عشائرهم وتحملهم معك، فإني أرجو بذلك أن ينصرك الله على عدوك وتعطي كل رجل تخلف بمسرقند ألف درهم فرساً.
فأخذ برأيه وخلف بسمرقند عثمان بن عبد الله بن الشخير في أربعمائة فاس وأربعمائة راجل. فشتم الناس عبد الله بن أبي عبد الله وقالوا: ما أراد إلا هلاكنا. فخرج الجنيد وحمل العيال معه وسرح الأشحب بن عبيد الحنظلي ومعه عشرة من الطلائع وقال: كلما مضت مرحلة سرح إلي رجلاً يعلمني الخبر. وسار الجنيد فأسرع السير، فقال له عطاء الدبوسي: انظر أضعف شيخ في العسكر فسلحه سلاحاً تاماً بسيفه ورمحه وترسه وجعبته ثم سر على قدر مشيه، فإنا لا نقدر على سرعة المسير والقتال ونحن رجالة. ففعل الجنيد ذلك، ولم يعرض للناس عارض حتى خرجوا من الأماكن المخوفة، ودنا من الطواويس، وأقبل إليه خاقان بكرمينية أول يوم من رمضان واقتتلوا، فأتاه عبد الله بن أبي عبد الله وهو يضحك، فقال الجنيد: ليس هذا يوم ضحك. قال: الحمد لله الذي لم يلقاك هؤلاء في جبال معطشة وعلى ظهر إنما أتوك وأنت مخندق آخر النهار كالين وأنت معك الزاد، فقاتلوا قليلاً ثم رجعوا. ثم قال للجنيد: ارتحل فن خاقان وذأنك تقيم فينطوي عليك إذا شاء.
فسار وعبد الله على الساقة، ثم أمره بالنزول فنزل، واستقى الناس وباتوا، فلما اصبحوا ارتحلوا، فقال عبد الله: إني أتوقع أن خاقان يصدم الساقة اليوم فشدوها بالرجال، فقواهم الجنيد، وجاءت الترك فمالت على الساقة فاقتتلوا، فاشتد بينهم وقتل مسلم بن أحوز عظيماً من عظماء الترك، فتطيروا من ذلك وانصرفوا من الطواويس. وسار المسلمون فدخلوا بخارى يوم المهرجان، فتلقوهم بالدراهم البخارية، فأعطاهم عشرة عشرة.
قال عبد المؤمن بن خالد: رأيت عبد الله بن أبي عبد الله في المنام بعد موته، فقال: حدث الناس عني برأيي يوم الشعب.
وكان الجنيد يذكر خالد بن عبد الله فيقول: زبدة من الزبد، صنبور من صنبور، قل من قل، هيفة من الهيف. والهيفة: الضبع، والقل: الفرد، الصنبور: الذي لا أخ له، وقيل الملصق.
وقدمت الجنود من الكوفة على الجنيد، فسرح معهم حوثرة بن زيد العنبري فيمن انتدب معه. وقيل: إن وقعة الشعب كانت سنة ثلاث عشرة؛ وقال نصر بن سيار يذكر يوم الشعب:
إني نشأت وحسادي ذوو عددٍ ... يا ذا المعارج لا تنقص لهم عددا
إن تحسدوني على مثل البلاء لكم ... يوماً فمثل بلائي جر لي الحسدا
يأبى الإله الذي أعلى بقدرته ... كعبي عليكم وأعطى فوقكم عددا
أرمي العداة بأفراس مكلمةٍ ... حتى اتخذن على حسادهن يدا
من ذا الذي منكم في الشعب إذ وردوا ... لم يتخذ حومة الأثقال معتمدا
هلا شهدتم دفاعي عن جنيدكم ... وقع القنا وشهاب الحرب قد وقدا
وقال ابن عرس يمدح نصراً:
يا نصر أنت فتى نزار كلها ... فلك المآثر والفعال الأرفع
فرجت عن كل القبائل كربةً ... بالشعب حين تخاضعوا وتضعضعوا
يوم الجنيد إذ القنا متشاجر ... والنحر دامٍ والخوافق تلمع
ما زلت ترميهم بنفسٍ حرةٍ ... حتى تفرج جمعهم وتصدعوا
فالناس كل بعدها عتقاؤكم ... ولك المكارم والمعالي أجمع
ذكر عدة حوادثفي هذه السنة غزا معاوية بن هشام الصائفة فافتتح خرشنة. وحج بالناس هذه السنة إبراهيم بن هشام المخزومي، وقيل: سليمان بن هشام عبد الملك. وفيها استعمل أهل الأندلس على أنفسهم بعد موت الهيثم أميرهم محمد بن عبد الملك الأشجعي، فبقي شهرين، وولي بعده عبد الرحمن بن عبد الله الغافقي، وكان عمال الأمصار هذه السنة من ذكرناهم في السنة قلها.
وفيها مات رجاء بن حيوة بقسين؛ حيوة بالحاء المهملة المفتوحة، وسكون الياء المثناة من تحت. وفيها توفي مكحول أبو عبد الله الشامي الفقيه. وعبد الجبار بن وائل بن حجر الحضرمي، ومات أبوه وأمه حامل به، فكل ما يروونه عن أبيه فهو منقطع.
ثم دخلت سنة ثلاث عشرة ومائة
ذكر قتل عبد الوهابفي هذه السنة قتل عبد الوهاب بن بخت، وكان قد غزا مع عبد الله البطال أرض الروم، فانهزم الناس عن البطال، فحمل عد الوهاب وهو يقول: ما رأيت فرساً أجبن منك، سفك الله دمي إن لم أسفك دمك! ثم ألقى بيضته عن رأسه وصاح: أنا عبد الوهاب بن بخت! أمن الجنة تفرون؟ ثم تقدم في نحر العدو، فمر برجل يقول: واعطشاه! فقال: تقدم، الري أمامك. فخالط القوم فقتل وقتل فرسه.
ذكر غزو مسلمة وعودهوفيها فرق مسلمة الجيوش ببلاد خاقان ففتحت مدائن وحصون على يديه وقتل منهم وأسر وسبى وأحرق ودان له من وراء جبال بلنجر، وقتل ابن خاقان، فاجتمعت تلك الأمم جميعها الخزر وغيرهم عليه في جمع لا يعلم عددهم إلا الله تعالى، وقد جاز مسلمة بلنجر فلما بلغه خبرهم أمر أصحابه فأوقدوا النيران ثم ترك خيامهم وأثقالهم وعاد هو وعسكره جريدة، وقدم الضعفاء وأخر الشجعان، وطووا المراحل كل مرحلتين في مرحلة حتى وصل إلى الباب والأبواب في آخر رمق.
ذكر قتل عبد الرحمن أمير الأندلس
وولاية عبد الملك بن قطنفي هذه السنة وهي سنة ثلاث عشرة ومائة، غزا عبد الرحمن بن عبد الله الغافقي أمير الأندلس من قبل عبيدة بن عبد الرحمن السلمي، وكان هشام بن عبد الملك قد استعمل عبيدة على إفريقية والأندلس سنة عشر ومائة، فلما قدم إفريقية رأى المستنبر بن الحارث الحريثي غازياً بصلية، وأقام هناك حتى هجم عليه الشتاء ثم قفل راجعاً، فغرق من معه وسلم المستنبر في مركبه، فحبسه عبيدة عقوبة له وجلده وشهره بالقيروان.
ثم إن عبيدة استعمل على الأندلس عبد الرحمن بن عبد الله، فغزا إفرنجة وأوغل في أرضهم وغنم غنائم كثيرة، وكان فيما أصاب رجل من ذهب مفصصة بالدر والياقوت والزمرد، فكسرها وقسمها في الناس. فبلغ ذلك عبيدة، فغضب غضباً شديداً، فكتب إليه يتهدده، فأجابه عبد الرحمن، وكان رجلاً صالحاً: أما بعد فإن السموات والأرض لو كانتا رتقاً لجعل الله للمتقين منها مخرجاً. ثم خرج غازياً ببلاد الفرنج هذه السنة، وقيل: سنة أربع عشرة، وهو الصحيح، فقتل هو ومن معه شهداء.
ثم إن عبيدة سار من إفريقية إلى الشام ومعه من الهدايا والإماء ولعبيد والدواب وغير ذلك شيء كثير، واستغفى هشاماً، فأجابه إلى ذلك وعزله، وكان قد استعمل على الأندلس بعد قتل عبد الرحمن عبد الملك بن قطن.
ثم إن هشاماً استعمل على إفريقية بعد عبيدة عبيد الله بن الحبحاب، وكان على مصر، فسار عبيد الله إلى إفريقية سنة ست عشرة ومائة فأخرج المستنير من الحبس وولاه توني.
ثم إن عبيد الله جهز جيشاً مع حبيب بن أبي عبيدة وسيرهم إلى أرض السودان فظفر بهم ظفراً لم يظفر أحد مثله وأصاب ما شاء، ثم غزا البحر ثم انصرف.
ذكر عدة حوادثفي هذه السنة مات عدي بن ثابت الأنصاري. ومعاوية بن قرة بن إياس الموني، والد إياس قاضي البصرة الذي يضرب بذكائه المثل. وفيها توفي حرام بن سعيد بن محيصة أبو سعيد، وعمره سبعون سنة؛ حرام بفتح الحاء المهملة وبالراء المهملة. وحيصة بضم الميم، وفتح الحاء المهملة، وتشديد الياء المثناة من تحت، وبالصاد المهملة. وفيها توفي طلحة بن مصرف الأيامي. وعبد الله بن عبيد الله بن عمير الليثي. وعبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري، ويكنى أبا جعفرة، وعمره سبع وسبعون سنة. ووهب بن منبه الصناعاني، وكان أصغر من أخيه همام، وكانوا خمسة إخوة: همام ووهب وغيلان وعقيل ومعقل ، وقيل: مات سنة عشر ومائة. وفيها توفي الحر بن يوسف أمير الموصل ودفن بمقابر قريش بالموصل، وكانت بإزاء داره لمعروفة بالمنقوشة، في ذي الحجة، واستعمل هشام مكانه الوليد بن تليد العبسي، وأمره بالجد في إتمام حفر النهر في البلد، فشرع فيه واهتم بعمله.
وفيها غزا معاوية بن هشام أرض الروم فرابط من ناحية مرعش ثم رجع.
وفي هذه السنة سار جماعة من دعاة بني العباس إلى خراسان، فاخذ الجنيد رجلاً منهم فقتله وقال: من أصبت منهم فدمه هدر.
وحج بالناس هذه السنة سليمان بن هشام بن عبد الملك، وقيل: إبراهيم ابن هشام بن إسماعيل المخزومي، و كان العمال من تقدم ذكرهم.
ثم دخلت سنة أربع عشرة ومائة
ذكر ولاية مروان بن محمد أرمينية وأذربيجانفي هذه السنة استعمل هشام بن عبد الملك مروان بن محمد بن مروان، وهو ابن عمه، على الجزيرة وأذربيجان وأرمينية.
وكان سبب ذلك أنه كان في عسكر مسلمة بأرمينية حين غزا الخزر، فلما عاد مسلمة سار مروان إلى هشام فلم يشعر به حتى دخل عليه، فسأله عن سبب قدومه فقال: ضقت ذرعاً بما أذكره ولم أر من يحمله غيري! قال: وما هو؟ قال مروان: قد كان من دخول الخزر إلى بلاد الإسلام وقتل الجراح وغيره من لمسلمين ما دخل به الوهن على المسلمين، ثم رأى أمير المؤمنين أن يوجه أخاه مسلمة بن عبد الملك إليهم، فوالله ما وطئ من بلادهم إلا أدناها، ثم رأى أمير المؤمنين أن يوجه أخاه مسلمة بن عبد الملك إليهم، فوالله ما وطئ من بلادهم إلا أدناها، ثم إنه لما رأى كثرة جمعه أعجبه ذلك فكتب إلى الخزر يؤذنهم بالحرب وأقام بعد ذلك ثلاثة أشهر، فاستعد القوم وحشدوا، فلما دخل بلادهم لم يكن له فيهم نكاية، وكان قصاراه السلامة، وقد أردت أن تأذن لي في غزوة أذهب بها عنا العار وأنتقم من العدو. قال: قد أذنت لك. قال: وتمدني بمائة وعشرين ألف مقاتل؟ قال: قد فعلت. قال: وتكتم هذا الأمر عن كل واحد؟ قال: قد فعلت، وقد استعلمتك على أرمينية.
فودعه وسار إلى أرمينية والياً عليها، وسمى هشام الجنود من الشام والعراق والجزيرة، فاجتمع عنده من الجنود والمتطوعة مائة وعشرون ألفاً، فأظهر أنه يريد غزو اللان وقصد بلادهم، وأرسل إلى ملك الجذر يطلب منه المهادنة، فأجابه إلى ذلك وأرسل إليه من يقرر الصلح، فأمسك الرسول عنده إلى أن فرغ من جهازه وما يريد، ثم أغلظ لهم القول وآذنهم بالحرب، وسير الرسول إلى صاحبه بذلك ووكل به من ن يسيره على طريق فيه بعد، وسار هو في أقرب الطرق، فما وصل الرسول إلى صاحبه إلا ومران قد وافاهم، فاعلم صاحبه الخبر وأخبره بما قد جمع له مران وحشد واستعد. فاستشار ملك الجذر أصحابه، فقالوا: إن هذا قد اغترك ودخل بلادك، فغن أقمت إلى أن تجمع لم يجتمع عندك إلى مدة فيبلغ منك مايريد، وإن أنت لقيته على حالك هذه هزمك وظفر بك، والرأي أن تتأخر إلى أقصى بلادك وتدعه وما يريد. فقبل رأيهم وسار حيث أمروه.
ودخل مروان البلاد وأوغل فيها وأخربها وعنم وسبى وانتهى إلى آخرها وأقام فيها عدة أيام حتى أذلهم وانتقم منهم، ودخل بلاد ملك السرير فأوقع بأهله وفتح قلاعاً ودان له الملك وصالحه على ألف رأس وخمسمائة غلام وخمسمائة جارية سود الشعور ومائة ألف مديٍ تحمل إلى الباب، وصالح مروان أهل تومان على مائة رأس نصفين، وعشرين ألف مدي، ثم دخل أرض زريكران، فصالحه ملكها، ثم أتى إلى أرض خمزين، فأبى حمزين أن يصالحه، فحصرهم فافتتح حصنهم، ثم أتى سغدان فافتتحها صلحاً ووظف على طيرشانشاه عشرة آلاف مدي كل سنة تحمل إلى الباب، ثم نزل على قلعة صاحب اللكز، وقد امتنع من أداء الوظيفة، فخرج ملك اللكز يريد مالك الخز، فقتله راعٍ بسهم هو لا يعرفه، فصالح أهل اللكز مروان،واستعمل عليهم عاملاً، وسار إلى قلعة شروان، وهي على البحر، فأذعن بالطاعة، وسار إلى الدوداني فأقلع بهم ثم عاد.
ذكر عدة حوادثفي هذه السنة غزا معاوية بن هشام الصائفة اليسرى، فأصاب ربض أقرن، وإن عبد الله البطال التقى هو وقسطنطين في جمع، فهزمهم البطالوأسر قسطنطسن. وفيهاغزا سليمان بن هشام الصائفة اليمنى، فبلغ قيسارية. وفي هذه السنة عزل هشام بن عبد الملك إبراهيم بن هشام المخزومي عن المدينة واستعمل عليها خالد بن عبد الملك بن الحارث بن الحكم في ربيع الأول، وكانت إمراة إبراهيم على المدينة ثماني سنين، وعزل أيضاً إبراهيم عن مكة والطائف واستعمل عليها خالد بن عبد الملك بن الحارث بن الحكم في ربيع الأول، وكانت إمراة إبراهيم على المدينة ثماني سنين، وعزل أيضاً إبراهيم عن مكة والطائف واستعمل عليهما محمد بن هشام المخزومي، وقيل. بل ولى محمداً سنة ثلاث عشرة، فلما عزل إبراهيم أقر محمد عليها. وفيها وقع الطاعون بواسط. وفيها أقبل مسلمة بن عبد الملك بعدما هزم خاقان وأحكم ما هناك وبنى الباب.
وحج الناس خالد بن عبد الملك بن الحارث، وقيل محمد هشام. وكان العمال من تقدم ذكرهم في السنة قبلها، غير أن المدينة كان عاملها خالد بن عبد الملك، وعامل مكة والطائف محمد بن هشام، وعامل أرمينية وأذربيجان مروان بن محمد.
وفيها مات عطاء بن أبي رباح، وقيل سنة خمس عشرة، وعمره ثمان وثمانون سنة، وقيل مائة سنة. وفيها توفي محمد بن الحسين الباقر، وقيل سنة خمس عشرة، وكان عمره ثلاثاً وسبعين سنة، وقيل ثمانياً وخمسين سنة. والحكم بن عتيبة بن النهاس أبو محمد، وهو مولى امرأة من كندة، ومولده سنة خمسين. وفيها توفي عبد الله بن بريدة بن الحصيب الأسلمي قاضي مرو، وكان مولده لثلاث سنين مضت من خلافة عمر بن الخطاب.
عتبة بضم العين المهلمة، وفتح التاء فوقها نقطتان، وبعدها ياء مثناة من تحتها، وآخره باء موحدة. وبريدة بضم الباء الموحدة وفتح الراء. والحصيب بضم الحاء وفتح الصاد المهملتني وأخره باء موحدة.
ثم دخلت سنة خمس عشرة ومائةفي هذه السنة غزا معاوية بن هشام أرض الروم. وفيها وقع الطاعون بالشام. وفيها وقع بخراسان قحط شديد، فكتب الجنيد إلى الكور بحمل الطعام إلى مرو، فأعطى الجنيد رجلاً درهما فاشترى به رغيفاً، فقال لهم: أتشكون الجوع ورغيف بدرهم؟ لقد رأيتني بالهمد وإن الحبة من الحبوب لتباع عدداً بدرهم.
قال: وحج بالناس هذه السنة محمد بن هشام المخزومي. وكان الأمير بخراسان الجنيد، وقيل: بل كان قد مات الجنيد واستخلف عمارة بن حريم المري، وقيل: بل كان موت الجنيد سنة ست عشرة ومائة وفيها غزا عبد الملك بن قطن عامل الأندلس أرض البشكنس وعا سالماً.
ثم دخلت سنة ست عشرة ومائةفي هذه السنة غزا معاوية بن عبد الملك أرض الروم الصائفة. فيها كان طاعون شديد بالعراق والشام، وكان أشد بواسط.
ذكر عزل الجنيد ووفاته
وولاية عاصم خراسانوفيها عزل هشام بن عبد الملك الجنيد بن عبد الرحمن المري عن خراسان. واستعمل عليها عاصم بن عبد الله بن يزيد الهلالي.
وسبب ذلك أن الجنيد تزوج الفاضلة بنت يزيد بن المهلب، فغضب هشام فولى عاصم خراسان. وكان الجنيد قد سقي بطنه، فقال هشام لعاصم: إن أدركته وبه رمق فأرهق نفسه. فقدم عاصم وقد مات الجنيد، وكان بينها عداوة، فاخذ عمارة بن حريم، وكان الجنيد قد استخلفه، وهو ابن عمه، فعذبه عاصم وعذب عمال الجنبد.
وعمارة هذا جد أبي الهيذام صاحب العصبية بالشام، وسيأتي ذكرها إن شاء الله.
وكان موت الجنيد بمرو، وكان من الأجواد المدوحين غير محمود في حروبه.
ذكر خلع الحارث بن سريج بخراسانوفي هذه السنة خلع الحارث بن سريج وأقبل إلى الفارياب، فأرسل إليه عاصم بن عبد الله رسلاً فيهم مقاتل بن حيان النبطي وخطاب بن محرز السلمي فقالا لمن معهما: لا تلقى الحارث إلا بأمان. فأبى القوم عليهما، فأخذهم الحارث وحبسهم ووكل بهم رجلاً، فأوثقوه وخرجوا من السجن فركبوا وعادوا إلى عاصم، فامرهم، فخطبوا وذموا الحارث وذكروا خبث سيرته وغدره. وكان الحارث قد لبس السواد ودعا إلى كتاب الله سنة نبيه والبيعة للرضا، فسار من الفارياب فأتى بلخ، وعليها نصر بن سيار التجيبي، فلقيا الحارث في عشرة آلاف والحارث في أربعة آلاف فقاتلهما ومن معهما، فانهزم أهل بلخ وتبعهم الحارث، فدخل كدينة بلخ، وخرج نصر بن سيار منها، وأمر الحارث بالكف عنهم واستعمل عليها رجلاً من ولد عبد الله بن خازم وسار إلى الجوزجان فغلب عليها وعلى الطالقان ومرو الروز.
فلما كان بالجوزجان استشار أصحابه في أي بلد يقصد، فقيل له: مرو بيضة خراسان وفرسانهم كثير ولو لم يلقوك إلا بعيدهم لا نتصفوا منك، فأقم فإن أتوك قاتلتهم، وإن أقاموا قطعت المادة عنهم. قال: لا أرى ذلك، وسار إلى مرو فقال لأهل الرأي من مرو: إن أتى عاصم نيسابور فرق جماعتنا، وإن أتانا نكب.
وبلغ عاصماً أن أهل مرو يكاتبون الحارث فقال: يا أهيل مرو قد كاتبتم الحارث لا يقصد المدينة إلا تركتموها له، وإني لا حق بنيسابور وأكاتب أمير المؤمنين حتى يمدني بعشرة آلاف من أهل الشام. فقال له المجشر بن مزاحم: إن أعطوك بيعتهم بالطلاق والعتاق على القتال معك والمناصحة لك فلا تفارقهم.
وأقبل الحارث إلى مرو يقال في ستين ألفاً ومعه فرسان الأزد وتميم، منهم: محمد بن المثنى، وحماد بن عامر الحماني، وداود الأعسر، وبشر بن أنيف الرياحي، وعطاء الدبوسي، ومن الدهاقين دهقان الجوزجان ودهقان الفارياب وملك الطالقان ودهقان مرو الوذ في أشباههم، وخرج عاصم في أهل مرو وغيهم فعسكر، وقطع عاصم القناطر، وأقبل أصحاب الحارث فأصلحوا القناطر، فمال محمد بن المثنى الفراهيذي الأزدي إللى عاصم في ألفين فأتى الأزد، ومال حماد بن عامر الحماني إلى عاصم فأتى بني تميم، والتقى الحارث وعاصم، وعلى ميمنة الحارث وابض بن عبد الله زرارة التغلي، فاقتتلوا قتالاً شديداً، فانهزم أصحاب الحارث فغرق منهم بشر كثير في أنهار مرو وفي النهر الأعظم ومضت الدهاقين إلى بلادهم، وغرق خازم بن عبد الله ابن خازم، وكان مع الحارث، وقتل أصحاب الحارث قتلاً ذريعاً، وقطع الحارث وادي مرو فضرب رواقا عند منازل الرهبان، وكف عنه عاصم، واجتمع إلى الحارث زهاء ثلاثة ألاف.
ذكر عدة حوادثوفيها عزل هشام عبيد الله بن الحبحاب الموصلي عن ولاية مصر واستعمله على إفريقية، فسار إليها. وفيها سير ابن الحبحاب جيشاً إلى صقلية، فلقيهم مراكب الروم فاققتلوا قتالاً شديداً، فانهزمت الروم، وكانوا قد أسوا جماعة من المسلمين، منهم عبد الرحمن بن زياد، فبقي أسيراً إلى سنة إحدى وعشرين ومائة، وفيها سير ابن الحبحاب أيضاً جيشاً إلى السوس وأرض السودان فغنموا وظفروا وعادوا. وفيها استعمل عبد الله بن الحبحاب عطية بن الحجاج القيسي على الأندلس، فسار إليها ووليها في شوال من هذه السنة وعزل عبد الملك ابن قطن، وكان له كل سنة غزاة، وعو الذي افتتح جليقية والبتة وغيرهما،وقيل: بل ولي عبيد الله بن الحبحاب إفريقة سنة سبع عشرة، وسترد أخباره هناك، وهذا أصح.
وحج بالناس هذه السنة الوليد بن يزيد بن عبد الملك، وكان ولي عهد. وكان العمال على الأمصار من تقدم ذكرهم إلا خراسان فكان عاملها عاصم بن عبد الله.
ثم دخلت سنة سبع عشرة ومائةفي هذه السنة غزا معاوةً بن هشام الصائفة اليسرى، وغزا سليمان بن هشام الصائفة اليمنى من نحو الجزيرة، وفرق سراياه في أرض الروم. وفيها بعث مروان بن محمد، وهو على أرمينية، بعثين، وافتحح أحدهما حصوناً ثلاثة من اللان، نزل الآخر على تومانشاه فنزل أهلها على الصلح.
ذكر عزل عاصم عن خراسان
وولاية أسد
وفي هذه السنة عزل هشام بن عبد الملك عاصم بن عبد الله عن خراسان وولاها خالد بن عبد الله القسري، فاستخلف خالد عليها أخاه أسد بن عبد الله.
وكان سبب ذلك أن عاصماً كتب إلى هشام: أما بعد فإن الرائد لا يكذب أهله، وإن خراسان لا تصلح إلا أن تضم إلى صاحب العراق فتكون موادها ومعونتها من قريب لتباعد أمير المؤمنين عنها . وتباطؤ غياثه عنها.فضم هشام خرسان إلى خالد بن عبدالله القسري ،وكتب اليه :ابعث أخاك يصلح ماأفسد ،فإن كانت سببه كانت به ،فسير خالد اليها أخاه اسداَ.فلما بلغ عاصما إقبالً أسد وأنه قد سير على مقدمت محمد بنمالك الهمدانى صالح الحرث بن سُريج وكتبا بنهما كتاباَ على أن ينزل الحارث أي كُور خرسان شاء وان يكتبا جميعاً الى هشام يسألانه بكتاب الله وسنة نبيه،صلى الله عليه وسلم ،فإن ابى اجتمعا عليه ، فختم الكتاب بعض الرؤساء، وابى يحيى بن حضين بن المنذر أن يختم وقال: هذا خلع لأمير المؤمنين،فأنفسخ ذلك .
وكان عاصم بقرية بأعلى مرو، وأتاه الحارث بن سريج فالتقوا واقتتلوا قتالاً شيداً، فانهزم الحارث وأسر من أصحابه أسرى كثيرة، منهم عبد الله بن عخمرو المازني راس أهل مرو الروذ، فقتل عاصم الأسرى، وكان فرس الحارث قد رمي بسهم فنزعه الحارث وألح على الفرس بالضرب والحضر ليشغله عن أثر الجراحة، وحمل عليه رجل من أهل الشام، فلما قرب منه مال الحارث عن فرسه ثم ابتع الشامي فقال له: أسألك بحرمة الإسلام في دمي! فقال: انزل عن فرسك. فنزل عن فرسه، فركبه الحارث؛ فقال رجل من عبد القيس في ذلك:
تولت قريش لذة العيش واتقت ... بنا كل فج من خراسان أغبرا
فليت قريشاً أصبحوا ذات ليلةٍ ... يعومون في لج من البحر أخضرا
وعظم أهل الشام يحيى بن حضين لما صنع في نقض الكتاب وكتبوا كتاباً بما كان وبهزيمة الحارث مع محمد بن مسلم العنبري. فلقي أسد بن عبد الله بالري، وقيل ببيهق، فكتب إلى أخيه خالد ينتحل أنه هزم الحارث ويخبره بأمر يحيى، فأجاز خالد يحيى بعشرة آلاف دينار ومئة من الخيل. وكانت ولاية عاصم أقل من سنة، فحبسه أسد وحاسبه وطلب منه مائة ألف درهم وقال: إنك لم تفر، وأطلق عمارة بن حريم وعمال الجنيد.
فلما قدم أسد لم يكن لعاصم إلا مرو ونيسابور والحارث بمرو الروذ وخالد ابن عبد الله الهجري بآمل موافق للحارث، فخاف أسد إن قصد الحارث بمرو الروذ أن يأتي الهجري من قبل آمل، وإن قصد الهجري قصد الحارث مرو من قبل مرو الروذ. فأجمع على توجيه عبد الرحمن بن نعيم في أهل الكوفة والشام إلى الحارث بمرو الروذ، وسار أسد بالناس إلى آمل، فلقيه خيل آمل عليهم زياد القرشي مولى حيان النبطي وغيره فهزموا حتى رجعوا إلى المدينة، فحصرهم أسد ونصب عليهم المجانيق وعلين الهجري من أصحاب الحارث، فلطلبوا الأمان، فأرسل إليهم أسد: ما تطلبون؟ قالوا: كتاب الله وسنة نبيه، صلى الله عليه وسلم، وأن لا تأخذ أهل المدن بجنيتنا.
فأجابهم إلى ذلك، فاستعمل عليهم يحيى بن نعيم بن هبيرة الشيباني وسار يريد بلخ، فأخبر أن أهلها قد بايعوا سليمان بن عبد الله بن خازم. فسار حتى قدمها واتخذ سفناً وسار منها إلى ترمذ، فوجد الحارث محاصراً لها وبها سنان الأعرابي، فنزل أسد دون النهر لم يطق العبور إليهم ولا يمدهم، وخرج أهل ترمذ من المدينة فقاتلوا الحارث قتالاً شديداً، واستطرد الحارث لهم، وكان قد وضع كيمناً، فتبعوه، ونصر بن سيار مع أسد جالس ينظر، فاظهر الكراهية، وعرف أن الحارث قد كادهم، وظن أسد أنما ذلك شفقة على الحارث حين ولي، وأراد معاتبة نصر، وإذا الكمين قد خرج عليهم فانهزموا.
ثم ارتحل أسد إلى بلخ، وخرج أهل ترمذ إلى الحارث فهزموه وقتلوا جماعة من أهل البصائر، منهم: عكرمة وأبو فاكمة. ثم سار أسد سمرقند في طريق زم، فلما قد زم بعث إلى الهيثم الشيباني، وهو في حصن من حصونها، وهو من أصحاب الحارث، فقال له أسد: إنما أنكرتم علي قولكم ما كان من سوء السيرة ولم يبلغ ذلك السبي واستحلال الفروج ولا غلبة المشركين على مثل سمرقند، وأنا أريد سمرقند ولك عهد الله وذمته أن لا ينالك مني شر، ولك المواساة والكرامة والأمان ولمن معك، وإن أبيت ما دعوتك إليه فعلي عهد الله إن أنت رميت بسهم أن لا أؤمنك بعده، وإن جعلت لك ألف أمان لا أفي لك به. فخرج إليه على الأمان وسار معه إلى سمرقند، ثم ارتفع إلى ورغسر، وماء سمرقند قمها، فسكر الوادي وصرفه عن سمرقند، ثم رجع إلى بلخ.
وقيل: إن أمر أسد وأصحاب الحاث كان سنة ثماني عشرة.
ذكر حال دعاة بني العباسقيل: وفي هذه السنة أخذ أسد بن عبد الله جماعة من دعاة بني العباس بخراسان فقتل بعضهم ومثل بعضهم وحبس بعضهم، وكان فيمن أخذ: سليمان بن كثير، ومالك بن الهيثم، وموسى بن كعب، ولا هيز بن قريظ، وخالد بن إبراهيم، وطلحة بن زريق، فأتي بهم، فقال لهم: يا فسقة ألم يقل الله تعالى: " عفا الله عما سلف ومن عاد فينتقم الله منه " المائدة:95؟ فقال له سليمان: نحن والله كما قال الشاعر:
لو بغير الماء حلقي شرق ... كنت كالغصان بالماء اعتصاري
صيدت والله العقارب بيديك! إنا ناس من قومك! وإن المضربة رفعوا إليك هذا لأنا كنا أشد الناس على قتيبة بن مسلم فطلبوا بثأرهم. فبعث بهم إلى الحبس، ثم قال لعبد الرحمن بن نعيم: ما ترى؟ قال: أرى أتن تمن بهم على عشائرهم. قال: لا أفعل، فاطلق ن كان فيهم من أهل اليمن لأنه منهم ومن كان من ربيعة أطلقه أيضاً لحلفهم مع اليمن، وأراد قتل من كان من مضر، فدعا موسى بن كيعب وألجمه بلجام حمار وجذب اللجام فتحطمت أسنانه ودق وجهه وأنفه، ودعا لاهز بن قريظ فقال له: ما هذا بحق، تصنع بنا هذا وتترك اليمانيين والربعيين؟ فضربه ثلاثمائة سوط، فشهد له الحسن بن زيد الأزدي بالبراءة ولأصحابه فتركهم.
ذكر ولاية عبيد الله بن الحبحاب إفريقية والأندلسفي هذه السنة استعمل هشام بن عبد الملك على إفريقة والأندلس عبيد الله ابن الحبحاب وأمره بالمسير إليها، وكان والياً على مصر، فاستخلف عليها ولده وسا إلى إفريقية، وايتعمل على الأندلس عقبة بن الححجاج، واستعمل على طنجة ابنه إسماعيل، وبعث حبيب بن أبي عبيدة بن عقبة بن نافع غازياً إلى المغرب، فبلغ السوس الأقصى وأرض السودان فلم يقالتله أحد إلا ظهر عليه، وأصاب من الغنائم والسبي أمراً عظيماً، فملئ المغرب منه رعباً، وأصاب في السبي جارتيتين من البربر ليس لكل واحدة منهما غير ثدي واحد، ورجع سالماً. وسير جيشاً في البحر سنة سبع عشرة إلى حزيرة الردانية، ففتحوا منها ونهبوا وغنموا وعادوا. ثم سيره غازباً إلى جزيرة صقلية سنة اثنتين وعشرين ومائة ومعه ابنه عبد الرحمن بن حبيب، فلما نزل بأرضها وجه عبد الرحمن على الخيل فلم يلقه أحد إلا هزمه عبد الرحمن، فظفر ظفراً لم ير مثله، حتى نزل على مدينة سرقوسة، وهي من أعظم مدن صقلية، فقاتلوه فهزمهم وحصرهم، فصالحوه على الجزية، وعاد إلى أبيه، وعزم حبيب على المقام بصقلية إلى أن يملكها جميعاً، فأتاه كتاب ابن الحبحاب يتدعيه إلى إفريقية.
وكان سبب ذلك أنه استعمل على طنجة ابنه إسماعيل وجعل معه عمر ابن عبد الله المرادي، فأساء السيرة وتعدى وأراد أن يخمس مسلمي البربر، وزعم أنهم فيء للمسلمين، وذلك شيء لم يرتكبه أحد قبله، فلما سمع البربر بمسير حبيب بن أبي عبيدة إلى صقلية بالعساكر طمعوا ونقضوا الصلح على ابن الحبحاب وتداعت عليه بأسرها ملمها وكافرها، وعظم البلاء، وقدم من بطنجة من البربر على أنفسهم ميسرة السقاء قم المغدوري، وكان خارجياً صفرياً وسقاء، وقصدوا طنجة، فقالتلهم عمر بن عبد الله فقتلوه واستولوا على طنجة وبايعوا ميسرة بالخلافة وخوطب بأمير المؤمنين وكثر جمعه من البربر وقوي أمره بنواحي طنجة.
وظهر في ذلك الوقت جماعة بإفريقية فأظهروا مقالة الخوارج، فأرسل ابن الحبحاب إلى حبيب وهو بصقلية يتسدعيه إليه لقتال ميسرة الساء لأن أمره كان قد عظم، فعاد إلى إفريقية.
وكان ابن الحبحاب قد سير خالد بن حبيب في جيش إلى ميسرة، فلما وصل حبيب بن أبي عبيدة سيره في أثره، والتقى خالد وميسرة بنواحي طنجة واقتتلوا قتالاً شديداً لم يسمع بمثله، وعاد ميسرة إلى طنجة، فأنكرت البربر سيرته، وكانوا بايعوه بالخلافة، فقتلوه وولوا أمرهم خالد بن حميد الزناتي، ثم التقى خالد بن حميد ومعه البربر بخالد بن حبيب ومعه العرب وعسكر هشام،، وكان بينهم قتال شيد صبرت فيه العرب، وظهر عليهم كمين من البربر فانهزموا، وكره خالد بن حبيب أن يهزم من البربر فصبروا معه فقتلوا جيمعهم.
وقتل في هذه الوقعة حماة العرب وفرسانها، فسميت غزوة الأشراف، وانتقضت البلاد وخرج أمر الناس، وبلغ أهل الأندلس الخبر فثاروا بأميرهم عقبة بن الحجاج فعزلوه وولوا عبد الملك بن قطن، فاختلطت الأمور على ابن الحبحاب، وبلغ الخبر إلى هشام بن عبد الملك، فقال: لأغضبن للعرب غضبة وأسير جيشاً يكون أولهم عندهم وآخرهم عندي؛ ثم كتب إلى ابن الحبحاب يأمره بالحضور، فسار إليه في جمادى سنة ثلاث وعشرين ومائة، واستعمل هشام عوضه كلثوم بن عياض القشيري وسير معه جيشاً كثيفاً، وكتب إلى سائر البلاد التي على طريقه بالمسير معه، فوصل إفريقية وعلى مقدمته بلج بن بشر، فوصل إلى القيروان ولقي أهلها بالجفاء والتكبير عليهم، وأراد أن ينزل العسكر الذي معه في منازلهم، فكتب أهلها إلى حبيب بن أبي عبيدة، وهو بتلمسان مواقف البربر، يشكون إليه بلجاً وكلثوماً، فكتب حبيبب إلى كلثوم يقول له إن بلجاً فعل كيت وكيت فارحل عن البلد وإلا رددنا أعنة الخيل إليك.
فاعتذر كلثوم وسار إلى حبيب وعلى مقدمته بلج بن بشر، فاستخف بحبيب وسبه وجرى بينهما منازعة ثم اصطلحوا واجتمعوا على قتلا البربر، وتقدم إليهم البربر من طنجة، فقال لهم حبيب: اجعلوا الرجالة للرجالة والخيالة للخيالة، فلم يقبلوا منه، وتقدم كلثوم بالخيل، فقاتله رجالة البربر فهزموه، فعاد كلثوم منهزماً، ووهن الناس ذلك ونشب القتال، وانكشفت خيالة البربر وثبتت رجالتها واشتد القتال وكثر البربر عليهم، فقتل كلثوم بن عياض وحبيب بن أبي عبيدة ووجوه العرب، وانهزمت العرب وتفرقوا. فمضى أهل الشام إلى الأندلس ومعهم بلج بن بشر وعبيد الرحمن بن حبيب ابن أبي عبيدة، وعاد بعضهم إلى القيروان.
فلما ضعفت العرب بهذه الوقعة ظهر إنسان يقال له عكاشة بن أيوب الفزاري بمدينة قابس، وهو على رأي الخوارج الصفرية، فسار إليه جيش من القيروان فاقتتلوا قتالاً شديداً، فانهزم عسكر القيروان، فخرج إليه عسكر آخر فانهزم عكاشة بعد قتال شديد وقتل كثير من أصحابه، ولحق عكاشة ببلاد الرمل.
فلما بلغ هشام بن عبد الملك قتل كلثوم بعث أميراً على إفريقية حنظلة ابن صفوان الكلبي، فوصلها في ربيع الآخر سنة أربع وعشرين ومائة، فلم يمكث بالقيروان إلا يسيراً حتى زحف إليه عكاشة الخارجي في جمع عظيم من البربر، وكان حين انهزم حشدهم ليأخذ بثأره وأعانه عبد الواحد بن يزيد الهواري ثم المدغمي، وكان صفرياً، في عدد كثير وافترقا ليقصدوا القيروان من جهتين، فلما قرب عكاشة خرج إليه حنظلة ولقيه مفرداً واقتتلوا قتالاً شديداً، وانهزم عكاشة وقتل من البربر ما لا يحصى، وعاد حنظلة إلى القيروان خوفاً عليها من عبد الواحد، وسير إليه جيشاً كثيفاً عدتهم أربعون ألفاً، فساروا إليه، فلما قاربوه لم يجدوا شعيراً يطعمونه دوابهم فأطعموها حنطةً، ثم لقوه من الغد فانهزموا من عبد الواحد وعادوا إلى القيروان، وهلكت دوابهم بسبب الحنطة.
فلما وصلوها نظروا وإذا قد هلك منهم عشرون ألف فرس، وسار عبد الواحد فنزل على ثلاثة أميال من القيروان بموضع يعرف بالأصنام، وقد اجتمع معه ثلاثمائة ألف مقاتل، فحشد حنظلة كل من بالقيروان وفرق فيهم السلاح والمال، فكثر جمعة، فلما دنا الخوارج من عبد الواحد خرج إليهم حنظلة من القيروان واصطفوا للقتال، وقام العلماء في أهل القيروان يحثونهم على الجهاد وقتال الخوارج ويذكرونهم ما يفعلونه بالنساء من السبي وبالأنباء من الاسترقاق وبالرجال من القتل، فكسر الناس أجفان سوفهم، وخرج إليهم نشاؤهم يحرضنهم، فحمي الناس وحملوا على الخوارج حملة واحدة وثبت بعضهم لبعض، فاشتد اللزام وكثر الزحام وصبر الفريقان، ثم إن الله تعالى هزم الخوارج والبربر ونصر العرب، وكثر القتل في البربر وتبعوهم إلى جلولاء يقتلون، ولم يعلموا أن عبد الواحد قد قتل حتى حمل رأسه إلى حنظلة، فخر الناس الله سجداً.
فقيل: لم يقتل بالمغرب أكثر من هذه القتلة، فإن حنظلة أمر بإحصاء القتلى، فعجز الناس عن ذلك حتى عدوهم بالقصب، فكانت عدة القتلى مائة ألف وثمانين ألفاً، ثم أسر عكاشة مع طائفة أخرى بمكان آخر وحمل إلى حنظلة فقتله، وكتب حنظلة إلى هشام بن عبد الملك بالفتح، وكان الليث بن سعد يقول: ما غزوة إلى الآن أشد بعد غزوة بدر من غزوة العرب بالأصنام.
ذكر عدة حوادثفي هذه السنة غزا معاوية بن هشام الصائفة اليسرى، وغزا سليمان بن هشام الصائفة اليمنى من نحو الجزيرة وفرق سراياه في أرض الروم.
وحج بالناس هذه السنة خالد بن عبد الملك. وكان العامل على مكة والمدينة والطائف محمد بن هشام بن إسماعيل المخزومي، وعلى أرمينية وأذربيجان مروان بن محمد.
وفيها توفيت فاطمة بنت الحسن بن علي بن أبي طالب. وسكينة بنت الحسين. وفيها مات عبد الرحمن بن هرمز الأعرج بالإسكندرية. وفيها توفي ابن أبي مليكة، واسمه عبد الله بن عبيد الله بن أب مليكة. وأبو رجاء العطاردي. وأبو شاكر مسلمة بن هشام بن عبد الملك. وفيها توفي ميمون ابن مهران الفقيه، وقيل سنة ثماني عشرة. وفيها توفي نافع مولى ابن عمر، وقيل سنة عشرين. وفيها توفي أبو بكر محمد بن عمرو بن حزم، وقيل سنة عشرين، وقيل سنة ست وعشرين، وقيل سنة ثلاثين. وفيها ماتت عائشة ابنة سعد بن أبي وقاص. وسعيد بن يسار.
وقتادة بن عامة البصري، وكان ضريراً، ومولده سنة ستين.
ثم دخلت سنة ثماني عشرة ومائةفي هذه السنة غزا معاوية وسليمان ابنا هشام بن عبد الملك أرض الروم.
ذكر دعاة بني العباسفي هذه السنة وجه بكير بن ماهان عمار بن يزيد إلى خراسان والياً على شيعة بن العباس، فنزل مرو وغير اسمه وتسمى بخداش، ودعا إلى محمد بن علي، فسارع إليه الناس وأطاعوه، ثم غير ما دعاهم إليه وتكذب وأظهر دين الخرمية ودعا اليه ورخص لبعضهم في نساء بعض، وقال لهم:إنه لا صوم ولا صلاة ولا حج، وإن تأويل الصوم أن يصام عن ذكر الإمام فلا يباح باسمه، والصلاة الدعاء له، والحج القصد إليه، وكان يتأول من القرآن قوله تعالى: " ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا وهملوا الصالحات " . وكان خداش نصراينياً بالكوفة فأسلم ولحق بخرايان.
وكان ممن اتبعه على مقاتله مالك الهيثم، والحريش بن سليم الأعجمي وعغيرهما، وأخبرهم أم محمد بن علي أمر بذلك.
فبلغ خبره أسد بن عبد الله، فظفر به، فأغلظ القول لأسد، فقطع لسانه وسمل عينيه وقال: الحمد الله الذي انتقم لأبي بكر وعمر منك! وأمر يحيى ابن نعيم الشيباني فقتله وصلبه بآمل، وأتي أسد بجزور مولى المهاجر بن دارة الضبي فضرب عنقه بشطاء النهر.
ذكر ما كان من الحارث وأصحابه
وفي هذه السنة نزل أسد بلخ وسرح جديعاً الكرماني إلى القلعة التي فيها أهل الحارث وأصحابه، واسمها التبووشكان من طخارستان العليا، وفيها ينو برزى التغلبيون أصهار الحارث، فحصرهم الكرماني حتى فتحها فقتل بني برزى وسبى عامة أهله من العرب والموالي والذرادي وباعهم فيمن يزيد في سوق بلخ، ونقم على الحارث أربعمائئة وخمسون رجلاً من أصحابه، وكان رئيسهم جرير بن ميمون القاضي، فقال لهم الحارث: إن كنتم لا بد مفارقي فاطلبوا الأمان وأنا شاهد فإنهم يجيبونكم، وإن ارتحلت قبل ذلك لم يعطوا الأمان. فقالوا: ارتحل أنت وخلنا. وأرسلوا يطلبون الأمان، فاخبر أسد أن القوم ليس لهم طعام ولا ماء، فسرح إليهم أسد جديعاً الكرماني في ستة آلاف، فحصرهم في القلعة وقد عطش أهلها وجاعوا، فسألوا أن ينزلوا على الحكم ويترك لهم نساءهم وأولادهم، فاجابهم، فنزلوا على حكم أسد فأرسل إلى الكرماني يأمره أن يحمل إليه خمسين رجلاً من وجوههم فيهم المهاجر بن ميمون، فحملوا إليه، فقتلهم وكتب إلى الكرماني أن يجعل الذين بقوا عنده أثلاثاً، فثلث يقتلهم، وثلث يقطع أيديهم وأرجلهم، وثلث يقطع أديهم، ففعل ذلك الكرماني وأخرج أثقالهم فباعها. واتخذ أسد ميدنة بلخ داراً، ونقل إليها الدواوين، ثم غزا طخارستان قم أرض جبوية فغنم وسبى.
ذكر عدة حوادثفي هذه السنة عزل هشام خالد بن عبد الملك بن الحارث بن الحكم عن المدينة واستعمل عليها خالد محمد بن هشام بن إسماعيل. وفيها غزا مروان بن محمد بن مروان من أرميننية ودخل أرض ورنيس إلى الخزر ونزل حصنه، فحصره مروان ونصب عليه المجانيق، فقتل ورنيس، قتله بعض من اجتاز به وأرسل رأسه إلى مروان، فنصبه لأهل حصنه، فنزلوا على حكمه، فقتل المقالتلة وسبى الذرية.
وفي هذه السنة مات علي بن عبد الله بن عباس، وكان موته بالحميمة من أرض الشام وهو ابن سبع أو ثمان وسبعين سنة، وقيل: إنه ولد في الليلة التي قتل فيها علي بن أبي طالب، فسماه أبوه علياً، وقال: سميته باسم أحب الناس إلي، وكناه أبا الحسن، فلما قجم على عبد المكل بن مروان أكرمه وأجلسه معه على سريره وسأله عن كنيته، فأخبره، فقال: لا يجتمع في عسكري هذا الاسم والكنية لأحد، وسأله: هل ولد لك ولد؟ قال: نعم، وقد سميته محمداً قال: فأنت أبو محمد.
وحج بالناس هذه السنة محمد بم هشام بن إسماعيل، وكان أمير المدينة، وقيل: كان هذه السنة على المدينة خالد بن عبد الملك، وكان على العراق والمشرق كله خالد القسري، وعامله على خراسان أخوه أسد، وعامله على البصرة بلال بن أبي بردة، وكان على أرمينية مروان بن محمد بن مروان.
وفي هذه السنة مات عبادة بن نسي قاضي الأردن. وعممرو بن شعيب ابن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العباس، ومات بالطائف. وأبو صخرة جامع بن شداد. وأبو عشابة المعافري. وعبد الرحمن سليط
ثم دخلت سنة تسع عشرة ومائة
ذكر قتل خاقانلما دخل أسد الختل كتب ابن السايجي إلى خاقان، وهوبنواكث، يعلمه دخول أسد الختل وتفرق جنوده فيها وأنه يحتال مضيعة، فلما أتاه كتابه أمر أصحابه بالجهاز وسار، فلما أحس ابن السايجي بمجيء خاقان بعث إلى أسد: اخرج عن الختل فإن خاقان قد أظلك. فشتم الرسول ولم يصدقه.
فبعث ابن السايجي: إني لم أكذبك وأنا الذي أعلمته دخولك وتفرق عسكرك، وأنها فرصة له، وسألته المدد، فغن لقيك على هذه الحال ظفر بك وعاتنب العرب أبداً ما بقيت واستطال على خاقان واشتدت مؤونته، وقال: أخرجت العرب من بلادك ورددت عليك ملكك.
فعرف أسد أنه قد صدقه فأمر بالأثقال أن تقدم وجعل عليها إبراهيم بن عاصم العقيلي وأخرج معه المشيخة، فسارت الأثقال ومعها أهل الصغانيان وصغان خذاه، وأقبل أسد من الختل نحو الجبل الملح يريد أن يخوض نهر بلخ، وقد قطع إبرايهم بن عاصم بالسبي وما أصلبوا، وأشرف أسد على النهر فأقام يومه، فلما كان الغد عبر النهر في مخاض1ه، وجعل الناس يعبرونن فادركهام خاقان فقتل من لم يقطع النهلأ، وكانت المسلحة على الأزد وتميم، فقاتلوا خاقان وانكشفوا .
وأقبل خاقان وظن المسلمون أنه لا يعبر إليهم النره، فلما نظر خاقان إلى النهر أمر الترك بعبوره، فعبرونه، ودخل المسلمون عسكرهم وأخذ الترك ما رأوه خارجاً، وخرج الغلمان فضاربوهم بالعمد فعادوا، وبات أسد والمسلمون وعببأ أصحابه من الليل، فلما أصبح لم يرد خاقان، فاستشار أصحابه، فقالوا له: اقبل العافية. قال:ما هذه عافة! هذه بلية! إن خاقان أصاب أمس من الجند والسلاح وما منعه اليوم منا إلا أنه قجد أخبره بعض من اخذه من الأسرى بموضع الأثقال أمامنا فار طمعاً فيها.
فارتحل وبعث الطلائع، فلما أمسى استشار الناس في النزول أو المير، فقال الناس: اقبل العافية، وما عسشى أن يكون ذهاب الأموال بعافيتنا وعافية أهل خراسان! ونصر بن سيار مطرق. فقال له أسد: ما لك لا تتكلم؟ قال: أيها الأمير خلتان كلتاهما لك، لإن تسر تغث من مع الأثقال وتخلصهم، فإن انتهيت وقد هلكوا فقد قطعت مشقة لا بد من قطعها. فقبل رأيه وسار بقية يومه، ودعا أسد سعيداً الصغير مولى باهلة، وكان فارساً بأرض الختل، وكتب معه كتاباً إلى إبراهيم يأمره بالاستعداد ويخبره بمسير خاقان إليه وقال له : لتجد السير. فطلب منه فرسه الذبوب، فقال أسد: لعمري لئن جدت نفسك وبخلت عليك بالفرس إني إذاً للئيم. فدفعه إليه، فأخذ معه جنيباً وسار.
فلما حاذى الترك وقد ساروا نحو الأثقال طلبته طلائعهم فركب الذبوب فلم يلحقوه، فأتى إبراهيم بالكتاب. وسار خاقان إلى الأثقال، وقد خندق إبراهيم خندقاً، فأتاهم وهم قيام عليه، فأمر الصغد بقتلاهم فهزمهم المسلمون، وصعد خاقان تلا فجعل ينظر ليرى عورة يأتي منها، وهكذا كان يفعل، فلما صعد التل رأى خلف العسكر جزيرة دونها مخاضة فدعا بعض قواد الترك فأمرهم أن يقطعوا فوق العسكر حتى يصيروا إلى الجزيرة ثم ينحدروا حتى يأتوا عسكر المسلمين من خلفهم وأن يبدأوا بالأعاجم واهل الصغانيان، وقال لهم: إن رجعوا إليكم دخلنا نحن. ففعلوا ودخلوا من ناحية الأعاجم فقتلوا صغان خذاه وعامة أصحابه وأخذوا أموالهم، ودخلوا عسكر إبراهيم فأخذوا جميع ما فيه، وترك المسلمون التعبية واجتمعوا في موضع وأحسوا بالهلاك، وإذا رهج قد ارتفع، وإذا أسد في جنده قد أتاهم، فارتفعت الترك عنهم إلى الموضع الذي كان فيه خاقان، وإبراهيم يعجب من كفهم وقد ظفروا وقتلوا من قتلوا وهو لايطمع في أسد، وكان أسد قد أغذ المسير وأقبل حتى وقف على التل الذي كان عليه خاقان، وتنحى خاقان إلى ناحية الجبل، فخرج إلى أسد من كان بقي مع الأثقال وقد قتل منهم بشراً كثيراً.
ومضى خاقان بالأسرى والجمال الموقرة والجواري، وأمر خاقان رجلاً كان معه من أصحاب الحارث بن سريج فنادى أسداً: قد كان لك فيما وراء النهر مغزى، إنك لشديد الحرص، وقد كان عن الختل مندوحة وهي أرض آبائي وأجدادي. فقال سد: لعل الله أن ينتقم منك.
ويسار أسد إلى بلخ فعسكر في مرجها حتى أتى الشتاء، ثم فرق الناس في الدور ودخل المدينة، وكان الحارث بن سريج بناحية طخارستان فانضم إلى خاقان. فلما كان وسط الشتاء أقبل خاقان، وكان لما فارق أسد أتى كخارستان فأقام عند جبوية، فأقبل فأتى الجوزجان وبث الغارات.
وسبب مجيئه أن الحارث أخبره أنه لا نهوض بأسد فلم يبق معه كثير جند ونزل جزة، فأتى الخبر إلى أسد بنزول خاقان بجزة، فأمر بالنيران فرفعت بالمدينة، فجاء الناس من الرساتيق إليها، فأصبح أسد وصلى صلاة العيد، عيد الأضحى، وخطب الناس، وقال: إن عدوا الله الحارث بن سريج استجلب الطاغية ليطفئ نو الله ويبدل دينه والله مذله إن شاء الله، وإن عدوكم قد أصاب من إخوانكم من أصاب، وإن يرد الله نصركم لم يضركم قلتكم وكثرتهم، فاستنصروا الله، وإن أقرب ما يكون العبد من ربه إذا وضع جبهته له، وإني نازل ووضاع جبهتي، فاسجدوا له وادعوا مخلصين. ففعلوا ورفعوا رؤوسهم ولا يشكون في الفتح، ثم نزل وضحى وشارور الناس في المسير إلى خاقان، قال قوم: تحفظ مدينة بلخ وتكتب إلى خالد والخليفة تستمده. وقال قوم: تأخذ في طريق زم فتسبق خاقان إلى مرو. وقال قوم: بل تخرج إليهم. فوافق هذا رأي أسد، وكان عزم على لقائهم، فخرج بالناس ركعيتين ططولهما، ثم استقبل القبلة ونادى في الناس: اعوا الله تعالى، وأطال الدعاء، فلما فرغ قال: نصرتم ورب الكعبة إن شاء الله تعالى! ثم سار، فلما جاز قنطرة عطاء نزل وأراد المقام حتى يتلاحق به الناس، ثم أمر بالرحيل وقال: لا حاجة بنا إلى المتخلفين.
ثم ارتحل وعلى مقدمته سالم بن منصور البجلي في ثلاثمائة، فلقي ثلاثمائة من الترك طليعة لخاقان، فأسر قائدهم وسبعة معه، وهرب بقيتهم، فأتي به أسد فبكى التركي، فقال: ما يبكيك؟ قال: لست أبكي لنفسي ولكني أبكي لهلاك خاقان، إنه قد فرق جنوده بينه وبين مرو.
فسار أسد حتى شارف مدينة الجوزيجان فنزل عليها على فرسخين من خاقان، وكان قد استباحها خاقان، فلما أصبحوا تراءى العسكران، فقال خاقان للحارث بن سريج: أم تكن أخبرتين أن أسداً لا حراك به وهذه العساكر قد أقبلت من هذا؟ قال: هذا محمد بن المثنى ورايته.
فبعث خاقان طليعة وقال: انظروا هل ترون على الإبل سريراً وكراسي؟ فعادواإليه فأخبروه أنهم رأوها، فقال خاقان: هذا أسد.
وسار أسد قدر غلوة، فلقيه سالم بن جناح فقال: أبشر أيها الأمير قد حزرتم ولا يبلغون أربعة آلاف، وأرجوا أن يكون خاقان عقير الله. فصف أسد أصحابه، وعبى خاقان أصحابه، فلما التقوا حمل الحارث ومن معه من الصغد وغيهم، وكانوا ميمنة خاقان على ميسره أسد، فهزمهم فلم يردهم شيء دون رواق أسد، وحملت ميمنة أسد وهم الجوزجان والأزد وتميم عليهم، فانهزم الحارث ومن معه وانهزمت الترك جيمعها، وحمل الناس جميعاً فتفرق الترك في الأرض لا يلوون على أحد، فتبعهم الناس مقدار ثلاثة فراسخ يقتلون من يقدرون عليه حتى انتهوا إلى أغنامهم وأخذوا منها أكثر من مائة ألف وخمسين ألف رأس ودواب كثيرة.
وأخذ خاقان طريقاً في الجبل والحارث يحميه وسا منهزماً، فقال الجوزجاني لعثمان بن عبد الله بن الشخير: إني لأعلم ببلادي وبطرقها فهل تتبعني لعنلا نهلك خاقان؟ قال: نعم، فاخذا طريقاً وسارا ومن معهما حتى أشسرفوا على خاقان فأوقعوا به، فولى منهزماً، فحوى المسلمون عسكر الترك وما فيه من الأموال، ووجدوا فيه من نساء العرب والموليات من نساء الترك من كل شيء. ووحل بخاقان برذونه فحماه الحارث بن سريج، ولم يعلم الناس أنه خاقان، وأراد الخصي الذي لخاقان أن يحمل امرأة خاقان فأعجلوه فقتلها، واستنقذوا من كان مع خاقان من لمسلمين.
وتتبع أسد خيل الترك التي فرقها في الغارة إلى مرو الوذ وغيها فقتل من قدر عليه منهم ولم ينج منهم غير القليل، ورجع إلى بلخ. وكان بشر الكرماني فب السرايا فيصيبون من الترك الرجل والرجلين وأكثر.
ومضى خاقان إلى طخارستان واقام عند جبوية الخزلجي، ثم ارتحل إللا بلادده، فلما ورد أشروسنة تلقاه خرابغره أو خاناجزه جد كاووس أبي أفشين بكل ما قدر عليه، وكان ما بينهما متباعداً، إلا أنه أحب أن يتخذ عنده يداً. ثم أتى خاقان بلاده واستعد لحرب ومحاصرة سمرقند، وحمل الحارث وأصحابه على خمسة آلاف برذون. فلاعب خاقان يوماً كورصول بالنرد على خطر، فنازعا، فضرب كورصول يد خاقان وكسرها وتنحى وجمع جمعاً، وبلغه أن خاقان قد حلف ليكسرن يده، فبيت خاقان فقتله، وتفرقت التك وتركوه مجرداً، فأتاه نفر من الترك فدفنوه. واشتغلت الترك يغير بعضها على بعض، فعند ذلك طمع أهل الصغد في الرجعة إليها.
وأرسل أسد مبشراً إلى هشام بن عبد الملك بما فتح الله عليهم وبقتل خاقان، فلم يصدقه وقال للربيع حاجبه: لا أظن هذا صادقاً، اذهب فعده ثم سله عما يقول، ففعل ما أمره به، فأخبره بما أخبر به هشاماً، ثم أرسل أسد مبشراً آخر فوقف على بابا هشام وكبر، فأجابه هشام بالتكبير، فلما انتهى إليه أخبره بالفتح، فسجد شكراً لله تعالى، فحسدت القيسية أسداً وقالوا لهشام: اكتب بطلب مقاتل بن حيان النبطي، ففعل فسيره أسد إلى هشام، فلما دخل عليه أخبره بما كان، فقال له هشام: حاجتك؟ قال: إن يزيد بن المهلب أخذ من أبي مائة ألف درهم بغير حق فاستحلفه على ذلك. فكتب إلى أسد فردها عليه، وقسمها مقاتل بين ورثة حيان على كتاب الله تعالى.
قال أبو الهندي يذكر هذه الوقعة
أبا منذرٍ رمت الأمور وقستها ... وساءلت عنها كالحريص المساوم
فما كان ذو رأي من الناس قسته ... برأيك إلا مثلي رأي البهائم
أبا منذرٍ لولا مسيرك لم يكن ... عراق ولا انقادت ملوك الأعاجم
ولا حج بيت الله من حج راكباً ... ولا عمر البطحاء بعد المواسم
وكم من قتيل بين سانٍ وجزة ... كسير الأيادي من ملوك قماقم
تركت بأرض الجوزجان تزوره ... سباع وعقبان لحز الغلاصم
وذي سوقةٍ فيه منٍ السيف خبطة ... به رمق ملقى لحوم الحوائم
فمن هاربٍ منا ومن دائن لنا ... أسيرٍ يقاسي مبهمات الأداهم
فدتك نفوس من تميم وعامر ... ومن مضر الحمراء عند المآزم
هم أطمعوا خاقان فينا فأصبحت ... حلائبه ترجو خلو المغانم
وكان ابن السايجي الذي أخبر أسداً بميء خاقان قد استخلفه السبل على مملكته عند موته وأوصاه بثلاث خصان، قال: لا تستطل على أهل الختل استطالتي عليهم، فإني ملك وأنت لست بملك إنما أنت رجل منهم، وقال له: اطلب الخيش حتى ترده إلى بلادكم، فإنه الملك بعدي؛ وكان الحنيش قد هرب إلى الصين؛ وقال له: لا تحاربوا العرب وادفعوها عنكم بكل حيلة. فقال له ابن السايجي: أما تركي الاستطالة عليهم وردي الحنيش فهو الرأي، وأما قولك لا تحاربوا العرب، فكيف وقد كنت أكثر الملوك محاربة لهم؟ قال السبل: قد جربت قوتكم بقوتي فما رأيتكم تقعون مني موقعاً، وكنت إذا حاربتهم لم أفلت إلا حرضاً، وإنكم إذا حاربتموهم هلكتم فهذا الذي كره إلى ابن السايجي محاربة العرب.
ذكر قتل الممغيرة بن سعيد وبيانفي هذه السنة خرج المغيرة بن سعيد وبيان في ستة نفر، وكانوا يسمون الوصفاء، وكان المغيرة ساحراً، وكان يقول: لو أردت أن حيي عاداً وثموداً وقروناً بين ذلك كثيراً لفعلت.
وبلغ خالد بن عبد الله القسري خروجهم بظهر الكوفة وهو يخطب فقال:: أطعوني ماء؛ فقال يحيى بن نوفل في ذلك:
أخالد لا جزاك الله خيراً ... وأير في حر امك من أمير
وكنت لدى المغيرة عبد سوء ... تبول من المخافة للزئير
وقلت لما اصابك أطعموني ... شراباً ثم بلت على السرير
لأعلاج ثمانية وشيخٍ ... كبير السن ليس بذي نصير
فأرسل خالد فأخذهم وأمر بسريره فأخرج إلى المسجد الجامع وأمر بالقصب والنفط فأحضرا فأحرقهم، وارسل إلى مالك بن أعين الجرمي فسأله، فصدقه، فتركه.
وكان رأي المغيرة التجسيم، يقول: إن الله على صورة رجل على رأسه تاج، وإن أعضاءه على عدد حروف الهجاء ويقول ما لاينطق به لسان؛ تعالى الله عن ذلك، يقول: إن الله تعالى لما أراد أن يخلق تكلم باسمه الأعظم فطار فروقع على تاجه، ثم كتب بإصبعه على كفه أعمال عباده من المعاصي والطاعات، فلما رأى المعاصي ارفض عرقاً، فاجتمع من عرقه بحران أحدهما ملح مظلم والآخر عذب نير، ثم اطلع في البحر فرأى ظله فذهب ليأخذه فطار فأدركه فقلع عبيني ذلك الظل ومحقه فخلق من عينيه الشمس وسماء أخرى، وخلق من البحر الملح الكفار، ومن البحر العذب المؤمنين، وكان يقول بإلهية علي وتكفير أبي بكر وعمر وسائر الصحابة إلا من ثبت مع علي، وكان يقول: إن الأنبياء لم يختلفوا في شيء من الشرائع، وكان يقول بتحريم ماء الفرات وكل نهر أو عين أو بئر وقعت فيه نجاسة، وكان يخرج إلى المقبرة فيتكلم فيرى أمثال الجراد علاى القبور.
وجاء المغيرة إلى محمد الباقر فقال له: أقرر أنك تعلم الغيب حتى أجبي لك العراق. فنهره وطرده. وجاء إلى ابنه جعفر بن محمد الصادق فقال له مثل ذلك، فقال: أعوذ بالله! وكان الشعبي يقول للمغيرة: ما فعل الإمام؟ فيقول: لأتتهزأ به؟ فيقول: لا إنما أتهزأ بك.
وأما بيان فإنه يقول بإلهية علي وإن الحسن والحسين إلهان، ومحمد بن الحنفية بعدهم، ثم بعده ابنه أو هشام بن محمد بنوع من التناسخ، وكان يقول: إن الله تعالى بفنى جميعه إلا وجهه، ويحتج بقوله: " ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام " . تعالى الله عما يقول الظالمون والجاحدون علواً كبيراً. وادعى النبوة، وزعم أنه المراد بقوله تعالى: " هذا بيان للناس " آل عمران:138.
ذكر خبر الخوارج هذه السنةوفي هذه السنة خرج بهلول بن بشر الملقب كثارة، وهو من الموصل من شيبان.
فقيل: وكان سبب خروجه أنه خرج يريد الحج، فأمره غلامه يبتاع له خلا بدرهم، فأتاه بخمر، فأمره بردها وأخذ الدرهم، فلم يجبه صاحب الخمر إلى ذلك، فجاء بهلول إلى عامل القرية، وهي من السواد، فكلمه، فقال العامل: الخمر خير منك ومن قولك. فمضى في حجه وقد عزم على الخروج،فلقي بمكة من كان على مثل رأيه، فاتعدوا قرية من قرى الموصل، فاجتمعوا بها، وهم أربعون رجلاً، وأمروا عليهم بهلولاً، وكتموا أمرهم وجعلوا لا يمرون بعامل إلا أخبروه أنهم قدموا من عند هشام على بعض الأعمال وأخذوا دواب البريد، فلما انتهوا إلى القرية التي ابتاع الغلام بها الخمر قال بهلول: نبدأ بهذا العامل فنقلته. فقال أصحابه: نحن نريد قتل خالد، فإن بدأنا بهذا شهر أمرنا وحذرنا خالد وغيره، فنشدناك الله أن نقتل هذا فيفلت منا خالد، الذي يهدم المساجد ويبني البيع والكنائس ويولي المجوس على المسلمين وينكح أهل الذمة المسلمات لعلنا نقتله فيريح الله من. قال: والله لا أدع ما يلزمني لما بعده وأرجو أن أقتل هذا وخالداً، فقتله، فعلم بهم الناس أنهم خوارج، وهربوا، وخرجت البريد إلى خالد فأعلموه بهم ولا يدرون من رئيسهم.
فخرج خالد من واسط وأتى الحيرة، وكان بها جند قد قدموا من الشام مدداً لعامل الهند، فأمرهم خالد بقتاله وقال: من قتل منهم رجلاً أعطيته عطاء سوى ما أخذ في الشام وأعفيته من الخروج إلى هند. فساعوا إلى ذلك، فتوجه مقدمهم، وهو من بني القين، ومعه ستمائة منهم، فضم إليه خالد مائتين من الشرط، فالتقوا على الفرات، فقال القيني لمن معه من الشرط: لا تكونوا معنا ليكون الظفر له ولأصحابه. وخرج إليهم بهلول فحمل على القيني فطعنه فأنفذه وانهزم أهل الشام والشرط، وتبعهم بهلول وأصحابه يقتلونهم حتى بلغوا الكوفة.
فأما أهل الشام فكانوا على خيل جياد ففاتوه، وأما شرط الكوفة فأدركهم، فقالوا: أتق الله فينا فإنا مكرهون مظهرون، فجعل يقرع رؤوسهم بالرمح ويقول: النجاء. فوجد بهلول مع القيني بدرة فأخذها.
وكان في الكوفة ستة يرن رأي بهلول فخرجوا إليه فقتلوا بصريفين، فخرج بهلول ومعه البدرة قالك من قتل هؤلاء حت أعطيه هذه البدرة؟ فجاء قوم فقالوا: نحن قتلناهم، وهم يظنونه من عند خالد، فقال بهلول لأهل القرية: اصدق هؤلاء؟ قالوا: نعم، فقتلهم وترك أهل القرية.
وبلغت الهزيمة خالداً وما فعل بصريفين، فوجه إليه قائداً من شيبان أحد بني حوشب بن يزيد بن رويم، فلقيه فيما بين الموصل والكوفة، فانهزم أهل الكوفة فأتوا خالداً. فارتحل بهلول من يومه يريد الموصل، فكتب عامل الموصل إلى هشام بن عبيد الملك يخبره بهم ويسأله جنداً، فكتب إليه هشام: وجه إليه كثارة بن بشر. وكان هشام لا يعرف بهلولاً إلى بلقبه، فكتب إليه العامل أن الخارج هو كثارة. ثم قال بهلول لأصحابه: إنا والله ما نصنع بابن النصرانية شيئاً، يعني خالداً، فبم لا نطلب الرأس الذي سلط خالداً؟ فسار يريد هشاماً بالشام، فخاف عمال هشام من هشام إن تركوه يجوز إلى بلادهم، فسير خالد جنداً من العراق، وسير عامل الجزيرة جنداً من الجزيرة، ووجه هشام جنداً من الشام واجتمعوا بدير بين الجزيرة والموصل، وأقبل بهلول إليهم، وقيل التقوا بكحيل دون الموصل، فنزل بهلول على باباب الدير وهو في سبعين وحمل عليهم فقتل منهم نفراً عامة نهاره، وكانوا عشرين ألفاً، فأكثر فيهم القتل والجراح، ثم إن بهلولاً وأصحابه عقروا دوابهم وترجلوا فاتلوا قتالاً شديداً، فقتل كثير من أصحاب بهلول، فطعن بهلول فصرع، فقال له أصحابه: ول أمرنا. فقال: إن هلكت فأمير المؤمنين دعامة الشيباني، وإن هلك فأمروا عمرو اليشكري. ومات بهلول من ليلته، فلما أصبحوا هرب دعامة وخلاهم فقال الضحاك بن قيس يرثي بهلولاً:
بدلت بعد أبي بشرٍ وصحبته ... قوماً علي مع الأحزاب أعواناً
كأنهم لم يكونوا من صحابتنا ... ولم يكونوا لنا بالأمس خلانا
يا عين أذري دموعاً منك تهتانا ... وابكي لنا صحبةً بانوا وإخوانا
خلوا لنا ظاهر الدنياوبطانها ... وأصبحوا في جنان الخلد جيرانا
فلما قلتل بهلول خرج عمرو اليشكري فلم يلبث أن قتل.
وخرج البختري صاحب الأشهب، وبهذا كان يعرف، على خالد في ستين، فوجه إليه خالد السمط بن مسلم البجلي في أربعة آلاف، قالتقوا بناحية الفرات، فانهزمت الخوارج، فتقلاهم عبيد أهل الكوفة وسفلتهم فرموهم بالحجارة حتى قتلوهم.
ثم خرج وزير السختياني على خالد بالحيرة في نفر، فجعل لا يمر بقرية إلا أحرقها، ولا يلقى أحداً إلا قتله، وغلب على ما هنالك وعلى بيت المال، فوجه إليه خالد جنداً فقاتلوا عامة أصحابه وأثخن بالجراح، وأتي به خالد، وأقبل على خالد فوعظه، فأعجب خالداً ما سمع منه فلم يقتله وحبسه عنده، وكان يؤتى به في الليل فيحادثه. فسعي بخالد إلى هشام وقيل: أخذ حورياً قد قتل وحرق وأباح لأموال فجعله سميراً، فغضب هشام وكتب إليه يأمره بقتله، وكان خالد يقول: إني أنفس به عن الموت، فأخر قتله، فكتب إليه هشام ثانياً يذمه ويأمره بقتله وإحراقه، فقتله وأحرقه ونفراً معه، ولم يزل يتلو القرآن حتى مات وهو يقرأ: " قل نار جهنم أشد حراً لو كانوا يفقهون " التوبة:81.
ذكر خروج الصحاري بن شبيبوفي هذه السنة خرج الصحاري بن شبيب بن يزيد بناحية جبل، وكان قد أتى خالداً يسأله الفريضة، فقال خالد: وما يصنع ابن شبيب بالفريضة؟ فمضى، وندم خاد وخاف أن يفتق عليه فتقاً، فطلبه لم يرجع إليه وسار حتى جبل، وبها نفر من بني تيم اللات بن ثعلبة، فأخبرهم، فقالوا: وما ترجو من ابن النصرانية؟ كنت أولى أن تسير إليه بالسيف فتضربه به. فقال: والله ما أردت الفريضة، وما أردت إلا التوصل إليه لئلا ينكرني ثم أقتله بفلان، يعني بفلان رجلاً من قعدة الصفرية، وكان خالد قتله صبراً، ثم دعاهم إلى الخروج معه، فتبعه منهم ثلاثون رجلاً وخرج بهم، فبلغ خبره خالداً وقال: قد كنت خفتها منه؛ ثم وجه إليه خالد جنداً، فلقوه بناحية المناذر، فقاتلهم قتالاً شديداً فقتلوه وجميع أصحابه.
ذكر غزو أسدٍ الختل
وفيها غزا أسد الختل، فوجه مصعب بن عمرو الخزاعي إليها، فسار فنزل بقرب بدر طرخان فطلب الأمان ليخرج إلى اسد، فآمنه مصعب، فسيره إلى أسد، فسأله أن يقبل منه ألف ألف درهم، فأبى أسد وقال: إنك دخلتها وأنت غريب من أهل الباميان، أخرج من الختل كما دخلت. قال بدرطرخان: فأنت دخلت إلى خراسان على عشرة من الدواب ولو خرجت منها لم تحتمل على خمسمائة بعير وغير ذلك، إني دخلت الختل شاباً فاردد علي شبباب وخذ ما كسبت منها.
فغضب أسد ورده إلى مصعب ليمكنه من العود إلى حصنه، فوصل بدرطرخان مع مولى لأسد إلى مصعب، فاخذه سلمة بن عبيد الله، وهو من الموالي، وقال: إن الأمير يندم على تركه وحبسه عنده.
وأقبل أسد بالناس، فقال لمجشر بن مزاحم: كيف أنت؟ قال مجشر: كنت أمس أحسن حالاً مني اليوم، كان بدرطرخان في أدينا وعرض ما عرض، فلا الأمير قبل منه ما عرض عليه ولا هو شد يديه عليه ولكنه خلى سبيله وأمر بإدخاله حصنه. فندم أسد عند ذلك وأرسل إلى مصعب يسأله: هل دخل بدرطرخان حصنه ظام لا؟ فجاء الرسول فوجده عند سلمة بن عبيد الله، فحوله أسد إليه وأمر به فقطعت يده، وقال: من هاهنا من أولياء أبي فديك رجل من الأزد كان بدرطرخان قد قتله؟ فقالم رجل مكن الأزد فقال: أنا فقال: أضرب عنقه، ففعل. وغلب أسد على القلعة العظمى وبقيت قلعة فوقها صغيرة وفيها ولده وأمواله فلم يوصل إليها. وفرق أسد العسكر في أودية الختل فملأ أيديهم من الغنائم والسبي، وهرب أهله إلى الصين.
ذكر عدة حوادثفي هذه السنة غزا الوليد بن القعقاع أرض الروم. وحج بالناس في هذه السنة أبو شاكر مسلمة بن هشام بن عبد الملك وحج معه ابن شهاب الزهري. وكان العامل على مكة والمدينة والطائف محمد بن هشام المخزومي، وعلى العراق والمشرق كله خالد القسري، وعلى خراسان أخوه أسد، وقيل: كان أسد قد هلك في هذه السنة واستخلف عليها جعفر بن حنظلة البهراني وقيل: إنما هلك أسد سنة عشرين ومائة، وعلى ما نذكره إن شاء الله تعالى.
وفيها غزا مروان بن محمد أرمينية فدخل بلاد اللان وسار فيها حتى خرج منها إلى بلاد الخزر فمر ببلنجر وسمندر وانتهى إلى البيضاء التي يكون فيها خاقان، فهرب خاقان منه.
وفيها توفي حبيب بن أبي ثابت. وعبد الرحمن بن سعيد بن يربوع المخزومي. وقيس بن سعد المكي. وسليمان بن موسى الأشدق. وإياس بن سلمة بن الأكوع
ثم دخلت سنة عشرين ومائة
ذكر وفاة أسد بن عبد اللهفي هذه السنة في ربيع الأول توفي أسد بن عبد الله القسري بمدينة بلخ وكان سبب موته أنه كان به دبيلة في جوفه فأصابه مرض قم أفاق منه فخرج يوماً فأتي بكمثرى أول ما جاء فأطعم الناس منه واحدة واحدة وزأخذ كثراة فرمى بها إلى خراسان دهقان هراة فانقطعت الدبيلة فهلك، واستخلف جعفر ابن حنظلة البهراني، فعمل أربعة أشهر ثم جاء عهد نصر بن سيار بالعمل في رجب سنة احدى وعشرين.
وكان هذا خراسان دهقان هراة خصيصاً بأسد، فقدم عليه في المهرجان ومعه من الهدايا والتحف ما لم يحمل غيره مثله، وكانت قيمة الهدية ألف ألف. وقال لأسد: إنا معشر العجم أكلنا الدنيا أرعمائة سنة بالحلم والعقل والوقار، وكان الرجال فينا ثلاثة: ميمون النقية، أين ما توجه فتح الله عليه، والذي يليه رجل تمت مروته في بيت، فإن كان كذلك رحب وحيا، ورجل رحب صدره وبسط يده، فإذا كان كذلك قدم وقود، وقد جعل الله صفات هؤلاء فيك فما يعلم أحداً هو أتم كتخذانية منك، إنك عزيز ضابط أهل بيتك وحشمك ومواليك فليس منهم من يستطيع أن يعتدي على صغير ولا كبير، ثم بنيت الإيوانات في المفاوز من أحسن ما عمل، ومن يمن نقيبتك أنك لقيت خاقان وهو في ماة ألف ومعه الحارث بن سريج فهزمته وقتلته وقتلت أصحابه وأبحت عسكره، وأما رحب صدرك وبسط يدك فإنا لا ندري أي المالين أحب إليك، وأمال قدم عليك أم مال خرج من عندك، بل أنت بما خرج أقر عيناً. فضحك أسد وقال: أنت خير دهاقينا، وفرق جميع الهدية بين أصحابه. ولما مات أسد رثاه ابن عرس العبدي فقال:
نعى أسد بن عبد الله ناع ... فريع القلب للملك المطاع
ببلخٍ وافق المقدار يسري ... وما لقضاء ربك من دفاع
فجودي عين بالعبرات سحاً ... ألم يحزنك تفريق الجماع
في أبيات غيرها. ولما مات أسد كتب مسلمة بن هشام بن عبد الملك، وهو أبو شاكر إلى خالد القسري:
أراح من خالدٍ فأهلكه ... رب أراح العابد من أسد
أما أبوه فكان مؤتشباً ... عبداً لئيماً لأعبدٍ فقد
يرى الزنى والصليب والخمر ... والخنزير رحلا والغي كالرشد
وأمه همها وبغيتها ... هم الإماء العواهر الشرد
كافرة بالنبي مؤمنة ... بقسها والصليب والعمد
يعني المعمودية. فلما قرأ خالد الكتاب قال: يا عباد الله من رأى كهذه تعزية رجل من أخيه؟ وكان ما بين خالد وأبي شاكر مباعدة؛ وسببها أن هشاماً يرشح ابنه أبا شاكر للخلافة؛ فقال الكميت:
إن الخلافة كائن أو تادها ... بعد الوليد إلى ابن أم حكيم
يعني أبا شاكر، وأمه أم حكيم، فبلغ الشعر خالداً فقال: أنا كافر بكل خليفة يكنى أبا ساكر؛ فسمعها أبو شاكر فحقدها عليه.
ذكر شيعة بني العباس بخراسانوفي هذه السنة وجهت شيعة بني العابس بخراسان إلى محمد بن علي بن عبد الله بن العباس سليمان بن كثير ليعلمه أمرهم وما هم عليه.
وكان سبب ذلك أم محمداً ترك مكاتبتهم ومراسلتهم بطاعتهم التي كانت لخداش الذي تقدم ذكره وقبولهم منه ماروي عنه من الكذب. فلما أبطأت كتبه ورسله عليهم أرسلوا سليمان ليعلم الخبر، فقدم عليه فعنفه محمد في ذلك، ثم صرف سليمان إلى خراسان ومعه كتاب مختوم فغضوه فلم ير فيه إلا بسم الله الرحمن الرحيم، فعظم ذلك عليهم وعلموا مخالفة خداش لأمره، ثم وجه محمد بمن علي إليهم بكير بن ماهان بعد عود سليمان من عنده وكتب معه إليهم يعلمهم كذب خداش، فلم يصدقوه واستخفوا به، فانصرف بكير إلى محمد، فبعث معه يعصي مضببة بعضها بحديد وبعضها بنحاس، فجمع بكير النقباء والشيعة ودفع إلى كل واحد منهم عصاً، فعلموا أنهم مخالفون لسيرته فتابوا ورجعوا.
ذكر عزل خالد بن عبد الله القسري
وولاية يوسف بن عمر الثقفيوفي هذه السنة عزل هشام بن عبد الملك خالداً عن أعمالهل جميعها، وقد اختلفوا في ذلك وسببه.
قيل: إن فروخ أبا المثنى كان على ضياع هشام بنهر الرمان، فثقل مكانه على خالد، فقال خالد لحيان النبطي: اخرج إلى هشام وزد على فروخ، ففعل حيان ذلك وتولاها، فصار حيان أثقل على خالد من فروخ، فجعل يؤذيه، فيقول حيان: لا تؤذي وأنا صنيعتك، فابى إلا أذاه.
فلمكا قدم عليه بثق البثوق على الضياع، ثم خرج إلى هشام فقال له: إن خالداً بثق البثوق على ضياعك. فوجه هشام من ينظر إليها، فقال حيان لخادم من خدم هشام: إن تكلمت بكلمة أقولها لك حيث يسمع هشام فلك ألف دينار. قال: فعجاها وأقول ما شئت، فأعطاه ألفاً وقال له: تبكي صبيان هشام، فإذا بكى فقل له: اسكت! والله لكأنك ابن خالد القسري الذي غلته ثلاثة عشر ألف ألف. ففعل الخادم، فسمعها هشام، فسأل حيان عن غلة خالد، فقال: ثلاثة عشر ألف ألف. فوقرت في نفس هشام.
وقيل: كانت غلته عشرين ألفاً، وإنه حفر بالعراق الأنهار، منها نهر خالد وباجرى وترمانا والمبارك والجمع وكورة سابور والصلح، وكان كثيراً ما يقول: غني مظلوم، ما تحت قدمي شيء إلا هو لي، يعني أن عمر جعل لبجيلة ربع السواد.
وأشار عليه العريان بن الهيثم وبلال بن أبي بردة بعرض املاكه على هشام ليأخذ منها ما أراد ويضمنان له الرضا فإنهما قد بلغهما تغير هشلم عليه، فلم يفعل ولم يجبهما إلى شيء. وقيل لهشام:إن خالداً قال ولدجه: ما أنت بدون مسلمة بن هشام! ودخل رجل من آل عمرو بن سعيد بن العاص على خالد في مجلسه، فأغلظ له في القول، فكتب إلى هشام يشكو خالداً، فكتب هشام إلى خالد يذمه ويلومه ويوبخه ويأمره أن يمشي راجلاً إلى بابه ويترضاه، فقد حعل عزله وولايته إليه، وكان يذكر هشاماً فيقول: ابن الحمقاء، وكان خالد يخطب فيقول: زعمتم أني أغلي أسعاركم، فعلى من يغليها لعنة اللهّ وكان هشام كتب إليه ألا تبيعن من الغلات شيئاً حتى تباع غلات أمير المؤمنين، فبلغت كيلها دارهم. وكان يقول لابنه: كيف أنت إذا احتاج إليك أمير المؤمنين؟ فبلغ هذا جميعه أمير المؤمنين هشاماً فتنكر له. وبلغه أيضاً أنه يستقل ولاية العراق، فكتب إليه هشام: يا بن أم خالد بلغني أنك تقول: ما ولاية العراق لي بشرف. يا بن اللخناء، كيف لا تكون إمرة العراق لك شرفاً وأنت من بجيلة القليلة الذليلة؟ أما والله إني لأظن أن لأول من يأتيك صغير من قريش يشد يديك إلى عنقك.
ولم يزل يبلغه عنه ما يكره، فعزم على عزله، فكتم ذلك وكتب إلى يوسف ابن عمر وهو باليمن، يأمره أن يقدم في ثلاثين من اصحابه إلى العراق فقد ولاه ذلك، فسار يوسف إلى الكوفة فعرس قريباً منها، وقد ختن طارق خليفة خالد بالكوفة ولده فأهدى إليه ألف وصيف ووصيفة سوى الأموال والثياب، فمر بيوسف بعض أهل العراق فسألوه: ما أنتم وأين تريدون؟ قالوا: بعض المواضع. فأتوا طارثقاً فأخبروه خبرهم وأمروه بقتلهم وقالوا: إنهم خوارج. فسار يوسف إلى دور ثقيف، فقيل لهم: ما أنتم؟ فكتموا حالهم وأمر يوسف، فجمع إليه من هناك من مضر، فلما اجتمعوا دخل المسجد مع الفجر وأمر المذن وأقام الصلاة فصلى، وأرسل إلى طارق وخالد فأخذهما وإن القدور لتغلي.
وقيل: لما أراد هشام أن يولي يوسف بن عمر العراق كتم ذلك، فقدم جندب مولي يوسف بكتاب يوسف إلى هشام، فقرأه ثم ثال لسالم بن عنبسة وهو على الديوان: أن أجبه عن لسانك وأتني بالكتاب. وكتب هشام بخطه كتاباً صغيراً إلى يوسف يأمره بالمسير إلى العراق، فكتب سالم المتاب وأتى به هشاماً، فجعل كتابه في وسطكه وختمه، ثم دعا رسول يوسف فأمر به فضرب ومزقت ثيابه، ودفع الكتاب إليه فسار. فارتاب بشير بنم أبي طلحة، وكان خليفة سالم، فقال: هذه حيلة، وقد ولى يوسف العراق، فكتب إلى عياض، وهو نائب سالم بالعراق: إن أهلك قد بعثوا إليك بالثوب اليماني، فإذا أتاك فالبسه واحمد الله تعالى وأعلم ذلك طارقاً. فأعلم عياض طاق بن أبي زيدا بالكتاب له.
ثم ندم بشير على كتابه، فكتب إلى عياض: إن أهلك قد بدا لهم في إرسال الثوب. فأتى عياض بالكتاب الثاني إلى طارق، فقال طارق: الخبر في الكتاب الأول، ولكن بشيراً ندم وخاف أن يظهر الخبر.
وركب طارق من الكوفة إلى خالد وهو بواسط، فرآه داود البريدي، وكان على حجابة خالد وديوانه، فأعلم خالداً، فأذن له، فلما رآه قال: ما أقدمك بغير إذان؟ قال: أمر كنت أخطأت فيه، كنت قد كتبت إلى الأمير أعزيه بأخيه أسد، وإنما كان يجب أن آتيه ماشساً. فرق خالد ودمعت عيناه وقال: ارجع إلى عملك، فأخبره الخبر لما غاب داود، اقل: فما الرأي؟ قال: تركب إلى أمير المؤمنين فتعتذر إليه مما بلغه عنك. قال: لا أفعل ذلك بغير إذن. قال: فترسلني إليه حتى آتيك بعهده. قال: وكم مبلغه؟ قال: مائة ألف ألف . قال: ومن أين آخذها؟ والله ما اجد عشرة آلاف ألف درهم! قال: أتحمل أنا وفلان وفلان. قال: إني إذاً للئيم إن كنت أعطيتهم شيئاً وأعود فيه. فقال طارق: إنما نفيك ونفي أنفسنا بأموالنا وتستأنف الدنيا وتبقى النعمة عليك وعلينا خي من أن يجيء من يطالبنا بالأموال وهي عند أهل الكوفة فيتربصون فنقتل ويأكلون تلك الأموال. فأبى خالد. فودعه طارق وبكى وقال: هذا آخر ما نلتقي في الدنيا. ومضى إلى الكوفة وخرج وخرج خالد إلى الجمة.
وقدم رسول يوسف عليه اليمن فقال: أمير المؤمنين ساخط، وقد ضربني ولم يتكتب جواب كتابك، وهذا كتاب سالم صاحب الديوان.
فقرأه، فلما انتهى إلى آخره قرأ كتاب هشام بخطه وولاية العراق ويامره أن يأخذ ابن النصرانية، يعني خالداً، وعماله ويعذبهم حتى يشتفي. فأخذ ديلاً وسار من يومه واستخلف على اليمن ابنه الصلت، فقدم الكوفة في جمادى الآخرة سنة عشرين ومائة فنزل النجف، وأرسل مولاه كيسان وقال: انطلق فأتني بطارق، فإن أقبل فاحمله على إكاف، وإن لم يقبل فأت به سحباً.
فأتى كيسان الحيرة فأخذ معه عبد المسح سيد أهلها إلى طارق، فقال له: إن يوسف قد قدم على العراق وهو يستدعيك. فقال طارق لكيسان: إن أراد الأمير المال أعطيته ما سأل.
وأقبلوا به إلى يوسف بن عمر فتوافوا بالحيرة، فضربه ضرباً مبرحاً، يقال خمسمائة سوط، ودخل الكوفة وأرسل عطاء بن مقدم إلى خالد بالجمة، فاتى الرسول حاجبه وقال: استأذن لي على أبي الهيثم، فدخل متغير اللون، فقال: ايذن له، فدخل عليه، فقال: ويل أمها سخطة! ثم أخذه فحبسه، وصالحه عنه أبان بن الوليد وأصحابه على تسعة آلاف ألف ، فقيل ليوسف: لو لم تفعل لأخذت منه مائة ألف ألف، فندق وقال: قد رهنت لساني معه ولا آمن ولا أرجع.
وأخر أصحاب خالداً فقال: قد أخطأتم ولا آمن أن يأخذها ثم يعود، ارجعوا، فرجعوا فأخبروه أن خالداً لم يرض، فقال: قد رجعتم؟ قالوا: نعم. قال: والله لا أرضى بمثلها ولا مثليها، فأخذ أكثر من ذلك، وقيل: أخذ مائة ألف. فأرسل يوسف إلى بلال بن أبي بردة، فقبضه، وكان قد اتخذ بلال بالكوفة داراً لم ينزلها، فأحضره يوسف مقيداً فأنزله الدار، ثم جعلت سجناً. وكان خالد يصل الهاشميين ويبرهم، فأتاه محمد بن عبد الله ابن عمرو بن عثمان بن عفان ليستميحه فلم ير منه ما يحب، فقال: أما الصلة فللهاشميين وليس لنا منه إلا أنه يلعن علياً، فبلغت خالداً فقال: إن أحب نلنا عثمان بشيء.
وكان خالد مع هذا يبالغ في سب علي، فقيل: كان يفعل ذلك نفياً للتهمة وتقرباً إلى القوم.
وكانت ولاية خالد العراق في شوال سنة خمس ومائة، وعزل في جمادى الأولى ستة عشرين ومائة، ولما ولي يوسف العراق كان الإسلام ذليلاً والحكم فيه إلى أهل الذمة، فقال يحيى بن نوفل فيه:
أتانا وأهل الشرك أهل زكاتنا ... وحكامنا فيما نسر ونجهر
فلما أتانا يوسف الخير أشرقت ... له الأرض حتى كل وادٍ منور
وحتى رأينا العدل في الناس ظاهراً ... وما كان من قبل العقيلي يظهر
في أبيات. ثم قال بعد ذلك:
أرانا والخليفة إذ رمانا ... مع الإخلاص بالرجال الجديد
كأهل النار حين دعوا أغيثوا ... جميعاً بالحميم وبالصديد
وكان في يوسف أشياء متباينة متناقه، كان طويل الصلاة ملازماً للمسجد ضاباطاً لحشمه وأهله عن الناس، لين الكلام، متواضعاً، حسن الملكة، كثير التضرع والدعاء، فكان يصلي الصبح ولا يكلم أحداً حتى يصلي الضحى، يقرأ القرآن ويتضرع، وكان بصيراً بالشعر والأدب، وكان شديد العقوبة مسرفاً في ضرب الأبشار، فكان يأخذ الثوب الجديد فيمر ظفره عليه، فإن تعلق به طاقه فضرب صاحبه وربما قطع يده. وكان أحمق، أتي يوما بثوب فقال لكاتبه: ما تقول في هذا الثوب؟ فقال: كان ينبغي أن تكون بيوته أصغر مما هي. فال للحائك: صدق يا بن اللخناء! فقال الحائك: نحن أعلم بهذا. فقال لكتابه: صدق يا بن اللخناء. فقال الكاتب: هذا يعمل في السنة ثوباً أو ثوبين، وأنا يمر على يدي في كل سنة مائة ثوب مثل هذا. فقال للحائك: صدق يا بن اللخناء! فلم يزل يكذب هذا مرة وهذا مرة حتى عد أبيات الثوب فوحدها تنقص بيتاً من أحد جانبي الثوب، فضرب الحائك مائة سوط.
وقيل: إن يوسف أراد السفر فدعا جواريه فقال لإحداهن: تخرجين معي؟ قالت: نعم قال: يا خبيثة كل هذا من حب النكاح، يا خادم اضرب رأسها. وقال لأخرى: ما تقولين؟ فقالت: أقيم على ولدي. فقال: يا خبيثة أكل هذا زهادة في؟ اضرب رأسها. وقال لثالثة: ما تقولين؟ قالت: ما أدري ما أقول، إن قلت ما قالت إحداهما لما نجوت من عقوبتك. فقال: يا لخناء أوتناقضين ونحجبين؟ اضرب رأسها. فضرب الجميع.
وكان قصيراً عظيم اللحية، وكان يحضر الثوب الطويل ليفصله ليلبسه، فإن قال الخياط إنه يفضل منه ضربه، فإن قال له الخياط: لا يكفينا إلا بعد التصرف في التفصيل، سره، فكانوا يفصلون له ثياباً طوالاً ويأخذون ما ينبغي من الثوب يوهمونه أن الثوب لم يكفه فيرضى بذلك. وله في هذا الباب أشياء نوادر، منها أنه قال يوماً لكاتب له: ما حبسك؟ قال: اشتكيت ضرسي فدعا بحجام يقلعه ومع ضرس آخر.
ذكر ولاية نصر بن سيار الكناني خراسانلما مات أسد بن عبد الله استشار هشام بنم عبد الملك عبد الكريم بن سليط الحنفي، وكان علماً بخراسان، فيمن يوليه، فقال عبد الكريم: يا أمير المؤمنين أما رجل خراسان حزماً ونجدة فالكرماني. فأعرض عنه وقال: ما سمه؟ قال: جديع بن علي. قال: لا حاجة لي فيه، وتطير، قال: فالمسن المجرب يحيى بن نعيم بن هبيرة الشيباني. قال: ربيعة لا تسد بها الثغور. قال عبد الكريم: فقلت في نفس: كره ربيعة واليمن فأرميه بمضر، فقلت: عقيل بن معقل الليثي إن غفرت هنةً. قال: ما هي؟ قلت: ليس بالعفيف. قال: لا حاجة لي فيه. قلت: منصور بن أبي الخرقاء السلمي إن غفرت نكره فإنه مشؤوم. قال: غيره. قلت: فالمجشر بن مزاحم السلمي عاقل شجاع له رأي مع كذب فيه. قال: لا خير في الكذب.
قلت: يحية بن الحضين. قال: ألم أخبرك أن ربيعة لا تسد بها الثغور؟ قال: نصر بن سيار قال: هو لها. قلت: إن غفرت واحد، فإنه عفيف مجرب عاقل. قال: ما هي؟ قلت: عشيرته بها قلقلة. قال: لا أبالك! أتريد عشيرة أكثر مني؟ أنا عشيرته. فكتب عهده وبعثه مع عبد الكريم.
وقد قيل: عرض عليه عثمان بن عبد الله بن الشخير، وقيل له: إنه صاحب شراب، وقيل له عن يحيى بن الحضين: إنه كثير التيه، وقيل له عن قطن بن قتيبة: إنه موتور، فلم يولهم فاستعمل نصراً.
وكان جعفر بن حنظلة الذي استخلفه أسد على خراسان عند موته قد عرض على نصر أن يولويه بخارى، فاستشار البختري بن مجاهد مولى بين شيبان، فقال له: لا تقبلها لأنك شيخ مضر بخراسان وكأنك بعهدك قد حاء على خراسان، فلما أتاه سلم عليه بالإمرة، فقال له: من أين علمت؟ قال: كنت تأتيني فلما بعثت إلي علمت أنك قد وليت.
وأعطى نصر عبد الكريم لما أتاه بعهده عشرة آلاف درهم، واستعمل على بلخ مسلم بن عبد الرحمن بن مسلم، واستعمل على مرو الروذ وساج ابن بكير بن وساج، وعلى هراة الحارث بن عبد الله بن الحشرج، وعلى نيسابور زياد بن عبد الرحمن القشيري، وعلى خوارزم أبا حفص بن علي ختنه، وعلى الصغد قطن بن قتيبة. قال رجل من اليمانية: ما رأيت عصبية مثل هذا. قال: بلى : التي كانت قبلها، فلم يتسعمل أربع سنين إلا مضرياً. وعمت خراسان عمارة لم تعمر قبلها، وأحسن الولاية والجباية؛ فقال سوار ابن الأشعر:
أضحت خراسان بعد الخوف آمنةً ... من ظلم كل غشوم الحكم جبار
لما أتى يوسفاً أخبار ما لقيت ... اختار نصراً لها نصر بن سيار
وأتى نصراً عهده في رجب سنة عشرين ومائة.
ذكر عدة حوادثفي هذه السنة غا سليمان بن شام بن عبد الملك الصائفة وافتتح سندرة. وفيها غزا إسحاق بن سلم العقيلي تونشاه وافتتح قلاعها وخرب أرضها.
وحج بالناس هذه السنة محمد بن هشام بن إسماعيل المخزومي، وقيل: حج بهم سليمان بن هشام بن عبد الملك، وقيل: أخوه يزيد بن هشام. وكان العامل على المدينة ومكة والطائف محمد بن هشام المخزومي، وعلى العراق والمشرق يوسف بن عمر، وعلى خراسان نصر بن سيار، وقد أمره هشام أن يكاتب يوسف بن عمر، وقيل: كان عليها جعفر بن حنظلة، وعلى البصرة كثير بن عبد الله السلمي، استعمله يوسف، وعلى قضائها عامر بن عبيدة، وعلى أرمينية وأذربيجان مروان بن محمد، وعلى قضاء الكوفة ابن شبرمة.
وفيها مات عاصم بن عمر بن قتادة في أصح الأقوال. وفيها مات مسلمة ابن عبد الملك بن مروان، وقيل: سنة إحدى وعشرين بالشام. وفيها مات قيس بن مسلم. ومحمد بن إبراهيم بن الحارث التميمي. وحماد بن سليمانالفقيه. وواقد بن عمرو بن سعد بن معاذ وعلي بن مدرك النخعي الكوفي. والقاسم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود الكوفي.
ثم دخلت سنة إحدى وعشرين ومائةفي هذه السنة غزا مسملة بن هشام الروم فافتتح بها مطامير.
ذكر ظهور زيد بن علي بن الحسينقيل: إن زيد بن علي بن الحسين قتل هذه السنة، وقيل: سنة اثنتين وعشرين ومائة ونحن نذكر الآن سبب خلافة على هشام وبيعة، ونذكر قتله سنة اثنتين وعشرين.
قد اختلفوا في سبب خلافة، فقيل: إن زيداً وداود بن علي بن عبد الله ابن عباس ومحمد بن عمر بن علي بن أبي طالب قدموا على خالد بن عبد الله القسري بالعراق فأجازهم ورجعوا إلى المدينة، فما ولي يوسف بن عمر كتب إلى هشام بذلك وذكر له أن خالداً ابتاع من زيد أرضاً بالمدينة بعشرة آلاف دينار، ثم رد الأرض عليه، فكتب هشام إلى عامل المدينة أن يسيرهم إليه، ففعل، فسألهم هشام عن ذلك فأقروا بالجائزة وأنكروا ما سوى ذلك وحلفوا فصدقهم وأمرهم بالمسير إلى العراق ليقالاوا خالداً، فساروا على كره وقابلوا خالداً، فصدقهم، فعادوا نحو المدينة. فلما نزلوا القادسية راسل أهل الكوفة زيداً فعاد إليهم.
وقيلك بل ادعى خالد القسري أنه أودع زيداً وداود بن علي ونفراً من قريش مالاً، فكتب يوسف بذلك إلى هشام، فأحضرهم هشام من المدينة وسيرهم إلى يوسف ليجمع بينهم وبين خالد فقدموا عليه، فقال يوسف لزيد: إن خالداً رعم أنه أودعك مالاً. قال: كيف يودعني وهو يشتم آبائي على منبره! فأرسل إلى خالد فأحضره في عباءة، فقال: هذا زيد قد أنكر أنك قد أودعته شيئاً. فنظر خالد إليه وإلى داود وقال ليوسف: أتريد أن تجمع مع إثمك في إثماً في هذا؟ كيف أودعه وأنا أشتمه وأشتم آباءه على المنبر! فقالوا لخالد: ما دعاك إلى ما صنعت؟ قال: شدد علي العذاب فادعيت ذلك وأملت أن يأتي الله بفرج قبل قدومكم. فرجعوا وأقام زيد وداود بالكوفة.
قيل: إن يزيد بن خالد القسري هو الذي ادعى المال وديعة عند زيد.
فلما أمرهم هشام بالمسير إلى العراق إلى يوسف استقالوه خوفاً من شر يوسف وظلمه فقال: أنا أكتب إليه بالكف عنكم، وألزمهم بذلك، فساروا على كره.
وجمع يوسف بينهم وبين يزيد، فقال يزيد: مالي عندهم قليل ولا كثير. قال يوسف: أبي تهزأ أم بأمير المؤمنين؟ فعذبه بومئذ عذاباً كاد يهلكه، ثم أمر بالفراشين فضربوا ونترك زيداً. ثم استحلفهم وأطلقهم، فلحقوا بالمدينة، وأقام زيد بالكوفة، وكان زيد قد قال لهشام لما أمره بالمسير إلى يوسف: ما آمن بعثتني إليه أن لا تجتمع أنا وأنت حيين أبداً. قال: لا بد من المسير إليه فساروا إليه.
وقيل: كان السبب في ذلك أن زيداً كان يخاصم ابن عمه جعفر بن الحسن بن الحسن بن علي في وقوف علي، زيد يخاصم عن بني الحسين، وجعفر يخاصم عن بني الحسن، فكانا يتبالغان بين يدي الوالي كل غاية ويقومان فلا يعيدان مما كان بينهما حرفاً.
فلما مات جعفر نازعه عبد الله بن لحسن بن لحسن، فتنازعا يوماً بين يدي خالد بن عبد الملمك بن الحارث بالمدينة، فأغلظ عبد الله لزيد قال: يا بن السندية! فضحك زيد وقال: قد كان إسماعيل لأمة ومع ذلك فقد صبرت بعد وفاة سيدها إذ لم يصبر غيرها، يعني فاطمة، وهي عمته، فلم يدخل عليها زماناً، فأرسلت إليه: يا بن أخي إني لأعلم أن أمك عندك كأم عبد الله عنده . وقالت لعبد الله: بئس ما قلت لأم زيد! اما والله لنعم دخيلة القوم كانت! قال: فذكر أن خالداً قال لهما اغدوا علينا غداً فلست لعبد الملك إن لم أفصل بينكما. فاتت المدينة تغلي كالمرجل، يقول قالئل قال زيد كذا، ويقول قائل قال عبد الله كذا.
فلما كان الغد جلس خالد في المسجد واجتمع الناس فمن بين شامت ومهموم، فدعا بهما خالد وهو يحب أن يشاتما، فذهب عبد الله يتكلم، فقال زيد: لا تعجل يا ابا محمد، أعتق زيد ما يملك إن خاصمك إلى خالد أبداً. ثم أقبل على خالد فقال: جمعت ذرية رسول الله، صلى الله عليه وسلم ، لأمر ما كان يجمعهم عليه أبو بكر ولا عمر! فقال خالد: أما لهذا السفيه أحد؟ فتكلم رجل من الأنصار من آل عمرو بن حزم فقال: يا ابن أبي تراب وابن حسين السفيه! أما ترى للوالي عليك حقاً ولا طاعة؟ فقال زيد: اسكت أيها القحطاني فإنالا نجيب مثلك. قال: ولم ترغب عني؟ فوالله إني لخير منك، وأبي خير من أبيك، وأمي خير من أمك. فتضاحك زيد وقال: يامعشر قريش هذا الدين قد ذهب فذهبت الأحساب، فوالله ليذهب دين القوم وما تذهب أحسابهم.
فتكلم عبد الله بن راقد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب فقال: كذبت والله أيها القحطاني! فوالله لهو خير منك نفساً وأماً وأبا ومحتداً! وتناوله بكلام كثير، وأخذ كفاً من حصباء وضرب بها الأرض ثم قال: إنه والله ما لنا على هذا من صبر.
وشخص زيد إلى هشام بن عبد الملك، فجعل هشام لا يأذن له، فيرفع إليه القصص فكلما رفع قصة يكتب هشام في أسفلها: ارجع إلى منزلك. فيقول زيد: والله لا أرجع إلى خالد أبداً. ثم أذن له يوماً بعد طول حبس ورقي علية طويلة وأمر خادماً أن يتبعه بحيث بحيث لا يراه زيد ويمسع ما يقول، فصعد زيد، وكان ديناً، فوقف في بعض الدرجة، فسمعه يقول: والله لا يحب الدنيا أحد إلا ذل. ثم صعد إلى هشام فحلف له على شيء، فقال: لا أصدقك.
فقال: يا أمير المؤمنين إن الله لم يرفع أحداً عن أن يرضى باللله، ولم يضع أحداً عن الأيرصض بذلك منه. فقال هشام: لقد بلغني يا زيد أنك تكر الخلافة وتتمناها ولست هنالك وأنت ابن أمة. قال زيد: إن لك جواباً. قال: فتكلم. قال: إنه ليس أحد أولى بالله ولا أرفع درجة عنده من نبي ابتعثه، وقد كان إسماعيل ابن أمة وأخوه ابن صريحة فاختاره الله عليه وأخرج منه خير البشر، وما على أحد من ذلك إذ كان جده رسول الله وأبوه علي بن أبي طالب ما كانت أمه. قال له هشام: اخرج. قال: أخرج ثم لا أكون إلا بحيث تكره. فقال له سالم: يا أبا الحسين لا تظهرن هذا منك.
فخرج من عنده وسار إلى الكوفة، فقال له محمد بن عمر علي بن أبي طالب: أذكرك الله يا زيد لما لحقت بأهلك ولا تأت أهل الكوفة، فإنهم لا يفون لك؛ فلم يقبل. فقال له: خرج بنا اساء على غير ذنب من الحجاز إلى الشام ثم إلى الجزيرة ثم إلى العراق إلى قيس ثقيف يلعب بنا؛ وقال:
بكرت تخوفني المنون كأنني ... أصبحت عن عرض الحياة بمعزل
فأجبتها: عن المنية منهل ... لابد أسقى بكأس المنهل
إن المنية لو تمثل مثلت ... مثلي إذا نزلوا بضيق المنزل
فاقني حياءك لا أبا لك واعلمي ... أني امرؤ سأموت إن لم أقتل
أستودعك الله وإني أعطي الله عهداً إن دخلت يد في طاعة هؤلاء ما عشت. وفارقه وأقبل إلى الكوفة، فأقام بها مستخفياً ينتقل في المنازل، وأقبلت الشيعة تختلف إليه تبايعه، فبايعه جماعة منهم: سلمة بن كهيل، ونصر بن خزيمة العبسي، ومعاوية بن إسحاق بن زيد بن حارثة الأنصاري، وناس من وجوه أهل الكوفة، وكانت بيعته: إناندعوكم إلى كتاب الله وسنة نبيه، صلى الله عليه وسلم ، وجهاد الظالمين والدفع عن المستضعفين وإعطاء المحرومين، وقسم هذا الفيء بين أهله بالساء، ورد المظالم، ونصر أهل البيت، أتبايعون على ذلك؟ فإذا قالوا: نعم، وضع يده على أيديهم ويقول: عليك عهد الله وميثاقه وذمته وذمة رسوله، صلى الله عليه وسلم، لتفين ببيعتي ولتقاتلن عدوي ولتنصحن لي في السر والعلانية، فغذا قال: نعم، مسح يده على يده ثم قال: اللهم أشهد. فبايعه خمسة عشر ألفاً، وقيل: اربعون ألفاً، فأمر أصحابه بالاستعداد، فاقبل من يريد أن يفي له ويخرج معه ويستعد ويتعيأ، فشاع أمره في الناس.
هذا على قول من زعم أنه أتى الكوفة من الشام واختفى بها يبايع الناس، وأما على قول من زعم أنه أتى إلى يوسف بن عمر لموافقة خالد بن عبد الله اقسري أو ابنه يزويد بن خالد فإن زيداً أقام بالكوفة ظاهراً ومعه داود بن علي بن عبد الله بن عباس، وأقبلت الشيعة تختلف إلى زيد وتأمره بالخروج ويقولون: إنا لنرجو أن تكون انت المنصور، وإن هذا الزمان هو الذي تهلك فيه بنو أمية. فأقامم بالكوفة، وجعل يوسف بن عمر يسأل عنه فيقال هو ها هنا، ويبعث إليه ليسير فيقول: نعم، ويعتل بالوجع، فمكث ما شاء الله.
ثم ارسل إليه يوسف ليسير، فاحتج بأنه يبتاع أشياء يريدها، قم أرسل إليه يوسف بالمسير عن الكوفة، فاحتج بأنه يحاكم بعض آل طلحة بن عبيد الله بملك بينهما بالمدينة، فأرسل إليه ليوكل وكيلاً ويرحل عنها. فلما رأى جد يوسف في أمره سار حتى أتى القادسية، وقيل الثعلبة، فتبعه أهل الكوفة وقالوا له: نحن أربعون ألفاً لم يختلف عنك أحد نضرب عنك بأسيافنا، وليس هاهنا من أهل الشام إلا عدة يسيرة بعض قباسلنا يكفيكهم بإذن الله تعالى، وحلفوا له باظلأيمان المغلظة، فجعل يقول: إني أخاف أن تخذولني وتسلموني كفعلكمم بأبي وجدي، فيحلفون له. فقال له داود بن علي: يابن عم إن هؤلاء يغرونك من نفسك، أليس قد خذلوا من كان أعز عليهم منك جدك علي بن أبي طالب حتى قتل؟ والحسن من بعده بايهوه ثم وثبوا عليه فانتزعوا رداءه وجرحوه؟ أوليس قد أخرجوا جدك الحسين وحلفوا له وخذلوه وأسلموه ولم يرضوا بذلك حتى قتلوه. فلا ترجع معهم. فقالوا: إن هذا لا يريد أن تظهر أنت ويزعم أنه وأهل بيته أولى بهذا الأمر منكم.
فقال زيد لداود: إن علياً يقالته معاوية بداهية وبكراهية، وإن الحسين قالتله يزيد والأمر مقبل عليهم. فقال داود: إني خائف إن رجعت معهم أن لا يكون أحد أشد عليك منهم، وأنت أعلم.
ومضى داود إلى المدينة، ورجع زيد إلى الكوفة، فلما رجع زيد أتاه سلمة بن كهيل فذكر له فرابته من رسول الله، صلى الله عليه وسلم وحقه، فأحسن ثم قال له: ننشدك الله كم بايعك؟ قال: أرعون ألفاً. قال: فم بايه جدك؟ قال: ثمانون ألفاً. قال: فكم حصل معه؟ قال: ثلاثمائة. قال: نشدتك الله أنت خير أم جدك؟ قال: جدي. قال: فهذا القرن خير أم ذلك القرن؟ قال: ذلك القرن. قال: أفتطمع أن يفي لك هؤلاء وقد غدر أولئك بجدك؟ قال: قد بايعوني ووجبت البيعة في عنقي وأعناقهم. قال: أفتأذن لي أن أخرج من هذا البلد؟ فلا آمن أن يحدث حدث فلا أملك نفسي. فأذن له فخرج إلى اليمامة، وقد تقدم ذكر مبايعة سلمة.
وكتب عبد الله بن الحسن بن الحسن إلى يزيد: أما بعد فإن أهل الكوفة نفخ العلانية خور السريرة هرج في الرخاء جزع في اللقاء، تقدمهم أسنتهم ولا تشايعهم قلوبهم، ولقد تواترت إلي كتبهم بدعوتهم، فصممت عن ندائهم وألبست قلبي غشاء عن ذكرهم يأساً منهم واطراحاً لهم، وما لهم مثل إلا ما قال علي بن أبي طالب: إن أهملتم خضتم، وإن حوربتم خرتم، وإن اجتمع الناس على غمام طعنتم، وإن أجبتم إلى مشاقة نكصتم. فلم يصغ زيد إلى شيء من ذلك، فأقام على حاله يبايع الناس ويتجهز للخروج، وتزوج بالكوفة ابنة يعقوب بن عبد الله السلمي، وتزوج أيضاً ابنة عبد الله بن أبي العنبسي الأزدي.
وكان سبب تزوجه إياها أن أمها أم عمرو بنت الصلت كانت تتشيع، فاتت زيداً تسلم عليه، وكانت جميلة حسناء قد دخلت في السن ولم يظهر عليها، فخطبها زيد إلى نفسها، فاعذرت بالسن وقالت له: لي ابنة هي أجمل من وابيض وأحسن دلا وشكلاً فضحك زيد ثم تزوجها. وكان يتنقل بالكوفة تارة عنده وتارة عند زوجه الأخرى وتارة في بني عبس وتارة في بني هند وتارة في نبي تغلب وغيرهم إلى ان ظهر.
ذكر غزوات نصر بن سيار ما وراء النهروفي هذه السنة غزا نصر بن سيار ما وراء النهر مرتين، وإحدهما من نحو الباب الجديد، فسار من بلخ من تلك الناحية ثم رجع إلى مرو فخطب الناس وأخبرتهم أنه قد أقام منصور بن عمر بن أبي الخرقاء على كشف المظالم وأنه قد وضع الجزية عمن قد أسلم وجعلها على من كان يخفف عنه من المشركين. فلم تمضى جمعة حتى أتاه ثلاثنون ألف مسلم كانوا يؤدون الجزية عن رؤوسهم، وثمانون ألفاً من المشركين كانت قد ألقيت عنهم، فحول ما كان على المسلمين غليهم ووضعه عن المسلمين ثم صنف الخراج ووضعه مواضعه. ثم غزا الثانية إلى ورغسر وسمرقند ثم رجع. ثم غزا الثالثة إلى الشاش من مرو، فحال بينه وبين عبور نهر الشاش كورصول في خمسة عشر ألفاً، وكان معهم الحارث بن سريج. وعبر كورصول في أربعين رجلاًن فبيت أهل العسكر في ليلة مظلمة ومع نصر بخار أخذاه في أهل بخارى ومعه أهل سمر قند وكش ونسف، وهم عشرون ألفاً، فنادى نصر: أى يخرج أحد واثبتوا على مواضعكم. فخرج عاصم بن عمير، وهو على جند سمرقند، فمرت به خيل الترك، فحمل على رجل في آخرهم فأسره، فإذا هو ملك من مولكهم صاحب أربعة آلاف قبة، فأتي به إلى نصر، فقال له نصر: من أنت؟ قال: كورصول. فقال نصر: الحمد الله الذي أمكن منك يا عدوا الله. قال: ما ترجو من قتل شيخ؟ وأنا أعطيك أربعة آلاف بعي من إبل الترك وألف برذون تقوي بها جندك وطلق سبيلي. فاستشار نصر أصحابه، فاشارو وابإطلاقه، فسأله عن عمره، قال: لا أدري. قال: كم غزوت؟ قا: اثنيتن وسبعين غزوة. قال: أشهدت يوم العطش؟ قال: نعم. قال: لو أعطيتني ما طلعت عليه الشمس ما أفلت من يدي بعد ما ذكرت من شماهك. وقال لعاصم بن عمير السعدي: قم إلى سلبه فخذه . فقال: من أسرنيظ قال نصر، وهو يضحك: أسرك يزيد بن قران الحنظلي، وأشار إليه: قال: هذا لا يستطيع أن يغسل استه أو لايستطيع أن يتم له بوله فكيف يأسنري؟ أخبرني من أسرني؟ قال: أسرك عاصم بن عمير. قال: لست أجد ألم القتل إذا كان أسرني فارس من فرسان العرب. فقتله وصلبه على شاطئ النهر.
وعاصم بن عمير هو الهزارمرد، قتل بنهاوند أيام قحطبة.
فلما قتل كورصول أحرقت الترك أبنيته وقطعوا آذانهم وقصوا شعورهم وأذناب خيلهم. فلما أراد نصر الرجوع أحرقه لئلا يحملوا عظامه، فكان ذلك أشد عليهم من قتله، وارتفع إلى فرغانة فسبى بها ألف رأس.
وكتب يوسف بن عمر إلى نصر: سر إلى هذا الغادر دينه في الشاش، يعني الحارث بن سريج، فإن أظفرك الله به وبأهل الشاش فخرج بلادهم واسب ذراريهم، وإياك وورطة المسلمين. فقرأ الكتاب على الناس واستشارهم، فقال يحي بن الحضين: انظر أمن لأمير المؤمنين أو من الأمير؟ فقال نصر: يا يحى تكلمت بكلمة أيام عاصم بلغت الخيلفة فحظيت بها وبلغت الدرجة الرفيعة، فقلت أقول مثلها، سر يا يحيى فقد وليتك مقدمتي. فلام الناس يحيى فسارإلى الشاش، فأتاهم الحارث فنصب عليهم عرادتين، وأغار الأخرم، وهو فارس الترك على المسلمين فقتلوه وأقوا رأسه إلى الترك، فصاحوا وانهزموا.
وسار نصر إلى الشاش، فلتقاه ملكها بالصلح والهدية والرهن، واشترط عليه نصر إخراج الحارث بن سريج عن بلده، فأخرجه إلى فاراب، واستعمل على الشاش نيزك بن صالح مولى عمرو بن العاص، ثم سار حتى نزل قبا من أرض فرغانة، وكانوا أحسوا بمجيئة فأحرقوا الحشيش وقطعوا الميرة، فوجه نصر إلى ولي عهد صاحب فرغانة فحاصره في حصن، وغفلوا عنه فخرج وغنم دواب المسلمين، فوجه إليهم نصر بجالاً من تميم ومعهم محمد بن المثنى، وكان المسلمون ودوابهم كمنوا لهم، فخرجوا واستاقوا بعضها، وخرج عليهم المسلمون فهزموهم وقتلوا الدهقان وأسروا منهم وأسروا ابن الدهقان فقتله نصر، وأرسل نصر سليمان بن صول بكتاب الصلح إلى صاحب فرغانة، فأمر به فأدخا الخزائن ليراها ثم رجع إليه، فقال: كيف رأيت الطريق فيما بيننا وبينكم.؟ قال: سهلاً كثر الماء والمرعى، فكره ذلك وقال: كيف رأيت الطريق فيما بيننا وبينكم؟ قال: سهلاً كثير الماء والمرعى، فكره ذلك وقال: ما علمك؟ فقال سليمان: قد غزوت غرشستان وغور والختل وطبرستان فكيف لا أعلم؟ قال: فكيف رأيت ما أعددنا؟ قال: عدة حسنة، ولكن أما علمت أن المحصور لا يسلم من خصال، لا يأمن أقرب الناس إليه وأوثقهم في نفسه أن يثبت به يطلب مرتبته ويتقرب بذلك أو يفنى ما قد جمع فيسلم برمته أو يصيبه داء فيموت. فكره ما قال له وأمره فأحضر كتاب الصلح، فأجاب إليه وسير أمه معه، وكانت صاحبة أمره، فقدمت على نصر، فأذن لها وجعل يكلمها، وكان مما قالت له كل مالك لا يكون عنده ستة أشياء فليس بملك، وزير يبث إليه ما في نفسه ويشاوره ويثق بنصيحته، وطباخ إذا لم يشته الطعام اتخذ له ما يشتهي، وزوجة إذا دخل عليها مغتماً فنظر إلى وجهها زال غمه، وحصن إذا فزغ أتاه فأنجاه، تعني البرذون، وسيف إذا قاتل لا يخشى خيانته، وذخيرة إذا حملها عاش بها أين كان من الأرض.
ثم دخل تميم بن نصر في جماعة فقالت: من هذا؟ قالوا: هذا فتى خراسان تميم بن نصر. قالت: ما له نبل الكبير ولا حلاوة الصغير؛ ثم دخل الحجاج بن قتيبة فقالت: من هذا؟ فقالوا: الحجاج بن قتيبة، فحيته وسألت عنه وقالت: يا معشر العرب ما لكم وفاء ولا يصلح بعضكم بعضاً، قتيبة الذي ذلل لكم ما أرى وهذا ابنه تقعده دونك فحقه أن تجلسه أنت هذا المجلس وتجلس أنت مجلسه.
ذكر غزو مروان بن محمد بن مروانوفي سنة إحدى ووعشرين غزا مروان بن محمد من أرمينة وهو اليها، فأتى قلعة بين السرير فقتل وسبى، ثم أتى قلعة ثانية فقتل وسبى ودخل غوميك وهو حصن فيه بيت الملك وسريره، فهرب الملك منه حتى أتى حصناً يقال له خيزج فيه السرير الذهب، فسار إليه مروان ونازله صيفية وشتويته، فصالح الملك على ألف رأس كل سنة ومائة ألف مدي، وسار مروانفدخل أرض ارزو بطران، فصالحه ملكها، ثم سار في أرض تومان فصالحه، وسار حتى أتى خمزين فأخرب بلاده وحصر حصناً له شهراً فصالحه، طبرسران وفيلان، وكل هذه الولايات على شاطئ البحر من أرمينية إلى طبرستان.
ذكر عدة حوادثفي هذه السنة غزا مسلمة بن هشام الروم فافتتح بها مطامير. وحج بالناس هذه السنة محمد بن هشام بن إسماعيل المخزومي، وهو كان عامل المدينة ومكة والطائف. وعلى العراق يوسف بن عمر، وعلى خراسان نصر بن سيار، وعلى أرمينية وأذربيجان مروان بن محمد، وعلى قضاء البصرة عامر بن عبيدة، وعلى قضاء الكوفة ابن شبرمة. وفيها فرغ الوليد بن بكير عامل الموصل من حفر النهر الذي أدخله البلد، وكان مبلغ النفقة عليه ثمانية آلاف ألف درهم، وجعل عليه ثمانية أحجار تطحن، ووقف هشام هذه الأرحاء على عمل النهر.
وفيها مات سلمة بن سهيل، وقيل سنة اثنتين وعشرين. وفيها مات عامر بن عبيد الله بن الزبير، وقيل سنة اثنتين وعشرين، وقيل سنة أربع وعشرين بالشام. وفيها مات محمد بن يحيى بن حبان وهو ابن أربع وسبعين سنة بالمدينة، حبان بفتح الحاء، وبالباء الموحدة. وقتل يعقوب بن عبد الله ابن الأشج سهيداً بأرض الروم.
ثم دخلت سنة اثنتين وعشرين ومائة
ذكر مقتل زيد بن علي بن الحسين
ابن علي بن أبي طالبفي هذه السنة قتل زيد بن علي بن الحسن، قد ذكر سبب مقامه بالكوفة وبيعته بها .
فلما أمر أصحابه بالاستعداد للخروج وأخذ من كان يريد الوفاء له بالبيعة يتجهز انطلق سليمان بن سراقة البارقي إلى يوسف بن عمر فأخربه، فبعث يوسف في طلب زيد، فلم يوجد، وخاف زيد أن يؤخذ فتيعجل قبل الأجل الذي جعله بينه وبين أهل الكوفة، وعلى الكوفة يومئذ الحكم بن الصلت، وعلى شرطته عمرو بن عبد الرحمن من القارة ومعه عبيد الله بن العاباس الكندي في ناس من أهل الشام، ويوسف بن عمر بالحيرة، قال: فلما رأى أصحاب زيد بن علي من يوسف بن عمر أنه قد بلغه أمره وأنه يبحث عن أمره اجتمع إليه حماعة من رؤوسهم وقالوا: رحمك الله، ما قولك في أبي بكر وعمر؟ قال زيد: رحمها الله وغفر لهما، ما سمعت أحداً من أهل بيتي يقول فيهما إلا خيراً، وإن أشد ما أقول فيما ذكرتم أنا كنا أحق بسلطان ما ذكرتم من رسول الله، صلى الله عليه وسلم ، من الناس أجمعين، فدفعونا عنه ولم يبلغ ذلك عندنا بهم كفراً، وقد ولوا فعدلوا في الناس وعملوا بالكتاب والسنة. قالوا: فلم يظلمك هؤلاء ظالمون لي ولكم ولأنفسهم، وإنما ندعوكم إلى كتاب الله وسنة نبيه، صلى الله عليه وسلم ، وإلى السنن أن تحيا وإلى البدع أن تطفأ، فإن اجبتمونا سعدتم، وإن أبيتم فلست عليكم بوكيل. ففارقوه ونكثوا بيعته وقالوا: سبق الإمام، يعنون محمداً الباقر، وكان قد مات، وقالوزا: جعفر ابنه إمامنا اليوم بعد أبيه، فسماهم زيد الرافضة، وهم يزعمون أن المغيرة سماهم الرافضة حيث فارقوه.
وكانت طائفة أتت جعفر بن محمد الصادق قبل خروج زيد، فأخبره ببيعة زيد، فقال: بايعوه فهو والله أفضلنا وسدنا، فعادوا وكتموا ذلك. وكان زيد واعد أصحابه أول ليلة من صفر، وبلغ ذلك يوسف بن عمر، فبعث إلى الحكم يأمره أن يجمع أهل الكوفة في المسجد الأعظم يحصرهم فيه، فجمعهم فيه، وطلبوا زيداً في دار معاوية بن إسحاق بن زيد بن حارثة الأنصاري، فخرج منها ليلاً، ورفعوا الهرادي فيها النيران ونادوا: يا منصور أمت أمت، حتى طلع الفجر، فلما أصبحوا بعث زيد القاسم التبعي ثم الحضرمي وآخر من أصحابه يناديان بشعارهم، فملا كانا بصحراء عبد القيس لقيهما جعفر ابن العباس الكندي فحملا عليه وعلى أصحابه، فقتل الذي كان مع القاسم التبعي وارتث القاسم وأتي به الحكم، فضرب عنقه. فكانا أول من قتل من أصحاب زيد. وأغلق الحكم دروب السوق وأبواب المسجد على الناس .
وبعث الحكم إلى يوسف بالحيرة فأخبره الخبر، فأرسل جعفر بن العباس ليأتيه بالخبر، فسار في خمسين فارساً حتى بلغ جبانة سالم فسال ثم رجع إلى يوسف فأخبره، فسار يوسف إلى تل قريب من الحيرة فنزل عليه ومع أشراف الناس، فبعث الريان بن سلمة الأراني في القين ومعه ثلاثمائة من القيقانية رجالة معهم النشاب.
وأصبح زيد فكان جميع من وافاه تلك الليلة مائتي رجل وثمانية عشر رجلاً، فقال زيد: سبحان الله أين الناس؟ فقيل: غنهم في المسجد الأعظم محصورون. فقال: والله ما هذا بعذر لمن بايعنا! وسمع نصر بن خزيمة العبسي النداء فأقبل إليه، فلقي عمرو بن عبد الرحمن صاحب شرطة الحكم في خيله من جهينة في الطريق، فحمل عليه نصر وأصحابه فقتل عمرو وانهزم من كان معه، وأقبل على جبانة سالم حتى انتهى زيد إلى دار أنس بن عمرو الأزدي، وكان في من بايعه وهو في الدار، فنودي فلم يجبهم، وناداه زيد فلم يخرج إليه، فقال زيد: ما أخلفكم؟ قد فعلتموها، والله حسيبكم، ثم انتنهى زيد إلى الكناسة فحمل على من بها من أهل الشام فهزمهم، ثم سار زيد يوسف ينظر إليه في مائتي رجل، فو قصده لقتله، والريان يتبع أثر زيد بن علي بالكوفة في أهل الشام، فأخذ زيد على مصلى خالد حتى دخل الكوفة، وسار بعض أصحابه نحو جبانة مخنف بن سليم فلقوا أهل الشام فقاتلوهم، فأسر أهل الشام منهم رجلاً، فأمر به يوسف بن عمر فقتل.
فلما رأى زيد خذلان الناس إياه قال: يا نصر بن خزيمة أنا أخاف أن يكونوا قد فعلوها حسينية. قال: أما أنا والله لأقاتلن معك حتى أموت، وإن الناس في المسجد فامض بنا نحوهم. فلقيهم عبيد الله بن العباس الكندي عند ار عمر بن سعد، فاقتتلوا، فانهزم عبيد الله وأصحابه، وجاء زيد حتى انتهى إلى باب المسجد، فجعل أصحابه يدخلون راياتهم من فوق الأبواب ويقولون: يا أهل المسجد اخرجوا من الذل إلى العز، اخرجوا إلى الدين والدنيا فإنكم لستم في دين ولا دنيا. فرماهم أهل الشام بالحجارة من فوق المسجد وانصرف الريان عند المساء إلى الحيرة، وانصرف زيد في من معه، وخرج إليه ناس من أهل الكوفة فنزل دار الرزق، فاتاه الريان بن سلمة فقالتله عند دار الرزق وجرح أهل الشام ومعهم ناس كثير، ورجع أهل الشام مساء يوم الأربعاء أسوأ شيء ظناً.
فلما كان الغد أرسل يوزسف بن عمر العباس بن سعيد المظزني في أهل الشام فانتهى إى زيد في دار الرزق، فلقيه زيد وعلى مجنبته نصر بن خزيمة ومعاوية بن إسحاق بن زيد بن ثابت فاقتتلوا قتالاُ شديداً، وحمل نابل بن فروة العبسي من اهل الششام على نصر بن خزيمة فضربه بالسيف فقطع فخذه، وضربه نصر فقتله، ولم يلبث نصر أن مات واشتد قتالهم، فانهزم أصحاب العباس وقتل منهم نحو من سبعين رجلاً.
فلما كان العشاء عباهم يوسف بن عمر ثم سرحهم، فالتقوا هم وأصحاب زيد، فحمل عليهم زيد فياصحابه فكشفهم وتبعهم حتى أخرجهم إلى السبخة، ثم حمل عليهم بالسبخة حتى أخرجهم إلى بني سليم، وجعلت خيلهم لا تثبت لخيله، فبعث العاب إلى يوزسف يعلمه ذلك وقال له: ابعث إلي الناشبية، فبعثهم إليه، فجعلوا يرمون أصحاب زيد، فقاتل معاوية ابن إسحاق الأنصاري بين يدي زيد قتالاً شديداً، فقتل وثبت زيد ابن علي ومن معه إلى الليل، فرمي زيد بسهم فأصاب جانب جبهته اليسرى فثبت في دماغه، ورجع أصحابه ولا يظن أهل الشام أنهم رحعوا إلا للمساء والليل، ونزل زيد في دار من دور أرحب، وأحضر أصحابه طبيباً، فانتزع النصل، فضج زيد، فلما نزع النصل مات زيد، فقال أصحابه: اين ندفنه؟ قال بعضهم: نطرحه في الماء. وقال بعضهم: بل نحتز رأسه ونلقيه في القتلى. فقال ابنه يحيى: والله لا تأكل لحم أبي الكلاب. وقال بعضهم: ندفنه في الخحفرة التي يؤخذ منها الطين ونجعل عليه الماءن ففعلوا، فلما دفنوه أجروا عليه الماء، وقيل: دفن بنهر يعقوب، سكر أصحابه الماء ودفنوه وأجروا الماء وكان معهم مولى لزيد سندي، وقيل رآهم فسار فدل عليه، وتفرق الناس عنه، وسار ابنه يحيى نحو كربلاء فنزل بنينوى على سابق مولى بشر بن عبد الملك بن بشر.
ثم إن يوسف بن عمر تتبع الجرحى في الدور، فدله السندي مولى زيد يوم الجمعه على زيد، فاستخرجه من قبره وقطع رأسه وسير إلى يوسف ابن عمر وهو بالحيرة، وسيره الحكم بن الصلت، فأمر بحراستهم، وبعث الرأس إلى هشام وولي الوليد فأمر بانزاله وإحراقه. وقيل: كان خراش بن خشب بن يزيد الشيباني على شرطة زيد، وهو الذي نبش زيداً وصلبه؛ فقال السيد الحوي:
بت ليلاً مسهدا ... ساهر العين مقصدا
ولقد قلت قولةً ... وأطلت التبلدا
لعن الله حوشباً ... وخراشاً ومزيدا
وزيداً فإنه ... كان أعتى وأعتدا
ألف ألفٍ وألف ألف ... فٍ من اللعن سرمدا
إنهم حاربوا الإل ... ه وآذوا محمدا
شركوا في دم الحس ... ين وزيدٍ تعندا
ثم عالوه فوق جذ ... عٍ صريعاً مجردا
يا خراش بن حوشبٍ ... أنت أشقى الورى غدا
وقيل في أمر يحيى بن زيد غير ما تقدم، وذلك أن أباه زيداً لما قتل قال له رجل من بني أسد: إن أهل خراسان لكم شيعة، والرأي أن تخرج إليها. قال: وكيف لي بذلك؟ قال: تتوارى حتى يسكن عنك الطلب ثم تخرج. فواراه عنده ليلةً، ثم خاف فأتى به عبد الملك بن بشر بن مروان فقال له: إن قرابة زيد بك قريبة زحقه عليك واجب. قال: أجل ولقد كان العفوعنه أقرب للتقوى. قال فقد قتل وهذا ابنه غلام حدث لاذنب له، فإن علم يوسف به قتله، أفتجيره؟ قال: نعم، فأتاه به فأقام عنده، فملا سكن الطلب سار في نفر من الزيدية إلى خراسان. فغضب يوسف بن عمر بعد قتل زيد فقال: يا أهل العراق، إن يحيى بن زيد ينتقل في حجال نسائكم كما كان يفعل أبوه، والله لو بدا لي لعرقت خصييه كما عرقت خصيي أبيه! وتهددهم وذمهم وترك.
ذكر قتل البطالفي هذه اسنة قتل البطال، واسمه عبد الله أبو الحسين الأنطاكي، في جماعة من المسلمين ببلاد الروم، وقيل: سنة ثلاث وعشرين ومائة، وكان كثير الغزاة إلى الروم والإغارة على بلادهم، وله عندهم ذكر عظيم وخوف شديد.
حكي أنه دخل بلادهم في بعض غزاته هو وأصحابه، فدخل قرية لهم ليلاً وامرأة تقول لصغير لها يبكي: تسكت وإلا سلمتك إلى البطال! ثم رفعته بيدها وقالت: خذه يا بطال! فتناوله من يدها.
وسيره عبد الملك مع ابنه مسلمة إلى بلاد الروم وأمره على رؤساء أهل الجزيرة والشام، وأمر ابنه أن يجعله على مقدمته وطلائعه، وقلا:إنه ثقة شجاع مقدام، فجعله مسلمة على عشرة آلاف فارس، فكان بينه وبين الروم، وكان العلافة والسابلة يسيرون آمينين، وسار مرة مع عسكر للمسلمين، فلما صار بأطراف الروم سار وحده فدخل بلادهم، فرأى مبقله فنزل فأكل من ذلك البقل، فجاءت جوفه وكثر إسهاله، فخاف أن يضعف عن الركوب فركب وصار تجيء جوفة في سرجه ولا يجسر ينزل لئلا يضعف عن الركوب، فاستولى عليه الضعف، فاعتنق رقية فرسه وسار عليه ولا يعلم أين هو، ففتح عينه فإذا هو في دير فيه نساء، فاجتمعن عليه وانزلته إحداهن عن فرسهوعسلته وسقته دواء فانقطع عنه ما به، وأقام في الدير ثلاثة أيام، ثم إن بطريقاً حضر الدير فخطب تلك المرأة وبلغه خبر البطال وتبعه فقتله وانهزم أصحاب البطريق وعاد إلى الدير وأقى الرأس إلى النساء وأخذهن وساقهن إلى العسكر، فنقل أمير العسكر تلك المرأة، فهي أم أولاد البطال.
ذكرة عدة حوادثقيل: وفي هذه السنة قتل كلثوم بن عياض القشيري الذي كان هشام بعثه في أهل الشام إلى أفريقية حيث وقعت الفتنة بالبربر. وفيها ولد الفضل بن صالح ومحمد بن إبراهيم بن محمد بن علي. وفيها وجه يوسف بن عمر ابن شبرمة على سجستان فاتقضى محمد بن عبيد الرحمن بن أبي ليلى.
وحج بالناس هذه السنة محمد بن هشام المخزومي، وكان عمال الأمصار من تقدم ذكرهم، قيل: وكان على الموصل أبو قحافة ابن أخي الوليد بن تليد العبسي.
وفيها مات إياس بن معاوية بن قرة قاضي البصرة، وهو الموصوف بالذكاء . وزيد بن الحارث اليامي. ومحمد بن المنكدر بن عبد الله أبو بكر التميم تيم قريش، وقيل: مات سنة ثلاثين، وقيل: إحدى وثلاثين، وكتبه أبو بكر. ويزيد بن عبد الله بن قسط، ويعقوب بن عبد الله بن الأشج.
ثم دخلت سنة ثلاث وعشرين ومائة
ذكر صلح نصر بن سيار مع الصغد.
وسبب ذلك أن خاقان لما قتل في ولاية أسد تفرقت الترك في غارة بعضها على بعض، فطمع أهل الصغد في الرجعة إليها، وانحاز قوم منهم إلى الشاش، فلما ولي نصر بن سيار أرسل إليهم يدعوهم إلى الرجوع إلى بلادهم وأعطاهم ما أرادوا، كانوا ينالون شروطاً أنكرها أمراء خراسان، منها: أن لا يعاقب من كان مسلماً فارتد عن الإسلام، ولا يعدى عليهم في دين لأحد منن الناس، ولا يؤخذ أسراء المسلمين من ايديهم إلا بقضية قاضٍ وشهادة عدول. فعاب الناس ذلك على نصر بن سيار وقالوا له فيه، فقال: لو عاينتم شوكتهم في المسلمين مثل ما عاينت ما أنكرتم ذلك. وأرسل رسولاً إلى هشام بن عبيد الملمك في ذلك، فأجابه إليه.
ذكر وفاة عقبة بن الحجاج
ودخول بلج الأندلسفي هذه السنة توفي عقبة بن الحجاج السلولي أمي رالأندلس، فقيل: بل ثار به أهل الأندلس فخلعوه وولوا بعده عبد الملك بن قطن، وهي ولايته الثانية، وكانت ولايته في صفر من هذه السنة، وكانت البربر قد فعلت بإفريقية ما ذكرناه سنة سبع عشرة ومائة، وقد حصروا بلج بن بشر العبسي حتى ضاق عليه وعلى من معه الأمر واشتد الحصر، وهم صابرون إلى هذه السنة، فأرسل إلى عبد الملك بن قطن يطلب منه أن يرسل إليه مراكب يجوز فيها هو ومن معه إلى الأندلس، وذكر ما أنزل عليه من الشدة وأنهم أكلوا دوابهم. فامتنه عبد الملك من إدخالهم الأندلس ووعدهم بإرسال المدد إليهم، فلم يفعل.
فاتفق أن البربر قويت بالأندلس، فاظطر عبد الملك إلى إدخال بلج ومن معه، وقيل: إن عبد الملك استشار أصحابه في جواز بلج فخوفوه من ذلك، فقال: أخاف أمير المؤمنين أن يقول: أهلكت جندي، لإأجازهم وشرط عليهم أن يقيموا سنة ويرجعوا إلى إفريقية، فأجابوه إلى ذلك، وأخذ وهائتنهم وأجازهم.
فلما وصوا إليه رأى هو والمسلمون ما بهم من سوء الحال والفقر والعري لشدة الحصار عليهم، فكسوهم وأحسنوا إليهم، وقصدوا جمعاً من البربر بشدونة فقاتلوهم فظفروا بالبربر فأهلكوهم وغنموا مالهم ودوابهم وسلاحهم، فصلت أحوال أصحاب بلج وصار لهم دواب يركبونها.
ورجع عبد الملك بن قطن إلى قرطبة وقال لبلج ومن معه ليخرجوا من الأندلس، فأجابوه إلى ذلك، فطلبوا منه مراكي يسيرون فيها من غير الجزيرة الخضراء لئلا يلقوا البرابر الذين حصروهم. فامتنع عبد الملك وقال: ليس لي مراكب إلا في الجزيرة. فقالوا: إننا لا نرجع نتعرض إلى البربر ولا نقصد الجهة التي هم فيها لأننا نخاف أن يقتلونا في بلادهم. فألح عليهم في العود، فلما رأوا ذلك ثاروا به وقاتلوه، فظفروا به وأخرجوه من القصر، وذلك أوائل ذي القعدة من هذه السنة.
فلما ظفر بلج بعبد الملك أشار عليه أصحابه بقتل عبد الملك، فأخرجه من داره وكأنه فرخ لكبر سنة فقتله وصلبه، وولي الأندلس، وكان عمر عبد الملك تسعين سنة، وهرب ابناه قطن وأمية، فلحق أحدهما بماردة والآخر بسر قسطة، وكان هربهما قبل قتل أبيهما، فلما قتل فعلا ما نذكره إن شاء الله تعالى.
ذكر عدة حوادثفي هذه السنة أوفد يوسف بن عمر الحكم بن الصلت إلى هشام يطلب إليه أن يستعمله على خراسان ويذكر أنه خبير بها وأنه عمل بها الأعمال الكثيرة ويقع في نصر بن سيار، فوجه هشام إلى دار الضيافة فأحضر مقاتل بن علي السعدي وقد قدم من خاسان ومعه مائة وخمسون من الترك، فسأله عن الحكم وما ولي بخراسان، فقال: ولي قرية يقال لها لفارياب سبعون ألفاً خراجها، فأسره الحارث بن سريج فعرك أذنه وأطلقه وقا: أنت أهون من أن قتلك. فلم يعزل هشام نصر بن سيار عن خراسان.
وفي هذه السنة غزا نصر بن سيار فرغنة غزوته الثانية، فأوفد وفداً إلى العراق عليهم معن بن أحمر النميري، ثم إلى هشام، فاجتاز بيوسف بن عمر وقال له: يا بن أحمر أبلغبكم الأقطع على سلطانكم يا معشر قريش! قال: قد كان ذاك، فأمره أن يعيبه عند هشام، فقال: كيف أعيبه مع بلائه وآثاره الجميلة عند وعند قومي؟ فلم يزل به، قال: فيم أعيبه؟ أعيب تجربته أم طاعته أم يمن نقيبته أو سياسته؟ قال: عبه بالكبر.
=====================

====================
مجلد 14. كتاب : الكامل في التاريخ ابن الأثير
فلما دخل على هشام ذكر جند خراسان ونجدتهم وطاعتهم، فقال: إلا أنهم ليس لهم قائد. قال: ويحك! فما فعل الكناني؟ يعني نصراً. قال: له بأس ورأي إلا أنه لا يعرف الرجل ولا يسمع صوته حتى يدني منه، وما يكاد يفهم منه من الضعف لأجل كبره، فقال شبيل بن عبد الرحمن المازني: كذب والله، وإنه ليس بالشيخ يخشى خرفه، ولا الشاب يخشى سفهه، بل هو المجرب وقد ولي عامة ثغور خراسان قد آثر معناً وأعلى منزلته وشفعه في حوائجه، فلما فعل هذا أجفى القيسية فحضروا عنده واعتذروا إليه.
وحج بالناس هذه السنة يزيد بن هشام بن عبد الملك. وكان العمال في الأمصارهم العمال في السنة التي قبلها.
وفيها مات محمد بن زاسع الأزدي البصري، وقيل: سنة سبع وعشرين. وفيها توفي جعفر بن إباس. وفيها مات ثابت البناني، وقيل: سنة سبع وعشرين، وله ست وثمانون سنة. وفيها توفي سعيد بن أبي سعد المقبري، واسم أبي سعيد كيسان، وقيل: مات سنة خمس وعشرين، وقيل ست وعشرين. ومالك ابن دينار لزاهد.
ثم دخلت سنة أربع وعشرين ومائة
ذكر ابتداء أمر أبي مسلم الخراسانيقد اختلف الناس في أبي مسلم، فقيل: كان حراً، واسمه إبراهيم بن عثمان ابن بشار بن سدوس بن جودزده من ولد بزرجمهر، ويكنى أبا إسحاق، ولد بأصبهان، ونشأ بالكوفة، وكان أبوه أوصى إلى عيسى بن موسى السراج فحمله إلى الكوفة وهو ابن سبع سنين، فلما اتصل بإبراهيم بن محمد بن علي ابن عبد الله بن عباس الإمام قال له: غير اسمك فإنه لا يتم لنا الأمر إلا بتغيير اسمك على ما وجدته في الكتب؛ فسمى نفسه عبد الرحمن بن مسلم، ويكنى أبا مسلم، فمضى لشأنه وله ذؤابه وهو على حمار بإكاف وله وتسع عشرة سنة، وزوجه إبراهيم الإمام ابنة عمران بن إسماعيل الطائي المعروف بأبي النجم، وهي بخراسان مع أبيها، فبنى بها أبو مسلم بخراسان، وزوج أبو مسلم ابنته فاطمة من محرز بن إبراهيم، وابنته الأخرى أسماء من فهم ابن محرز، فأعقبت أسماء ولم تعقب فاطمة، وفاطمة هي التي تذكرها الخرمية.
ثم إن سليمان بن كثير ومالك بن الهيثم ولا هزبن قريظ وقحطبة بن شبيب توجهوا من خراسان يريدون مكة سنة أربع وعشرين ومائة، فلما دخلوا الكوفة أتوا عاصم بن يونس العجلي وهو في الحبس قد اتهم بالدعاء إلى ولد العباس ومعه عيسى وإدريس ابنا معقل العجليان، وهذا إدريس هو جد أب دلف العجلي، وكان حبسهما يوسف بن عمر مع من حبس من عمال خالد القسري ومعهما أبو مسلم يخدمهما قد اتصل بهما، فرأوا فيه العلامات فقالوا: لمن هذا الفتى؟ فقالا: غلام معنا من السراجين يخدما، وكان أبو مسلم يسمع عيسى وإدريس يتكلمان في هذا الرأي ، فإذا سمعهما بكى، فلما رأوا ذلك منه دعوه إلى رأيهم فأجاب. وقيل: إنه من أهل ضياع بني معقل العجلية بأصبهان أو غيرها من الجبل، وكان اسمه إبراهيم، ويلقب حيكان، وإنما سماه عبد الرحمن وكناه أبا مسلم إبراهيم الإمام، وكان مع أبي موسى السراج صاحبه يخرز الأعنة ويعمل السورج، وله معرفة بصناعة الأدم والسروج، فكان يحملها إلى أصبهان والجبال والجزيرة والموصل ونصيبين وآمد وغيرها يتجر فيها.
وكان عاصم بن يونس العجلي وإدريس وعيسى ابنا معقل محبوسين، فكان أبو مسلم يخدمهم في الحبس بتلك العلامة، فقدم سليمنان بن كثير ولا هز وقحطبة الكوفة فدخلوا على عاصم، فراوا أبا مسلم عنده، فعجبهم، فأخذوه، وكتب أبو موسى السراج معه كتاباً إلى إبراهيم الإمام، فلقوه بمكة، فأخذ أبا سملم فكان يخدمه.
ثم إن هؤلاء النقباء قدموا على إبراهيم الإمام مرة أخرى يكلبون رجلاً يتوجه معهم إلى خراسان. فكان هذا نسب أبي مسلم على قول من يزعم أنه حر. فملا تمكن وقوي أمره ادعى أنه من ولد سليط بن عبد الله بن عباس، وكان من حديث سليط بن عبد الله بن عباس أنه كانت له جارية مولدة صفراء تخدمه، فواقعها مرة ولم يطلب ولدها ثم تركها دهراً، فاغتنمت ذلك فاستنكحت عبداً من عبيد المدينة فوقع عليها، فحبلت وولدت غلاماً، فحدها عبد الله ابن عباس واستعبد ولدها وسماه سليطاً، فنشأ جلداً ظريفاً يخدم ابن عباس، وكان له من الوليد بن بد الملك منزلة، فادعى أنه ولد عبد الله بن عباس ووضعه على أمر الوليد لما كان في نفسه من علي بن عبد الله بن عباس وأمره بمخاصمة علي، فخاصمه واحتل في شهود على إقرار عبد الله بن عباس بأنه ابنه، فشهدوا بذلكعند قاضي دمشق، فتحامل القاضي ابتاعاً لرأي الوليد فأثبت نسبه.
ثم إن سليطاً خاصمعلي بن عبد الله في الميراث حتى لقي منه علي أذى شديداً، وكان مع علي رجل من ولد أبي رافع مولى رسول الله، صلى الله عليه وسلم ، منقطعاً إليه يقال له عمر الدن، فقال لعلي يوماً: لأقتلن هذا الكلب وأريحك منه، فنهاه علي عن ذلك وتهدده بالقطيعة ورفق على سليط حتى كف عنه.
ثم إن وسيطاً دخل مع علي بستاناً له بظاهر دمشق، فنام علي فجرى بين عمر الدن وسليط كلام، فقتله عمر ودفنه في البستان، واعانه عليه مولى لعلي وهربا، وكان لسليط صاحب قد عرف دخوله البستان ففقده فأتى أم سليط فأخبرها، وفقد علي أيضاً عمر الدن مولاه، فسأل عنهما وعن سليط فلم يخبره أحد، وغدت أم سليط إلى باب الوليد فاستغاثت على علي، فأتى الوليد من ذلك ما أحب، فأحضر علياً وسأله عن سليط، فحلف أنه لم يعرف خبره وانه لم يأمر فيه بأمر، فأمره بإحضار عمر الدن، فحلف بالله أنه لم يعرف موضعه، فأمر الوليد بارسال الماء في أرض البستان، فلما انتهى إلى موضع الحفرة التي فيها سليط انخسفت وأخرج منها سليط، فأمر الوليد بعلي فضرب وأقيم في الشمس وألبس جبة صوف ليخبره حبر سليط ويدله على عمر الدن، فلم يكن عنده علم، ثم شفع فيه عباس بن زياد فأخرج إلى الحميمة، وقيل إلى الحجر، فأقام به حتى هلك الوليد وولي سليمان، فرده إلى دمشق.
وكان هذا مما عدة المنصور على أبي مسلم حين قتله، وقال له: زعمت أنك ابن سليط ولم ترض حتى نسبت إلى عبد الله غير ولده، لقد ارتقيت مرتقى صعباً زكان سبب مودة الوليد على علي بن عبد الله أن اباه عبد الملك بن مروان طلق امرأته ابنها ابنة عبد الله بن جعفر، فتزوجا علي، فتغير له عبد الملك وأطلق لسانه فيه وقال: إنما صلاته رياء، وسمع الوليدذلك من أبيه فبقي في نفسه.
وقيل: إن أبا مسلم كان عبداظً، وكان سبب انتقاله إلى بني العابس أن بكير بن ماهان كان كاتباً لبعض عمال السند فقدم الكوفة، فاجتمع هو وشيعة بني العباس، فغمز بهم، فأخذوا، فحبس بكير وخلي عن الباقين، وكان في الحبس يونس أبو عاصم وعيسى بن معقل العجلي ومعه أبو مسلم يخدمه، فدعاهم بكير إلى رأيه، فاجابوه، فقال لعيسى بن معقل: ما هذا الغلام منك؟ قال: مملوك. قال: أتبعه؟ قال: هو لك . قال: أحب أن تأخذ ثمنه. قال: هو لك بما شئئت، فأعطاه أربعمائة درهم، ثم خرجوا من السجن، فبعث به بكير إلى إبراهيم الإمام، فدفعه إبراهيم إلى أبي موسى السارج، فسمع منه وحفظ ثم سار متردداً إلى خراسان.
فسار إليها فنزل على سليمان بن كثير، وكان من أمره ما نذكره سنة سبع وعشرين ومائة إن شاء الله تعالى.
وقد كان أبو مسلم رأي رؤيا قبل ذلك استدل بها على ملك خراسان فظهر أمرها، فلما ورد نيسابور نزل بوناباذ، وكانت عامرة، فتحدث صاحب الخان الذي نزله ابو سملم بذلك وقال: إن هذا يزعم أنه يلي خراسان. فخرج أبو مسلم لبعض حاجته، فعمد بعض المجان فقطع ذنب حماره، فلما عاد قال لصاحب الخان: من فعل هذا بحماري؟ قال: لا ادري! قال: ما اسم هذه المحلة؟ قال: بوناباذ. قال: إن لم أصيرها كنداباد فلست بأنبي مسلم. فلما ولي خراسان أخربها.
ذكر الحرب بين بلج وابني عبد الملك
ووفاة بلج وولاية ثعلبة بن سلامة الأندلس
في هذه السنة كان بالأندلس حرب شديدة بين بلج وأمية وقطن ابني عبد الملك بن قطن؛ وكان سببها أنهما لما هربا من قرطبة، كما ذكرناه، فلما قتل أبوهما استنجدا بأهل البلاد والبربر، فاجتمع معهما جمع كثير قيل كانوا مائة ألف مقاتل، فسمع بهم بلج والذين معه فسار إليهم، والتقوا واقتتلو تقالاً شديداً، وجرح بلج جراحات، ثم ظفر بابني عبد الملك والبربر ومن معهم وقتل منهم فأكثر وعاد إلى قرطبة مظفراً منصوراً، فبقي سبعة أيام، ومات من الجراحات التي فيه وكانت وفاته في شوال من هذه السنة، وكانت ولايته أحد عشر شهراً؟.
فلما مات قدم أصحابه عليهم ثعلبة بن سلامة العجلي، للأن هشام ابن عبد الملك عهد إليهم: إن حدث ببلج وكلثوم حدث بالأمير ثعلبة، فقام بالأمر، وثارت في أيامه البربر بناحية ماردة، فغزاهم فقتل فيهم فأكثر وأسر منهم ألف رجل وأتى بهم إلى قرطبة.
ذكر عدة حوادثوفيها غزا سليمان بن هشام الصائفة، فلقي أليون ملك الروم فغنم. وفيها مات محمد بن علي بن عبد الله بن عباس في قول بعضهم، ووصى إلى ابنه إبراهيم بالقيام بأمر الدعوة إليهم.
وحج الناس هذه السنة محمد بن هشام بن إسماعيل.
وفيها مات محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، وكان مولده سنة ثمان وخمسين، وقيل سنة خمسين.
ثم دخلت سنة خمس وعشرين ومائة
ذكر وفاة هشام بن عبد الملكوفيها مات هشام بن عبد الملك بالرصافة لست خلون من شهر ربيع الآخر، وكانت خلافته تسع عشرة سنة وتسعة أشهر وواحداً وعشرين يوماً، وقيل: وثمانية ونصفاً؛ وكان مرضه الذبحة، وعمره خمس وخمسون سنة، وقيل ست وخمسون سنة، فملا مات طلبوا قمقماً من بعض الخزان يسخن فيه الماء لغسله، فما أعطاهم عياض كاتب الوليد، على ما نذكره، فاستعاروا قمقماً، وصلى عليه ابنه مسلمة ودفن بالرضافة.
ذكر بعض سيرتهقال عقال بن شبة: دخلت على هشام وعليه قباء فنك أخضر، فوجهني إلى خراسان وجعل يوصيني وأنا أنظر إلى القبا ففطن فقال: مالك؟ فقلت: رأيت عليك قبل أن تلي الخلافة قباء مثل هذا فجعلت أتأمل أهو هذا أم غيره. فقال: هو والله ذاك، وأما ما ترون من جمعي المال وصونه فهو لكم. قال: وكان محشواً عقلاً. وقيل: وضرب رجل نصراني غلاماً لمحمد بن هشام فشجعه، فذهب خصي لمحمد فضرب النصراني، وبلغ هشاماً الخبر وطلب الخصي فعاذ بمحمد، فقال له محمد: ألم آمرك؟ فقال الخصي: بلى والله قد أمرتني. فضرب هشام الخصي وشتم ابنه.
قال عبد الله بن علي بن عبد الله بن عباس: جمعت دواوين بني أمية فلم أر ديواناً أصح ولا أصلح للعامة والسلطان من ديوان هشام. وقيل: وأتي هشام برجل عنده قيان وخمر وبربط فقال: اكسروا الطنبور على رأسه. فبكى الشيخ لما ضربع. فقال: عليك بالصبر. فقال: اتراني أبكي للضرب؟ إنمكا أبكي لاحتقاره البربط إذ سماه طنبوراً! قال: وأغلظ رجل الهشام، فقال له: ليس لك أن تغلظ لإمامك. قيل: وتفقد هشام بعض ولده فلم يحضر الجمعة، فقال: ما منعك من الصلاة؟ قال: نفقت دابتي. قال: أفعجزت عن المشي؟ فمنعه الدابةسنةً. قيل: وكتب إلى بعض عماله: قد بعثت إلى أمير المؤمنين بسلة دراقن، وكتب إليه: قد وصل الدراقن فأعجب أمير المؤمنين، فزد منه واستوثق من الدعاء. وكتب إلى عامل له قد بعث بكمأة: قد وصلت المأة وهي أربعون، وقد تغير بعضها من حشوها،فاذا بعثت شيئاً فأجد حشوها في الطرق بالرمل حتى لا تضطرب ولا يصيب بعضها بعضاً. وقيل له: أتطمع في الخلافة؟فأنت بخيل جبان! قال: ولم لا أطمع فيها وأنا حليم عفيف؟ قيل: وكان هشام ينزل الرصافة وهي نمن أعمال قنسرين، وكان الخلفاء قبله وأبناء الخلفاء يبتدرون هرباً من الطاعون فينزلون البرية، فلما أراد هشام أن ينزل الرصافة قيل له: لا تخرج فإن الخلفاء لا يطعنون ولم ير خليفة طعن. قال: أتريديون أن تجربوا في؟ فنزلها، وهي مدينة رومية.
قيل إن الجعد بن درهم أظهر مقالته يخلق القرآن أيام هشام بن عبد الملك، فاخذه هشام وأرسله إلى خالد القسري، وهو أمير العراق، وأمره بقتله، فحبسه خالد من الحبس في وثاقة، فلما صلى العبد يوم الأضحى قال في آخر خطبته: انصرفوا وضحوا يقبل الله منكم، فإني أريد أن أضحي اليوم بالجعد بن درهم، فإنه يقول: ما كلم الله موسى ولا اتخذ إبراهيم خليلاً، تعالى الله عما يقول الجعد علواً كبيراً. ثم نزل وذبحه.
قيل: إن غيلان بن يونس ، وقيل ابن مسلم، أبا مروان أظهر القول بالقدر في أيام عمر بن عبد العزيز، فأحضره عمر واستتابه، فتاب ثم عاد إلى الكلام فيه أيام هشام، فأحضره من ناصرة ثم أمر به فقطعت يداه ورجلاه ثم امر به فصلب.
قيل: وجاء محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر بالخطاب إلى هشام، فقال: ليس لك عندي صلة، قم قال: أياك أن يغرك أحد فيقول ام يعرفك أمي المؤمنين، إني قد عرفتك، وأنت محمد بن زيد فلا تقيمن وتنفق ما معك، فليس لك عندي صلة، الحق بأهلك.
قال مجمع بن يعقوب الأنصاري: شتم هشام رجلاً من الأشراف؟ فوبخه الرجل قال: أما تستحي أن تشتمني وأنت خليفة الله في الرض؟ فاستحيا منه وقا: اقتص مني. قال: إذاً أنا سفيه مثلك. قال: فخذ مني عوضاً من المال. قال: ما كنت لأفعل. قال: فهبها لله. قال: هي لله ثم لك. فنكس هشام رأسه واستحيا وقال: والله لا أعود إلى مثلها أبداً.
ذكر بيعة الوليد بن يزيد
ابن عبد الملكقيل: وكانت بيعته لست مضين من شهر ربيع الآخر من السنة، وقد تقدم عقد أبيه ولاية العهد له بعد أخيه هشام بن عبد الملك؛ وكان الوليد حين جعل ولي عهد بعد هشام ابن إحدى عشرة سنة، ثم عاش من بعد ذلك فبلغ الوليد خمس عشرة سنة، فكان يزيد يقول: الله بيني وبين من جعل هشاماً بيني وبينك. فلما ولي هشام أكرم الوليد بن يزيد حتى ظهر من الوليد مجون وشرب الشراب، وكان يحمله على ذلك عبد الصمد بن عبد الأعلى مؤدبه، واتخذ له ندماء، فأراد هشام أن يقطعهم عنه فولاه الحج سنة ست عشرة ومائة، فحمل معه كلاباً في صناديق وعمل قبة على قدر الكعبة ليضعها على الكعبة، وحمل معه الخمر، وأراد أن ينصب القبة على الكعبة ويشرب فيها الخمر، فحرمه أصحابه وقالوا: لا نأمن الناس عليك وعلينا معك. فلم يفعل.
وظهر للناس منه تهاون بالدين واستخفاف، فطمع هشام في البيعة لابنه مسلمة وخلع الولي، وألاد الوليد على ذلك، فأبى، فقال له: اجعله بعدك، فأبى فتنكر له هشام وأضر به وعمل سراً في البيعة لابنه مسلمة، فأجابه قوم، وكان ممن أجابه خالاه محمد وإبراهيم ابنا هشام بن إسماعيل، وبنو القعقاع بن خليد العبسي، وغيرهم من خاصته، فأفرط الوليد في الشراب وطلب اللذات، فقال له هشام: ويحك يا وليد، والله ما أدري أعلى الإسلام أنت أم لا! ما تدع شيئاً من المنكر إلا أتيته غير متحاش؛ فكتب إليه الوليد:
يا أيها السائل عن ديننا ... نحن على دين أبي شاكر
نشربها صرفاً وممزوجةً ... بالسخن أحياناً وبالفاتر
فغضب هشام على ابنه مسلمة، وكان سكنى أبا شاكر، وقال له: يعيرنيالوليد بك وأنا ارشحك للخلافة! فألزمه الأدب وأحضره الجماعة وولاه الموسم سنة تسع عشرة ومائة، فأظهر النسك واللين، ثم إنه قسم بمكة والمدينة أموالاً؛ فقال مولى لأهل المدينة:
يا أيها السائل عن ديننا ... نحن على دين أبي شاكر
الواهب الجرد بأرسانها ... ليس بزنديق ولا كافر
يعرض بالوليد.
وكان هشام يعيب الوليد ويتنقصه ويقصر بهن فخرج الوليد ومعه ناس من خاصته ومواليه فنزل بالأزرق على ماء له بالأردن وخلف كاتبه عياض ين مسلم عند هشام ليكاتبه بما عندهم، وقطع هشام عن الوليد ما كان يجرى عليه، وكاتبه الوليد فلم يجبه إلى رده، وأمره بإخراج عبد الصمد من عنده، وأخرجه، وسأله أن يأذن لابن سهيل في الخروج إليه، فضرب هشام ابن سهيل وسيره، وأخذ عياض بن مسلم كاتب الوليد فضربه وحبسه، فقال الوليد: من يثق بالناس ومن يصنع المعروف! هذا الأحوال المشؤوم قدمه أبي على أهل بيته وصيره ولي عهده ثم يصنع بي ما ترون؟ لا يعلم أن لي في أحدٍ هوى إلا عبث به! وكتب إلى هشام في ذلك يعاتبه ويسأله أن يرد عليه كاتبه، فلم يرده، فكتب إليه الوليد:
رأيتك تبني دائماً في قطيعي ... ولو كنت ذا حزم الهدمت ما تبني
تثير على الباقين مجنى ضغينه ... فويل لهم إن مت من شر ما تجني
كأني بهم والليت أفضل قولهم ... ألا ليتنا والليت إذ ذاك لا يغني
كفرت يداً من منعمٍ لو شكرتها ... جزاك بها الرحمن ذو الفضل والمن
فلم يزل الوليد مقيماً في تلك البرية حتى مات هشام، فلما كان صبيحة اليوم الذي جاءته فيه الخلافة قال لأبي الزبير المنذر بن أبي عمرو: ما انت علي ليلة من عقلت عقلي أطول من هذه الليلة! عرضت لي هموم وحدثت نفسي فيها بأمور هذا الرجل، يعني هشاماً، قد أولع بي، فاركب بنا نتنفس. فركبا وسارا ميلين. ووقف على كثيب فنظر إلى رهج فقال: هؤلاء رسل هشام،نسأل الله من خيرهم، إذ بدا لاجلان على البريد أحدهما مولى لأبي محمد السفياني والآخر جردبة، فلما قربا نزلا يعدوان حتى دانوا منه سالم بن عبد الرحمن صاحب ديوان الرسائل. فقرأه وسأل مولى أبي محمد السفياني عن كاتبه عياض، فقال: لم يزل محبوساً حتى نزل بهشام الموت فأرسل إلى الخزان وقال: احتفظوا بما في أيديكم، فأفاق هشام فطلب شيئاً فمنعوه، فقال: إنا لله، كنا خزاناً للويلد! ومات من ساعته، وخرج عياض من السجن فتم أبواب الخزائن وأنزل هشاماً عن فرشه وما وجدوا له قمقماً يسخن له فيه الماء حتى استعاروه، ولا وجدوا كفناً من الخزائن فكفنه غالب مولاه؛ فقال:
هلك الاحول المثو ... م فقد أرسل المطر
وملكنا من بعد ذا ... ك فقد أورق الشجر
فاشكروا الله إنه ... زائد كل من شكر
وقيل: إن هذا الشعر لغير الوليد.
فلما سمع الوليد موته كتب إلى العباس بن الوليد بن عبد الملك بن مروان أن يأتي الرضافة فيحمي ما فيها من أموال هشام وولده وعياله وحشمه إلا مسلمة بن هشام فإنه كلم أباه في الرفق بالوليد. فقدم العباس الرصافة ففعل ما كتب به الوليد إليه، وكتب به إلى الوليد، فقال الوليد
ليت هشاماً كان حياً يرى ... محلبه الأوفر قد أترعا
ويروى:
ليت هشاماً عاش حتى يرى ... مكياله الأوفر قد طبعا
كلناه بالصاع الذي كاله ... وما ظلمناه به إصبعا
وما أتينا ذاك عن بدعةٍ ... أحله الفرقان لي أجمعا
وضيق على أهل هشام وأصحابه، فجاء خادم لهشام فوقف عند قبره وبكى وقال: يا أمير المؤمنين لو رأيت ما يصنع بنا الوليد. فقال بعض من هناك: لو رأيت ما صنع بهشام لعلمت أنك في نعمة لا تقوم بشكرها! إن هشاماً في شغل مما هو فيه عنكم.
واستعمل الوليد العمال، وكتب إلى الآفاق بأخذ البيعة، فجاءته بيعتهم، وكتب إله مروان بن محمد ببيعته استأذنه في القدوم عليه. فلما ولي الوليد أجرى على زمنى أهل الشام وعميهم وكساهم وأمر لكل إنسان منهم بخادم، وأخرج لعيالات الناس الطيب والكسوة وزادهم وزاد الناس في العطاء عشرات، ثم زاد أهل الشام بعد العشرات عشرةً عشرةً، وزاد الوفود، ولم يقل في شيء يسأله إلا وقال:
ضمنعت لكم إن لم تعقني عوائق ... بأن سماء الضر عنكم ستقلع
سيوشك إلحاق معاً وزيداة ... وأعطية مني عليكم تبرع
محرمكم ديوانكم وعطاؤكم ... به تكتب الكتاب شهراً وتطبع
قال حلم الوادي المغني: كنا مع الوليد وأتاه خبر موت هشام وهنئ بولايت الخلافة، وأتاه القضيب والخاتم، ثم قال: فأمسكنا سعة ونظرنا إليه بعين الخلافة، فقال: غنوني:
طاب يومي ولذ شرب السلافه ... وأتانا نعي من بالرصافة
وأتانا البريد ينعى هشاماً ... وأتانا بخاتم للخلافة
فاصطبحنا من خمر عانة صرفاً ... ولهونا بقينةٍ عرافه
وحلف أن لا يبرح من موضعه حتى يغني في هذا اشعر ويشرب عليه، ففعلنا ذلك ولم نزل نغني إلى الليل.
قم إن الوليد هذه السنة عقد لابنيه الحكم وعثمان البيعة من بعده وجعلهما وليي عهده، أحدهما بعد الآخر، وجعل الحكم مقدماً، وكتب بذلك إلى الأمصار العراق وخراسان
ذكر ولاية نصر بن سيار خراسان للوليد
في هذه السنة لى الوليد نصر بن سيار خراسان كلها وأفرده بها، قم وفد يوسف بن عمر على الوليد فاشترى منه نصراً وعماله، فرد إليه الوليد ولاية خراسان، وكتب يوسف إلى نصر يأمره بالقدوم ويحمل معه ما قدر عليه من الهديايا والأموال، وأن يقدم معه بعياله أجميعين، وكتب الوليد إلى نصر يأمره أن يتخذ له برابط وطنابير وأباريق ذهب وفضة، وأن يجمع له كل صناجه بخراسان، وكل بازي وبرذون فاره، ثم يسير بكل ذلك بنفسه في وجوه أهل خراسان.
وكان المنجمون قد أخبروانصراً بفتنة تكون، وألح يوسفعلى نصر بالقدوم وأرسل اليه رسولاٍ في ذلك، وأمره أن يستحثه أوينادي في الناس أنه قد خلع. فأرضى نصر الرسول واجازه، فلم يمض لذلك إلايسير حتى وقعت الفتنة. فتحول القصره بماجان واتخلف عصمة بن عبد الله الأسدي على خرسان، وموسى بن ورقاء بالشاش، وحسان من أهل الصغانيان بسمرقند،ومقاتل بن علي السعدي بأمل، وامرهم إذابلغهم خروجه من مرو ان يستجلبوا الترك ليعيروا ما وراء النهر ليرجع اليهم، وسار العراق.
فبينا هو يسير الى العراق طرقه مولى لبني ليث وأعلمه بقتل الوليد، فلما أصبح أذن للناس وأحضر رسل الوليد وقال لهم: قد كان من مسيري ما علمتم ، وبعثي بالهدايا ما رأيتم، وقد كان قدم الهدايا فبلغت بهيق، وطرقني فلان ليلاً فأخبرني أن الوليد قد قتل ووقعت الفتنة بالشام، وقدم المنصور بن جمهور العراقنوهرب يوسف بن عمر، ونحن بالبلاد التي علمتم وكثت عدونا. فقال سالم بنأحوز: أيها لأمير إنه بعض مكايد قريش ،أرادو تهجين طاعتك، فسر ولاتمتحنا، فقال: يا سالم أنت رجل لك علم بالحرب وحسن طاعة لبني أمية، فأما مثل هذه الأمور فيها راي أمية ورجع بالناس.
ذكر قتل يحيى بن زيد بن علي بن الحسينفي هذه السنة قتل يحيى بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب بخرسان .
وسبب قتله أنه سار بعد قتل أبيه إلى خرسان، كما سبق ذكره، فأتى بلخ فأقام بها عند الحيش بن عمرو بن داود حتى هلك هشام وولي الوليد ابن يزيد. فمتب يوسف بن عمر إلى نصر بمسير يحيى بن زيد وبمنزله عند الحريش، وقال له: خذه أشد الأخذ، فأخذ نصر الحريش فطالبه بيحيى، فقال: لاعلم لي به. فأمربه فجلد ستمائة سوط.فقال الحريش: والله لوأنه تحت قدمي ما رفعتهما عنه.فلما رأى ذلك قريش بن الحريش قال:لاتقتل أبي وانا ادلك على يحيى ،فدله عليه، فأخذه نصر وكتب إلى الوليد يخبره، فكتب الوليد يأمره أنيؤمنه وخلي سبيله وسبيل أصحابه. فأطلقه نصر و أمره أن يلحق بالوليد وأمر له بألفي درهم، فسار إلى سرخس فأقام بها، فكتب نصر إلى عبد الله بن قيس بن عباده يأمره أن يسيره عنها، فسيره عنها، فسار حتى إنتهى إلى بهيق، وخاف أنيغتله يوسف بنعمر فعاد إلى نيسابور، وبها عمرو بنزرارة، وكان مع يحبى سبعون رجلاً، فرأى يحيى تجاراً، فأخذ هو وأصحابه دوابهم وقالو: علينا أثمنها، فكتب عمروابن زرارة إلى نصر يخبره. فكتب نصر يأمر بمحاربته، فقاتله عمرو، وهو في عشرة الآف ويحيى وسبعين رجلاً، فهزمهم يحيى وقتل عمراً وأصاب دواباً كثيرة وسار حتى مر بهراة، فلم يعترض لمن بها وسار عنها.
وسرح نصر بن سيار سالم بن أحوز في طلب يحيى، فلحقه بالجوز جان فقاتله قتالاً شديداً،فرمى يحيى بسهم فأصاب جبهته، رماه رجل من عنزة يقال له عيسى،فقتل منأصاب يحيى من عند أخرهم وأخذوا رأس يحيى وسلبوه قميصه.
فلما بلغ الوليد قتل يحيى متب الى يوسف بن عمر: خذ عجيل أهل العراق فأنزله من جذعه، يعني زيداً، وأحرقه بالنار ثم أنسفه باليم نسفاً، فأمر يوسف به فأحرق، ثم رضه وحمله في سفينة ثم 1راه في الفرات وأما يحيى فإنه لما قتل صلب بالجوزجان ، فلم يزل مصلوباً حتى ظهر أبو مسلم الخرساني وأستولى على خراسان فأنزله وصى عليه ودفنه وامربالنياحة عليه في خراسان، واخذ ابو مسلم جيوان بني أمية وعرف منه أسماء من حضر قتل يحيى، فن كان حياً قتله ومن كان ميتاًخلفه في أهله بسوء، وكانت أم يحيى ريطة بنت أبي هاشم عبد الله بن محمد بن الحنيفة.
عباد بضم العين ، وفتح الباء الموحدة المخففة
ذكر ولاية حنظلة إفريقية وأبي الخطار الأندلسي
في هذه السنة قدم أبو الخطار حسام بن ضرار الكلبي اللأندلسي أميراً في رجب، وكان أبو الخطار لما تبايع ولاة الأندلس من قيس قد قال شعراً وعرض فيه بيوم مرج راهط وما كان من بلاء كلب فيه مروان بنالحكم وقيام القيسين مع الضحاك بنقيس الفهري على مروان، ومن الشعر:
أفادت بنو مروان قيساً دماءنا ... وفي الله أن لم يعدلوا حكم عدل
كأنكم لم تشهدو مرج راهطٍ ... ولم تعلموا من كان ثم له الفضل
وقيناكم حر القنا بحورنا ... وليس لكم خيل تعد ولارجل
فلما بلغ شعره هشام بن عبد الملك فأعم أنه رجل من كلب،وكان هشام قد استعمل على إفريقية حنضلة بن صفوان الكلبي سنة أربع وعشرين ومأئة،فكتب إليه هشام أن يولي الخطارالأندلس، فولاه وسيره إليها، فدخل قرطبة يوم جمعة فرأى ثعلبة بن سلامة أميرها قد أضر الأف من البربر،الذين تقدم ذكر أسرهم، ليقتلهم، فلما ذخل أبو الخطار دفع الأسرى إليه، فكانت ولايته سبباً لحياتهم؛وكان لأهل الشام الذين بالأندلس قد أرادو الخروج مع ثعلبة بن سلامة إلى الشام، فلم يزل أبو الخطار يحسن إليهم ويستميلهم حتى أقامو،فأنزل كل قوم إلى شبه منازلهم بالشام، فلمارأوا بلداًيشبه بلدانهم أقاموا.وقيل:إن أهل الشام إنما فرقهم في البلاد لأن قرطبة ضاقت عليهم ففرقهم؛وقد ذكرنا بعض أخبارهم سنة تسع وثلاثين ومائة.
ذكر عدة حوادثقيل: وفي هذه السنة وجه الوليد بن يزيد خاله يوسف بنمحمد بن يوسف الثقفي والياًعلى المدينة ومكة والطائف، ودفعإليه محمداًواباهيم ابني هشام بنإسماعيل المخزومي موثقين في عباءتين، فقدم بهما المدينة في شعبان فأقامهما للناس، ثم حملا إلى الشام فأحضرا عند الوليد، فأمر بجلدهما، فقال محمد: أسألك بالقرابة ! قال:وأي قرابة بيننا؟ قال: فقد نهى لرسول الله، صلى الله عليه وسلم، لضرب ليوط إلا في حد. قال: ففي حد أضربك وقودٍ، أنت أول من فعل بالعرجي، وهو ابن عمي وابن أمير المؤمنين عثمان؛ وكان محمد قد أخذه وقيده وأقامه للناس وجلده وسجنه إلى أن مات بعد تسع سنين لهجاء العرجي إياه، ثم أمر به الوليد فجلد هو وأخوه إبراهيم، ثم أوثقهما حيدداً وأمر أن يبعث بهما إلى يوسف بن عمر وهو على العراق، فلما قدم بهما عليه عذلهما حتى ماتا.
وفي هذه السنة عزل الوليد سعيد بن إبراهيم عن قضاء المدينة وولاه يحيى ابن سعيد الأنصاري. وفيها خرجت الروم إلى زبطرة، وهو حصن قديم كان افتتحه حبيب بن مسلمة القهري، فأخربته الروم الآن، فبنى بناء غير محكم، فعاد الروم وأخربوه أيام مروان بن محمد الحمار، ثم بناه الرشيدوشحنه بالرجال، فلما كانت خلافة المأمون طرقه الروم فشعثوه، فأمر المأمون برمته وتحصينه، ثم قصده الروم أيام المعتصم، على ما نذكره إن شاء الله تعالى. فإنما سقت خبره هاهنا لأني لم أعلم تواريخ حوادثه.
وفيها اغزا الوليد أخاه الغمر بن يزيد، وأمر على يجوش البحر الأسود ابن بلال المحاذي وسيره إلى قبرس ليخبر أهلها بين المسير إلى الشام أو إلى الروم، فختارة طائفه جوار المسلمين، فسيرهم إلى الشام، واختار أخرون الروم، وسيرهم إليهم.
وفيها قدم سليمان بن كثير ومالك بن الهيثم ولاهز بن قريظ وقحطبه بن شبيب مكه، فلقوا، في قول بعض أهل السير، محمد بن عبد الله ابن عباس فأخبروه بقصة أبي مسلم وما رأوه منه، فقال: أحر هو أم عبد؟ قالوا: أما عيسى فيزعم أنه عبد، وأما هو فيزعم انه حر. قال: فشتروه واعتقوه وأعطوا محمد بن علي مائتي ألف درهم وكسوه ثلاثين ألف درهم. فقال لهم: ما أظنكم تلقوني بعد عامي هذا، فإن حدث بي حدث فصاحبكم ابني ابنراهيم فإني أثق به وأوصيكم به خيراً. فرجعوا من عنده.
وقال بعضهم: في هذه السنة توفي محمد بن علي بن عبد الله بن عباس في شهر ذي العقده وهو ابن ثلاث وسبعين سنة، وكان بين موته وموت أبيه سبع سنين.
وحج بالنالس هذه السنة يوسف بن محمد بن يوسف. وفيها غزا النعمان ابن يزيد بن عبد الملك الصائفه.
في هذه السنة مات أبو حازم الأعرج، وقيل سنة أربعين، وقيل سنة أربع وأربيعين ومائة. وفي أخر أيام هشام بن هشام بن عبد الملك توفي سماك بن حرب. وفي هذه السنة توفي القاسم بن أبي بزه، وأسم أبي بزه يسار، وهو من المشهورين بالقراءة. وأشعث بن أبي الشعثاء سليم بن أسو المحاربي. وسيد بن أبي أنيسه الجزري، مولى بن كلاب وقيل مولى يزيد بن الخطاب، وقيل مولى غني، وكان عمره ستاً وأربعين سنه، وكان فقيهاً عابداً، وكان له أخ أسمه يحيى، كان ضعيفاً بالحديث.
وفي أيام هشام مات العرجي الشاعر في حبس محمد بن هشام المخزومي، عامل هشام بن عبد الملك على المدينة ومكة، وكان سبب حبسه أنه هجاه فتتبعه حتى بلغه أنه أخذ مولى فضربه وقتله وأمر عبيدة أن يطأوا امرأة المولى المقتلول، فاخذه محمد فضربه فأقامه للناس فحبسه تسع سنين فمات في السجن العرجي بفتح العين المهملة، وسكون الراء، وأخره جيم وكان عمال الأمصار من تقدم ذكرهم.
ثم دخلت سنة ست وعشرين ومائة
ذكر قتل خالد بن عبد الله القسريفي هذه السنة قتل خالد بن عبد الله، وقد تقدم ذكر عزله عن العراق وخرسان، وكان عمله خمس عشرة سنة فيما قيل، ولما عزله هشام قدم عليه يوسف واسطاً فحبسه فيها، ثمسار يوسف إلى الحيرة وأخذ خالداً فحبسه بها تمام ثمانية عسر شهراً مع أخيه إسماعيل وابن يزيد بن خالجوابن أخيه المنذر بن إسد، اتستأ1ن يوسف هشاماً في تعذيبهفأذن له مر واحدة، وأقسم لئن هلك ليقتلنه،فعذبه يوسف ثم رده إلى حبسه. وقيل: بل عذبه عذاباً كثيراً،وكتب هشام إلى يوسف يأمره بأطلاقه في شوال سنة احد وعشرين،وخرج زيد فقتل، فكتب يوسف بن عمر: إن بني هاشم قد كانوا هلكوا جوعاً فكانت عمة أحدهم قوت عياله ، فلما ولي خالد الغراق أعطاهم الاموال، فتاقت أنفسهم للخلافة، وما خرج زيدإلا عن رأي خالد.
فقال هشام:كذب يوسف! وضرب رسوله وقال: لسنا نتهم خالداً في طاعة.
وسمع خالد فسار حتى نزل دمشق وسار إلى الصائفة. وكان على دمشق يومئذ كلثوم بن عياض القشيرى، وكان يبغض خالداً. فظهر في دور دمشقحريق كل ليلة يفعله رجل من أهل العراق القشيري، وكان يبغض خالداً، فظهر دور دمشق حريق كل ليلة بفعله رجل من أهل العراق يقال له ابن العمرس، فإذا وقع الحريق يسرقون، وكان أولاد خالد وإخوته بالساحل لحدث كان من الروم، فكتب كلثوم إلى هشام يخبره أم موالي خالد يريدون الوثوب على بيت المال وأنهم يحرقون البلد كل ليلة هذا الفعل.
فكتب إليه هشام يأمره أن يحبس آل خالد الصغير منهم والكبر ومواليهم، فأنفذ وأحضر أولاد خالد وإخوته من الساحل في الجوامع ومعهم مواليهم، وحبس بنات خالد والنساء والصبيان، ثم ظهر علي بن العمرس ومن كان معه، فكتب الوليد بن عبد الرحمن عامل الخراج إلى هشام يخبره بأخذ ابن العمرس وأصحابه بأسمائهم وقبائلهم، ولم يذكر فيهم أحداً من موالي خالد. فكتب هشام إلى كلثوم يشتمه ويأمره باطلاق آل خالد، فأطلقهم فترك الموالي رجاء أن يشفع فيهم خالد إذ قدم من الصائفة.
ثم قدم خالد فنزل منزله في دمشق فأذن للناس، فقام بناته يحتجبن، فقال: لا تحتجبن فإن هشاماً كل يوم يسوقكن إلى الحبس، فدخل الناس، فقام أولاده يسترون النساء، فقال خالد: خرجت غازياً سامعاً مطيعاً فخلفت في عقبي وأخذ حرمي وأهل بيتي فحبسوا مع أهل الجرائم كما يفعل بالمشركين، فما منع عصابة منكم أن تقولوا علام حبس حرم هذا السامع المطيع؟ أخفتم أن تقتلوا جميعاً؟ أخافكم الله ثم قال! ثم قال: مالي ولهشام؟ ليكفن عني أو أولا دعونى إلى عراقي الهوى، شامي الدار، حجاز الأصل، يعني محمد ابن علي بن عبد الله بن عباس، وقد أذنت لكم أن تبلغوا هشاماً، فلما بلغه قال: قد خرف أبوالهيثم.
وتتابعت كتب يوسف بن عمر إلى هشام يطلب منه يزيد بن خالد بن عبد الله، فأرسل هشام إلى كلثوم يأمره بإنفاذ يزيد بن خالد بن عبد الله إلى يوسف ابن عمر، فطلبه، فهرب، فستدعى خالداً فحضر عنده، فحبسه، فسمع هشام فكتب إلى كلثوم يلومه ويأمره بتخليته، فأطلقه.
وكان هشام إذا أراد أمراً أمر الأبرش الكلبي فكتب به إلى خالد، فكتب إليه اللأبرش: إنه بلغ أمير المؤمنين أن رجلاً قال لك يا خالد إن لأحبك لعشر خصال: إن الله كريم وأنت كريم، والله جواد وأنت جواد، والله رحيم وانت رحيم، حتى عدا عشراً، وأمير المؤمنين يقسم بالله لأن تحقق ذلك عنده ليقتلنك.
فكتب إليه خالد: إن ذلك المجلس كان أكثر أهلاً من أن يجوز لأحد من أهل البغي والفجور أن يحرف ماكان فيه، وإنما قال لي: يا خالد إني لأحبك لعشر خصال: إن الله الكريم يحب كل كريم، والله يحبك فأنا أحبك، حتى عد عشر خصال، ولكن أعظم من ذلك قيام ابن شقي الحميري إلى أمير المؤمنين وقوله: يا أمير المؤمنين خليفتك في أهلك أكرم عليك أم رسولك في حاجتك؟ فقال: بل خليفتي في أهلي. فقال: ابن شقي: فأنت خليفة الله وحمد رسوله، وضلال رجل من بجيلة، يعني نفسه، أهون على العامة من ضلاض أمير المؤمنينز فلما قرأ هشام كتابه قال: خرف أبو الهيثم! فأقام خلاد بدمشق حتى هلك هشاموقام الوليد، فكتب إليه الوليد: ما حال الخمسين ألف ألف التي علم؟ فاقدم على أمير المؤمنين، فقدم عليه، فأرسل إليه الوليد وهو واقف بباب الساردق فال: يقول أمير المؤمنين أين ابنك يزيد؟ فقال: كان هرب من هشام وكنا نر اه عند أمير المؤمنين حتى استخلفه الله، فملا لم نره ظنناه ببلاد قومه من السراة. ورجع الرسول وقال: لا ولكنك خلفته طالباً للفتنة. فقال: قد علم أمير المؤمنين أنا أهل بين طاعة. فجع الرسول فقال: يقول لك أمير المؤمنين لتأتين به أو لأرهقن نفسك. فرفع خالد صوته وقال: قل له: هذا أردت، والله لو كان تحت قدمي ما رفعتهما عنه. فأمر الوليد بضربه، فضرب، فلم يتكلم، فحبسه حتى قدم يوسف بن عمر من العراق بالأموال فاشتراه من الوليد بخمسين ألف ألف، فأرسل الوليد إلى خالد: إن يوسف يشتريك بخمسين ألف ألف، فإن كنت تضمنها وإلا دفعتك إليه. فقال خالد: ما عهدت العرب تباع، والله لو سألتني أن أضمن عوداً ما ضمنته. فدفعه إلى يوسف، فنزع ثيابه وألبسه عباءة وحمله في محمل بغير وطاءٍ وعذبه عذاباً شديداً، وهو لا يكلمه كلمة، ثم حمله إلى الكوفة فعذبه ثم وضع المضرسة على صدره فقتله من الليل ودفنه من وقته بالحيرة في عباءته التي كان فيها، وذلك في المحرم سنة ست وعشرين. وقيل: بل أمر يوسف فوضع على رجليه عود وقام عليه الرجال حتى تكسرت قدماه وما تكلم ولا عبس.
وكانت أنم خالد نصرانية رومية، ابتنى بها أبوه في بعض أعيادهم فأولدها خالداً وأسداً ولم تسلم، وبنى لها خالد بيعة، فذمه الناس والشعراء؛ فمن ذلك قول الفرزدق:
ألا قطع الرحمن ظهر مطيةٍ ... أتتنا تهادى من دمشقٍ بخالد
فكيف يؤم الناس من كانت امه ... تدين بأن الله ليس بواجد
بنى بيعةً فيها النصارى لأمه ... ويهدم من كفرٍ منار المساجد
وكان خالد قد أمر بهدم منار المسجد لأنه بلغه أن شارعاً قال:
ليتين في المؤذنين حياتي ... إنهم يبصرون من في السطوح
فيشيرون أو تشير إليهم ... بالهوى كل ذات دل مليح
فلما سمع هذا السعر أمر بهدمها، ولما بلغه أن الناس يذمونه لبنائه البيعة لأمه قام يعتذر إليهم فقال: لعن الله دينهم إن كان شراً من دينكم. وكان يقول: إن خليفة الرجل في أهله أفضل من رسوله في حاجته، يعني أن الخليفة هشاماً من رسول الله، صلى اللهعليه وسلم ، نبرأ إلى الله من هذه المقالة.
ذكر قتل الوليد بن يزيد
ابن عبد الملكفي هذه السنة قتل الوليد بن يزيد بن عبد الملك يزيد بن الوليد بن عبد الملك الذي يقال له الناقص، في جمادى الآخرة
وكان سبب قتله ما تقدم ذكره من خلاعته ومجانته، فلما ولي الخلافة لم يزد من الذي كان فيه من اللهو واللذة والركوب للصيد وشرب النبيذ ومنادمة الفاق إلا تمادياً، فثقل ذلك على رعيته وجنده وكرهوا أمره، وكان أعظمه ما جنى على نفسه إفساده بني هميه هشام والوليد، فإنه أخذ سليمان بن هشام فضربه مائة سوط وحلق رأسه ولحيته وغربه إلى عمان من أرض الشام فحبسه بها، فلم يزل محبوساً حتى قتل الوليد، فأخذ جاريةً كانت لآل الوليد، فكلمه عثمان بن الوليد في ردها، فقال: لا أردها. فقال: إذن تكثر الواهل حول عسكرك! وحبس الأفقم يزيد بن هشام وفرق بين روح بن الوليد وبين امرأته وحبس عدة من ولد الليد، فرماه بنو هاشم وبنو الوليد بالكفر وغشيان أمهات أولاد أبيه وقالوا: قد اتخذ مائة جامعة لبني أمية.
وكان أشدهم فيه يزيد بن الوليد، وكان الناس إلى قوله أميل لأنه كان يظهر النسك ويتواضع، وكان قد نهاه سعيد بن بيهس بن صهيب علن البيعة لابنيه الحكم وعثمان لصغرهما، فحبسه حتى مات في الحبس.
واراد خالد بن عبد الله القسري على البيعة لابنيه فأبى، فغضب عليه، فقيل له: ى تخالف أمي المؤمنين. فقال: كيف أبايع من لا أصلي خلفه ولا أقبل شهادته؟ قالوا: فنقبل شهادة الوليد مع فسقه! قال: أمير المؤمنين غائب عني وإنما هي أخبار الناس. ففسدت المانية عليه وفسدت عليه قضاعة، وهم واليمن أكثر جند أهل الشام، فاتى حريث وشبيب بن أبي مالك الغساني ومنصور بن جمهور الكلبي وابن عمه حبال بن عمرو ويعقوب بن عبد الرحمن وحميد بن منصور اللخمي والأصبغ بن ذؤالة والطفيل بن حارثة والسري بن زياد إلى خالد بن عبد الله القسري فدعوه إلى أمرهم، فلم يجبهم.
وأراد الوليد الحج فخاف خالد أن يقتلوه في الطريق فنهاه عن الحج، فقال: ولم؟ فأخبره فحبسه وأمر أن يطالب بأموال العراق، ثم ستقدم يوسف ابن عمر من العاق وطلب منه أن يحضر معه الأموال، وأراد عزله وتولية عبد الملك بن محمد بن الحجاج بن يوسف. فقدم يوسف بأموال لم يحمل من العراق مثلها، فلقيه حسان النبطي فأخبره أن الوليد يريد أن يولي عبد الملك بن محمد، وأشار عليه أن يحمل الرش إلى وزرائه، ففرق فيهم خمسمائة ألف، وقال له حسان: اكتب على لسان خليفتك بالعراق كتاباً: إني كتبت إليك ولا أملك إلا القصر، وادخل على الوليد والكتاب معك مختوم واشتر منه خالداً، ففعل؛ فأمره الوليد بالعود إلى العراق، واشترى منه خالداً القسري بخمسين ألف ألف فدفعه إليه، فأخذه معه في محمل بغر وطاء إلى العراق. فقال بعض أهل اليمن شعراً على لسان الوليد يحرض عليه، وقيل: إنها للوليد يوبخ اليمن على ترك نصر خالد:
ألم تهتج فتذكر الوصالا ... وحبلاً كان متصلاً عزالا
بلى فالدمع منك إلى انسجام ... كماء المزن ينسجل انسجالا
فدع عنك اذكارك آل سعدىٍ ... فنحن الأكثرون حصىً ومالا
ونحن المالكون الناس قسراً ... نسومهم المذلة والنكالا
وطئنا الأشعرين بعز قيسٍ ... فيا لك وطأةً لن تستقالا
وهذا خالد فينا أسير ... ألا منعوده إن كانوا رجالا
عظيمهم وسيدهم قديماً ... جعلنا المخزيات له ظلالا
فلو كانت قبائل ذات عز ... لما ذهبت صنائعه ضلالا
ولا تركوه مسلوباً أسيراً ... يعالج من سلاسلنا الثقالا
وكندة والسكون فما استقاموا ... ولا برحت خيولهم الرحالا
بها سمنا البرية كل خسفٍ ... وهدما السهولة والجبالا
ولكن الوقائع ضعضعتهم ... وجذتهم وردتهم شلالا
فما زالوا لنا بلداً عبيداً ... نسومهم المذلة والسفالا
فأصبحت الغداة علي تاج ... لملك الناس ما يبغي انتقالا
فعظم ذلك عليهم وسعوا في قتله وادادوا حنقاً؛ وقال حمزة بن بيض في الوليد:
وصلت سماء الضر بالضر بعدما ... زعمت سماء الضر سماء الضر عنا ستقلع
فليت هشاماً كان حياً يسومنا ... وكنا كما كنا نرجي ونطمع
وقال أيضاً:
يا وليد الخنا تركت الطريقا ... واضحاً وارتكبت فجاً عميقاً
وتماديت واعتديت وأسرف ... ت وأغريت وانبعثت فسوقا
أبداً هات ثم هات وهاتي ... ثم هاتي حتى تخر صعيفاً
أنت سكران ما تفيق فما تر ... تق فتقاً وقد فتقت فتوقا
فأتت اليمانية يزيد بن الوليد بن عبد الملك فأرادوه على البيعة، فشاور عمر بن يزيد الحكمي، فقال له: لا يبايعك الناس على هذا وشاور أخاك العباس فإن بايعك لم يخالفك أحد، وإن أبى كان الناس له أطوع، فإن أبيت إلا المضي على رأيك فأظهر أن أخاك العباس قد بايعك. وكان الشام وبياً، فخرجوا إلى البوادي، وكان العباس بالقسطل ويزيد بالبادية أيضاً بينهما أميال يسيرة، فأتى يزيد أخاه العباس فاستشاره، فنهاه عن ذلك، فرجع وبايع الناس سراً وبث دعاته، فدعوا الناس، ثم عاود أخاه العباس فاستشاره ودعاه إلى نفسه، فزيره وقال: إن عدت لمثل هذا لأشدنك وثاقاً وأحملتك إلى أمير المؤمنين. فخرج من عنده. فقال العباس: إني لأظنه أشأم مولود في بني مروان.
وبلغ الخبر مروان بن محمد بأرمينية، فكتب إلى سعيد بن عبد الملك بن مروان يأمره أن ينهى الناس ويكفهم ويحذرهم الفتنة ويخوفهم خروج الأمر عنهم، فأعظم سعيد ذلك وبعث بالكتاب إلى العباس بن الوليد، فاستدعى العابس يزيد وتهدده، فكتمه يزيد أمره، فصدقه، وقال العباس لأخيه بشر بن الوليد: إني أظن أن الله قد أذن في هلاككم يا بني مروان؛ ثم تمثل:
إني أعيذكم بالله من فتنٍ ... مثل الجبال تسامى ثم تنفع
إن البرية قد ملت سياستكمفاستمكوا بعمود الدين وارتدعوا لا تلحمن ذئاب الناس أنفسكمإن الذئاب إذا ما ألحمت رتعوا
لا تبقرن بأيديكم بطونكم ... فثم لا حسرة تغني ولا جزع
فلما اجتمع ليزيد أمره وهو متبد أقبل إلى دمشق، وبينه وبين دمشق أربع ليال، متنكراً في سبعة نفر على حمير، فنزلوا بجرود على مرحلة من دمشق، ثم سار فدخل دمشق وقد بايع له أكثر لأهلها سراً، وبايع أهل المزة، وكان على دمشق عبد الملك بن محمد بن الحجاج، فخاف الوباء فخرج منها فنزل قطنا واستخلف ابنه على دمشق، وعلى شرطته أبو العاج كثير بن عبد الله السلمي، فاجمع يزيد على الظهور، فقيل للعامل: إن يزيد خارج، فلم يصدق.
وراسل يزيد أصحابه بعد المغرب ليلة الجمعة، فكمنوا عند باب الفراديس حتى أذن العشاء فدخلوا فصلوا وللمسجد حرس قد وكلوا بإخراج الناس منه بالليل، فلما صلى الله عليه وسلم الناس أخرجهم الحرس، وتباطأ أصحاب يزيد حتى لم يبق في المسجد غير الحرس وأصحاب يزيد، فأخذوا الحرس، ومضى يزيد ابن عنبسة إلى يزيد بن الوليد فأعلمه وأخذ بيده فقال: قم يا أمير المؤمنين وأبشر بنصر الله وعونه. فقالم وأقبل في اثني عشر رجلاً، فلما كان عند سوق الحمر لقوا أربعين رجلاً من أصحابهم ولقيهم زهاء مائتي رجل، فمضوا إلى المسجد فدخلوه وأخذوا باب المقصورة فضربوه فقالوا: رسل الوليد، ففتح لهم الباب خادم، فأخذوه ودخلوا أبا العاج وهو سكران، وأخذوا خزان بيت المال، وأرسل إلى كل من كان يحذره فأخذ، وقبض على محمد بن عبيدة، وهو على بعلبك، وأرسل بني عذرة إلى محمد بن عبد الملك بن محمد بن الحجاج فأخذوه.
وكان بالمسجد سلاح كثير فأخذوه، فلما أصبحوا جاء أهل المزة وتابع الناس وجاءت السكاسك وأقبل أهل داريا ويعقوب بن محمد بن هانئ العبسي وأقبل عيسى بن شيب التغلبي في أهل دومة وحرستا، وأقبل حميد ابن حبيب النخعي في أهل دير مروان والأرزة وسطرا، وأقبل أهل جرش وأهل الحديثة ودير زكا، وأقبل ربعي بن هاشم الحارثي في الجماعة من بني عذرة وسلامان، وأقبلت جهينة ومن والاهم. ثم وجه يزيد بن الوليد بن عبد الملك عبد الرحمن بن مصاد في مائتي فارس ليأخذوا عبد الملك ابن محمد بن الحجاج بن يوسف من قصره، فأخذوه بأمان، وأصاب عبد الرحمن خرجين في كل واحد منهما ثلاثون ألف دينار، فقيل له: خذ أحد هذين الخرجين. فقال: لا تتحدث العرب عني أني أول من خان في هذا الأمر.
ثم جهز يزيد جيشاً وسيرهم إلى الوليد بن يزيد بن عبد الملك وجعل عليهم عبد العزيز بن الحجاج بن عبد الملك.
وكان يزيد لما ظهر بدمشق سار مولى للوليد إلى فأعلمه الخبر وهو بالأغدف من عمان، فضربه الوليد وحبسه وسير أبا محمد عبد الله بن يزيد بن معاوية إلى دمشق، فسار بعض الطريق فأقام، فأرسل إليه يزيد بن الوليد عبد الرحمن ابن مساد، فسأله أبو محمد ثم بايع ليزيد بن الوليد.
ولما أتى الخبر إلى الوليد قال له يزيد بن خالد بن يزيد بن معاوية: سر حتى تنزل حمص فإنها حصينة، ووجه الخيول إلى يزيد فيقتل أو يؤسر. فقال عبد الله بن عنبسة بن سعيد بن العاص: ما ينبغي للخليفة أن يدع عسكره ونساءه قبل أن يقاتل، والله يؤيد أمير المؤمنين وينصره. فقال يزيد بن خالد: وما نخلف على حرمه، وإنما أتاه عبد العزيز وهو ابن عمهن.
فأخذ بقول ابن عنسبة وسار حتى أتى البخراء قصر النعمان بن بشير، وسار معه من ولد الضحاك بن قيس أربعون رجلاً فقالوا له: ليس لنا سلاح، فلو أمرت لنا بسلاح. فما أعطاهم شيئاً. ونازله عبد العزيز، وكتب العابس بن الوليد بن عبد الملك إلى الوليد: إني آتيك. فقالالوليد: أخرجوا سريراً، فأخرجوه، فجلس عليه وانتظر العباس. فقاتلهم علد العزيز ومعه منصور ابن جمهور، فبعث إليهم عبد العزرز زياد بن حصين الكلبي يدعوهم إلى كتاب الله وسنة نبيه، فقتله أصحاب الوليد، واقتتلوا قتالاً شدؤداً، وكان الوليد قد أخرج لواء مروان بن الحكم الذي كان عقده بالحابية.
وبلغ عبد العزيز مسير العباس إلى الوليد، فأرسل منصور بن جمهور إلى طريقه فأخذه قهراً وأتي به عبد العزيز فقال له: بايع لأخيك يزيد. فبايع ووقف، ونصبوا رايةً وقالوا: هذه راية العباس قد بايع لأمير المؤمنين يزيد. فقال العباس: غنا لله، خدعة من خدع الشيطان، وهلك بنو مروان. فتفرق الناس عن الوليد وأتوا العباس وعبد العزيز. وأرسل الوليد إلى عبد العزيز يبذل له خمسين ألف دينار وولاية حمص ما بقي ويؤمنه من كل حدث على أن ينصرف عن قتاله. فابى ولم يجبه. فظاهر الوليد بين درعين، وأتوه بفرسيه السندي والراية فقاتلهم قتالاً شديداً، فناداهم رجل: اقتلو عدو الله قتلة قوم لوظ! ارجموه بالحجارة! فلما سمع ذلك دخل القصر وأغلق عليه الباب وقال:
دعوا لي سلمى والطلاء وقينيةً ... وكأساً ألاحسبي بذلك مالا
إذ ما صفا عيشي برملة عالجٍ ... وعانقت سلمى ما أريد بدالا
خذوا ملككم لا ثبت الله ملككم ... ثباتاً يساوي ما حييت عقالا
وخلوا عناني قبل عير وما جرى ... ولا تحسدوني أن أموت هزالا
فلما دخل القصر وأغلق الباب أحاط به عبد العزيز، قدنا الوليد من الباب وقال: أما فيكم رجل شريف له حسب وحياء أكلمه؟ قال يزيد بن عنبسة السكسكي: كلمني. قال: يا أخا السكاسك، ألم أزد في أعطياتكم؟ ألم أرفع المؤن عنكم؟ ألم أعط فقراءكم؟ ألم أخدم زمنا لكم؟ فقال: إنا ما ننقم عليك في أنفسنا إنما ننقم عليك في انتهاك ما حرم الله وشرب الخمر ونكاح أمهات أولاد أبيك واستخفافك بأمر الله! قال: حسبك يا أخا السكاسك، فلعمري لقد أكثرت وأغرقت، وإن فيما أحل الله سعةً عما ذكرت. ورجع إلى الدار وجلس وأخذ مصحفاً فنشره يقرأ فيه وقال: يوم كيوم عثمان.
فصعدوا على الحائط، وكان أول من علاه يزيد بن عنبسة، فنزل إليه فأخذ بيده وهو يريد أن يحبسه ويؤامر فيه، فنزل من الحائط عشرة، منهم: منصور بن جمهور، وعبد السلام اللخمي، فضربه عبد السلام على رأسه، وضربه السندي بن زياد بن أبي كبشة في وجهه واحتزوا رأسه ويروه إلى يزيد.
فأتاه الرأس وهو يتغدى، فسجد، وحكى له يزيد بن عنبسة ما قاله للوليد، قال آخر كلامه: الله لا يرتق فتقكم ولا يلم شعثكم ولا تجمتع كلمتكم، فأمر يزيد بنصب رأسه. فقال له يزيد بن فروة مولى بني مرة: إنما تنصب رؤوس الخوارج وهذا ابن عمك وخلفة ولا آمن إن نصبته أن ترق له قلوب الناس ويغضب له أهل بيته. فلم يسمع منه ونصبه على رمح فطاف به بدمشق، ثم أمر به أن يدفع إلى أخيه سليمان بن يزيد، فلما نظر إليه سليمان قال: بعداً له! أشهد أنه كان شروباً للخمر ما جناً فاسقاً. ولقد أرادني في نفسي الفاسق. وكان سليمان ممن سعى في أمره.
وكان مع الوليد مالك بن أبي السمح المغني وعمرو الوادي المغني أيضاص، فلما تفرق عن الوليد أصحابه وحصر قال مالك لعمرو: اذهب بنا. فقال عمرو: ليس هذا من الوفاء، نحن لا يعرض لنا لأنا لسنا ممن يقاتل. فقال مالك: والله لئن ظفروا بك وبي لا يقتل أحد قبلي وقبلك فيوضع رأسه بين رأسينا وقال للناس: انظروا من كان معه في هذه الحال، فلا يعيبونه بشيء أشد من هذا. فهربا.
وكان قتله لليلتين بقيتا من جمادى الآخرة سنة ست وعشرين، وكانت مدة خلافته سنة وثلاثة أشهر، وقيل سنة وشهرين واثنين وعشرين يوماً، وكان عمره اثنتين وأربعين سنة، وقيل: قتل وهو ابن ثمان وثلاثين سنة، وقيل إحدى وأربعين ينة، وقيل ست وأربعين سنة.
ذكرنسب الوليد وبعض سيرتههو الوليد بن يزيد بن عبد الملك بن مروان بن الحكم بن أبي العاص ابن عبد شمس بن عبد مناف الأموي، يكنى أبا العباس، وأمه أم الحجاج بنت محمد بن يوسف الثقفي، وهي بنت أخي الحجاج بن يوسف، وأم أبيه عاتكة بنت يزيد بن معاوية بن أبي سفيان، وأمها أم كلثوم بنت عبد الله ابن عامر بن كريز، وأم حكيم البيضاء بنت عبد المطلب؛ فلذلك يقول الوليد:
نبي لهدى خالي ومن بك خاله ... نبي الهدى يقهر به من بفاخره
وكان من فتيان بني أمية وظرفائهم وشجعانهم وأجوادهم وأشدائهم، منهمكاً في اللهو والشرقب وسماع الغناء فظهر ذلك من أمره فقتل. ومن جيد شعره ما قاله لما بلغه أن هشاماً يردي خلعه:
كفرت يداً من منعم لو شكرتها ... جزاك بها الرحمن ذو الفضل والمن
وقد تقدمت الأبيات الأربعة، وأشعاره حسنة في الغزل والعتاب ووصف الخمر وغي ذلك، وقد أخذ الشعراء معانيه في وصف الخمر فسرقوها وأدخلوها في أشعارهم وخاصة أبو نواس فإنه أكثرهم أخذاً لها.
قال الوليد: المحبة للغناء تزيد في الشهرة، وتهدم المروءة، وتنوب عن الخمر، وتفعل ما يفعل السكر، فإن كنتم لا بد فاعلين فجنبوه النساء، فإن الغناء رقية الزنا، وإني لأقول ذلك علي وإنه أحب إلي من كل لذة، وأشهى إلى نفسي من الماء إلى ذي الغلة، ولكن الحق أحق أن يتبع.
قيل: إن يزيد بن منبه مولى ثقيف مدح الوليد وهنأه بالخلافة، فأمر أن تعد الأبيات ويعطى بكل بيت ألف درهم، فعدت فكانت خمسين بيتاً فأعطي خمسين أف درهم، وهو أول خليفة عد السعر وأعطى بكل بيت ألف درهم.
ومما شهر عنه أنه فتح المصحف فخرج: واستفتحوا وخاب كل جبارٍ عنيدٍ ابراهيم:15، فألقاه ورماه بالسهام وقال:
تهددني بجبار عنيدٍ ... فها أنا ذاك جبار عنيد
إذا ما جئت ربك يوم حشرٍ ... فقل يا رب مزقني الوليد
فلم يلبث بعد ذلك إلا يسيراً حتى قتل.
ومن حسن الكلام ما قاله الوليد لما مات مسلمة بن عبد الملك، فإن هشاماً قعد للعزاء، فأتاه الوليد وهو نشوان يجر مطرف خز عليه، فوقف على هشام فقال: يا أمير المؤمنين، إن عقبى من بقي لحوق من مضى، وقد أقفر بعد مسلمة الصيد لمن رمى، واحتل الثغر فهوى، وعلى أثر من سلف يمضي من خلف، " وتزودوا فإن خير الزاد التقوى " البقر:197. فأعرض هشام ولم يحر جواباً، وسكت القوم فلم ينطقوا.
وقد نزه قوم الوليد مما قيل فيه وأنكروه ونفوه عنه وقالوا: إنه قيل عنه والصق به وليس بصحيح. قال المدائن: دخل ابن للغمر بن يزيد أخي الوليد على الرشيد، فقال له: ممن أنت؟ قال: من قريش. قال: من أيها؟ فأمسك، فقال: قل وأنت آمن ولو أنك مروان. فقال: أنا ابن الغمر بن يزيد. فقال: رحم الله عمك الوليد ولعن يزيد الناقص، فإنه قتل خليفة مجمعاً عليه! ارفع حوائجك. فرفعها فقضاها.
وقال شبيب بن شبية: كنا جلوساً عند المهدي فذكروا الوليد، فقال المهدي: كان زنديقاً، فقام أبو علاثة الفقيه فقال: يا أمير المؤمنين إن الله، عز وجل، أعدل من ان يولي خلافة النبوة وأمر الأمة زنديقاً، لقد أخبرني من كان يشهده في ملاعبه وشربه عنه بمروءة في طهارته وصلاته، فكان إذا حضرت الصلاة يطرح الثياب التي عليه المطايب المصبغة ثم يتوضأ فيحسن الوضوء ويؤتى بثياب نظاف بيض فيلبسها ويصلي فيها، فإذا فرع عاد إلى تلك الثياب فلبسها واشتغل بشر به ولهوه، فهذا فعال من لا يؤمن بالله! فقال المهدي: بارك الله عليك يا أبا علاثة!
ذكر بيعة يزيد بن الوليد الناقص
في هذ1ه السنة بويع يزيد بن اوليد الذي يقال له الناقص، وإنما سمي الناقص لأنه نقص الزيادة التي كان الوليد زادها في عطيات الناس، وهي عشرة عشرة، ورد العطاء إلى ما كان أيام هشام، وقيل: أول من سماه بهذا الاسم مروان بن محمد.
ولما قتل الوليد خطب يزيد الناس فذمه وذكر إلحاده وأنه قتله لفعله الخبيث وقال: أيها الناس إن لكم علي أن لا أضع حجراً على حجر ولا لبنة ولا أكتر نهراً ولا أكثر مالا ولا أعطيه زوجةً وولداً ولا أنقل مالاً عن بلد حتى أسد ثغره وخصاصة أهله بما يغنيهم، فما فضل نقلته إلى البلد الذي يليه، ولا أجمركم في ثغوركم فأفتنكم، ولا أغلق بابي دونكم، ولا أحمل على أهل جزيتكم، ولكم أعطياتكم كل سمنة وأرزاقكم في كل شهر حتى يكون أقصاكم كأدناكم، فإن وفيت لكم بما قلت فعليكم السمع والطاعة وحسن الوزارة، وإن لم أف فلكم أن تخلعوني إلا أن أتوب، وإن علمتم أحداً ممن يعرف بالصلاح يعطيكم من نفسه مثل ما أعطيكم وأردتم أن تبايعوه فأنا أول من يبايعه. أيها الناس لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
ذكر اضطراب أمر بني أميةفي هذه النسة اضطرب أمر بني أمية وهاجت الفتنة، فكان من ذلك وثوب سلمان بن هشام بن عبد الملك بعد قتل الوليد بعمان، وكان قد حبسه الوليد بها، فخرج من الحبس وأخذ ما كان بها من الأموال وأقبل إلى دمشق وجعل يلعن الوليد ويعبه بالكفر.
ذكر خلاف أهل حمصلما قتل الوليد أغلق أهل حمص أبوابها وأقاموا النوائح والبواكي عليه، وقيل لهم: إن العباس بن الوليد بن عبد الملك أعان عبد العزيز على قتله، فهدموا داره وأنهبوها وسلبوا حرمه وطلبوه، فسار إلى أخيه يزيد، فكاتبوا الأجناد ودعوهم إلى الطلب بدم الوليد، فأجا بوهم واتفقوا أن لا يطيعوا يزيد، وأمروا عليهم معاوية بن يزيد بن الحصين بن نمير، ووافقهم مروان بن عبد الله بن عبد الملك على ذلك.
فراسلهم يزيد فلم يسمعوا وجرحوا رسله. فسير إليهم أخاه مسروراً في جمع كثير، فنزلواحوارين، ثم قدم على يزيد سليمان بن هشام، فرد عليه يزيد ما كان الوليد أخذه من أموالهم وسيره إلى أخيه مسرور ومن معه وأمرهم بالسمع والطاعة له.
وكان أهل حمص يريدون المسير إلى دمشق، فقال لهم مروان بن عبد الملك: أرى أن تسيروا إلى هذا الجيش فتقاتلوهم فإن ظفرتم بهم كان من بعدهم أهون عليكم، ولست أرى المسير إلى دمشق وترك هؤلاء خلفكم. فقال: السمط ابن ثابت: إنما يريد خلافكم وهو ممايل ليزيد والقدرية. فقتلوه وقتلوا ابنه وولوا أبا محمد السفياني وتركوا عسكر سليمان ذات اليسار وساروا إلى دمشق.
فخرج سليمان مجداً فلحقهم بالسليمانية، مرزعة كانت لسليمان بن عبد اللك خلف عذراء، وأرسل يزيد بن الوليد عبد العزيز بن الحجاج في ثلاثة آلاف إلى ثنية العقاب، وأرسل هشام بن مصاد في ألف وخمسمائةإلى عقبة السلامية، وأمرهم أن يمد بعضهم بعضاً. ولحقهم سليمان ومن معه على تعبٍ، فاقتتلوا قتالاً شديداً، فانهزمت ميمنة سليمان ويمسرته وقثبت هو في القلب، ثم حمل أصحابه على أهل حمص حتى ردوهم إلى موضعهم وحمل بعضهم على بعض مراراً.
فبينا هم كذلك إذ أقبل عبد العزيزي بن الحجاج من ثنية العقاب فحمل ععلى أهل حمص حتى دخل عسكرهم وقتل فيه من عرض له، فانهزموا، ونادى يزيد بن خالد بن عبد الله القسري: الله الله في قومك! فكف الناس، ودعاهم سليمان بن هشام إلى بيعة يزيد بن الوليد، وأخذ أبو محمد افيانس أسيراً، ويزيد بن خالد بن زيد بن معاوية أيضاً، فاتي بهما سليمان، فسيرهما إلى يزيد فحبسهما، واجتمع أمر أهل دمشق ليزيد بن الوليد، وبايعه أهل حمص، فأعطاهم يزيد العطاء وأجاز الأشراف؛ واستعمل عليهم يزيد بن الوليد معاوية بن الحصين.
ذكر خلاف أهل فلسطينوفي هذه السنة وثب أهل فلسطين على عاملهم سعيد بن عبد الملك فطردوه، وكان قد استعمله عليهم الوليد، وأحضروا يزيد بن سليمان بن عبد الملك فجعلوه عليهم وقالوا له:إن أمير المؤمنين قد قتل فتول أمرنا. فةليهم ودعا الناس إلى قتال يزيد، فأجابوه.
وكان ولد سليمان ينزلولون فلسطين، وبلغ أهل الأردن أمر أهل فلسطين فولوا عليهم محمد بن عبد الملك واجتمعوا معهم على قتال يزيد بن الوليد، وكان أمر أهل فلسكين إلى سعيد بن روح وضبعان بن روح.
وبلغ خبرهم يزيد بن الوليد فسير إليهم سليمان بن هشام بن عبد الملك في أهل دمشق وأهل حمص الذين كانوا مع السفياني، وكانت عدتهم أربعة وثمانين ألفاً، وأرسل يزيد بن الوليد إلى سعيد وضبعان ابني روح فوعدهما وبذلل لهما الولاية والمال، فرحلا في أهل فلسطين ويقي أهل الأردن، فأرسل سليمان خمسة آلاف فنهبوا القرى وساروا إلى طبرية، فقال أهل طبرية: ما نقين والجنود تجوس منازلنا وتحكم في أهلينا، فانتهبوا يزيد بن سليمان ومحمد ابن عبد الملك وأخذوا دوابهما وسلاحهما ولحقوا بمنازلهم. فملا تفرق أهل فلسطين والأردن سار سليمان حتى أتى الصنبرة وأتاه أهل الأردن فبايعوا يزيد بن الوليد، وسار إلى طبرية فصلى بهم الجمعة، وبايع من بها، وسار إلى الرملة فأخذ البيعة على من بها، واستعمل ضبعان بن روح على فلسطين وإبراهيم بن الوليد بن عبد الملك على الأردن.
ذكر عزل يوسف بن عمر على العراقولما قتل الوليد استعمل يزيد على العراق منصور بن جمهور، وكان قد ندب قبله إلى ولاية العراق عبد العزيز بن هارون بن عبد الله بن دحية بن خليفة الكلبي، فقال: لو كان معي جبند لقبلت. فتركه وزاستعمل منصوراً، ولم يكن منصور من أهل الدين وإنما صار مع يزيد لرأيه في الغيلانية وحمية لقتل يوسف خالداً القسري، فشهد لذلك قتل الوليد وقال له لما ولاه العراق اتق الله واعلم اني إنما قتلت الوليد لفسقه ولما أظهر من الجور، فلا تركب مثل ما قتلناه عليه.
ولما بلغ يوسف بن عمر قتل الوليد عمد إلى من بحضرته من اليمانية فسجنهم ثم جعل يخلوا بالرجل بعد الرجل من المضرية فيقول:: ما عندك إن اضطراب الحيل؟ فيقول المضري: أنا رجل من أهل الشام أبايع من بايعوا وأفعل ما فعلوا. فلم ير عندهم ما يجب فأطلق الميانية.
وأقبل منصور، فملا كان بعين التمر كتب إلى من بالحيرة من قواد أهل الشام يخبرهم بقتل الوليد وتأميره على العراق يوأمرهم بأخذ يوسف وعماله، وبعث الكتب كلها إلى سليمان بن سليم بن كيسان ليفرقها على القواد، فحبس الكتب وحمل كتابه فأقراه يوسف بن عمر، فتحير في أمره وقال لسليمان: ما الرأي؟ قال: ليس لك إمام تقاتل أهل الشام معك، ولا آمن عليك منصوراً، وما الرأي إلا أن تلحق بشامك. قال: فكيف الحيلة؟ قال: تظهر الطاعة ليزيد وتدعو له في خطبتك، فإذا قرب منصور تستخفي عندي وتدعه والعمل. ثم مضى سليمان إلى عمرو بن محمد ابن سعيد بن العاص فأخبره بأمره وسأله أن يؤدي يوسف بن عمر عنده، ففعل، فانتقل يوسف إليه، قال: فلم ي رجل كان له مثل عتوه خاف خوفه.
وقدم منصور الكوفة فخطبهم وذم الوليد ويوسف، وقامت الخطباء فذموهما معه، فاتى عمرو بن محمد إلى يوسف فأخبره، فجعل لا يذكر رجلاً ممن ذكره بسوء إلا قال: له علي أن أضربه كذا وكذا سوطاً! فجعل عمرو يتعجب من طمعه في الولاية وتهدده الناس.
وسار يوسف من الكوفة سراً إلى الشام فنزل البلقاء، فملا بلغ خبره ابن الوليد وجه إليه خمسين فارساً، فعرض رجل من بين نيمر ليوسف فقال: يا بن عمر أنت والله مقتول فأطعني وامنع. قالك لا. قال: فدعني أقتلك أنا ولا تقتلك هذه اليمانية فتغيظنا بقتلك. قال: ما لي فيما عرضت جنان. قال: فأنت أعلم.فطلبه المسيرون لأخذه فلم يروه، فهدوا ابنا له، فقال: إنه انطلق إلى مزرعة له؛ فساروافي طلبه، فلما أحس بهم هرب وترك نعليه، ففتشوا عنه فوجدوه بين نسوة قد ألقين عليه قطيفة خز وجلسن على حواشيها حاسرات، فجروا برجله وأخذه وأقبلوا به إلى يزيد، فوثب عليه بعض الحرس فأخذ بلحيته ونتف بعضها، وكان من أعظم الناس لحيةً وأصغرهم قامةً، فلما أدخل على يزيد قبض على لحية نفسه، وهي إلى سرته، فجعل يقوزل: يا أمير المؤمنين نتف والله لحيتي فما أبقى فيها شعرة! فأمر به فحبس بالخضراء، فأتاه إنسان فقال له: أما تخاف أن يطلع عليك بعض من قد وترت فيلقي عليك حجراً فيقتلك؟ فقال: ما فطنت لهذا. فأرسل إلى يزيد يطلب منه أن يحول إلى حبس غير الخضراء وإن كان أضيق منه. فعجب من حمقه، فنقله وحبسه مع ابني الوليد، فبقي في الحبس ولاية يزيد وشهرين وعشرة أيام من ولاية إبراهيم، فلما قرب مروان من دمشق ولى قتلهم يزيد بن خالد القسري مولى لأبيه خالد يقال له أبو الأسد.
ودخل منصور بن جمهور لأيام خلت من رجب فأخذ بيوت الأموال وأخرج العطاء والأرزاق وأطلق من كان في السجون من العمال وأهل الخراج وبايع ليزيد بالعراق وأقام بقية رجب وشعبان ورمضان وانصرف لأيام بقين منه.
ذكر امتناع نصر بن سيار على منصوروفي هذه السنة امتنع نصر بن سيار بخراسان من تسليم عمله لعامل منصور ابن جمهور وكان يزيد ولاها منصواً مع العراق، وذد ذكرنا فيما تقدم ما كان من كتاب يوسف بن عرمإلى نصر لامسير إلهي ومسير نصر وتباطئه وما معه من الهدايا، فاتاه قتل الوليد، فرجع نصر ورد تلك الهديايا واعتق الرقيق وقيم حسان الجواري في ولده وخاصته، وقسم تلك الآنية في عوام الناس، ووجه العمال وأمرهم بحسن السيرة، وايتعمل منصور أخاه منظراً على الري وخراسان فلم يمكنه نصر من ذلك وحفظ نفسه والبلاد منه ومن أخيه.
ذكر الحرب بين أهل اليمامة وعاملهملما قتل الوليد بن يزيد كان على الميامة علي بن المهاجر، واستعمله عليها يوسف بن عمر، فقال له المهيربن سلمى بن هلال، احد بني الدؤل بن حنيفة: اترك لنما بلادنا، فأبى، فجمع له المهير وسار إليه وهو في قصره بقاع هجر، فالتقوا بالقاع، فانهزم علي حتى دخل قصره، ثم هرب إلى المدينة، وقتل الميهير ناساً من أصحابه، وكان يحيى بن أبي حفص نهى ابن المهاجر عن القتال فعصاه، فقال:
بذلت نصيحتي لبني كلاب ... فلم تقبل مشاورتي ونصحي
فدالبني حنيفة من سواهم ... فإنهم فوارس كل فتح
وقال شقيق بن عمرو السدوسي :
إذا أنت سالمت المهير ورهطة ... أمنت من الأعداء والخوف والذعر
فتى راح يوم القاع روحة ماجدٍ ... أراد بها حسن السماع مع الآجر
وهذا يوم القاع.
وتأمر المهير على اليمامة، ثم إنه مات واستخلف على اليمامة عبد الله بن النعمان أحد بني قيس بن ثعلبة بن الدؤل، فاستعمل عبد الله بن النعمان المندلث ابن أدريس الحنفي على الفلج وهي قرية من قرى بني عامر بن صعصعة، وقيل: هي لبني نميم، فجحمع له بنو كعب بن ربيعة بن عامر ومعهم بنو عقيل وأبو الفلج المندلث وقاتلهم، فقتل المندلث وأكثر أصحابه ولم يقتل من أصحابه بني عامر كثير أحد، وقتل يومئذ يزيد بن الطثرية، وهي أمه نسبت إلى طثر بن عمر بن وائل، وهو يزيد بن المنتشر، فرثاه أخوه ثور بن الطثرية:
أرى الأثل من نحو العقيق مجاوري ... مقيماً وقد غالت يزيد غوائله
وقد كان يحمي المحجرين بسفه ... ويبلغ أقصى حجرة الحي نائله
وهو يوم الفلج الأول فلما بلغ عبد الله بن النعمان قتل المندلث جمع ألفاً من حنيفة وعغيرها وغزا الفلج، فلما تصاف الناس انهزم أبو لطيفة بن مسلم العقيلي، فقال الراجز:
فر أبو لطيفة المنافق ... والجفونيان وفر طارق
لما أحاطت بهم الوارق طارق بن عبد الله القشيري، والجفونيان من بني قشير.
وتحللت بنو جعدة البراذع وولوا فقتل أكثرهم، وقطعت يد زياد بن حيان الجعدي فقال:
أنشد كفاً ذهبت وساعدا ... أنشدها ولا أراني واجدا
ثم قتل. وقال بعض الربعيين.
سمونا لكعب بالصفائح والقنا ... والخيل شعثاً تنحني في الشكائم
فما غاب قرن الشمس حتى رأيتنما ... نسوق بني كعب كسوق البهائم
بضرب يزيل الهام عن سكناته ... وطعن كأفواه المزاد الثواجم
وهذا اليوم هو يوم الفلج الثاني.
ثم إن بني عقيل وقشيراً وجعدة ونميراً تجمعوا وعليهم أبو سهلة النميري فتلوا من لقوا من بني حنيفة بمعدن الصخراء وسلبوا نساءهم، وكفت بنو نمير عن النساء. ثم إن عمر بن الوازع الحنفي لما رأى ما فعل عبد الله بن العنعمان يوم لفلج الثاني قال: لست بدون عبد الله وغيرهممن يغير، وهذه فترة يؤمن فيها عقوبة السلطان. فجمع خيله وأتى الشريف وبث خليه، فاغارت وأغار هو، فملئت يداه من الغنائم وأقبل ومن معه حتى أتى النشاش، وأقبلت بنو عامر وقد حشدت، فلم يشعر عمر بن الوازع إلا برعاء الإبل، فجمع النساء في فسطاط وجعل عليهن حرساً ولقي القوم فقاتلهم فانهزم هو ومن معه وهرب عمر بن الوازع فلحق باليمامة، وتساقط من بني حنيفة خلق كثير في القلب من العطش وشدة الحر، ورجعت بنو عامر بالأسرى والنساء، وقال القحيف:
وبالنشاش يوم طار فيه ... لنا ذكر وعد لنا فعال
وقال أيضاً:
فداء خالتي لبني عقيلٍ ... وكعبٍ حين تزدحم الجدود
هم تركوا على النشاس صرعى ... بضربٍ ثم أهونه شديد
وكفت قيس يوم النشاش عن السلب، فجاءت علكل فسلبتهم؛ وهذا يوم النشاش، ولم يكن لحنيفة بعده جمع، غير أن عبيد الله بن مسلم الحنفي جمع جمعاً وأغار على ماء لقشير يقال له حلبان، فقال الشاعر:
لقد لاقت قشير يوم لاقتٍ ... عبيد الله إحدى المنكرات
لقد لاقت على حلبان ليثاً ... هزبراً لا ينام على الترات
فإن تربونا بالسياط فإننا ... ضربناكم بالمرهفات الصوارم
وإن تحلقوةا منا الرؤوس فإننا ... قطعنا رؤوساً منكم بالغلاصم
ثم سكنت البلاد ولم يزل عبيد الله بن مسلم الحنفي مستخفياً حتى قدم السري بن عبد الله الهاشمي والياً على اليمامة لبني العابس، فدل عليه، فقتله؛ فقال نوح بن جرير الخطفى:
فلولا السري الهاشمي وسيفه ... أعاد عبيد الله شراً على عكل
ذكر عزل منصور عن العراق
وولاية عبد الله بن عمر بن عبد العزيزفي هذه السنة عزل زيد بن الوليد بن عبد الملك منصور بن حمهور عن العراق وستعمل عليه بعده عبد الله بن عمر بن عبد العزيز، وقال له لما ولاه: سر إلى العراق فإن أهله بميلون إلى أبيك. فقدم إلى العراق وقدم بين يديه رسلاً إلى من بالعراق من فواد الشام، وخاف أن لا يسلم إليه منصور العمل. فانقاد له أهل الشام، وسلم إليه منصور العمل وانصرف إلى الشام ففرق عبد الله العمال وأعطى الناس أرزاقهم وأعطياتهم. فنازعه قواد أهل الشام وقالوا: تقسم على هؤلاء فيئنا وهم عدونا؟ فقال لأهل العراق: إني أريد أن أرد فيئكم عليكم، وعلمت أنكم أحق به فنازعني هؤلاء. فاجتمع أعهل الكوفة بالجبانة، فأرسل إليهم أهل الشام يعتذرون، وثار غوغاء الناس من الفريقين فأصيب منهم رهط لم يعرفوا. واستعمل عبد اللله بن عمر على شرطته عمر بن الغضبان القبعثري، وعلى خراج السواد والمحاسابت أيضاً.
ذكر الاختلاف بين أهل خراسانوفي هذه السنة وقع الاختلاف بخراسان بين النزارية واليمانية وأظهر الكرماني الخلافلنصر بن سيار.
وكان السبب في ذلك أن نصراً رأى الفتنة قد ثارت فرفع حاصل بيت المال وأعطى الناس بعض أعطياتهم ورقاً وذهباً من الآنية التي كان اتخذها اللوليد، فطلب الناس منه العطاء وهو يخطب، فقال نصر: إياي والمعصية! عليكم بالطاعة والجماعة! فوثب أهل السوق إلى أسواقهم، فغضب نصر وقال: ما لكم عندي عطاء. ثم قال: كأني بكم وقد تبع من تحت أرجلكم شر لا يطاق، وكأني بكم مطرحين في الأسواق كالجزر المنحورة، إنه لم تطل ولاية رجل إلا ملوها، وأنتم يا أهل خراسان مسلحة في نحور العدو، فإياكم أن يختلف فيكم سفيان، وإنكمترشون أمراً تريدون به الفتنة، ولا أبقى الله عليكم! لقد نشرتكم وطيويتكم، وطويتكم ونشرتكم فما عندي منكم عشرة! وإني وإياكم كما قيل:
استمسكوا أصحابنا نحدو بكم ... فقد عرفنا خيركم وشركم
فاتقوا الله! فوالله لئن اختلف فيكم سفيان ليتمنيني أحكم أنه ينخلع من ماله وولده! يا أهل خراسان إنكم قد غمطتم الجماعة، وركنتم إلى الفرقة! ثم تمثل بقول النابغة الذبياني:
فإن يغلب شقاؤكم عليكم ... فإني في صلاحكم سعيت
وقدم على نصر عهده على خراسان من عبد الله بن عمر بن عبد العزيز، فقال الكرماني لأصحابه: الناس في فتنة فانظروا لأموركم رجلاً.
وإنما سمي الكرماني لأنه ولد بكرمان، واسمه جديع بن علي الأزدي المعني؛ فقالوا له: أنت لنا.
وقالت المضرية لنصر: إن الكرماني يفسد عليك الأمور فأرسل إله فاقتله أو أحبسه. قال: لا ولكن لي أولاد ذكرور وإناث فأزوج بني من بناته وبناتي من بينه. قالوا: لا قال: فأبعث إيه بمائة ألف درهم وهو بخيل ولا يعططي أصحابه شيئاً منها فيتفرقون عنه قالوا: لا، لا، هذه قوة له؛ ولم يزالوا به حتى قالوا له: إن الكرماني لو لم يقدر على السلطان والملك إلا بالنصرانية واليهودية لتنصر وتهود.
وكان نصر والكرماني متصافيينم، وكان الكرماني قد أحسن إلى نصر في ولاية أسد بن عبد الله، فلما ولي نصر عزل الكرماني عن الرياسة وولاها غيره، فتباعد ما بينهما.
فلما أكثروا على نصر في أمر الكرماني متصافيين، وكان الكرماني عزم على حبسه، فأرسل صاحب حرسه ليأتيه به، فأرادت الأزد أن تخلصه من يده، فمنعهم من ذلك وسار مع صاحب حرسه ليأتيه به، فأرادت الأزد أن تخلصه من يده، فمنعهم من ذلك وسار مع صاحب الحرس إلى نصر وهو يضحك، فلما دخل عليه قال له نصر: يا كرماني ألم يأتني كتاب يوسف بن عمر بقتلك فراجعته وقلت شيخ خراسان وفارسها فحقنت دمك؟ قال: بلى. قال: ألم أغرم عنك ما كان لزمك من الغرم وقسمته في أعطيات الناس؟ قال: بلى. قال: ألم ارئس ابنك عليا على كره من قومك؟قال: بلى. قال: فبدلت ذلك إجماعاً على الفتنة! قال الكرماني: لم يقل الأمير شيئاً إلا وقد كان أكثر منه، وأنا لذلك شاكر، وقد كان مني أيام أسد ما قد علمت فليتأن الأمير فلست أحب الفتنة. فقال سالم ابن أحوز: اضرب عنقه أيا الأمير! فقال عصمة بن عبد الله الأسدي للكرماني: إنك نريد التفنة وما لا تناله. فقال المقدام وقدامة ابنا بعد الرحمن بن نعيم العامري: لجلساء فرعون خير منكم ؟إذ قالوا: أرجه وأخاه الأعراف:111، والله لا يقتل المكرماني بقولكما! فأمر بضربه وحبس في القهندز لثلاث بقين من شهر رمضان سنة ست وعشرين ومائة.
فتكلمت الأزد، فقال نصر: إني حلفت أن أحبسه ولا يناله مني سوء، فإن خشيتم عليه فاختاروا رجلاً يكون معه. فاختناروا يزيد النحوي، فكان معه.
فجاء رجل من اهل نسف فقال لآل الكرماني: ما تجعلون لي إن أخرجته؟ قالوا: كل ما سألت. فأتى مجرى الماء في القهندز فوسعه وقال لولد الكرماني: اكتبوا إلى أبيكم يستعد الليلة للخروج. فكتبوا إليه، فأدخلوا الكتاب في الطعام، فتعشى الكرماني ويزيد التحوي وخضر بن حكيم وخرجا من عنده، ودخل الكرماني السرب فانطوت على بطنه حية فلم تضره وخرج من السرب، وركب فرسه البشير والقيد في رجله فأتوا به عبد الملك بن حرملة، فأطلق عنه.
وقيل: بل خلص الكرماني مولى له رأى خرقاً في القهندز فوسعه وأخرجه، فلم يصلف الصبح حتى اجتمع معه زهاء ألف، ولم يرتفع النهار حتى بلغوا ثلاثة آلاف، وكانت الأزد قد بايعوا عبد الملك بن حرملة على كتاب الله وسنة رسوله، فملا خرج الكرماني قدمه عبد الملك.
فلما هرب الكرماني عسكر نصر بباب مرو الروذ وخطب الناس فنال من الكرماني، فقال:ولد بكرمان فكان كرمانياً، ثم سقط إلى هراة فصار هروياً، والساقط بين الفراشين لا أصل ثابت ولا فرع نابت؛ ثم ذكر الأزد فقال: إن يستوسقوا فهم أذل قوم، وإن يأبوا فهم كا قال الأخطل:
ضفادع في ظلماء ليل تجاوبنت ... فدل عليها صوتها حية البحر
ثم ندم على ما فرط منه فقال: اذكروا الله فإنه حير لا شر فيه.
ثم اجمع إلى نصر بشر كثير، فوجه سالم بن أحوز في المجففة إلى الككرماني، فسفر الناس بين نصر والكرماني وسألوا نصراً أن يؤمنه ولا يحبسه، وجاء الكرماني فوضع يده في يد نصر، فأمره بلزوم بيه.
ثم بلغ الكرماني عن نصر شيء فخرج إلى قرية له، فخرج نصر فعسكر بباب مرو، فكلموه فيه فآمنه، وكان رأي نصؤ إخراجه من خراسان، فقال له سالم بن أحوز: إن أخرجته نوهت باسمه؛ وقال الناس: إنما أخرجه لأنه هابه. فقال نصر: إن الذي أتخوفه منه إذا خرج أيسر مما أتخوفه منه وهو مقيم، والرجل إذا نفي عن بلده صغر أمره. فأبوا عليه، فآمنه وأعطى أصحابه عشرة عشرة، وأتى الكرماني نصراً فآمنه.
لما عزل ابن جمهور عن العراق وولي عبد الله بن عمر بن عبد العزيز في شوال سنة ست وعشرين خطب نصر وذكر ابن جمهور وقال: قد علمت أنه لم يكن من عمال العراق وقد عزله الله واستعمل الطيب ابن الطيب.
فغضب الكرماني لابن جمهور وعاد في جمع الرجال واتخاذ السلاح، فكان يحضر الجمعة في ألف وخمسمائة وأكثر وأقل فيصلي خارج المقصورة، ثم يدخل فيسلم على نصر ولا يجلس. ثم ترك إتيان نصر وأظهر الخلاف، فأرسل إليه نصر مع سالم بن أحوز يقول له: إن والله أردت بحبسك سوءاً ولكن خفت فساداً من الناس فأتني. فقال: لولا أنك في منزلي لقتلتك، ارجع إلى ابن الأقطع وأبلغه ما شئت من خي أو شر. فرجع إلى نصر فأخبره، فلم يول يرسل إليه مرة بعد أخرى، فكان آخر ما قال له الكرماني: إني لا آمن أن يحملك قوم على غير ما تريد فتركب منا ما لا بقية بعده، فإن شئت خرجت عنك لا من هيبة لك، ولكن أكره أن أشأم أهل هذه البلدة،وأسفك الدماء فيها. فتهيأ للخروج إلى جرجان.
المعني بفتح الميم، وسكون العين المهلملة، وبعدها نون: قبيلة من الأزد.
ذكر خبر الحارث بن سريج وأمانهوفي هذه السنة أومن الحارث بن سريج وهو ببلاد الترك، وكان مقامه عندهم اثنتي عشرة سنة، وأمر بالعود إلى خراسان.
وكان السبب في ذلك أن الفتنة لما وقعت بخراسان بين نصر والكرماني خاف نصر قدوم الحارث عليه في أصحابه والترك فيكون أشد عليه من الكرماني وغيره، وطمع أن يناصحه، فأرسل مقاتل بن حيان النبطي وغيره ليردوه عن بلاد الترك. وسار خالد بن زياد الترمذي وخالد بن عمرو مولى بني عامر إلى يزيد بن الوليد فأخذا للحارث منه أماناً،فكتب له أمانه، وأمر نصر أن يرد عليه ما أخذ له، وأمر عبد الله بن عمر بن عبد العزيز عامل الكوفة بذلك أيضاً فأخذا الأمان وسارا إلى الكوفة ثم إلى خراسان، فأرسل نصر إليه، فلقيه الرسول وقد رجع مع مقاتل بن حيان وأصحابه، فوصل إلى نصر وقام بمرو الروذ، ورد نصر عليه ما أخذ له. وكان عوده سنة سبع وعشرين ومائة.
ذكر شيعة بني العباسفي هذه السنة وجه إبارهيم بن محمد الإمام أبا هاشم بكير بن ماهان إلى خراسان، وبعث معه بالسيرة والوصية، فقدم مرو وجمع النقباء والدعاة، فنعى إليهم محمد بن علي ودعاهم إلى ابنه إباهيم ودفع إليهم كتابه، فقلبوه ودفعوا إليه ما اجتمع عندهم من نفقات الشيعة، فقدم بها بكير على إبراهيم.
ذكر بيعة إبراهيم بن الوليد بالعهدوفي هذه السنة أمر يزيد بن الوليد بالبيعة لأخيه إبراهيم ومن بعده لعبد العزيز بن الحجاج بن عبد الملك. وكان السبب في ذلك أن يزيد مرض سنة ست وعشرين ومائة، فقيل له ليبايع لهما، ولم تزل القدرية ببزيد حتى أمر بالبيعة لهما.
ذكر مخالفة مروان بن محمدوفي هذه السنة أظهر مروان بن محمد الخلاف ليزيد بن الوليد.
وكان السبب في ذلك أن الوليد لما قتل كان عبد الملك بن مروان بن محمد مع الغمر يزيد أخي الوليد بحران بعد انصرافه من الصائفة، وكان على الجزيرة عبدة بن الرياح الغساني عاملاً للوليد، فلما قتل الوليد سار عبدة عنها إلى الشام، فوثب عبد الملك بن موران بن محمد على حران والجزيرة فضبطهما وكتب إلى أبيه بأرمينية يعلمه بذلك ويشير عليه بتعجيل السير.فتهيأ مروان للمسير وأنفذ إلى الثغور من يضبطها وبحفظها، وأظهر أن يطلب بدم الوليد، وسار ومعه الجنود ومعه ثابت بن نعيم الجذامي من أهل فلسطين.
وسبب صحبته له أن هشاماً كان قد حبسه، وسبب حبسه أن هشاماً أرسله إلى إفيقية لما قتلوا عامله كملثوم بن عياض فأفسد الجند، فحبسه هشام، وقدم مروان على هشام في بعض وفاداته فشفع فيه فأطلقه فاستصبحه معه.
فلما سار مروان مسيره هذا أمر ثابت بن نعيم من مع مروان من أهل الشام بالانضمام إليه ومفارقة مروان ليعودوا إلى الشام، فأجابوه إلى ذلك، فاجتمع معه ضعف من مع مروان وباتوا يتحارسون، فلما أصبحوا اصطفوا للقتال، فامر مروان منادين بنادون بين الصفين: يا أهل الشام ما دعاكم إلى هذا؟ ألم أحسن فيكم السيرة؟ فأجابوه بأنا كنا نطيعك بطاعة الخليفة، وقد قتل وبايع أهل الشام يزيد فرضينا بولاية ثابت ليسير بنا إلى أجنادنا. فنادوهم: كذبتم فإنكم لا تريدون ما قلتم، وإنما تريدون أن تغصبوا من مررتم به من أهل الذمة أموالهم! وما بيني وبينكم إلا السيف حتى تنقادوا إلي فأسير بكم إلى الغزاة ثم أترككم تلحقون بأجنادك. فانقادوا له، فأخذ ثابت بن نعيم وأولاده وحبسهم وضبط الجند حتى بلغ حران وسيرهم إلى الشام ودعا أهل الجزيرة إلى العرض فعرض نيفاً وعشرين أفاً وتجهز للمسير إلى يزيد، وكاتبه يزيد ليبايع له ويوليه ما كان عبد الملك بن موران ولى أباه محمد بن مروان من الجزيرة وأرمينية والموصل وأذربيجان، فبايع له مروان وأعطاه يزيد ولاية ما ذكر له .
ذكر وفاة يزيد بن الوليد
ابن عبد الملكوفي هذه السنة توفي يزيد بن الوليد لعشر بقين من ذي الحجة، وكانت خلافته ستة أشهر وليلتين، وقيلك كانت ستة أشهر واثني عشر يوماً، وقيل: خمسة أشهر واثني عشر يوماً، وكان موته بدمشق، وكان عمره ستاً وأربعين سنة، وقيل: سبعاً وثلاثين سنة؛ وكانت أمه أم ولد اسها شاهفرند بنت فيوز بن يزدجرد بن شهريار بن كسرى، وهو القائل:
أنا ابن كسرى وأبي مروان ... وقيصر جدي وجدي خاقان
إنما جعل قيصر وخاقان جديه لأن أم فيروز بن يزجرد ابنة كسرى شيرويه بن كسرى، وأمها ابنة قيصر، وأم شيرويه ابنة خاقان ملك الترك.
وكان آخر ما تكلم به: وحسرتاه وأسفاه! ونقش خاتمه: العظمة لله. وهو أول من خرج بالسلاح يوم العيد، خرج بين صفين عليهم السلاح.
قيل: إنه كان قدرياً، وكان أسمر طويلاً صغير الرأس جملاً.
ذكر خلافة إبراهيم بن الوليد بن عبد الملكفلما مات يزيد بن الوليد قام بالأمر بعده أخوه إبراهيم، غير أنه لم يتم له الأمر، فكان يسلم عليه تارة بالخلافة وتارة بالإمارة وتارة لا يسلم عليه بواحدة منهما، فمكث أربعة أشهر، وقيل: سبعين يوماً، ثم سار إليه مروان ابن محمد فخلعه، على ما نذكره، ثم لم يزل حياً حتى أصيب سنة اثنتين وثلاثين ومائة، وكنيته أبو إسحاق؛ أمه أم ولد.
ذكر استيلاء عبد الرحمن بن حبيب على أفريقيةكان عبد الرحمن بن أبي عبيدة بن عقبة بن نافع قد انهزم لما قتل أبوه وكلثوم بن عياض سنة اثنتين وعشرين ومائة، وسار إلى الاندلس، وقد ذكرناه، وأراد أن يتغلب عليها، فلم يمكنه ذلك، فلما ولي حنظلة بن صفوان إفريقية، على ما ذكرناه، وجه أبا الخطار إلى الأندلس أميراً، فأيس حينئذ عبد الرحمن مما كان يرجوه فعاد إلى إفريقية وهو خائف من أبي الخطار، وخرج بتوني من إفريقية في جمادى الولى سنة ست وعشرين وقد ولي الوليد ابن يززيد بن عبد الملك الخلافة بالشام، فدعا الناس إلى نفسه، فأجابوه، فسار بهم إلى القيروان، فأراد من بها قتاله فمنعهم حنظلة، وكان لا يرى القتال إلا لكافر أو خارجي، وأرسل إليه حنظلة رسالة مع جماعة من أعيان القيروان رؤساء القبائل يدعوه إلى مراجعة الطاعة، فقبضهم وأخذهم إلى القيروان وقال: إن رمى أحد من أهل القيروان بحجر قتلت من عندي أجمعين،فلم يقالتله أحد.
فخرج حنظلة إلى الشام، واستولى عبد الرحمن على القيروان سنة سبع وعشرين ومائة وسائر إفريقية.
ولمكا خرج حنظلة إلى الشام دعا على أهل إفريقية وعبد الرحمن، فاستجيب له فيهم، فوقع الوبأ والطاعون سبع سنين لم يفارقهم إلا في أوقات متفرقة، وثار بعبد الرحمن جماعة من العرب والبربر ثم قتل بعد ذلك.
فممن خرج عليه عروة بن الوليد الصدفي واستولى على تونس، وقام أبو عطاف عمران بن عطاف الأزدي فنزل بطيفاس، وثارت البرر بالجبال، وخرج عليه ثابت الصنهاجي بباجة فأخذها.
فأحضر عبد الرحمن أخاه إلياس وجعل معه ستمائة فارس وقال له: سر حتى تجتاز بعسكر أبي عطاف الأزدي، فإذا رآك عسكره فارقهم وسر عنهم كأنك تريد تونس إلى قتلا عروة بن الوليد بها، فإذا أتيت موضع كذا فقف فيه حتى يأتيك فلان بكتابي فافعل بما فيه.
فسار إلياس ودعا عبد الرحمن إنساناً، وهو الرجل الذي قال لأخيه إلياس عنه، وأعطاه كتاباً وقال له: امض حتى تدخل عسكر أبي عطاف، فإذا أشرف عليهم إلياس ورأيتهم يدهعون السلاح والحخيل فإذا فارقهم إلياس ووضعوا السلاح عنهم وأمنوا فسر إليه وأوصل كتابي إليه فمضى الرجل ودخل عسكر أبي عطاف، وقاربهم إلياس فتحركوا للركوب، ثم فارقهم إلياس نحو تونس فسكنوا وقالوا: قد دخل بين فكي أسد، نحن من هاهنا وأهل تونس من هناك، وأمنوا وصمموا العزم على المير خلفه. فلما أمنوا سار ذلك الرجل إلى إلياس فأوصل إليه كتاب أخيه عبد الرحمن، فإذا فيه: إن قد أمنوك فسر إليهم وهم في غفلتهم. فعاد إلياس إليهم وهم غارون فلم يلحقوا يلبسون سلاحهم حتى دهمهم فقتلهم وقتل أبا عطاف أميرهم سنة ثلاثين ومائة، وأرسل إلى أخيه عبد الرحمن يبشره بذلك، فكتب إليه عبد الرحمن يأمره بالمسير إلى أهل تونس ويقول: إنهم إذا رأوك ظنوك أبا عطاف فأمنوك فظفرت بهم.
فسار إليهم، فكان كما قال عبد الرحمن، ووصل إليها وصاحبها عروة ابن الوليد في الحمامفلم يلحق يلبس ثيابه حتى غشيه إلياس فالتحف بمنشفة ينشف بها بدنه وركب فريه عرياناً وهرب، فصاح به إلياس: سا فارس العر! فعاد إليه فضربه إلياس واحتضنه عروة فسقطا إلى الأرض،وكاد عروة يظهر على إلاس فأتاه مولى لإلياس فقتله واحتز رأسه وسيره إلى عبد الرحمن وأقام إلياس بتونس وخرج عليه رجلان بطرابلس اسمهما عبد الجبار والحارث وقتلا من أهل البلد جماعةً كثيرة، فسار إليهم عبد الرحمن سنة إحدى وثلاثين ومائة وقاتلهما فقتلا، وكانا يدينان بمذهب الإباضية من الخوارج.
وجند عبد الرحمن في قتال البربر، وعمر عبد الرحمن سور طرابلس سنى اثنتين وثلاثين ومائة، ثم إنه عاد إلى القيروان وغزا تلمسان وبها جمع كثير من البربر فظفر بهم، وذلك سنة خمس وثلاثين، وسير جيشاً إلى صقلية فظفروا وغنموا عنيمة كثيرة، وبعث جياً آخر إلى سردانية فغنموا وقتلوا في الروم، ودوخ المغرب جميعه ولم ينهزم له عسكر.
وقتل مروان بن محمد وزالت دولة بني أمية وعبد الرحمن بإفريقية، فخطب للخلفاء العابسيين وأطاع السفاح. ثم قدم عليه جماعة من بني أمية فتزوج هو وإخوته منهم، وكان في من قدم عليه منهم: العاص وعبد المؤمن ابنا الوليد ابن يزيد بن عبد الملك، وكانت ابنة عمهما تحت إلياس أخي عبد الرحمن، فبلغ عبد الرحمن عنهما السعي في الفساد عليه فقلهما، فقالت ابنة عمهما لزوجها إلياس: إن أخاك قد قتل أختانك ولم يراقبك فيهم وتهاون بك، وأنت سيفه الذي يضرب به، وكلما فتحت له فتحاً كتب إلى الخلفاء: إن ابني حبيباً فتحه، وقد جعل له العهد بعده وعزلك عنه. ولم تزل تغريه به. فتحرك لقولها وأعمل الحيلة على أخيه.
ثم إن السفاح توفي وولي الخلافة بعده المنصور، فأقر عبد الرحمن على إفريقية، وأرسل إليه خلعةً سوداء أول خلافته فلبسها، وهي أو سواد دخل إفريقية. فأرسل إليه عبد الرحمن هدية وكتب يقول: إن إفريقية اليوم إسلامية كلها وقد انقطع السبي منها والمال، فلا تطلب مني مالاً. فغضب المنصور وأرسل إليه يتهدده، فخلع المنصو بإفريقية ومزق خلعته وهو على المنبر وكان خلع المنصور مما أعان أخاه إلياس عليه. فاتفق جماعة من وجوه القيروان معه على أن يقتلوا عبد الرحمن ويولوه ويعيد الدعاء للمنصور. فبلغ عبد الرحمن غامر أخاه إلياس بالمسير إلى تونس، فتجهز ودخل إليه يودعه ومعه أخوه عبد الوارث، فلما دخلا على عبد الرحمن قتلاه. وكان قتله في ذي الحجة سنة سبع وثلاثين ومائة، وكانت إمارته على إفريقية عشر ينين وسبعة أشهر.
ولما قتل ضبط إلياس أبواب الدار ليأخذ ابنه حبيباً، فم يظفر به، وهرب حبيب إلى تونس واجتمع بعمه عمران بن حبيب وأخبره بقتل أبيه؛ وسار إلياس إليهما، واقتتلوا قتالاً يسيراً، ثم اصطلحوا على أن يكون لحبيب قفصة وقسطيلة ونفزاوة، ويكون لعمران تونس وصطفورة والجزيرة، ويكون سائر إفريقية لإلياس؛ وكان هذا الصلح سنة ثمان وثلاثين ومائة، فلما اصطلحوا سار حبيب بن عبد الرحمن إلى عمله، ومضى إلياس مع أخيه عمران إلى تونس فغدر بعمران أخيه وقتله وانخذ تونس وقتل بها حماعةً من أشراف العرب وعا إلى القيروان. فلما استقر بها بعث بطاعته إلى المنصور مع وفد، منهم عبد الرحمن بن زياد بن أنعم قاضي إفريقية.
ثم سار حبيب إلى تونس فملكها، فسار إليه إلياس واقتتلوا قتالاً ضعيفاً، فلما جنهم الليل ترك حبيب خيامه وسار جريدة إلى القيروان فدخلها وأخرج من في السجن وكثر جمعه.
ورجع إلياس في طلبه ففارقه أكثر أصحابه وقصدوا حبيباً، فعظم جيشه، وخرج إليه فاتقيا فغدر أصحاب إلياس، وبرز حبيب بين الصفين، فقال له: ما لنا نقتل صنائعنا وموالينا؟ ولكن ابرز أنت إلي فأينا قتل صاحبه استراح منه. فتوقف إلياس ثم برز إليه فاقتلا قتالاً شديداً تكسر فيه رمحاهما ثم سفاهما، ثم إن حبيباً عطف عليه فقتله ودخل القيروان وكان ذلك سنة ثمان وثلاثين ومائة.
وهرب إخوة إلياس إلى بطن من البربر يقال لهم ورفجومة فاعصموا بهم، فسار إليهم حبيب فقاتلهم فهزموه، فسار إلى قابس، وقوي أمر ورفجومة حينئذ وأقبلت البربر إليهم والخوارج، وكان مقدم ورفجومة رجلاً اسمه عاصم ابن جميل وكان قد ادعى النبوة والكهانة، فبدل الدين وزاد في الصلاة واسقط ذكر النبي، صلى الله عليه وسلم ، من الأذان، فجهز عاصم من عنده من العرب على قصد القيروان وأتاه رسل جماعة من أهل القيروان يدعونه إليهم وأخذوا عليه العهود والمواثيق بالحماية والصيانة والدعاء للمنصور، فسار إليهم عاصم في البربر والعب، فملا قاربوا القيوان خرج من بها لقتالهم فاقتتلوا، وانهزم أهل القيروان، ودخل عاصم ومن معه القيروان، فاستحلت ورفجومة المحرمات وسبوا النساء والصبيان وربطوا دوابهم في الجامع وأفسدوا فيه.
ثم سار عاصم يطلب حبيباً وهو بقابس فأدركه واقتتلوا، وانهزم حبيب إلى جبل أوراس فاحتمى به، وقام بنصره من به، ولحق به عاصم فالتقوا واقتتلوا، فانهزم عاصم وقتل وهو وأكثر أصحابه، وسار حبيب إلى القيروان، فخرج إليه عبد الملك بن أبي الجعد وقد قام بأمر ورفجومة بعد قتل عاصم، فاقتل هو وحبيب، فانهزم حبيب وقتل هو جماعة من أصحابه في المرحم سنة أربعين ومائة.
وكانت إمارة عبد الرحمن بن حبيب على إفريقية عشر سنين وأشهراً، وإمارة أخيه إلاس سنة وستة أشهر، وإمارة بنه حبيب ثلاث سنين.
ذكر إخراج ورفجومة من القيروانولما قتل حبيب بن عبد الرحمن عاد عبد الملك بن أبي الجعد إلى القيروان وفعل ما كان يفعله عاصم من الفساد والظلم وقلة الدين وغير ذلك، ففارق القيروان أهلها.
فاتفق أن رجلاً من الإباضية دخل القيروان الحجاةٍ له فرأى ناساً من الورفجومين قد أخذوا امرأة قهراً والناس ينظرون فأدخلوها الجامع، فترك الإباضي حاجته وقصد أبا الخطاب عبد الأعلى بن السمح المعافري فأعلمه ذلك، فخرج أبو الخطاب وهو يقول: بيتك اللهم بيتك!فاجتمع إليه أصحابه من كل مكان وقصدوا طرابلس الغرب، واجتمع عليه الناس من الإباضية والخوارج وغيرهم، وسير إليهم عبد الملك، مقدم ورفجومة، جيشاً فهزموه وساروا إلى القيروان، فخرجت إليهم ورفجومة واقتتلوا واشتد القتال، فانهزم أهل القيروان الذين مع ورفجومة وخذلوهم، فتبعهم ورفجومة في الهزيمة وكثر القتل فيهم وقتل عبد الملك الورفجومي، وتبعهم أبو الخطاب بقتلهم حتى أسرف فيهم، وعاد إلى طرابلس واستخلف على القيروان عبد الرحمن بن رستم الفارسي.
وكان قتل ورفجومة في صفر سنة إحدى وأربعين.
ثم أإن جماعة كثيرة من المسودة سيرهم محمد بن الأشعث الخزاعي، لأأمير مصر للمنصور،إلى طرابلس لقتال أبي الخطاب، وعليهم أبو الأحوص عمر بن الأحوص العجلي، فخرج إليهم أبو الخطاب وقاتلهم وهزمهم ينة اثنتين وأربعين، فعادوا إلى مصر، واستولى أبو الخطاب على سائر إفريقية. فسير إليه المنصور محمد بن الأشعث الخزاعي أميراً على إفريقية، فسار من مصر سنة ثلاث وأربعين فوصل إليها في خمسين ألفاً، ووجه مع الأغلب بن سالم التميمي، وبلغ أبا الخطاب مسيره فجمع أصحابه من كل ناحية، فكثر جمعه وخافه ابن الأشعث لكثرة جموعه.
فتنازعت زناته وهوارة بسبب قتيل من زناته، فاتهمت زناته أبا الخطاب بالميل إليهم، ففارقه جماعة منهم، فقوي جنان ابن الأشعث وسار سيراً رويداً، ثم أظهر أن المنصور قد أمره بالعود، وعاد إلى ورائه ثلاثة أيام سيراً بطيئاً، قوصلت عيون أبي الخطاب وأخبرته بعوده، فتفرق عنه كثير من أصحابه وأمن الباقون، فعاد الأشعث وشجعان هسكره مجداً فصبح أبا الخطاب وهو غير متأهب للحرب، فوضعوا السيوف في الخوارج، واشتد القتال، فقتل أبو الخطاب وعامة أصحابه في صفر سنة أربع وأربعين ومائة.
وظن ابن الأشعث أن مادة الخوارج قد انقطعت، وإذا هم قد أطل عليهم أبو هريرة الزناتي في ستة عشر ألفا، فلقيهم ابن الأشعث وقتلهم جمعاً سنة أربع وأربعين، وكتب إلى المنصور بظفره، ورتب الولاة في الأعمال كلها، وبني سور القيروان فيها، وتم سنة ست وأربعين، وضبط إفريقية، وأمعن في طلب كل من خالفه من البربر وغيرهم، فسير جيشاً إلى زويلة ووران،فافتتح وران وقتل من بها من الإباضية، وافتتح زويلة وقتل مقدمهم عبد الله بن سنان الإباضي وأجلى الباقين. فلما رأى البربر وغيرهم من أهل العبث والخلاف على الأمراء ذلك خافوه خوفاً شديداً وأذعنوا له بالطاعة. فثار عليه رجل من جنده يقال له هاشم بن الشاحج بقمونية وتبعه كث4ير من الجند، فسير إليه ابن الأشعث قائداً في عسكر ، فقتله هاشم وانهزم أصحابه، وجعل المضرية من قواد ابن الأشعث يأمرون أصحابهم باللحاق بهاشم كراهية لأبن الأشعث لأنه تعصب عليهم، فبعث إليهابن الأشعث جيشاً آخر، فاقتتلوا وانهزم هاشم ولحق بتاهرت وجمع اطغام البربر، فبلغت عدة عسكره عشرين ألفاً، فسار بهم إلى تهوذة، فسير إليه ابن الأشعث جيشاً فانهزم هاشم وقتلوا كثيراً من أصحابه البربر وغيرهم، فسار إلى ناحية كرابلس.
وقدم رسول من المنصور إلى هشام يلومه على مفارقة الطاعة، قال: ما خلفت ولكني دعوت للمهدي بعد أمير المؤمنين، وأنكر ابن الأشعث ذلك وأراد قتلي. فقال له لرسول: فإن كنت على الطاعة فمد عنقك. فضربه بالسيف فقتله سنة سبع وأربعين في صفر، وبذلك الأمان لأصحاب هاشم جميعهم فعادوا.
وتبعهم ابن الأشعث بعد ذلك فقتلهم، فغضب المضرية واجتمعت على داوته وخلافه، واسجتمع رأيهم على إخاجه. فملا رأى ذلك سار عنهم، ولقيته رسل المنصور بالبر والإكرام، فقدم عليه، واستعمل المضرسة على إفريقية بعده عيسى بن موسى الخراساني.
وكان بعد مسير ابن الأشعث تأمير الهخاساني ثلاثة أشهر، واستعمل المنصور الأغلب التميمي، على ما نذكره، في ربيع الأول سنة ثمان وأربعين ومائة وإنما أوردنا هذه الحوادث متتابعة لتعلق بعضها على ما شرطناه، وقد ذكرنا كل حادثة في أي سنة كانت فحصل الغرضان.
ذكر عدة حوادثفي هذه السنة عزل يزيد بن الوليد يوسف ين محمد بن يوسف عن المدينة واستعمل عبد العزيز بن عمرو بن عثمان، فقدمها في ذي القعدة من السنة. وحج بالناس عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز، وقيل: عمر بن عبد الله بن عبد الملك.
وكان العامل على العراق عبد الله بن عمر بن عبد العزيز، وعلى قضاء الكوفة ابن أبي ليلى، وعلى البصرة المسور بن عمر بن عباد، وعلى قضائها عامر بن عبيدة، وعلى خراسان نصر بن سيار الكناني.
وفيها كاتب مروان بن محمد بن مروان بن الحكم أمير الجزيرة الغمر ابن يزيد الغمر ابن يزيد بن عبد الملك يحثه على الطلب بدم أخيه الوليد ويعده المساعدة له وإنجاذه على ذلك.
وفيها مات سعيد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، وقيل: سنة سبع وعشرين وسعيد بن أبي سعيد المقبري. ومالك بن دينار الزاهد، وقيل مات سنة سبع وعشرين، وقيل سنة ستين. وفيها توفي عبد الرحمن بن القاسم ابنم محمد بن أبي بكر الصديق، وقيل سنة إحدى وثلاثين. وف إمارة يوسف ابن عمر على العراق توفي أبو جمرة الضبعي صاحب ابن عباس.
جمرة بالجيم والراء المهملة.
ثم دخلت سنة سبع وعشرين ومائة
ذكر مسير مروان إلى الشام
وخلع إبراهيموفي هذه السنة سار مروان إلى الشام لمحاربة إبراهيم بن الوليد.
وكان السبب في ذلك ما قد ذكرنا بعضه من مسير مروان بعد مقتل الوليد وإنكاره قتله وغلبته على الجزيرة ثم مبايتعته لزيد بن الوليد بعدما ولاه يزيد من عمل أبيه.
فلما مات يزيد بن الوليد سار مروان في جنود الجزيرة وخلف ابنه عبد الملك في جمع عظيم بالرقة، فلما انتهى مروان إلى قنسرين لقي بها بشر ابن الوليد، وكان ولاه يزيد قنسرين، ومعه أخوه مسرور بن الوليد، فتصافوا، ودعاهم مروان إلى بيعته، فمال إلية يزيد بن عمر بن هبيرة في القيسية واسلموا بشراً وأخاه مسروراً، فأخذهما مروان فحبسهما، وسار ومعه أهل قنسرين متوجها إلى حمص.
وكان أهل حمص قد امتنعوا حين مات ييد من بيعة إلبراهيم وعبد العزيز، فوجه ه إليهم إبراهيم بعد العزيز وجند أهل دمشق فحاصرهم في مدينتهم، وأسرع مروان السير، فلما دنا من حمص رحل عبد العزيز عنها وخرج أهلها إلى مروان فايعوه وساروا معه. ووجه إبرايهم بن الوليد الجنود من دمشق مع سليمان بن هشام، فنزل عين الجر في مائة وعشرين ألفاً، ونزلها مروان في ثمانين ألاً، فدعاهم مروان إلى الكف عن قتلاله وإكطلاق ابني الوليد الحكم وعثمان من السجن وضمن لهم أنه لا يطلب أحداً من قتلة الوليد. فلم يجيبوه وجدوا في قتاله، فاققتلوا ما بين ارتفاع النهار إلى العصر، وكثر القتل بينهم.
وكان مروان ذا رأي وكيدة، فأرسل ثلاثة آلاف فارس، فساروا خلف عسكره وقطعوا نهراً كان هناك وقصدوا عسكر إبراهيم ليغيروا فيه، فمل يشعر سليمان ومن معه وهم مشغلون بالقتال إلا بالخيل والبارقة والتكبير في عسكرهم من خلفهم، فلما رأوا ذلك انهزموا ووضع أهل حمص السلاح فيهم لحنقهم عليهم فقتلوا منهم سبعة عشر ألفاً، وكف أهل الجزيرة وأهل قنسرين عن قتلهم وأتوا مروان من أسرائهم بمثل القتلى واكثر، فأخذ مروان عليهمم البيعة الولدي الوليد وخلى عنهم ولم يقتل منهم إلا رجلين، أحدهما يزيد بن العقار والوليد بن مصاد الكلبيان، وكانا ممن وليب قتل الوليد، فإنه حبسهما فهلكا في حبسه. وهرب يزيد بن عبد الله القسري فيمن هرب مع سليمان إلى دمشق واجتمعاوا مع إباهيم وبعد العزيز بن الحجاج، فقال بعضهم لبعض: إن بقي ولدا الويد حتى يخرجهما مروان ويصير الأمر إليهما لم يستبقيا أحداً من قتله أبيهما والرأي قتلهما، فرأى ذلك يزيد بن خالد، لإأمر أبا الأسد مولى خالد يقتلهما، وأخرج يوسف بن عمر فضرب رقبته، وأرادوا قتل أبي محمد السفياني فدخل بيتاً من بيوت السجن وأغلقه فلم يقدروا على فتحه، فأرادوا إحراقه له يؤتوا بنار حتى قيل دخلت خيل مروان المدينة، فهربوا وهرب إبراهيم واختفى، وانهب سليمان ما في بيت المال فقسمه في أصحابه وخرج من المدينة.
ذكر بيعة مروان بن محمد بن مروانوفي هذه السنة بويع بدمشق لمروان بالخلافة.
وكان سبب ذلك أنه لما دخل دمشق وهرب إبراهيم بن الوليد وسليمان ثار من بدمشق من موالي الوليد دار عبد العزيز بن الحجاج بن عبد الملك فقتلوه ونبشوا قبر يزيد بن الوليد فصلبوه على باب الجابية، وأتي مروان بالغلامين الحكم وعثمان ابني الوليد نقتولين، وبيوسف بن عمر، فدفنهم، وأتي بأبي محمد السفياني في قوده فسلم عليه بالخلافة، ومروان يسلم عليه يومئذ بالإمرة، فقال له مروان: مه! فقال: إنهما جعلاها لك بعدهما؛ وأنشده شعراً قاله الحكم في السجن، وكانا بلغا وولد لأحدهما، وهو الحكم، فقال الحكم:
ألا من مبلغ مروان عين ... وعمي الغمر طال به حنينا
بأني قد ظلمت وصار قومي ... على قتل الوليد مشايعينا
أيذهب كلهم بدمي ومالي ... فلا غشا أصبت ولا سمينا
ومروان بأرض بني نزارٍ ... كليث4 الغاب مفترس عينا
أتنكث بيعتي من أجل أمي ... فقد بايعتم قبلي هجينا
فإن أهلك أنا وولي عهدي ... فمروان أمير المؤمنينا
ثم قال: اسط يدك أبايعك. وسمعه من مع مروان، وكان أول من بايعه معاوية بن يزيد بن حصين بن نمير ورؤوس أهل حمص والناس بعده، فلما استقر له الأمر رجع إلى منزله بحران وطلب منه الأمان لإبراهيم بن الوليد وسليمان بن هشام، فآمنهما، فقدما عليه، وكان سليمان بتدمر بمن معه من إخوته وأهل بيته ومواليه الذكوانية فبايعوا مروان بن محمد.
ذكر ظهور عبد الله بن معاوية
ابن عبد الله بن جعفروفي هذه السنة ظهر عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب بالكوفة ودعا إلى نفسه.
وكان سبب ذلك أنه قدم على عبد الله بن عمر بن عبد العزيز إلى الكوفة فأكرمه وأجازه وأجرى عليه وعلى إخوته كل يوم ثلاثمائة درهم، فكانوا كذلك حتى هلك يزيد بن الوليد، وبايع الناس أخاه إبراهيم بن الوليد وبعده عبد العزيز بن الحجاج بن عبد الملك، فلما بلغ خبر بيعتهما عبد الله بن عمر بالكوفة بايع الناس وزاد في العطاء وكتب بيعتهما إلى الآفاق، فجاءته البيعة، ثم بلغه امناع مروان بن محمد من البيعة ومسيره إليهما إلى الشام، فحبس عبد الله بن معاوية عنده وزاده فيما كان يجري عليه وأعده لمروان بن محمد إن هو ظفر بإبراهيم بن الوليد ليبايع له وقاتل به مروان، فماج الناس.
وورد مروان الشام بإبراهيم، فانهزم إسماعيل بن عبد الله القسري إلى الكوفة مسرعاً، وافتعل كتاباً على لسان إبراهيم بإمرة الكوفة، وجمع الميانية وأعلمهم ذلك، فأحابوه، وامتنع بعبد الله بن عمر عليه وقاتله.
فلما رأى الأمر كذلك خاف أن يظهر أمره فيفتضح وقتل فقال لأصحابه: إني أكره سفك الدماء فكفوا أيديكم، فكفوا. وظهر أمر إبراهيم وهربه، ووقعت العصبية بين الناس، وكان سبببها أن عبد الله بن عمر كان أعطى مضر وربيعة عطايا كثيرة ولم يعط جعفر بن نافع بن القعقاع بن شور الذهلي وعثمان بن الخببيري من تميم اللات بن ثعلبة شيئاً، وهما من ربيعة، فكانا مغضب لهما ثمامة بن حوشب بن رويم السيباني، وخرجوا من عند عبد الله بن عمرو هو بالحيرة إلى الكوفة فنادوا: ياآل ربيعة! فاجتمعت ربيعة وتنمروا.
وبلغ الخبر عبد الله بن عمر لإأرسل إليهم أخاه عاصماً، فأتاهم وهم بدير هند، فألقى نفسه بينهم وقال: هذه يدي لكم فاحكموا. فاستحيوا ورجعوا وعظموا عاصماً وشكروه، فلما كان المساء أرسل عبد الله بن عمر إلى عمر بن الغضبان بن القبعثرى بمائة ألف، فقسمها في قومه بين همام بن مرة بن ذهل السيباني، وإلى ثمامة بن حوشب بمائة ألف قسمها في قومه، وارسل إلى جعفر بن نافع بمال، وإلى عثمان الخبيري بمال.
فلما رأت الشيعة ضعف عبد الله بن عمر طمعوا فيه ودعوا إلى عبد الله بن معاوية واجتمعوا في المسجد وقاروا واتوا عبد الله بن معاوية وأخرجوه من داره وأدخلوه القصر ومنعوا عاصم بن عمر بن الغضبان، ومنصور ابن جمهور،وإسماعيل بن عد الله القسري أخو خالد، وأقام أياماً يبايعه الناس، وأتته البيعة من المدائن وفم النيل، واجتمع إليه الناس، فخرج إلى عبد الله بن عمر بالحيرة، فقيل لابن عمر: قد أقبل ابن معاوية في الخلق، فأكرق ملياً، وأناه رئيس خبازيه فأعلمه بإدراك الطعام، فأمره بإحضاره، فأحضره، فأكل هو ومن معه وهو غير مكترث والناس يتوقعون أن يهجم عليهم ابن معاوية، وفرغ من طعامه وأخرج المال ففرقه في قواده، ثم دعا مولى له كان يتبرك به ويتفاءل باسمه، كان اسمه إما ميموناً وغما رياحاً أو فتحاً أو اسما يتبرك به، فأعطاه اللواء وقال له: امض به إلى موضع كذا فاركزه وادع أصحابك وأقم حتى أتيك. ففعل.
وخرج عبد الله فإذا الأرض بيضاء من أصحاب ابن معاوية، فأمر ابن عمر منادياً فنادى: من جاء برأس فله خمسائة. فأتي برؤوس كثيرة وهو يعطي ما ضمن
وبز رجل من أهل السام، فبرز إليه القاسم بن عبد الغفار العجلي، فسأله الشامي فعرفه فقال: قد ظننت أنه لا يخرج إلي رجل من بكر بن وائل، والله ما أريد قتالك ولكن أحببت أن ألقي إليك حديثاً، أخبرك أنه ليس معكم رجل من أهل اليمن، لا إسماعيل ولا منصور ولا غيرهما إلا وقد كاتب ابن عمر وكاتبه مضر، وما أرى لكم باربيعة كتاباً ولا رسولاً، وأنا رحجل من قيس، فإن أردتم الكتاب ألغته ونحن غداً بإزائكم فإنهم اليوم لا يقاتلونكم. فبلغ الخبر ابن معاوية فأخبره عمر بن الغضبان، فأشار عليه أن يستوثق من إسماعيل ومنصور وغيرهما، فلم يفعل.
وأصبح الناس من الغد غادين على القتال، فحمل عمر بن الغضبان على ميمنة ابن عمر فانكشفوا، ومضى إسماعيل ومنصور من فورهما إلى الحيرة، فانهزم أصحاب ابن معاوية إلى الكوفة وابن معاوية معهم فدخلوا القصر، وبقي من بالميسرة من ربيعة ومضر ومن بازائهم من أصحاب ابن عمر، فقال لعمر بن الغضبان: ما كنا نأمن عليكم ما صنع الناس بكم، فانصرفوا. فقال ابن الغضبان: لا أبرح حتى أقتل. فأخذ أصحابه بعنان درابته فأدخلوه الكوفة، فما أمسوا قال لهم ابن معاوية: يا معشر ربيعة، قد رأيتم ما صنع الناس بنا، وقد أعلقنا دماءنا في أعناقكم، فإن قاتلتم قتالنا معكم، وإن كنتم ترون الناس يخذلوننا وإياكم فخذوا لنا ولكم أماناً فقال له عمر بن الغضبان: ما نقاتل معكم وما نأخذ لكم أماناً كما نأخذ لأنفسنا. فأقاموا في القصر والزيدية على أفواه السكك يقاتلون أصحاب ابن عمر أياماً.
ثم إن ربيعة أخذت أماناً لابن معاوية ولأنفسهم وللزيدية ليذهبوا حيث شاؤوا، وسار ابن معاوية من الكوفة فنزل المدائن، فأتاه قوم من أهل الكوفة، فخرج بهم فغلب على حلوان والجبال وهمذان وأصبهان والري، وخرج إليه عبيد أهل الكوفة. وكان شاعراً مجيداً، فمن قوله:
ولا تركبن الصنيع ال1ذي ... تلوم أخاك على مثله
ولا يعجبنك قول امرئ ... يخالف مكا قال في فعله
ذكر رجوع الحارث بن السريج إلى مرووفي هذه السنة رجع الحارث إلى مرو، وكان مقيماً عند المشركين مدة، وقد تقدم سبب عودة؛ وكان قدومه مرو في جمادى الآخرة سنة سبع وعشرين، فلقيه الناس بكشمهين، فلما لقيهم قال: ما قرت عبيني منذ خرجت إلى يومي هذا، وما قرة عبيني إلا أن يطاع الله. ولقيه نصر وأنزل وأجرى عليه كل يوم خمسين مرهماً، فكان يقتصر على لون واحد، وأطلق نصر أهله وأولاده، وعرض عليه نصر أن يوليه ويعطيه مائة ألف دينار، فلم يقبل وأرسل إلى نصر: إني لست من الدنيا واللذات في شيء، وإنما أسألك كتاب الله والعمل بالسنة، وأن تستعمل أهل الخير، فإن فعلت ساعدتك على عدوك.
وأرسل الحارث إلى الكرماني: إن أعطاني نصر العمل بالكتاب وما سالته عضدته وقمت بأمر الله، وإن لم يفعل أعنتك إن ضمنت الي ضمنت لي القيام بالعدل والسنة. ودعا بني تميم إلى نفسه، فأجابه منهم ومن غيرهم جمع كثير، واجتمع إليه ثلاثة آلاف، وقال لنصر: إنما خرجت من هذه البلدة منذ ثلاث عشرة سنة إنكاراً للجور وأنت تريديني عليه.
ذكر انتقاض أهل حمصوفي هذه السنة انتقض أهل حمص على مروان.
وكان سبب ذلك أن مروان لما عاد إلى حرآن بعد فراغه من أهل الشام أقام ثلاثة أشهر، فانتقض عليه أهل حمص، وكان الذي دعاهم إلى ذلك ثابت ابن نعيم وراسلهم، وأرسل أهل حمص إلى من بتدمر من مكلب فأتاهم الأصبغ بن ذؤالة الكلبي وأولاده ومعاوية السككي، وكان فارس أهل الشام، وغيرهما في نحو من ألف من فسانهم، فدخلوا ليلة الفطر، فجد مروان في السير إليه ومعه إبراهيم المخلوع وسلمان بن هشام، وكان قد آمنهما، وكان يكرمهما، فبلغهما بعد افطر بيومين وقد سد أهللها أبوابها، فأحدق بالمدينة ووقف بإزاء باب من أبوابها، فنادى مناديه الذين عند الباب: ما دعاكم إلى النكث؟ قالوا إنا على طاعتك لم ننكث. قال: فافتحوا الباب. فافتحوا الباب، فدخله عمر بن الوضاح في الوضاحية، وهم نحو من ثلاثة آلاف، فقالتلهم من في البلد، فكثرتهم خيل مروان، فخرج بها من بها من باب تدمر، فقاتلهم من عليه من أصحاب مروان فقتل عامة من خرج منه وأفلت الأصنع بن ذؤالة وابنه فرافصة، وقتل مروان جماعةً من أسرائهم، وصاب خمسائة من القتلى خحول المدينة، وهدم من سوها نحو غلوة.
وقيل: إن فتح حمص وهدم سورها كان في سنة ثمان وعشرين.
ذكر خلاف أهل الغوطةفي هذه السنة خالف أهل الغوطة وولوا عليهم يزيد بن خالد القسري وحصروا دمشق، وأميرهم زامل بن عمرو، فوجه إليهم مروان من حمص أبا الورد بن لكوثر بن زفر بن الحارث، وعمر بن الوضاح في عشرة آلاف، فلما دنوا من المدينة حملوا عليهم، وخرج عليهم، من بالمدينة، فانهزموا، واستباح أهل مروان عسكرهم وأحرقوا المزة وقرى من اليمانية، وأخذ يزيد بن خالد فقتل، وبعث زامل برأسه إلى مروان بحمص.
وممن قتل في هذه الحرب عمر بن هانئ العبسي مع يزيد، وكان عابداً ككثير المجاهة.
ذكر خلاف أهل فلسطينوفيها خرج ثابت بن نعيم بعد أهل حمص والغوطة، وكان خروجه في أهل فلسطين، وانتقض على مروان أيضاً وأتى طبرية فحاصرها وعليها الوليد ابن معاوية بن مروان بن الحكم ابن أخير عبد الملك، فقالتله أهلها أياماً.
فكتب مروان بن محمد إلى أبي الورد يأمره بالمسير إليهم،فما قرب منهم خرج أهل طبرية على ثابت فهزموه واستباحوا عسكره، وانصرف إلى فلسطين منهزماً، وتبعه أبو الورد فالتقوا واقتتلوا، فهزمه أبو الرود ثانية وتفرق أصحابه واسر ثلاثة من أولاده وبعث بهم إلى مروان، وتغيب ثابت وولده رفاعة.
واستعمل مروان على فلسطين الماحن بن عبد العزيز الكناني، فظفر بثابت وبعثه إلى مروان موثقاً بعد شهرين، فأمر به وبأولاده الثلاثة فقطعت لأيديهم وأرجلهم وحموا إلى دمشق فألقوا على باب المسجد، ثم صلبهم على أبواب دمشق.
وكان مروان بدير أيوب فبايع لابنيه عبيد الله وعبد الله وزوجهما ابنتي هشام بن عبد الملك وجمع كذلك بين أمية، واستقام له الشسام ما خلا تدمر، فسار إليها فنزل القسطل، وبينه وبين تدمر أيام، وكانوا قد عوروا المياه، فاستعمل المزاد والقرب والإبل، وكلمه الأبرش بن الوليد وسلميان ابن هشام وغيرهما وسألوه أن يرسل إلهم، فأذن لهم في ذلك، وسار الأبرش وخوفهم وحذرهم، فأجابوا إلى الطاعة، وهرب نفر منهم إلى البر ممن لم يثق بمروان، ورجع الأبرش إلى مروان ومعه من أطاع بعد أن هدم سورها.
وكان مروان قد سير يزيد بن عمر بن هبيرة بين يديه إلى العراق لقتال الضحاك الخارجي، وضرب على أهل الشام بعثاً وأمرهم باللحاق بيزيد، وسار مروان إلى الرضصافة، فاستأذنه سليمان بن هشام لقيم أياماً ليقوى من معه ويستريح ظهره. فأذن له؛ وتقدم مروان إلى قرقيسيا وبها ابن هبيرة ليقدمخ إلى الضحاك، فرجع عشرة آلاف ممن كان مروان قد أخذه من أهل الشام لقتال الضحاك، فأقاموا بالرصافة ودعوا سليمان إلى خلع مروان، فأجابهم.
ذكر خلع سليمان بن هشام
ابن عبد الملك مروان بن محمدوفي هذه السنة خلع سليمان بن هشام بن عبد الملك مروان بن محمد وحاربه.
وكان السبب في ذلك ما ذكرنا من قدوم الجنود عليه وتحسيتهم له خلع مروان، وقالوا له: أنت أرضى عند الناس من مروان وأولى بالخلافة. فأجابهم إلى ذلك وسار بإخوته ومواليه معهم فعسكر بقنسرين، وكانب أهل الشام، فاتوه من كل وجه، وبلغ الخبر مروان فرجع إليهمن قرقيسيا وكتب إلى ابن هبيرة يأمره بالمقام، واجتاز مروان في رجوعه بحصن الكامل وفيه جماعة من موالي سليمان وأولاد هشام فتحصنوا منه، فأرسل إليهم: إني أحذركم أت تعرضوا لأحد ممن يتبعين من جندي بأذى، فإن فعلتم فلا أمان لكم عندي. فأرسلوا إليه: إنا نستكف. ومضى مروان، فجعلوا يغيرون على من يتبعه من أخريات الناس، وبلغه ذلك فتغيظ عليهم.
واجتمع إلى سليمان نحو من سبعين ألفاً من أهل الشام والذكوانية وغيرهم، وعسكر بقرية خساف من أرض قنسرين، وأتاه مروان فواقعه عند وصوله، فاشتد بينهم القتال، وانهزم سليمان ومن معه، وابتعهم خيل مروان تقتل وتأسر، واستباحوا هعسكرهم، ووقف مروان موقفاً ووقف ابناه موقفين، ووقف كوثر صاحب شرطته موقفاً، وأمرهم أن لا يؤتوا بأسير إلا قتلوه إلا عبداً مملوكاً. فأحصي من قتلاهم يومئذ نيف على ثلاثين ألق قيل، وقتل إبراهيم بن سليمان وأكثر ولده، وخالد بن هشام المخزومي خال هشام ابن عبد الملك، وادعى كثير من الأسراء للجند أنهم عبيد، فكف عن قتلهم وأمر ببيعهم فيمن يزيد مع من أصيب من عسكرهم.
ومضى سليمان حتى أنتهى إلى حمص، وانضم إليه من أفلت ممن كان معه، فعسكر بها وبنى ما كان مروان أمر بهدمه من حيطانهم. وسار مروان إلى حصن الكامل حنقاً على من فيه فحصرهم وأنزلهم على حكمه، فمثل بهم وأخذهم أهل الرقة فداووا جراحاتهم، فهلك بعضهم وبقي أكثرهم، وكانت عدتهم نحواً من ثلاثمائة. ثم سار إلى سليمان ومن معه، فقال بعضهم لبعض: حتى متى نتهزم من مروان؟ فتبايع سبعمائة من فرسانهم على الموت وساروا بأجمعهم مجمعين على أن يبيتوه إن أصابوا منه غرة. وبلغه خبرهم فتحرز منهم فتحرز منهم وزحف إليهم في الخنادق على احتراس وتعبية، فلم يمكنهم أن يتبعوه، فكمنوا في زيتون على طريقه فخرجوا عليه وهويسير على تعبية فوضعوا السلاح فيمن معه، وانتدب لهم ونادى خيوله، فرجعت إليه، فقتلوه من لدن ارتفاع النهار إلى بعد العصر، وانهزم أصحاب سليمان، وقتل منهم نحو من ستة آلاف فلما بلغ سليمان هزيمتهم حخلف أخاه سعيداً بحمص إلى تدمر فأقام بها، ونزل مروان على حمص فحصر أهلها عشرة أشهر ونصب عليهم نيفاً وثمانين منجنيقاً يرمى بها الليل والنهار، وهم يخرجون إليه كل يوم فيقاتلونه، وربما بيتوا نواحي عسكره. فملا تتابع عليهم البلاء طلبوا الأمان على أن يمكنوه من سعيدبن هشام وابنيه عثمان ومروان ومن رجل كان يسمى السكسي كان يغير على عسكره ومن رجل حبشي كان يشتم مروان، وكان يشد في ذكره ذكر حمار ثم يقول: يا بني سليم يا أولاد كذا وكذا هذا لواؤكم. فأجابهم إلى ذلك، فاستوثق من سعيد وابنيه وقتل السكسكي وسلم الحبشي إلى بني سليم فقطعوا ذكره وأنفه ومثلوا به. فلما فرغ من حمص سارنحو الضحاك الخارجي.
وقيل: إن سليمان بن هشام لما انهزم بخساف أقبل هارباً حتى صار إلى عبد الله بن عمر بن عبد العزيز بالعراق فخرج معه إلى الضحاك فبايعه وحرض على مروان؛ فقال بعض شعرائهم:
ألم تر الله أظهر دينه ... وصلت قريش خلف بكر بن وائل
فلما رأى النضر بن سعيد الحرشي، وكان قد ولي العراق، على ما نذكره إن شاء الله، ذلك علم أنه لا طاقة له بعبد الله بن عمر، فسار إلى مروان، فلما كان بالقادسية خرج إليه ابن ملجان، خليفة الضحاك بالكوفة، فقاتله، فقتله النضر، واستعمل الضحاك على الكوفة المثنى بن عمران العائذي.
ثم سار الضحاك في ذي القعدة إلى الموصل، وأقبل ابن هبيرة حتى نزل بعين التمر، فسار إليه المثنى بن عمران فاتتلوا أياماً، فقتل المثنى وعدة من قواد الضحاك وانهزمت الخوارج ومعهم منصور بن جمهور وأتوا الكوفة فجمعوا من بها منهم وساروا نحو ابن هبيرة فلقوه، فقاتلهم أياماً وانهزمت الخوارج، وأتى ابن هبيرة إلى الككوفة وسار إلى واسط، ولما بلغ الضحاك ما لقي أصحابه أرسل عبيدة بن سوار التغلبي إليهم فنزل الصراة، فرجع ابن هبيرة إلهم فالتقوا بالصراة؛ وسيرد خبر خروج الضحاك بعدها إن شار الله تعالى.
الحرشي بفتح الحاء المهملة، وبالشين المعجمة.
ذكر خروج الضحاك محكماً
وفي هذه السنة خرج الضحاك بن قيس الشيباني محكماً ودخل الكوفة.
وكان سبب ذلك أن الوليد حين قتل خرج بالجزية حوري يقال له سعيد بن بهدل الشيباني في مائتي من أهل الجزيرة فيهم الضحاك، فاغتنم قتل الوليد واشتغال مروان بالشام فخرج بأرض كفرتوثا، وخرج بسطام البيهي، وهو مفارق لرأيه، في مثل عدتهم من ربيعة، فسار كل واحد منهما إلى صاحبه، فلما تقاربا أرسل سعيد بن بهدل الخيبري، وهو أحد قواده في مائة وخمسين فارساً، فأتاهم وهم غارون، فقتلوا فيهم وقتلوا بسطاماً وجميع من معه إلا أربعة عشر رجلاً، ثم مضى سعيد بن بهدل إلى العراق لما بلغه أن الاختلاف بها، فمات سعيد بن بهدل في الطريق واستخلف الضحاك بن قيس، فبايعه الشراة، فأتى أرض الموصل ثم شهرزو، واجتمعت إليه الصفرية حتى صار في أربعة آلاف.
وهلك يزيد بن الوليد وعامله على العراق عبد الله بن عمر بن عبد العزيز ومروان بالحيرة، فكتب مروان إلى النضر بن سعد الحرشي وهو أحد قواد ابن عمر بولاية العراق، فلم يسلم ابن عمر إليه العمل، فشخص النضر إلى الكوفة وبقي ابن عمر بالحيرة، فتحاربا أربعة أشهر، وأمد مروان النضر بابن الغزيل، واجتمعت المضرية مع النضر عصيبة لمروزان حيث طلب بدم الوليد، وكانت أم الوليد قيسية من مضر، وكان أهل اليمن مع ابن عمر عصيبة له حيث كانوا مع يزيد في قتل الوليد حين أسلم خالداً القسري إلى يوسف فقتله.فلما سمع الضحاك باختلافهم أقبل نحوهم وقصد العراق سنة سبع وعشرين، فأرسل ابن عمر إلى النضر: إن هذا لا يريد غيري وغيرك فهلم نجتمع عليه. فتعاقدا عليه واجتماعا بالكوفة وكان كل منهما يصلي بأصحابه. وأقبل الضحاك فنزل بالنخيلة في رجب واستراح، ثم اتعدوا للقتال يوم الخميس من غد يوم نزلوه فاقتتلوا قتالاً شديداً، فكشفوا ابن عمر وقتلوا أخاه عاصماً وجعفر ابن العابس الكندي أخا عبيد الله، ودخل ابن عمر خندقه وبقي الخوارج عليهم إلى الليل ثم انصرفوا ثم اقتتلوا يوم الجمعة، فانهزم أصحاب ابن عمر فدخلوا خنادقهم، فلما أصبحوا يوم السبت تسلل أصحابه نحو واسط ورأوا قوماً لم يروا أشد بأساً منهم.
وكان ممن لحق بواسط النضر بن سعيد الحرشي، وإسماعيل بن عبد الله القسري أخو خالد، ومنصور بن جمهور، والأصبغ بن ذؤالة، وغيرهم من الوجوه، وبقي ابن عمر فيمن عنده من أصحابه لم يبرح، فقال له أصحابه: قد هرب الناس فعلام تقيم؟ فبقي يومين لا يرى إلا هارباً، فرحل عند ذلك إلى واسط واستولى الضحاك على الكوفة ودخلها، ولم يأمنه عبيد الله بن العباس الكندي على نفسه فصار مع الضحاك وبايعه وصار في عسكره؛ فقال أبو عطاء السندي له يعيره باتباعه الضحاك وقد قتل أخاه:
فقل لعبيد الله لو كان جعفر ... هو الحي لم يجنح وأنت قتيل
ولم يتبع المراق والثار فيهم ... وفي كفه عضب الذباب صقيل
إلى معشر ردوا أخالك وأكفروا ... أباك فماذا بعد ذاك تقول
فلما بلغ عبيد الله هذا البيت من قول أبي عطاء قال: أقوةل عض بيظر أمك:
فلا وصلتك الرحم من ذي قرابة ... وطالب وتر والذليل ذليل
تركت أخا شيبان يسلب بزه ... ونجاك خوار العنان مطول
ووصل ابن عمر إلى واسط فنزل بدار الحجاج بن يوسف. وعادت الحرب بين عبد الله والنضر إلى ما كانت عليه قبل الضحاك إلى النضر يطلب أن يسلم إليه ابن عمر ولاية العراق بعهد مروان له، وابن عمر يمتنع، وسار الضحاك من الكوفة إلى واسط واستخلف ملجان الشيباني، ونزل الضحاك باب المضمار.
فلما رأى ذلك ابن عمر والنضر تركا الحر بينهما واتفقا على قتل الضحاك، فلم يزالوا على ذلك شعبان وشهر رمضان وشوال والقتال بينهم متواصل.
ثم إن منصور بن جمهور قال لابن عمر: ما رأيت مثل هؤلاء! فلم تحاربهم وتشغلهم عن مروان؟ أعطهم الرضا واجعلهم بينك وبين مروان فإنهم يرجعون عنا إليه ويوسعونه شراً،فإن ظفروا به كان ما أردت وكنت عندهم آمناً، وإن ظفر بهم وأردت خلافه وقتاله قاتلته وأنت مستريح. فقال ابن عمر: لا عجل حتى ننظر. فلحق بهم منصور، وناداهم: إني أريد أن أسلم وأسمع كلام الله وهي حجتهم؛ فدخل إليهم وبايعهم.
ثم إن عبد الله بن عمر بن العزيز خرج إليهم في شوال فصالحهم وبايع الضحاك ومعه سليمان بن هشام بن عبد الملك.
ذكر خلع أبي الخطار أمير الأندلس وإمارة ثوابةوفي هذه السنة خلع أهل الأندلس أبا الخطار الحسام بن ضرار أميرهم.
وسبب ذلك أنه لما قددم الأندلس أميراً أظهر العصبية لليمانية على المضربة، فاتفق ف بعض الأيام أنه اختصم رجل من كنانة ورجل من غسان، فاستعان الكناني بالصميل بن حاتم بن ذي الجوشن الضبابي، فكلم فيه أبا الخطار، فاسغلظ له أبو الخطار، فأجابه الصميل، فامر به فأقيم وضرب قفاه، فمالت عمامته، فملا خرج قيل له: نرى عمامتك مالت! فقال: إن كان لي قوم فسيقيمونها.
وكان الصميل من أشراف مضر، فلما دخل الأندلس مع بلج شرف فيها بنفسه وأوليته. فلما جرى له ما ذكرناه جمع قومه وأعلمهم، فقالوا له: نحن تبع لك. أريد أن أخرج أبا الخطار من الأندلس. فقال له بعض أصحابه: افعل واستعن بمن شئت ولا تسعن بأبي عطاء القيسي، وكان من أشراف قيس، وكان ينظر الصميل في الرياسة وبجسده. وقال له غيره: الرأي أنك تأتي أبا عطاء وتشد أمرك به فإنه تحركه الحمية وينصرك، وإن تركته مال إلى أبي الخطار وأعانه عليك ليبلغ فيك ما يريد، والرأي أيضاً أن تستعين عليه بأهل اليمن فضلاً عن معد.
ففعل ذلك وسار من ليلته إلى أبي عطاء، وكان يسكن مدينة إستجة، فعظمه أبو عطاء وسأله عن سبب قدومه، فاعلمه يكلمه حتى قام فركب فرسه ولبس سلاحه وقال له: انهض الآن حيث شئت فأنا معك، وأمر أهله وأصحابه باتباعه، فساروا إلى مرو، وبها ثوابة بن سلامة الحداني، وكان مطاعاً في قومه، وكان أبو الخطار قد اسعمله على إشبيليةوغيرها، ثم عزله ففسد عليه، فدعاه الصميل إلى نصره ووعده أنه إذا أخرجوا أبا الخطار صار أميراً، فاجاب إلى نصره ودعا قومه فإجابوه فساروا إلى شدونة.
وسار إيهم أبو الخطار من قرطبة واستخلف بها إنساناً، فالتقوا واقتتلوا في رجب من هذه السنة، وصبر الفريقان ثم وقعت الهزيمة على أبي الخطار وقتل أصحابه أشد قتل واسر أبو الخطار وكان بقرطبة أمية بنعبد الملك ابن قطن، فاخرج منها خليفة أبي الخطار وانتهت ما وجد لهما فيها.
ولما انهزم أبو الخطار سار ثوابة بن سلامة والصميل إلى قرطبة فملكاها، واستقر ثوابة في الإمارة فثار به عبد الرحمن بن حسان الكلبي وأخرج أبا الخطار من السجن، فاستجاش اليمانية، فاجتمع له خلق كثير، وأقبل بهم إلى قرطبة، وخرج إليه ثوابة فيمن معه من اليمانية والمضربة مع الصميل. فلما تقاتل الطائفتان نادى رجل من مضر: يا معشر اليمانية! ما بالك تتعرضون للحرب على أبي الخطار وقد جعلنا الأمير منكم؟ يعني ثوابة، فإنه من اليمن، وول أن الأمير منا لقد كنتم تعتذرون في قتالهم لنا، وما تقول هذا إلا تحرجاً من الدماء ورغبة في العافية للعامة. فملا سمع الناس كلامه قالا: صد والله، الأمير منا فلما بالنا نقالتل قومنا؟ فتركوا القتال وافترق الناس، فهرب أبو الخطار فلحق باجة، ورجع ثوابة إلى قرطبة، فسمي ذلك العسكر عسكر العافية
ذكر شيعة بني العباسفي هذه السنة توجه سليمان بن كثير ولا هز بن قريظ وقجطبة إلى مكة فلقوا إبارهيم بن محمد الإمام بها وأوصلوا إلى مولى له عشريمن ألف دينار ومائتي أف درهم وسمكاً ومتاعاً كثيراً، وكان معهم أبو سملم، فقال سليمان لإبراهيم: هذا مولاك.
وفيها كتب بكير بن ماهان إلى إبراهيم الإمام أنه في الموت وأنه قد استخلف أبا سلمة حفص بن سليمان، وهو رضى للأمر، فكتب إبراهيم لأبي سلمة يأمره بالقايم بأمر أصحابه وكتب إلى أهل خراسان يخبرهم أنه قد أسند أمرهم إليه، ومضى أبو سلمة إلى خراسان، فصدقوه وقبلةوا أمره ودفعوا إليه ما اجتمع عندهم من نفقات الشيعة وخمس أموالهم.
ذكر عدة حوادثوحج بالناس هذه السنة عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز، وهو عامل مروان علاى مكةوالمدينة والطائف، وكان العامل على العراق النضر بن الحرشي، وكان من أمره وأمر ابن عمر والضحاك الخارجي ما ذكرناه. وكان بخراسان نصر بن سيار، وبها من ينازعه فيها المركاني والحارث بن سريج.
وفيها مات سويد بن غفلة، وقيل سنة إحدى وثلاثين، وقيل سنة اثنتين وثلاثين، وعمره مائة وعشرون سنة، وعبد الكريم بن مالك الجزري، وقيل غير ذلك، وفيها مات أبو حصين عثمان بن حصين الأسدي الكوفي؛ حصين بفتح الححاء، وكسر الصاد.
وفيها مات أبو إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي الهمداني، وقيل سنتة ثمان وعشرين، وعمره مائة سنمة؛ السبيعي بفتح السين، وكسر الباء.
وفيها توفي عبد الله بن دينار، وقيل سنة ست وثلاثين. وفيها مات محمد ابن واسع الأزدي البصري، وكنيته أبو بكر. وداود بن أبي هند، واسم أبي هند يدينار مولى بني قشير أبو محمد. وفيها توفي أبو بحر عبد الله بن إسحاق مولى الخضر، وكان إماماً في النحو واللغة، تعلم ذلك من يحيى بن النعمان، وكان يعيب الفرزدق في شعره وينسبه إلى للحن، فهجاه الفرزدق يقول:
فلو كان عبد الله مولى هجوته ... ولكن عبد الله مولى موالياً
فقال له أبو عبد الله : لقد لحنت أيضاً في قولك موالياً، ينبغي أن تقول: مولى موالٍ
ثم دخلت سنة ثمان وعشرين ومائة
ذكر قتل الحارث سريج
وغلبه الكرماني على مروقد تقدم ذكر أمان يزيد بن الوليد للحارث بن سريج وعوده من بلاد المشركين إلى بلاد الإسلام وا كان وبين نصر من الاختلاف.
فلما ولي ابن هبيرة العراق كتب إلى نصر بعهده على خراسان فبايع لمروان بن محمد، فقال الحارث: إنما آمنتني يزيد ولم يؤمني مروان، ولا يجيز مروان أمان يزيد، فلا أمنه. فخاف نصراً.فأرسل إليه نصر يدعوه إلى الجماعة وينهاه عن الفرقة وإكماع العدو، فلم يجبه إلى ما أراد وخرج فعسكر، وأرسل إلى نصر: اجعل الأمر شورى، فأبى نصر، وأمر الحارث جهم بن صفوان، رأس الجهمية، وهو مولى راسب، أن يقرأ سيرته وما يدعوه إليه على الناس. فلما سمعوا ذلك كثروا وكثر جماع، وأرسل الحارث إلى نصر ليعزل سالم بن أحوز عن شرطته وبغير عماله ويقر الأمر بينهما أن يختاروا رجالاً يسمون لهم قوماً يعملون بكتاب الله، فاختار نصر مقاتل بن سليمان ومقاتل ابن حيان، واختار الحارث المغيرة بن شعبة الجهضمي ومعاذ بن جبلة، وأمر نصر كابه أن يكتب ما يرضي هؤلاء الأربعة من السنن وما يختارونه من العمال فيوليهم ثغر سمر قند وطخارستان، وكان الحارث يظهر أنه صاحب الرايات الود. فأرسل إليه نصر: إن كنت تزعم أنكم تهدمون سور دمشق وتزيلون ملك بني أمية فخذ مني خمسمائة رأس ومائتي بعير واحمل من الأموال ماشئت وآلة الحرب وسر، فلعمري لئن كنت صاحب ما ذكرت إني لفي يدك، وغن كنت لست ذلك فقد أهلكت عشيرتك.
فقال الحارث: قد علمت أن هذا حق ولكن لا يبايعني عليه من صحبني. فقال نصر: فقد ظهر أنهم ليسوا على رأيك، فاذكر الله في عشرين الفا من ربعة واليمن يهلكون فيما بينكم. وعرض عليه نصر أن يوليه ما وراء النهر ويعطيه ثلاثمائة ألف، فلم يقبل، فقال له نصر:فابدأ بالكرماني فإن قتلته فأنا في طاعتك. فلم يقبل.
ثم تراضيا بأن جكما جهم بن صفوان ومقاتل بن حيان، فحكما بأن يعتزل نصر وأن يكون الأمر شورى، فلم يقبل نصر. فخالفه الحارث واتهم نصر قوماً من أصحابه أنهم كاتبوا الحارث فاعتذروا إليه فقبل عذرهم.
وقدم عليه جمع من أهل خراسان حين سمعوا بالفتنة، منهم: عاصم بن عمير الصريمي، وأبو الذيال الناجي، ومسلم بن عبد الرحمن وغيرهم، وأمر الحارث أن تقرأ سيرته في الأسواق والمساجد وعلى باب نصر، فقرئت، فأتاه حلق كثير، وقرأها رجل على باب نصر، فضربه غلمان نصر، فنابذهم الحارث وتجهزوا للحرب، ودل رجل من أهل مرو الحارث على نقب في سورها،فمضى الحارث إليه فنقبه ودخل المدينة من ناحية باب بالين، فقاتلهم جهم ابن مسعود الناجي فقتل جهم وانهبوا منزل سالم بن أحوز وقتلوا من كان يحرس باب بالين، وذلك يوم الاثنين لليلتين بقيتا من جمادى الآخرة. وعدل الحارث في سكة السعد فرأى أعين مولى حيان، فقاتله فقتل أعين.
وكب سالم حين أصبح وأمر منادياً فنادى: من جاء برأس فله ثلاثمائة. فلم تطلع الشمس حتى انهزم وقاتلهم الليل كله، وأتى سالم عسك الحارث فقتل كاتبه، واسمه يزيد بن داوود، وقتل الرجل الذي دل الحارث على النقب.
وأرسل نصر إلى الكرماني فأتاه على عهد وعنده جماعة، فوقع بين سالم بن أحوز ومقدام بن نعيم كلام، فأغلظ كل واحد منهما لصاحبه، فأعان كل واحد منهما نفر من الحاضرين، فخاف الكرماني أن يكون مكراً من نصر فقام وتعلقوا به فلم يجلس وركب فرسه ورجع وقال: أراد نصر الغدر بي.
وأسر يومئذ جهم بن صفوان، وكان مع الكرماني، فقتل، وأرسل الحارث ابنه حاتماً إلى الكرماني، فقال له محمد بن المثنى: هما عدواك دعهما يضربان. فلما كان الغد ركب الكرماني إلى باب ميدان يزيد فقاتل أصحاب نصر، وأقبل الكرماني إلى باب حرب بن عامر ووجه أصحابه إلى نصر بوم الأربعاء فترموا ثم تحاجزوا، ولم يكن بينهم يوم الخميس قتال، والتقوا يوم الجمعة فانهزمت الأزد وصلوا إلى الكرماني، فأخذ الللواء بيده فقاتل به، وانهزم أصحاب نصر وأخذوا لهم ثمانين فرساً، وصرع تميم بن نصر وأخذوا له برذونين، وسقط سالم بن أحوز فحمل إلى عسكر نصر. فلما كان بعض. فلما كان بعض الليل خرج نصر من مرو، وقتل عصمة بن عبد الله الأسدي، فكان يحمي أصحاب نصر، واقتتلوا ثلاثة أيام، فانهزم أصحاب الكرماني في آخر يوم، وهم الأزدوربيعة، فنادى الخليل بن غزوان: يا معشر ربيعة واليمن قد دخل الحارث السوق وقتل ابن الأقطع! يعني بن سيار، ففت في أعضاد المضرية، وهم أصحاب نصر، فانهزموا، وترجل تميم بن نصر فقاتل.
فلما هزمت اليمانية مضراً أرسل الحارث إلى نصر: إن اليمانية يعيرونني بانهزامكم وأنا كاف، فاجعل حماة أصحابك بإزاء الكرماني. فأخذ عليه نصر العهود بذلك. وقدم على نصر عبد الحكيم بن سعد العودي وأبو جعفر عيسى ابن جرز من مكة، فقال نصر لعبد الحكيم العودي، وهم بطن من الأزد: أما ترى ما فعل سفهاء قومك؟ فقال: بل سفهاء قومك طالت ولايتها بولايتك وصيرت الولاية لقومك دون ربيعة واليمن فبطروا، وفي ربيعة واليمن علماء وسفهاء، فغلب السفهاء العلماء. فقال أبو جعفر عيس لنصر: أيها الأمير حسبك من الولاية وهذه الأمور، فإنه قد أظلك أمر عظيم، سيقوم رجل مجهول النسب يظهر السواد ويدعو إلى دولة تكون فيغلب على الأمر وأنتم تنظرون. فقال نصر: ما أشبه أن يكون كما تقول لقلة الوفاء وسء ذات البين! فقال: إن الحارث مقتول مصلوب، وما الكرماني من ذلك ببعيد.
فلما خرج نصر من مروغلب عليها الكرماني وخطب الناس فآمنهم وهدم الدور ونهب الأموال، فأنكر الحارث عليه ذلك، فهم الكرماني به ثم تركه.
واعتزل بشر بن جرموز الضبي في خمسة آلاف وقال للحارث: إنما قاتلت معك طلب العدل، فأما إذا أنت مع الكرماني فما تقاتل إلا ليقال غلب الحارث، وهؤلاء يقاتلون عصبيةً، فلست مقاتلاً معك، فنحن الفئة العادلة لا نقاتل إلا من يقاتلنا.
وأتى الحارث أتى السور فثلم فيه ثلمةً ودخل البلد، وأتى الكرماني يدعوه إلى أن يكون الأمر سورى، فأبى الكرماني، فانتقل الحارث عنه وأقاموا أياماً.
ثم إن الحارث أتى السور فثلم فيه ثلمةً ودخل البلد، وأتى الكرماني فاقتتلوا فاشتد القتال بينهم، فانهزم الحارث وقتلوا مابين اثلمة وعسكرهم والحارث على بغل، فانزل عنه وركب فرساً وبقي في مائة، فقتل عند شجرة زيتون أو غبيراء، وقتل أخوه سوادة وغيرهما.
وقيل: كان سبب قتله أن الكرماني خرج إلى بشر بن جرموز، الذي ذكرنا اعتزاله، ومعه الحارث بن سريج، فأقام الكرماني أياماً بينه وبين عسكر بشر فرسخان، ثم قرب منه ليقاتله، فندم الحارث على اتباع الكرماني وقال: لا تعجل إلى قتالهم فأنا أردهم عليك. فخرج في عشرةفوارس، فاتى عسكر بشر فأقام معهم، وخرج المضرية أصحاب الحارثمن عسكر الكرماني إليه، فلم يبق مع الكرماني مضري غير سلمة بن أبي عبد الله: فإنه قال: لم أر الحارث من عسكر الكرماني إليه، فلم يبق مع الكرماني مضري غي سلمة بن أبي عبد الله: فإنه قال: لم أر الحارث إلا غادراً. وغير المهلب بن إياس فإنه قال: لم أر الحارث قط إلا في خيل تطرد، فقاتلهم الكرماني مراراً يقتتلون ثم يرجعون إلى خنادقهم مرة لهؤلاء ومرة لهؤلاء.
ثم إن الحارث ارتحل بعد أيام فنقب سور مرو ودخلها وتبعه الكرماني فدخلها أيضاً، فقالت المضرية للحارث: تركنا الخنادق فهو يومنا وقد فررت غير مرة فترجل. فقال: أنا لكم فارساً خير مني لكم راجلاً. فقالوا: لا نرضى إلا أن تترجل، وترجل فاقتتلوا هم والكرماني، فقتل الحارث وأخوه وبشر بن جرموز وعدة من فرسان تميم وانهزم الباقون وصفت مرو لليمن،هدموا دور المضرية فقال نصر بن سيار للحارث حين قتل، شعر.
يا مدخل الذل على قومه ... بعداً وسحقاً لك من هالك
شؤمك أردى مضراً كلها ... وحز من قومك بالحارك
ما كانت الأزد وأشياعها ... تطمع في عمرو ولا مالك
ولا بني سعدٍ إذا ألجموا ... كل طمر لونه حالك
عمرو ومالك وسعد بطون من تميم. وقيلك بل قال هذه الأبيات نصر لعثمان بن صدقة وقالت أم كثير الضبية، شعر:
لابارك الله في أنثى وعذبها ... تزوجت مضرياً آخر الدهر
أبلغ رجال تميمٍ قول موجعةٍ ... أحللتموها بدار الذل والفقر
إن أنتم لم تكروا بعد جولتكم ... حتى تعبدوا رجال الأزد في الظهر
إني استحيت لكم من بعد طاعتكم ... هذا المزوني يجبيكم على قهر
ذكر شيعة بني العباسوفي هذه السنة وجه إبراهيم الإمام أبا مسلم الخراساني، واسمه عبد الرحمن بن مسلم، إلى خراسان، وعمره تسع عشرة سنة، وكتب إلى أصحابه: غني قد أمرته بأمري فاسمعوا له وأطيعوا، فإني قد أمرته على خراسان وما غلب عليه بعد ذلك. فأتاهم، فلم يقبلوا قوله وخرجوا من قابل فالتقوا بمكة عند إبراهيم، فأعلمه أبو سملم أنهم لم ينفذوا كتابه وأمره. فقال إبراهيم قد عرضت هذا الأمر على غير واحد وأبوه علي.
وكان قد عرضه على سليمان بن كثير، فقال: لا ألي على اثنين أبداً. ثم عرضه على إبراهيم بن سلمة فأبى، فأعلمهم أنه قد أجمع رأيه على أبي مسلم، وأمرهم بالسمع والطاعة له، ثم قال له: إنك رجل منا أهل البيت، احفظ وصيتي، انظر هذا الحي من اليمن فالزمهم واسكن بين أظهرهم، فإن الله لا يتم هذا الأمر إلا بهم، فاتهم ربيعة في أمرهم، وأما مضر فإنهم العدو القريب الدار، واقتل من شككت فيه، وإن استطعت أن لا تدع بخراسان من يتكلم بلعربية فافعل، وأيما غلام بلغ خمسة أشبار تتهمه فاقتله، ولا تخالف هذا الشيخ، يعني سليمان بن كثير، ولا تعصه، وإذا أشكل عليك أمر فاكتف به مني.
وسيرد من خبر أبي مسلم غير هذا إن شاء الله تعالى.
ذكر قتل الضحاك الخارجيقد ذكرنا محاصرة الضحاك بن قيس الخارجي عبد الله بن عمر بن عبد العزيز بواسط، فلما طال عليه الحصار أشير عليه بأن يدفعه عن نفسه إلى مروان، فارسل ابن عمر إليه: إن مقامكم على ليس يسيء، هذا مروان فسيروا إليه فإن قتلته فأنا معك. فصالحه وخرج إليه وصلى خلفه، فانصرف إلى الكوفة، وأقام ابن عمر بواسط، وكاتب أهل الموصل الضحاك ليقدم عليهم لمكنوه منها، فسار في جماعة من جنوده بعد عشرين شهراً حتى انتهى إليها، وعليها يومئذ لمروان رجل من بني شيبان يقال له القطران بن أكمة، ففتح أهل الموصل البلد، فدخله الضجحاك وقاتلهم القطران ومن معه من أهله وهم عدة يسيرة حتى قتلوا، واستولى الضحاك على الموصل وكورها.
وبلغ مروان خبره وهو محاصر حمص مشتغل بقتال أهلها، فكتب إلى ابنه عبد الله، وهو خليفته بالجزيرة، يأمره أن يسير إلى نصيبين في من معه يمنع الضحاك عن توسط الجزيرة، فسار إليها في سبعة آلاف أو ثمانية آلاف، وسار الضحاك إلى نصيبين فحصر عبد الله فيها، وكان مع الضحاك ما زيدي على مائة ألف، ووجه قائدين من قواده إلى الرقة في أربعة آلاف أو خمسة آلاف، فقاتله من بها، فوجه إلهيم مروان من رحلهم عنها ثم إن مروان سار إلى الضحاك فالتقوا بنواحي كفرتوثا من أعمال مارين فقاتله يومه أجمع فملا كان عند لمساء ترجل الضحاك ومعه من ذوي الثبات وأرباب البصائر نحو من ستة آلاف، ولم يعلم أكثر أهل عسكره بما كان، فأحدقت بهم خيول مروان وألحوا عليهم في القتال حتى قتلوهم عند العتمة، وانصرف من بقي من أصحاب الضحاك عند العتمة إلى عسكرهم ولم يعلموا بقتل الضحاك ولم يعلم به مروان أيضاً. وجاء بعض من عاينه إلى أصحابه فأخبرهم، فبكوا وناحوا عليه، وخرج قائد من قواده إلى مروان فأخبره، فأرسل معه النيران والشمع فطافوا عليه فوجدوه قتيلا وفي وجهه وفي رأسه أكثر من عشرين ضربة، فكبروا، فعرف عسكر الضحاك أنهم قد علموا بقتله، وبعث مروان رأسه إلى مدائن الجزيرة فطيف به فيها.
وقيل: إن الضحاك والخيبري إنما قتلا سنة تسع وعشرين.
ذكر قتل الخيبري وولاية شيبانولما قتل الضحاك أصبح أهل عسكره فبايعوا الخيبري واقاموا يومئذ وغادوه القتال من بعد الغد وصافوه وصافهم، وكان سليمان بن شهشام بن عبد الملك مع الخيبري، وكان قبله مع الضحاك. وقد ذكرنا سبب قدومه.
وقيل: بل قدم على الضحاك وهو بنصيبين في أكثر من ثلاثة آلاف من أهل بيته ومواليه، فتزوج أخت شيبان الحروري الذي بويع بعد قتل الخيبري، فحمل الخيبري على مروان في نحو من أربعمائة فارس من الشراة، فهزم مروان، وهو في القلب، وخرج مروان من العسكر منهزماً، ودخل الخيبري ومن معه عسكره ينادون بشعارهم ويقتلون من أدركوا حتى انتهوا إلى خيمة مروان نفسه فقطعوا أطنابها، وجلس الخيبري على فرشه. وميمنة مروان وعليها ابنه عبد الله ثابتة، وميسرته ثابتة، وعليها إسحاق بن مسلم العقيلي، فملا رأى أهل العسكر قلة من مع الخيبري ثار إليه عبيدهم بهمد الخيم فتلوا الخيبري وأصحابه جميعاً في خيمة مروان وحولها.
وبلغ مروان الخبر وقد جاز العسكر بخمسة أميال أو ستة منهزماً، فانصرف إلى عسكره ورد خيوله عن مواقعها وبات ليلته في عسكره، وانصرف أهل عسكر الخيبري فولوا عليهم شيبان وبايعوه، فقاتلهم مروان بعد ذلم بالكراديس وأبطل الصف منذ يومئذ
ذكر خبر أبي حمزة الخارجي مع طالب الحقكان اسم أبي حمزة الخارجي المختار بن عوف الأزدي السلمي البصري، وكان أول مرة أنه كان من الخوارج الإباضية، يوافي كل سنة مكة يدعو الناس إلى خلاف مروان بن محمد، فلم يزل كذلك حتى وافى عبد الله بن يحيى المعروف بطالب الحق في آخر سنة ثمان وعشرين، فقال له: يا رجل أسمع كلاماً حسناً وأراك تدعوا إلى حق، فانطلق معي فإني رجل مطاع في قومه.
فخرج حتى ورد حضرموت، فبايعه أو حمزة على الخلافة ودعا إلى خلاف مروان وآل مروان. وكان أبو حمزة اجتاز مرة بمعدن بني سليم، والعامل عليه كثير بن عبد الله ، فسمع كلام أبي حمزة فجلده أربعين سوطاً، فلما ملك أبو حمزة المدينة وافتتحها تغيب كثير حتى كان من أمرهما ما كان.
ذكر عدة حوادثفي هذه السنة سير مروان يزيد بن هبيرة إلى العراق لقتال من به من الخوارج في قول.
وحج بالناس في هذه السنة عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز، وهو عامل مكة والمدينة.
وكان بالعراق عمال الضحاك الخارجي وعبد الله بن عمر بن عبد العزيز، وعلى قضاء البصرة ثمامة بن عبد الله بن أنس، وبخراسان نصر بن سيار والفتنة بها قائمة.
وفيه مات عاصم بن أبي النجود صاحب القراءات. ويعقوب بت عتبة بن المغيرة بن الأخنس الثقفي المدني. وفيها توفي جابر بن يزيد الجعفي، وكان من غلاة الشيعة يقول بالرجعة..وفيها مات محمد بن مسلم بن تدروس أبو الزبير المكي. وجامع بن شداد. وأبو قبيل المعافري واسمه حيي بن هانئ المضرب؛ قبيل بفتح القاف، وكسر الباء الموحدة.
وسعيد بن مسروق الثوري والد سفيان، وكان ثقة في الحديث.
ثمم دخلت سنة تسع وعشرين ومائة
ذكر شيبان الحروري إلى أن قتلوهو شيبان بن عبد العزيز أبو الدلف اليشكري.
وكان سبب هلاكه أن الخوارج لما بايعوه يعد قتل الخيبري أقام يقاتل مروان، وتفرق عن شيبان كثير من أصحاب الطمع، فبقي في نحو أربعين ألفاً، فأشار عليهم سليمان بن هشام أن ينصرفوا إلى الموصل فيجعلوها ظهرهم، فارتحلوا وتبعهم مروان حتى انتهوا إلى الموصل، فعسكروا شرقي دجلة وعقدوا جسوراً عليها من عسكرهم إلى المدينة، فكانت ميرتهم ومرافقهم منها، وخندق مروان بإزائهم، وكان الخوارج قد نزلوا بالكار ومروان بخصة، وكان أهل الموصل يقاتلون مع الخوارج، فأقام مروان ستة أشهر يقاتلهلم، وقيل تسعة أشهر.
وأتي مروان بابن أخ لسليمان بن هشام يقال له أمية بن معاوية بن هشام، وكان مع عمه سليمان في عسكر شيبان أسيراً، فقطع يديه وضرب عنقه، وعمه ينظر إليه.
وكتب مروان إلى يزيد بن عمر بن هبيرة يأمره بالمسير من قرقيسيا بجميع من معه إلى العراق، وعلى الكوفة المثنى بن عمران العائذي، عائذة قريش، وهو خليفة للخوارج بالعراق، فلقي ابن هبيرة بعين التمر فاقتتلوا قتالاً شديداً وانصرفت الخوارج ثم اجتمعوا بالكوفة بالنخيلة، فهزمهم ابن هبيرة. ثم اجتمعوا بالبصرة، فأرسل سيبان إليهم عبيدة بن سوار في خيل عظيمة، فالتقوا بالبصرة، فانهزمت الخوارج وقتل عبيدة، واستباح ابن هبيرة عسكرهم فلم يكن لهم همة بالعراق، واستولى ابن هبيرة على العراق.
وكان منصور بن جمهور مع الخوارج فانهزم وغلب علا الماهين وعلى الجبل أجمع، وسار ابن هبيرة إلى واسط فأخذ ابن عمر فحبسه، ووجه نباتة بن حنظلة إلى سليمان بن حبيب، وهو على كور الأهواز، فسمع سليمان الخبر فأرسل إلى نباتة داو بن حاتم، فالتقوا بالمرتان على شاطئ دجيل، فانهزم الناس وقتل داود بن حاتم.
وكتب مروان إلى ابن هبيرة لما استولى على العراق يأمره بإرسال عامر بن ضبارة المي إليه فسيره في سبعة آلاف أو ثمانية آلاف، فبلغ شيبان خبره فأرسل الجون بن كلاب الخارجي في جمع، فلقوا عامراً بالسن فهزموه ومن معه، فجدخل السن وتحصن فيه، وجعل مروان يمده بالجنود على طريق البر حتى ينتهوا إلى السن، فكثر جمع عامر.
وكان منصور بن جمهور يمد شيبان من الجبل بالأموال، فلما كثر من مع عامر نهض إلى الجون والخوارج فقاتلهم فهزمهم، وقتل الجون، وسار ابن ضبارة مصعداً إلى الموصل.
فلما انتهى خبر قتل الجون إلى سيبان ومسير عامر نحوه كره أن يقيم بين العسكرين فارتحل بمن معه من الخوارج، وقدم عامر على مروان بالموصل، فسيره في جمع كثير في أثر شيبان، فإن أقام أقام، وإن سار سار، وأن لا يبداه قتال، فإن قاتله شيبان قاتله، وإن أمسك أمسك عنه، وإن ارتحل ابتعه. فكان على ذلك حتى مر على الجبل وخرج على بيضاء فارس وبها عبد الله بن معاوية بن حبيب بن حعفر في جموعكثيرة، فلم يتهيأ الأمر بينهما، فسار حتى نزل ججيرفت من كرمان، وأقبل عامر بن ضبارة حتى نزل بإزاء ابن معاوية أياماً، ثم ناهضه وقاتله، فانهزم ابن معاوية فلحق بهراة، وسار ابن ضبارة بمن معه فلقي شيبان بجيرفت فاقتلوا قتالاً شديداً فانهزمت الخوارج واستبيح عسكرهم، ومضى شيبان إلى سجستان فهلك بها، وذلك في سنة ثلاثين ومائة.
وقيل: بل كان قتال مروان وسيبان على الموصل مقدار شهر ثم انهزم شيبان حتى لحق بفارس وعامر بن ضبارة يتبعه، وسار شيبان إلى جزيرة ابن كاوان، ثم خرج منها إلى عمان، فقتله جلندى بن مسعود بن جيفر بن جلندي الأزدي سنة أربع وثلاثين ومائة؛ ونذكره هناك إن شاء الله تعالى. وركب سليمان ومن معه من أهله ومواليه السفن إلى السند.
ولما ولي السفاح الخلافة حضر عنده سليمان، فأكرمه وأعطاه يده فقلبها فلما رأى ذلك سديف مولى السفاح أقبل عليه وقال:
لا يغرنك ما ترى من رجال ... إن تحت الضلوع داءً دوياً
فضع السيف وارفع السوط حتى ... لا ترى فو ظهرها أموياً
فأقبل عليه سليمان، وقال: قتلتني أيها الشيخ! وقام السفاح فدخل، فأخذ سليمان فقتل.
وانصرف مروان بعد مسير شيبان عن الموصل إلى منزله بحران فأقام بها حتى سار إلى الزاب.
ذكر إظهار الدعوة العباسية بخراسانوفي هذه السنة شخص أبو سملم الخراساني من خراسان إلى إبراهيم الإمام، وكان يختلف منه إلى خراسان ويعود إليه.
فلما كانت هذه السنة كتب إبراهيم إلى أبي مسلم يستدعيه ليسأله عن أخبار الناس، فسار نحوه في النصف من مادى الآخرة مع سبعين نفساً من النقباء، فلما صاروا بالدنانقان من أرض خاسان عرض له كامل، فسأله عن مقصده، فقال: الحج، ثم خلا به أبو مسلم فدعاه فأجابه؛ ثم سار أبو مسلم إلى نسا، وعاملهم سليمان بن قيس السلمي لنصر بن سيار، فلما قرب منها ارسل الفضل بن سليمان الطوسي إلى أسيد بن عبد الله الخزاعي ليعلمه قدومه، فدخل قرية من قرى نسا فلقي رجلاً من الشيعة فسأله عن أسيد، فانتهره وقال له: إنه كان في هذه القرية شاً، سعى إلى العامل برجلين قيل إنهما داعيان؛ فأخذهما وأخذ الأحجم بن عبد الله وغيلان بن فضالة وغالب بن سعيد وهاجر ابن عثمان، فانصرف الفضل إلى أبي مسلم وأخبره، فتنكب الطريق، وأرسل طرخان الحمال يستدعي أسيداً ومن قدر عليه من الشيعة، فدعا له أسيداً، فأتاه، فسأله عن الأخبار، فقال: قدم الأزهر بن شعيب وعبد الملك بن سعد بكتب الإمام إليك فخلفا الكتب عندي وخرجا فأخذوا فلا أدري من سعى بهما. قال: فأين الكتب؟ فأتاه بها.
ثم سار حتى أتى قومس وعليها بن بديل العجلي، فأتاهم بيهس فقال: أينتريدون؟ قالوا: الحج، وأتاه هو بقومس كتاب إبراهيم الإمام إليه وإلى سليمان بن كثير يقول لأبي مسلم فيه: إني قد بعثت إليك براية النصر، فارجع من حيث لقيك كتابي ووجه إلي قحطبة بما معك يوافني به في الموسم.
فامصرف أبو مسلم إلى خراسان ووجه قحطبة إلى الإمام بما معه من الأموال والعروض، فلما كانوا بنيسابور عرض لهم صاحب المسلحة فسألهم عن حالهم، فقالوا: اردنا الحج فبلغنا عن الطريق شيء خفناه. فأمر المفضل بن السرقي السلمي بإزعاجهم، فخلا به أبو مسلم وعرض عليه أمرهم فأجابه، وأقام عندهم حتى ارتحلوا على مهل.
فقدم أبو مسلم مرو فدفه كتاب الإمام إلى سليمان بن كثير يأمره فيه بإظهار الدعوة، فنصبوا أبا مسلم وقالوا: رجل من أهل البيت، ودعوا إلى طاعة بني العباس، وأرسلوا إلى من قرب منهم أو بعد ممن أجابهم، فأمروه بإظهار أمرهم والدعاء إليهم.
فنزل أبو مسلم قرية من قرى مرو يقال لها فنين على أبي الحكم عيسى ابن أعين النقيب، ووجه منها أبا داود النقيب ومعه عمرو بن أعين إلى طخارستنا فما دون بلخ فأمرهما بإظهار الدعوة في شهر رمضان، وكان نزلوه في هذهالقرية في شعبان ووجه نصر بن صبيح التميمي وشريك إلى الطالقان. ووجه الجهم بن عطية إلى العلاء بن حريث بخوارزم بإظهار الدعوة في رمضان لخمس بقين منه، فإن أعجلهم عدوهم دون الوقت بالأذى والمكروه فقد حل لهم أن يدفعوا عن أنفسهم ويجردوا السيوف ويجاهدوا أعداء الله، ومن شغله منهم عدوهم عن الوقت فلا حرج عليهم أن يظهروا بعد الوقت.
ثم تحول أبو مسلم من عند أبي الحكم فنزل قرية سفيذنج، فنزل على سليمان بن كثير الخزاعي لليلتين خلتا من رمضان، والكرماني وسيبان يقاتلان نصر بن سيار، فبص ملمسم دعاته في الناس وأظهر أمره، فأتاه في ليلة واحدة أهل ستين قرية، فما كان ليلة الخميس لخمس بقين من رمضان من السنة عقد اللواء الذي بعث به الإمام الذي يدعى الظل على رمح طوله أربعة عشر ذراعاً، وعقد الراية التي بعث بها إليه، وهي التي تدعى السحاب، على رمح طوله ثلاثة عشر ذراعاً، وهو يتلو: " أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير " الحج:39، ولبسوا السواد هو وسليمان بن كثير وإخوة سليمان ومواليه ومن كان أجاب الدعوة من أهل سفيذنج، وأوقدوا النيران لليلتهم لسيعتهم من سكان ربع خرقا، وكانت علامتهم، فتجمعوا إليه حين أصبحوا معدين، وتأول الظل والسحاب أن السحاب يطبق الأرض وأن الأرض كما لا تخلو من الظل كذلك لا تخلو من خليفة عباسي إلى آخر الدهر.
وقدم على أبي مسلم الدعاة بمن أجاب الدعوة، فكان أول من قدم عليه أهل التقادم مع أبي الوضاح في تسعمائة راجل وأربعة فرسان، ومن أهل هرمز قره ججماعة، وقدم أهل التقادم مع أبي القاسم محرز بن إبراهيم الجوباني في ألف وثلاثمائة راجل وستة عشر فارساً، فيهم من الدعاة أبو العباس المروزي. فجعل أهل التقادم يكبرون من ناحيتهم ويجيبهم أهل التقادم بالتكبير، فدخلوا عسكر أبي مسلم بسفيذنج بعد ظهوره بيومين. وحصن أبو سملم حصن سفيذنج ورمه وسد دروبها.
فلما حضر عيد الفطر أمر أبو مسلم سليمان بن كثير أن يصلي به وبالشيعة، ونصب له منبراً بالعسكر، وأمره أن يبدأ بالصلاة قبل الخطبة بغير أذان ولا إقامة، وكان بنو أمية يبدأون بالخطبة قبل الصلاة وبالأذان والإقامة، وأمر أبو سملم أيضاً سليمان بن كثير بست تكبيرات تباعاً، ثم يقرأ ويركع بالسابعة ويكبر في الركعة الثانية خمس تكبيرات تباعاً، ثم يقرأ ويركع بالسادسة ويفتح الخطبة بالتكبير ثم يختمها بالقرآن.
وكان بنو أمية يكبرون في الولى أربع تكبيرات يوم العيد وفي الثانية ثلاث تكبيرات.
فلما قضى سليمان الصلاة انصرف أبو سملم والشيعة إلى طعام قد اعده لهم، فأكلوا مستبشرين.
وكان أبو مسلم وهو في الخندق إذا كتب ألى نصر بن سيار كتاباً يكتب: للأمير نصر، فلما قوي أبو مسلم بمن اجتمع إليه بدأ بنفسه، فكتب إلى نصر: أما بعد فإن الله تباركت أسماؤه عير أقواماً في القرآن فقال: " وأقسموا بالله جهد أيمانهم لن جاءهم نذير ليكونن أهدى من إحدى الأمم، فلما جاءهم نذير ما زادهم إلا نفوراً استكباراً في الأرض ومكر السيئ، ولا يحيق المرك السييء إلا بأهله، فهل ينظرون إلا سنة الأولين فلن تجد لسنة الله تبديلاً ولن تجد لسنة الله تحويلاً غافر:42 - 43.فتعاظم نصر الكتاب وكسر له إحدى عينيه وقال: هذا كتاب ما له جواب.
وكان من الأحداث وأبو مسلم بسفيذنج أن نصراً وجه مولى له يقال له يزيد لمحاربة أبي مسلم بعد ثمانية عشر شهراً من ظهوره، فوجه إليه أبو مسلم مالك بن لهيثم الخزاعي، فالتقوا بقرية ألين، فدعاهم مالك إلى الرضا من آل رسول الله، صلى الله عليه وسلم ، فاستكبروا عن ذلك، فقاتلهم مالك، وهو في نحو مائتين من أول النهار إلى العصر؛ وقدم على أبي مسلم صالح بن سليمان الضبي وإبراهيم بن زيد وزياد بن عيسى، فسيرهم إلى مالك، فقوي بهم، وكان قدومهم إليه مع العصر، فقال مولى نصر: إن تركنا هؤلاء الليلة أتتهم أمدادهم، فاحملوا على القوم. فحملوا عليهم، واشتد القتال، فحمل عبد الله الطائي على مولى نصر فأسره وانهزم أصحابه، فأرسل الطائي بأسيره إلى أبي مسلم ومعه رؤوس القتلى، فنصب الرؤوس وأحسن إلى يزيد مولى نصر وعالجه حتى اندمت جراحه، وقال له: إن شئت أن تقيم معنا فقد أرشدك الله، وإن كرهت فارجع إى مولاك سالماً وأعطنا عهد الله أنك لا تحاربنا ولا تكذب علينا وأن تقول فينا ما رأيت. فرجع إلى مولاه. وقال أبو سملم: إن هذا سيرد عنكم أهل الورع والصلاح فما نحن عندهم على الإسلام، وكذلك كان عندهم يرجفون عليهم بعبادة الأوثان واستحلال الدماء والأموال والفروج.
فملا قدم يزيد على نصر قال: لا مرحباً! فوالله ما ساتبقاك القوم إلا ليتخذوك حجة علينا. فقال: يزيد: هو والله ما ظننت، وقد استحلفوني أن لا أكذب عليهم، وأنا أقول: إنهم والله يصلون الصلاة لمواقيتها بأذان وإقامة، ويتلون القرآن، ويذكرون الله كثيراً، ويدعون إلى ولاية رسول الله، صلى الله عليه وسلم ، وما أحسب أمرهم إلا سعلو، ولولا أنك مولاي لما رجعت إليك ولأقمت معهم. فهذه أول حرب كانت بينهم.
وفي هذه السنة غلب خازم بن خزيمة على مرو الروذ وقتل عامل نصر بن سيار.
وكان سبب ذلك أنه لما أراد الخروج بمرو الروذ، وهو من شيعة بني العباس، منعه بنو تميم، فقال: إنما أنا رجل منكم أريد أن أغلب على مرو، فإن ظفرت فهي لكم، وإن قتلت فقد كفيتم أمري. فكفوا عنه، فعسكر بقرية يقال لها كنج رستاق، وقدم عليه من عند أبي مسلم النضر بن صيح، فلما أمسى خازم بيت أهل مرو فقتل بشر بن جعفر السعدي عامل نصر بن سيار عليها في أول ذي القعدة وبعث بالفتح إلى أبي مسلم مع ابنه خزيمة بن خازم.
وقد قيل في أمر أبي مسلم غير ما ذكرنا، والذي قيل: إن إبراهيم الإمام زوج أبا مسلم لما توجه إلى خراسان ابنة أبي النجم وساق عنه صداقها، وكتب إلى البقاء بالسمع والطاعة، وكان أبو مسلم من أهل خطرنية من سواد الكوفة، وكان قخهرماناً لإدريس بن معقل العجلي، فصار أمره ومنتهى ولائه لمحمد ابن علي، قم لابنه إبراهيم بن محمد، ثم للأئمة من ولد محمد، فقدم خراسان وهو حديث السن، فلم يقبله سليمان بن كثير وخاف أن لا يقوى على أمرهم فرد.
وكان أبو دواد خالد بن إبراهيم غائباً خلف نهر بلخ، فلما رجع إلى مرو أقرأوه كتاب الإمام إبراهيم، فسأل عن أبي مسلم، فأخبره أن سليمان بن كثير رده،فجمع النقباء وقال لهم: أتاكم كتاب الإمام فيمن بعثه إليكم فرددتموه، فما حجتكم؟ فقال سليمان: حداثة سنة وتخوفاً أن لا يقدر على هذا الأمر فخفنا على من دعونا وعلى أنفسنا. فقال: أو داود: هل فيكم أحد ينكر أن الله تعالى أبعث، صلى الله عليه وسلم، واصفاه وبعثه إلى جميع خلقه؟ وقالوا: لا. قال أفتشكون أن الله أنزل عليه كتابه فيه حلاله وحرامه وشرائعه وأنباؤه وأخبر بما كان قبله وبما يكون بعده؟ قالوا:لا. قال: أفتشكون أن الله قبضه إليه بعد أن أدى ما عليه من رسالة ربه؟ قالوا.لا. قال: أفتظنون أن العلم الذي أنزل إليه رفع معه أو خلفه؟ قالوا: بل خلفه؟ قالوا: بل خلفه. قال: أفتظنون خلفه عند غير عترته وأهل بيته الأقرب فالأقرب؟ قالوا: لا. قال: أفتشكون أن أهل هذا البيت معدن العلم وأصحاب ميراث رسول الله، صلى الله عليه وسلم، الذي علمه الله؟ قالوا: اللهم لا. قال: فأراكم قد شككتم في أمركم ورددتم عليهم علمهم، ولو لم يعلموا أن هذا الرجل الذي ينبغي له أن يقوم بأمرهم لم يبعثوه إليكم. وهو لا يتهم في نصرتهم وموالاتهم والقيام بحقهم.
فبعثوا إلى أبي مسلم فردوه من قومس بقول أبي دواد وولوه أمرهم وأطاعوه، فلم تزل في نفس أبي مسلم على سليمان بن كثير، ولم يزل يعرفها لأبي داود.
وبث الدعاة في أقطار خراسان، فدخل الناس أفواجاً وكثروا، وفشت الدعاة بخراسان كلها، وكتب إليه إبراهيم الإمام أن يوافيه في موسم سنة تسع وعشرين ليأمره بأمره في إظهار دعوته وأن يقدم معه قحطبة بن شبيب ويجمل إليه ما اجتمع عنده من الأموال. ففعل ذلك وسار في جماعة من النقباء والشيعة، فلقيه كتاب الإمام يأمره بالرجوع إلى خراسان وإظهار الدعوة بها؛ وذكر قريباً مما تقدم من تسيير المال مع قحطبة وأن قحطبة سار فنزل بنواحي جرجان، فاستدعى خالد بن برمك وأبا عون فقدما عليه ومعهما ما اجتمع عندهما من مال الشيعة، فأخذ منهما وسار نحو إبراهيم الإمام.
ذكر مقتل الكرمانيقد ذكرنا مقتل الحارث بن سريج وأن الكرماني قتله؛ ولما قتله خلصت له مرو وتنحى نصر عنها، فأرسل نصر إليه سالم بن أحوز في رابطته وفرسانه، فوجد يحيى بن نعيم الشيباني واقفاً في ألف رجل من ربيعة، ومحمد بن المثنى في سبعمائة من فرسان الأزد، وابن الحسن بن الشيخ في ألف من فتيانهم، والجرمي السعدي في ألف من أبناء اليمن. فقال سالم لمحمد بن المثنى: يا محمد قل لهذا الملاح ليخرج إلينا؛ يعني الكرماني. فقال محمد: يا ابن الفاعلة لأبي علي تقول هذا! واقتتلوا قتالاً شديداً، فانهزم سالم بن أحوز وقتل من أصحابه زيادة على مائة، ومن أصحاب الكرماني زيادة على عشرين.
فلما قدم أصحاب نصر عليه منهزمين قال له عصمة بن عبد الله الأسدي: يا نصر شأمت العرب! فأما إذ فعلت فشمر عن ساق. فوجه عصمة في جمع، فوقف موقف سالم فنادى يا محمد بن المثنى! لتعلمن أن السمك لا يأكل اللخم واللخم دابة من دواب الماء تشبه السبع يأكل السمك فقال له محمد: يا بن الفاعلة قف لنا إذاً! وأمر محمد السعدي، فخرج إليه في أهل اليمن فاقتلوا قتالاً شديداً، وانهزم عصمة حتى أنى نصراً وقد قتل من أصحابه أربعمائة.
ثم أرسل نصر مالك بن عمرو التميمي في اصحابه، فنادى: يابن المثنى ابز إلي! فبرز إليه، فضربه مالك على حبل عاتقه فلم يصنع شيئاً، وضربه محمد بعمود فشدخ رأسه، والتحم القتال فاقتتلوا قتالاً شديداً، وانهزم أصحاب نصر وقد قتل منهم سبعمائة، ومن أصحاب الكرماني ثلاثمائة، ولم يزل الشر بينهم حتى خرجوا إلى الخندقين فاقتتلوا قتالاً شديداً.
فلما استيقن أبو مسلم أن كلا الفريقين قد أثخن صاحبه وأنه لا مدد لهم جعل يكتب إلى سيبان ثم يقول للرسول: اجعل طريقك على مضر فإنهم سأخذون كتبك، فكانوا يأخذونها فيقرأون فيها: إني رأيت أهل اليمن لا وفاء لهم ولا خير فيهم فلا تثقن بهم ولا تطئن إليهم، فإني أرجو أن يريك الله في اليمانية ما تحب، ولئن بقيت لا أدع لها شرعاً ولا ظفراً. ويرسل رسولاً آخر بكتاب فيه ذكر مضر بمثل ذلك ويأمر الرسول أن يجعل طريقه على اليمانية، حتى صار هوى الفريقي معه، ثم جعل يكتب إلى نصر ابن سيار وإلى الكرماني: إن الإمام أوصاني بكم ولست أعدو رأيه فيكم. وكتب إلى الكور بإظهار الأمر؛ فكان أول من سود أسد بن عبد الله الخزاعي بنسا، ومقاتل بن حكيم، وابن غزوان، ونادوا: يا محمد! يا منصور! وسود أهل أبيورد وأهل مرو الزوذ وقرى مرو.
وأقبل أبو مسلم حتى نزل بين خندق الكرماني وخندق نصر، وهابه الفريقان، وبعث إلى الكرماني: إني معك. فقبل ذلك الكرماني، فانضم أبو مسلم إليه، فاشتد ذلك على نصر بن سيار، فأرسل إلى الكرماني، ويحك لا تغتر! فوالله إني لخائف عليك وعلى أصحابك منه، فادخل مرو ونكتب كتاباً بيننا بالصلح. وهو يريد أن يفرق بين وين أبي مسلم. فدخل الكرماني منزله، واقام أبو مسلم في العسكر، وخرج لنكتب بيننا ذلك الكتاب. فأبصر نصر منه غرة، فوجه إليه ابن الحارث بن سريج في نحو من ثلاثمائة فارس في الرحبة، فالتقوا بها طويلاً ثم إن لكرماني طعن في خاصرته فخر عن دابته وحماه أصحابه حتى جاءهم ما لا قبل لهم به، فقتل نصر ابن سيار الكرماني وصلبه وصلب معه سمكة.
وأقبل ابنه علي وقد جمع جمعاً كثير، فصار إلى أبي مسلم واستصحبه معه فقاتلوا نصر بن سيار حتى أخرجوه من دار الإمارة، فمال إلى بعض دور مرو وأقبل أبو مسلم حتى دخل مرو، وأتاه علي بن الكرماني وأعلمه أنه مع وسلم عليه بالإمرة وقال له: مرني بأمرك بإني مساعدك على ماتريد. فقال: أقم على ما أنت عليه حتى آمرك بأمري. ولما نزل أبو مسلم بين خندق الكرماني ونصر ورأى نصر قوته كتب إلى مروان بن محمد يعلمه حال أبي مسلم وخروجه وكثرة من معه، فإنه يدعوا إلى إبراهيم بن محمد،وكتب بأبيات، شعر:
أرى بين الرماد وميض نارٍ ... وأخشى أن يكون له ضرام
فإن الناس بالعودين تذكى ... وإن الحرب مبدأها كلام
فقلت من التعجب ليت شعري ... أأقاظ أمية أم نيام
نصر: أما صاحبكم فقد أعلمكم أنه لا نصر عنده. فكتب إلى يزيد بن عمر بن هبيرة يستمده، وكتب له بأبيات، شعر:
أبلغ يزيد وخير القول صدقه ... وقد تيقنت أن لا خير في الكذب
أن خراسان أرض قد رأيت بها ... بيضاً لو أفرج قد حدثت بالعجب
فراخ عامين إلا أنها كبرت ... لما يطرن وقد سربلن بالزغب
ألا تدارك بخيل الله معلمةً ... الهبن نيران حربٍ إيما لهب
فقال يزيد: لاتكثر فليس له عندي رجل.
فلما قرأ مروان كتاب نصر تصادف وصول كتابه وصول رسول لأبي مسلم إلى إبراهيم، وقد عاد من عند إبراهيم ومعه جواب أبي مسلم يلعنه إبراهيم ويسبه حيث لم ينتهز الفرصة من نصر والكرماني إذ أمكناه، ويأمر أن لا يدع بخراسان متكلماً بالعربية إلا قتله. فلما قرأ الكتاب كتب إلى عامله بالبلقاء ليسير إلى الحميمة وليأخذ إبراهيم بن محمد فيشده وثاقاً ويبعث به إلى، ففعل ذلك، فأخذه مروان وحبسه.
ذكر تعاقد أهل خراسان على أبي مسلموفي هذه السنة تعاقدت عامة قبائل العرب بخراسان على قتال أبي مسلم وفيها تحول أبو مسلم من معسكره بسفيذنج إلى الماخوان.
وكان سبب ذلك أن أبا مسلم لما ظهر أمره سارع إليه الناس، وجعل أهل مرو يأتونه ولا يعرض لهم نصر ولا يمنعهم، وكان الكرماني وشيبان لا يكرهان أمر أبي مسلم لأنه دعا إلى خلع مروان، وأبو مسلم في خباء ليس له حرس ولا حجاب، وعظم أمره عند الناس وقالوا: ظهر رجل من بني هشام له حلم ووقار وسكينة. فانطلق فتية من أهل مرو نساك يطلبون الفقه إلى أبي مسلم فسألوه عن نسبه، فقال: خيري حخير لكم من نسبي؛ وسألوه أشياء من الفقه فقال: أمركم بالمعروف ونهيكم عن المنكر خير لكم من هذا، ونحن إلى عونكم أحوج منا إلى مسألتكم فاعفونا.
فقالوا: ما نعرف لك نسباً ولا نظنك تبقى إلا قليلاً حتى تقتل، وما بينك وبين ذلك إلا أن يتفرع أحد هذين الأميرين. فقال أبو مسلم: أنا أقتلهما إن شاء الله. فأتوا نصراً فأخبروه، فقال: جزاكم الله خيراً، مثلكم من يفتقد هذا ويعرفه. وأتوا شيبان فأعلمه فأرسل إليه نصر: إنا قد أشجى بعضنا بعضاً، فأكفف عني حتى أقاتله، وإن شئت فجامعني إلى حربه حتى أقتله أو انفيه ثم نعود إلى أمرنا الذي نحن عليه. فهم شيبان أن يفعل ذلك، فأتى الخبر أبا مسلم، فكتب إلى علي بن الكرماني: إنك موتور قتل أبوك، ونحن تعلم أنك لست على راي شيبان، وإنما تقتل لثأرك. فامتنع شيبان من صلح نصر. فدخل على شيبان فثناه عن رأيه، فأرسل نصر إلى شيبان: إنك لمغرور، والله ليفاقمن هذا الأمر حتى يستصغرني في جنبه كل كبير؛ وقال شعراً يخاطب به ربيعة واليمن ويحثهم على الاتفاق معه على حرب أبي مسلم:
أبلغ ربيعة في مروٍ وفي يمنٍ ... أن اغضبوا قبل أن لا ينفع الغضب
ما بالكم تنشبون الحرب بينكم ... كأن أهل الحجى عن رأيكم غيب
وتتركون عدواً قد أحاط بكم ... ممن تأشب لا دين ولا حسب
لا عرب مثلكم في الناس نعرفهم ... ولا صريح موالٍ إن هم نسبوا
من كان يسألني عن أصل دينهم ... فإن دينهم أن تهلك العرب
قوم يقولون قولا ما سمعت به ... عن النبي ولا جاءت به الكتب
فبينا هم كذلك إذ بعث أبو مسلم النضر بن نعيم الضبي إلى هراة وعليها عيسى بن عقيل بن معقل الليثي، فطرده عنها، فقدم على نصر منهزماً وغلب النضر على هراة.
فقال يحيى بن نعيم بن هبيرة الشيباني لابن الكرماني وشيبان: اختاروا إما أنكم تهلكون أنتم قبل مضر أو مضر قبلكم. قالوا: وكيف ذلك؟ قال: إن هذا الرجل إنما ظهر أمره منذ شه وقد صار في عسكره مثل عسكركم. قالوا: فما الرأي؟ قال: صالحوا نصراً، فإنكم إن صالحتموه قاتلوا نصراً وتركوكم لأن الأمر في مضر، وإن لم تصالحوا نصراً صالحوه وقاتوكم، فقدموا مضر قبلكم ولو سعة من نهار فتقر أعينكم بقتلهم.
فأرسل شيبان إلى نصر يدعوه إلى الموادعة، فأجابه وأرسل سالم بن أحوز بكتاب الموادعة، فأتى شيبان وعنده ابن الكرماني: يا أعور! ما أخلقك أن تكون الأعور الذي يكون هلاك مضر على يده! ثم توادعوا سنة وكتبوا كتاباً.
فبلغ ذلك أبا مسلم فكتب إلى شيبان: إنا نوادعك أشهراً فوادعنا ثلاثة أشهر. فقال ابن الكرماني: إني ما صالحت نصراً إنما صالحه شيبان، وأنا لذلك كاره، وأنا موتور بقتله أبي ولا أدع قتاله. فعاود القتال، ولم تعنه شيبان وقال: لا يحل الغدر.
فأرسل ابن الكرماني إلى أبي مسلم يستنصره، فأقبل حتى نزل الماخوان، وكان مقامه بسفيذنج اثنين وأربعين يوماً، ولما نزل الماخوان حفر بها خندقاً وجعل للخندق بابين فعسكر به، واستعمل على الشرط أبا نصر مالك بن الهيثم، وعلى الحرس أبا إسحاق خالد بن عثمان، وعلى ديوان الجند كامل ابن مظفر أبا صالح، وعلى الرسائل أسلم بن صبيح، وعلى القضاء قاسم ابن مجاشع النقيب، وكان القاسم يصلي بأبي مسلم فيقص القصص بعد العصر فيذكر فضل بني هاشم ومعايب بني أمية.
ولما نزل أبو مسلم الماخوان أرسل إلى ابن الكرماني: إني معك على نصر. فقال ابن الكرماني: إني أحب أن يلقاني أبو مسلم. فأتاه أبو مسلم فأقام غنده يومين ثم رجع إلى الماخوان، وذلك لخمس خلون من المحرم سنة ثلاثين ومائة.
وكان أول عامل استعمله أبو مسلم على شيء من العمل داود بن كرار، فرد أبو مسلم العبيد عنه واحتفر لهم خندقاً في قرية شوال وولى الخندق داود بن كرار، فلما اجتمعت للعبيد جماعة وجههم إلى موسى بن كعب بأبيورد.
وأمر أبو مسلم كامل بن مظفر أن يعرض الجند ويكتب أسمائهم وأسماء آبائهم ونسبتهم إلى القرى، ويجعل ذلك في دفتر، فبلغت عدتهم سبعة آلاف رجل، ثم إن القبائل من ربيعة ومضر واليمن توادعوا على وضع الحرب وأن تجتمع كلمتهم على محربة أبي مسلم. وبلغ أبا مسلم الخبر معظم عليه وناظر فإذا الماخوان سافلة الماء، فتخوف أن يقطع نصر عنه الماء فتحول إلى آلين، وكان مقامه بالماخوان أربعة أشهر، فنزل آلين وخندق بها.
وعسكر نصر بن سيار على نهر عياض، وجعل عاصم بن عمرو ببلاش جرد، وأبا الذيال بطوسان، فأنزل أبو الذيال جنده على أهلها، وكان عامة أهلها مع أبي مسلم في الخندق، فآذوا أهل طوسان وعسفوهم وسير إليهم أبو مسلم جنداً، فلقوا أبا الذيال فهزموه وأسروا من أصحابه نحواً من ثلاثين رجلاً، فكساهم أبو مسلم وداوى جراحهم وأطلقهم.
ولما استقر بأبي مسلم معسكره بآلين أمر محرز بن إبراهيم أن يسير في جماعة ويخندق بجيرنج ويجتمع عنده جمع من الشيعة ليقطع مادة نصر من مرو الروذ وبلخ وطخارستان، ففعل ذلك، واجتمع عنده نحو من ألف رجل، فقطع المادة عن نصر.
ذكر غلبة عبد الله بن معاوية على فارس وقتلهوفي هذه السنة غلب عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعقر على فارس وكورها، وقد تقدم ذكر ظهوره بالكوفة وانهزامه وخروجه من الكوفة نحو المدائن.
فلما وصل إليها أتاه ناس من أهل الكوفة وغيرها، فسار إلى الجبال وغلب عليها وعلى حلوان وقومس وأصبهان والري، وخرج إليه عبيد أهل الكوفة وأقام بأصبهان.
وكان محرب بن موسى مولى بني يشكرعظيم القدر بفارس، فجاء إلى دار الإمارة بإصطخر فطرد عامل بن عمر عنها وبايع الناس لعبد الله بن معاوية،وخرج محارب إلى كرمان فأغار عليها، وانضم إلى محارب قواد من أهل الشام، فسار إلى مسلم بن المسيب، وهو عامل ابن عمر بشيراز، فقتله في سنة ثمان وعشرين، ثم خرج محارب إلى اصبهان إلى عبد الله بن معاوية فحوله إلى اصطخر، فأقام بها، وأتاه الناس بنو هاشم وغيرهم، وجبا المال وبعث العمال، وكان معه منصور بن جمهوروسليمان بن هشام بن عبد الملك، وأتاه شيبان بن عبد العزيز الخارجي، على ما تقدم، وأتاه أبو جعفر المنصور، وأتاه عبد الله وعيسى ابنا علي بن عبد الله بن عباس.
ولما قدم ابن هبيرة على العراق أرسل نباتة بن حنظلة الكلابي إلى عبد الله ابن معاوية، وبلغ سليمان ابن حبيب أن ابن هبيرة استعمل نبلتة على الأهواز فسرح داود بن حاتم، فأقام بكرخ دينار يمنع نباتة من الأهواز، فقاتله فقتل داود وهرب سليمان من الأهواز إلى سابور، وفيها الأكراد قد غلبوا عليها، فقاتلهم سليمان وطردهم عن سابور وكتب إلى ابن معاوية بالبيعة.
ثم إن محارب بن موسى اليشكري نافر ابن معاوية وفارقه وجمع جمعاً فأتى سابور فقاتله يزيد بن معاوية أخو عبد الله، فانهزم محارب وأتى كرمان فأقام بها حتى قدم محمد بن الأشعث فصار معه، ثم نافره فقتله ابن الأشعث وأربعة وعشرين ابناً له، ولم يزل عبد الله بن معاوية باصطخرحتى أتاه ابن ضبارة مع داود بن يزيد بن عمر بن هبيرة، وسير ابن هبيرة أيضاً معن بن زائدة من وجه آخر، فقاتلهم معن عند مرو شاذان؛ ومعن يقول:
ليس أمير القوم بالخب الخدع ... فر من الموت وفي الموت وقع
وانهزم ابن معاوية فكف معن عنهم، وقتل في المعركة رجل من آل أبي لهب، وكان يقال: يقتل رجل من بني هاشم بمرو الشاذان، وأسروا أسرى كثيرة، فقتل ابن ضبارة منهم عدة كثيرة، وهرب منصور بن جمهور إلى السند، وعبد الرحمن بن يزيد إلى عمان، وعمرو بن سهل بن عبد العزيز بن مروان إلى مصر،وبعث ببقية الأسرى إلى ابن هبيرة فأطلقهم، ومضى ابن معاوية إلى خراسان. فسار معن بن زائدة يطلب منصور بن جمهور فلم يدركه، فرجع.
وكان ابن معاوية من الخوارج وغيرهم خلق كثير، فأسر منهم أربعون ألفاً، فيهم: عبد الله بن علب بن عبد الله بن عباس، فسبه ابن ضبارة وقال له: ما جاء بك إلى ابن معاوية وقد عرفت خلافة لأمير المؤمنين؟ فقال: كان علي دين فأتيته. فسفع فيه حرب بن قطن الهلالي وقال: هو ابن أختنا، فوهبه له.
فعاب عبد الله بن معاوية ورمى أصحابه باللواط، فسبره ابن ضبارة إلى ابن هبيرة ليخبره أخبار ابن معاوية، وسار في طلب عبد الله بن معاوية إلى شيراز فحصره، فخرج عبد الله بن معاوية منها هارباً ومعه أخواه الحسن ويزيد ابنا معاوية وجماعة من أصحابه، وسلك المفازة على كومان، وقصد خراسان طمعاً في أبي مسلم لأنه يدعو إلى الرضاء من آل محمد وقد استولى على خراسان، فوصل إلى نواحي هراة وعليها أبو نصر مالك بن الهيثم الخزاعي، فأرسل إلى ابن معاوية يسأله عن قدومه، فقال: بلغني أنكم تدعون إلى الرضاء من آل محمد فأتيتكم. فأرسل إليه مالك: انتسب نعرفك. فانتسب له، فقال: أما عبد الله وجعفر فمن أسماء آل رسول الله، صلى الله عليه وسلم ، وأما معاوية فلا نعرفة في أسمائهم، فقال: إن جدي كان عند معاوية لما ولد له أبي، فطلب إليه أن يسمي إبنه باسمه ففعل، فأرسل إليه معاوية بمائة ألف درهم. فأرسل إليه مالك: لقد اشتريتم الإسم الخبيث بالثمن اليسير ولا نرى لك حقاً فيما تدعو إليه. ثم أرسل إلى أبي مسلم يعرفه خبره، فأمره بالقبض عليه وعلى من معه، فقبض عليهم وحبسهم، ثم ورد عليه كتاب أبي مسلم يأمره بإطلاق الحسن ويزيد ابني معاوية وقتل هبد الله بن معاوية، فأمر من وضع فراشاً على وجهه فمات، فأخرج فصلي عليه ودفن؛ وفبره بهراة معروف يزار، رحمه الله.
ذكر أبي حمزة الخارجي وطالب الحق
وفي هذه السنة قدم أبو حمزة وبلج بن عقبة الأزدي الخارجي من الحج من فبل عبد الله بن يحيى الحضرمي طالب الحق محكماً للخلاف على مروان بن محمد، فبينما الناس بعرفة ما شعروا إلا وقد طلعت عليهم أعلام وعمائم سود على رؤوس الرماح وهم سبعمائة، ففزع الناس حين رأوهم وسألوهم عن حالهم، فأخبروهم بخلافهم مروان وآل مروان. فراسلهم عبد الواحد بن سليمان بن عبد الملك، وهو يومئذ على مكة والمدينة، وطلب منهم هدنة، فقالوا: نحن بحجنا أضن وعليه أشح. فصالحهم على أنهم جميعا آمنون بعضهم من بعض حتى ينفر الناس النفر الأخير، فوقفوا بعرفة على حدة.
فدفع بالناس عبد الواحد فنزل بمنى في منزل السلطان، ونزل أبو حمزة بقرن الثعالب. فأرسل عبد الواحد إلى أبي حمزة الخارجي عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي، ومحمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان، وعبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبي بكر، وعبيد الله بن عمرو بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب، وربيعة بن أبي عبد الرحمن في رجال أمثالهم، فدخلوا على أبي حمزة وعليه إزار قطن غليظ، فتقدمهم إليه عبد الله بن الحسن ومحمد بن عبد الله فنسبهما فانتسبا إليه، فعبس في وجههما وأظهر الكراهة لهما ثم سأل عبد الرحمن بن القاسم وعبيد الله بن عمر فانتسبا له، فهش إليهما وتبسم في وجوههما وقال: والله ما خرجنا إلا لنسير بسيرة أبويكما. فقال له عبد الله بن الحسن: والله ما خرجنا لتفضل بين آبائنا، ولكن بعثنا إليك الأمير برسالة، وهذا ربيعة يخبركما.
فلما ذكر له ربيعة نقض العهد قال أبو حمزة: معاذ الله أن ننقض العهد أو نخيس به، لا والله لا أفعل ولو قطعت رقبتي هذه ولكن تنقضي الهدنة بيننا وبينكم. فرجعوا إلى عبد الواحد فأبلغوه. فلما كان النفر الأول نفر عبد الواحد فيه ووخلى مكة، فدخلها أبو حمزة بغير قتال؛ فقال بعضهم في عبد الواحد:
زار الحجيج عصابة قد خالفوا ... دين الإله ففر عبد الواحد
ترك الحلائل والإمارة هارباً ... ومضى يخبط كالبعير الشارد
ثم مضى عبد الواحد حتى دخل المدينة فضرب على أهلها البعث وزادهم في العطاء عشرة عشرة، واستعمل عليهم عبد العزيز بن عبد الله بن عمرو بن عثمان، فخرجوا، فلما كانوا بالحرة تلقتهم جزر منحورة فمضوا.
ذكر ولاية يوسف بن عبد الرحمن الفهري بالأندلسوفي هذه السنة توفي ثوابة بن سلامة أمير الأندلس، وكانت ولايته سنتين وشهوراً، فلما توفي اختلف الناس، فالمضرية أرادت أن يكون الأمير منهم، واليمانية أرادت كذلك أن يكون الأمير منهم، فبقوا بغير أمير، فخاف الصميل الفتنة فأشار بأن يكون الوالي من قريش، فرضوا كلهم بذلك، فاختار لهم يوسف بن عبد الرحمن الفهري، وكان يومئذ بإلبيرة، فكتبوا إليه بما اجتمع عليه الناس من تأميره، فامتنع. فقالوا له: إن لم تفعل وقعت الفتنة ويكون إثم ذلك عليك. فأجاب حينئذ وسار إلى قرطبة فدخلها وأطاعه الناس.
فلما انتهى إلى أبي الخطار موت ثوابة وولاية يوسف فقال: إنما أراد الصميل أن يصير الأمر إلى مضر؛ وسعى في الناس حتى ثارت الفتنة بين اليمن ومضر.
فلما رأى يوسف ذلك فارق قصر الإمارة بقرطبة وعاد إلى منزله، وسال أبو الخطار إلى شقندة، فاجتمعت إليه اليمانية، واجتمعت المضرية إلى الصميل وتزاحفوا واقتتلوا أياماً كثيرة قتالاً لم يكن بالأتدلس أعظم منه، ثم أجلت الحرب عن هزيمة اليمانية، ومضى أبو الخطار منهزماً فاستتر في رحى كانت للصميل، فدل عليه، فأخذه الصميل وقتله، ورجع يوسف بن عبد الرحمن إاى القصر، وازجاد الصميل شرفاً، وكان اسم الإمارة ليوسفوالحكم إلى الصميل.
ثم خرج على يوسف بن عبد الرحمن ابن علقمة اللخمي بمدينة أربونة، فلم يلبث إلا قليلاً حتى قتل وحمل رأسه إلى يوسف.
وخرج عليه عذره المعروف بالذمي؛ فإنما قيل له ذلك لأنه استعان بأهل الذمة؛ فوجه إليه بوسف عامر بن عمرو، وهو الذي تنسب إليه مفبرة عامر من أبواب قرطبة، فلم يظفر به وعاد مفلولاً، فسار إليه يوسف بن عبد الرحمن فقاتله فقتله واستباح عسكره.
وقد وردت هذه الحادثة من حهة أخرى وفيها بعض الخلاف، وسنذكرهاسنة تسع وثلاثين ومائة عند دخول عبد الرحمن الأموي الأندلس.
ذكر عدة حوادث
وحج بالناس عبد الواحد، وهو كان العامل على مكة والمدينة والطائف. وكان على العراق يزيد بن عمر بن هبيرة، وعلى قضاء الكوفة الحجاج بن عاصم المحاربي، وعلى البصرة عباد بن منصور، وكان على خراسان نصر بن سيار والفتنة بها.
وفيها مات سالم أبو نصر. وفيها مات يحيى بن يعمر العدوي بخراسان، وكان قد تعلم النحو من أبي الأسود الدؤلي، وكان من فصحاء التابعين. وفيها مات أبو الزناد بن عبد الله بن ذكوان. وفيها مات وهب بن كيسان. ويحيى بن أبي كثير اليمامي أبو نصر. وسعيد بن أبي صالح. وأبي اسحاق الشيباني. والحارث بن عبد الرحمن. ورقبة بن مصقلة الكوفي. ومنصور بن زادان مولى عبد الرحمن بن أبي عقيل الثقفي، وشهد جنازته المسلمون واليهود والنصارى والمجوش لإتفاقهم على صلاحه، وقيل: مات سنة إحدى وثلاثين.
ثم دخلت سنة ثلاثين ومائة
ذكر دخول أبي مسلم مرو والبيعة بهاوفي هذه السنة دخل أبو مسلم مرو في ربيع الآخر، وقيل في جمادى الأولى.
وكان السبب في ذلك في اتفاق ابن الكرماني معه. إن ابن الكرماني ومن معه وسائر القبائل بخراسان لما عاقدوا نصراً على أبي مسلم غظم عليه وجمع أصحابه لحربهم، فكان سليمان بن كثير بإزاء ابن الكرماني، فقال له سليمان: إن أبا مسلم يقول لك: أما تأنف من مصالحة نصر وقد قتل بالأمس أباك وصلبه؟ وما كنت أحسبك تجامع نصراً في مسجد تصليان فيه! فأحفظه هذا الكلام، فرجع عن رأيه وانتقض صلح العرب.
فلما انتقض صلحهم بعث نصر إلى أبي مسلم يلتمس منه أن يدخل مع مضر، وبعث أصحاب ابن الكرماني،وهم ربيعة واليمن، إلى أبي مسلم بمثل ذلك،فراسلوه بذلك أياماً، فأمرهم أبو مسلم أن يقدم عليه وفد الفريقين حتى يختار أحدهما، ففعلوا، وأمر أبو مسلم الشيعة أن تختار ربيعة واليمن، فإن الشيطان في مضر، وهم أصحاب مروان وعماله وقتلة يحيى بن زيد.
فقدم الوفدان، فجلس أبو مسلم ولأجلسهم وجمع عنده من الشيعة سبعين رجلاً فقال لهم ليختاروا أحد الفريقين. فقام سليمان بن كثير من الشيعة فتكلم، وكان خطيباً مفوهاً، فاختارابن الكرماني وأصحابه، ثم قام أبو منصور طلحة ابن زريق النقيب فاختارهم أيضاً، ثم قام مرثد بن شقيق السلمي فقال: إن مضر قتلة آل النبي، صلى الله عليه وسلم ، وأعوان بني أمية وشيعة مروان الجعدي وعماله ودماؤنا في أعناقهم وأموالنا في أيديهم، ونصر بن سيار عامل مروان يتعد أموره ويدعو له على منبره ويسميه أمير المؤمنين، ونحن نبرأ إلى الله، عز وجل، من أن يكون نصر على هدىً، وقد اخترنا علي بن الكرماني وأصحابه. فقالالسبعون: القول ما مرثد بن شفيق. فنهض وفد وقد نصر عليهم الكآبة والذلة، ورجع وفد ابن الكرماني منصورين. ورجع أبو مسلم من آلين إلى الماخوان وأمر الشيعة أن يبنوا المساكن فقد أغناهم الله من اجتماع كلمة العرب عليهم.
ثم أرسل إلى أبي مسلم علي بن الكرماني ليدخل مدينة مرو من ناحيته وليدخل هو وعشيرته من الناحية الأخرى، فأرسل إليه أبو مسلم: إني لست آمن أن تجتمع يدك ويد نصر على محاربتي، ولكن ادخل أنت وأنشب الحرب مع أصحاب نصر.
فدخل ابن الكرماني فأنشب الحرب، وبعث أبو مسلم شبل بن طهمان النقيب في خيل فدخلوها، ونزل شبل بقصر بخاراخذاه، وبعث إلى أبي مسلم ليدخل إليهم، فسار من الماخوان وعلى مقدمته أسيد بن عبد الله الخزاعي، وعلى ميمنته مالك بن الهيثم الخزاعي، وعلى ميسرته القاسم بن مجاشع التميمي. فدخل مرو والفريقان يقتتلان، فأمرهما بالكف وهو يتلو من كتاب الله عز وجل: " ودخل المدينة على حين غفلةٍ من أهلها فوجد فيها رجلين يقتتلان هذا من شيعته وهذا من عدوه " القصص:15 الآية. ومضى أبو مسلم إلى قصر الإمارة، وأرسل إلى الفريقين أن كفوا ولينصرف كل فريق إلى عسكره، ففعلوا وصفت مرو لأبي مسلم، فأمر بأخذ البيعة من الجند، وكان الذي يأخذها أبو منصور طلحة بن رزيق، وكان أحد النقباء عالماً بحجج الهاشمية ومعايب الأموية. وكان النقباء اثنني عشر رجلاً اختارهم محمد بن علي من السبعين الذين كانوا استجابوا له حين بعث رسوله إى خراسان سنة ثلاث ومائة أو أربع ومائة، ووصف له من العدل صفة، وكان منهم من خزاعة: سليمان بن كثير، ومالك بن الهيثم، وزياد بن صالح، وطلحة بن زريق، وعمرو بن أعين؛ ومن طيء: قحطبة بن شبيب بن خالد ابن معدان؛ ومن تميم: موسى بن كعب أبو عيينة، ولاهز بن قريط، والقاسم ابن مجاشع،وأسلم بن سلام؛ ومن بكر بن وائل: أبو داود بن إبراهيم الشيباني، وأبو علي الهروي، ويقال شبل بن طهمان مكان عمرو بن أعين، وعيسى بن كعب، وأبو النجم إسماعيل بن عمران مكان أبي علي الهروي، وهو ختن أبي مسلم؛ ولم يكن في النقباء أحد والده حتى غير أبي منصور طلحة ابنرريق بن سعد، وهو أبو زينب الخزاعي، وكان قد شهد حرب ابن الأشعث وصحب المهلب وغزامة. وكان أبو مسلم يشاوره في الأمور ويسأله عنها وعما شهد من الحروب.
وكانت البيعة: أبا يعكم على كتاب الله وسنة رسوله محمد، صلى الله عليه وسلم ، والطاعة للرضا من أهل بيت رسول الله، صلى الله عليه وسلم ، وعليكم بذلك عهد الله وميثاقه والطلاق والعتاق والمشي إلى بيت الله الحرام، وعلى أن لا تسألوا رزقاً ولا طعماً حتى يبتدئكم به ولا تكم.
رزيق بتقديم الراء على الزاي.
ذكر هرب نصر بن سيار من مروثم أرسل أبو مسلم لاهز بن قريظ في جماعة إلى نصر بن سيار يدعوه إلى كتاب الله عز وجل، والرضاء من آل محمد، فلما رأى ما جاءه من اليمانية والربيعية والعجم وأنه لا طاقة له بهم أظهر قبول ما أتاه به وأنه يأتيه ويبايعه، وجعل يرشيهم لما هم من الغدر والهرب، إلى أن أمسوا، وأمر أصحابه أن يخرجوا من ليلتهم إلى مكان يأمنون فيه، فقال له سالم بن احوز: لا يتهيأ لنا الخروج الليلة ولكننا نخرج القابلة.
فلما كان الغد عبأ مسلم أصحابه وكتائبه إلى بعد الظهر وأعاد إلى نصر لاهز بن قريط وجماعة معه، فدخلوا على نصر، فقال: ما أسرع ما عدتم! فقال له لاهز بن قريط: لا بد لك من ذلك. فقال نصر: إذا كان لابد من ذلك فإني أتوضأ وأخرج إليه، وأرسل إلى أبي مسلم، فغن كان هذا رأيه وأمره أتيته، وأتهيأ إلى أن يجيء رسولي. فقام نصر، فلما قام قرأ لاهز بن قريظ: إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك فاخرج إني لك من الناصحين القصص:20. فدخل نصر منزله وأعلمهم أنه ينتظر انصراف رسوله من عند أبي مسلم. فلما جنه الليل خرج من خلف حجرته ومعه تميم ابنه والحكم بن نميلة النميري وامرأته المزبانة وانطلقوا هراباً، فلما استبطأ لاهز وأصحابه دخلوا منزله فوجدوه قد هرب.
فلما بلغ ذلك أبا مسلم سار إلى معسكر نصر وأخذ ثقات أصحابه وصناديدهم فكتفهم وكان فيهم سالم بن أحوز صاحب شرطة نصر، والبختري كاتبه، وابنان له، ويونس بن عبدويه، وحمد بن قطن، ومجاهد بن يحيى بن حضين، وغيرهم، فاستوثق منهم بالحدي، وكانوا في الحبس عنده، وسار أبو سملم وابن الكماني في طلب نصر ليلتهما، فأدركا امرأته قد خلفها وسار، فرجع أو مسلم وابن الكرماني إلى مرو، وسار نصر: ما الذي ارتاب به نصر حتى هرب؟ قالوا: لا ندري. قال: فهل تكلم أحد منكم بشيء؟ قالوا تلا لاهز هذه الآية: إن الملأ يأتمرون بك. قال: هذا الذي دعاه إلى الهرب. قم قال: يا لاهز تدغل في الدين! ثم قتله.
واستشار أبو مسلم أبا طلحة في أصحاب نصر فقال: اجعل سوطك السيف وسجنك القبر. فقتلهم أبو مسلم، وكان عدتهم أربعة وعشرين رجلاً.
وأما نصر فإنه سار من سرخس إلى طوس فأقام بها خمسة عشر يوماً، وبسرخس يوماً، ثم سار إلى نيسابور فأقام بها، ودخل ابن الكرماني مرو مع أبي مسلم وتابعه على رأي وعاقده عليه يحيى بن حضين بضم الحاء المهملة، وفتح الصاد المعجمة، وآخره نون.
ذكر قتل شيبان الحروريوفي هذه السنة قتل شيبان بن سلمة الحروري.
وكان سبب قتله أنه كان هو وعلي بن الكرماني مجتمعين على قتال نصر لمخالفة شيبان نصراً لأنه من عمال مروان، وشيبان يرى رأي الخوارج، وخالفة ابن الكرماني نصراً لأن نصراً قتل أباه الكرماني، وأن نصراً مضري وابن الكرماني يماني، وبين الفريقين من العصبية ما هو مشهور، فلما صالح ابن الكرماني أبا مسلم على ما تقدم وفارق شيبان تنحى شيبان عن مرو إذ علم أنه لا يقوى لحربهما، وقد هرب نصر إلى سرخس.
ولما استقام الأمر لأبي مسلم أرسل إلى شيبان يدعوه إلى البيعة، فقال شيبان: أنا أدعوك إلى بيعتي. فأرسل إليه أبو مسلم: إن لم تدخل في أمرنا فارتحل عن منزلك الذي أنت به. فأرسل شيبان إلى ابن الكرماني يستنصره، فأبى ، فسار شيبان إلى سرخس واجتمع إله جمع كثير من بكر بن وائل، فأرسل إليه أبو مسلم تسعة من الأزد يدعوه ويسأله أن يكف، فأخذ الرسل فسحبنهم. فكتب أبو مسلم إلى بسام بن إبرايهم مولى بني ليث بأبيورد يأمره أن يسير إلى سيبان فيقاتله، فسار إليه فقاتله، فانهزم شيبان واتبعه بسام حتى دخل المدينة فقتل شيبان وعدة من بكر بن وائل. فقيل لأيب مسلم: إن بساماً ارتد ثانيةً وهويقتل البريء السقيم؛ فاستقدمه، قدم عليه، واستخلف على عسكره رجلاً. فلما قتل شيبان مر رجل من بكر بن وائل برسل أبي ملم فقتلهم.
وقيل: إن أبا مسلم وجه إلى سشيبان عسكراً من عنده عليهم خزيمة بن خازم وبسام بن إبراهيم.
ذكر قتل ابني الكرمانيوفي هذه السنة قتل أبو مسلم علياً وعثمان ابني الكرماني.
وكان سبب ذلك أن أبا مسلم كان وجه موسى بن كعب إلى أبيورد فافتتحها وكتب إلى أبي مسلم بذلك، ووجه أبا داود إلى بلخ، وبها زياد بن عبد الرحمن القشيري، فلما بلغه قصد أبي دواد بلخ خرج في أهل بلخ وترمذ وغيرهما من كور طخارستان إلى الجوزجان، فلما دنا أبو داودمنهم انصرفوا منهزمين إلى ترمذ، ودخل أبو داود مدينة بلخ، فكتب إليه أبو مسلم يأمره بالقدوم عليه، ووجه مكانه يحيى بن نعيم أبا الميلاء على بلخ، فلما قدم يحيى مدينة بلخ كاتبه زياد بن عبد الرحمن أن يرجع وتصير أيديهم واحدة، فأجابه، فرجع زياد ومسلم بن عبد الرحمن بن مسلم الباهلي وعيسى بن زرعة السلمي وأهل بلخ وترمذ وملوكطخارستنا ما وراء النهر ودونه فنزلوا على فرسخ من بلخ وخرج إليهم يحيى بن نعيم بمن معه، فصارت كلمتهم واحدة مضر وربيعة واليمن ومن معهم من العجم على قتال المسودة، وجعلوا الولاية عليهم لمقاتل بن حيان النبطي كراهة أن يكون من واحد من الفرق الثلاثة.
وأمر أبو مسلم أبا داود بالعود، فاقبل بمن معه حتى اجتمعوا على نهر السرجتان، وكان زياد وأصحابه قد وجهوا أبا سعيد اقرشي مسلحة لئلا يأتيهم أصحاب أبي داود من خلفهم، وكانت أعلام أبي داود سوداً، فلما اقتتل أبو داود وزياد وأصحابهما امر أبو سعيد أصحبه أن يأتوا زياداً وأصحابه، فأتوهم من خلفهم، فلما رأى زياد ومن معه أعلام أبي سعيجد وراياته سوداً ظنوه كميناً لأبي داود فانهزموا، وتبعهم أو داود، فوقع عامة أصحاب زياد في نهر السرجنان وقتل عامة رجالهم المتخلفين، ونزل أبو داود معسكرهم وحوى ما فيه.
ومضى زياد ويحيى ومن معهما إى ترمذ، واستصفى أبو داود أموال من قتل ومن هرب واستقامت له بلخ.
وكتب إليه أبو مسلم يأمره بالقدوم عليه، ووجه النضر بن صبيح المري على بلخ. وقدم أبو داود على أبي مسلم واتفقا على أن يفرقا بين علي وعثمان ابني الكرماني، فبعث أبو مسلم عثمان عاملاُ على بلخ، فلمكا قدمها استخلف الفرافصة بن ظهير العبسي على بلخ.
وأقبلت المضريه من ترمذ عليهم مسلم بن عبد الرحمن بالباهلي، فالتقوا هم وأصحاب عثمان فاقتتلوا قتالاً شديداً، فانهزم أصحاب عثمان، وغلب مسلم على بلخ، وبلغ عثمان والنضر بن صبيح الخبر وهما بمرو الروذ، فأقبلا نحوهم، فهرب أصحاب عبد الرحمن من ليلتهم، فلم يمعن النضر في طلبهم رجاء أن يفوتوا، ولقيهم أصحاب عثمان فاقتتلوا قتالاً شديداً، ولم يكن النضر معهم، فانهزم أصحاب عثمان وقتل منهم خلق كثير. ورجع أبو داود من مرو إلى بلخ، وسار أبو مسلم ومعه علي بن الكرماني إلى نيسابور، واتفق رأي أبي مسلم ورأي أبي داود على أن يقتل أبو مسلم علياً وقتل أبو داود عثمان، فملا قدم أو داود بلخ بعث عثمان عاململاً على الجبل فيمن معه من أهل مرو، فلما خرج من بلخ تبعه أبو داود فأخذه وأصحابه فحبسهم جميعاً، ثم ضرب أعناقهم صبراً، وقتل أبو مسلم في ذلك اليوم علي بن الكرماني، وقد كان أبو مسلم أمره أن يسمي له خاصته ليوليهم ويأمر لهم بجوائز وكسورات، فسماهم له، فقتلهم جميعاً.
ذكر قدوم قحطبة إلى نيسابورلما قتل شيبان الخارجي وابنا الكرماني، على ما تقدم، وهرب نصر بن سيار من مرو، وغلب أبو مسلم على خراسان، وبعث العمال على البلاد، فاستعمل سباغ بن النعمان الأزدي على سمر قند، وأبا داود خالد بن إبراهيم على طخارستان، ومحمد بن الأشعث على الطبسين، وجعل مالك بن اليثم على شرطه، ووجه قحطبة إلى طوس ومعه عدة من القواد، منهم: أبو عون عبد الملك بن يزيد، خالد بن برمك، وعثمان بن نهيك، وخازم ابن خزيمة، وغيرهم؛ فلقي قطبة من بطوس فهزمهم، وكان من مات منهم في الزحام أكثر ممن قتل، فبلغ عدة القتلى بضعة عشر ألفاً.
ووجه أبو مسلم القاسم بن مجاشع إلى نيسابور على طريق المحجة، وكتب إلى قحطبة يأمره بقتال تميم بن نصر بن سيار والنابئ بن سويد لجأ إلهما من أهل خاسان، وكان أصحاب شيبان بن سلمة الخارجي قد لحقوا بنصر، ووجه أبو مسلم علي بن معقل في عشرة آلاف رجل إلى تمسم بن نصر، وأمره أن يكون مع قحطبة، واسر قحطبة إلى السوذقان، وهو معسكر تميم بن نصر والنابئ، وقد عبأ أصحابه وزحف إليهم، فدعاهم إلى ككتاب الله، عز وجل، وسنة نبيه، صلى الله عليه وسلم ، وإلى الرضاء من آل محمد، فلم يجيبوه، فقاتلهم قتالاً شديداً، فقتل تميم بن نصر في المعركة، وقتل من أصحابه مقتلة عظيمة واستبيح عسكرهم، وكان عدة من معه ثلاثين ألفاً، وهرب النابئ ومن معه، وبلغ الخبر نصر بن سيار بنيسابور بقتل ابنه.
ولما استولى قحطبة على عسكرهم سير ألى خالد بن برمك ما قبض فيه، وسار هو إلى نيسابور، وبلغ ذلك نصر بن سيار فهرب منها فيمن معه فنزل قومس، وتفرق عنه أصحابه فسار إلى نباتة بن حنظلة بجرجان، وقدم قحطبة نيسابور بجنوده فأقام بها رمضان وشوال.
ذكر قتل نباته بن حنظلةوفي هذه السنة قتل نباتة بن حنظلة عامل يزيد بن هبيرة على جرجان، وكان يزيد بن هبيرة بعثه إلى نصر، فأتى فارس وأصبهان ثم سار إلى الري ومضى إلى جرجان، وكان نصر بقومس على ما تقدم، فقيل له: إن قومس لا تحملنا، فسار إلى جرجان فنزلها مع نباتة وخندقوا عليهم.
واقبل قحطبة إلى جرجان في ذي القعدة، فقال قحطبة: يا أهل خراسان أتدرون إلى من تسيرون ومن تقاتلون؟ إنما تقتلون بقيه قوم حرقوا بيت الله تعالى! وكان الحسن بن قحطبة على مقدمة أبيه، فوجه جمعاً إلى مسلحة نباتة وعليها رجل يقال له ذويب، فبيتوهم فقتلوا ذؤيباً وسبعين رجلاً من أصحابه فرجعوا إلى الحسن.
وقدم قحطبة فنزل بإزاء نباتة وأهل الشام في عدة لم ير الناس مثلها، فلما رآهم أهل خراسان هابوهم حتى تكلموا بذلك وأظهروه، فبلغ قحطبة قولهم، فقام فيهم فقال: يا أهل خراسان هابوهم حتى تكلموا بذلك وأظهروه، فبلغ قحطبة قولهم، فقام فيهم فقال: يا أهل خراسان هذه البلاد كانت لآبائكم، وكانوا ينصرون على عدوهم لعلهم وحسن سيرتهم حتى بدلوا وظلموا فسخط الله، عز وجل، عليهم فانتزع سالكانهم وسلط عليهم أذل أمة كانت في الأرض عندهم، فغلبوهم على بلادهم، وكانوا بذلك يحكمون بالعدل ويوفون بالعهد ونصرون المظلوم، ثم بدلوا وغيروا وجاروا في الحكم وأخافوا أهل البر والتقوى من عترة رسول الله فسلطكم عليهم لنتقم منهم بكم لتكونوا أشد عقوبة لأنكم طلبتموهم بالثأر، وعقد عهد إلي الإمام أنكم تقلقونمهم في مثل هذه العدة فينصركم الله، عز وجل، عليهم فتهزمونهم وتقتلونهم. فالتقوا في مستهل ذي الحجة سنة ثلاثين ومائة يوم الجمعة، فقال لهم قحطبة قبل التال: إن الإمام أخبرنا أنكم تنصرون على عدوكم هذا اليوم من هذا الشهر، وكان على ميمنته ابنه الحسن، فاقتتلوا قتالاً شديداً، فقتل بناتة، وانهزم أهل الشام فقتل منهم عشرة آلاف، وبعث إلى أيب مسلم برأس نباتة وابنه حية.
ذكر وقعة أبي حمزة الخارجي بقديدفي هذه السنة لسبع بقين من صفر كانت الوقعة بقديد بين أهل المدينة وأبي حمزة الخارجي.
قد ذكرنا أن عبد الواحد بن سليمان ضرب البعث على أهل المدينة واستعمل عليهم عبد العزيز بن عبد الله، فخرجوا، فلما كانوا بالحرة لقيتهم جزر منحورة فتقدموا، فلما كانوا بالعقيق تعلق لواؤهم بسمرة فانكسر الرمح، فتشاءم الناس بالخروج وأتاهم رسل أبي حمزة يقولون: إننا والله مالنا بقتالكم حاجة، دعونا نمض إلى عونا. فابى أهل المدينة ولم يجيبوه إلى ذلك وساروا حتى نزلوا قديداً، وكانوا مترفين ليسوا بأصحاب حرب، فلم يشعروا إلا وقد خرج عليهم أصحاب أبي حمزة من الفضاض فقتلوهم وكانت المقتلة بقريش، وفيهم كانت الشوكة، فأصيب منهم عدد كثير؛ وقدم المنهزمون المدينة فكانت المرأة تقيم النوائح على حميمها ومعها النساء، فما تبرح النساء حتى تأتيهن الأخبار عن رجالهن فيخرجن امرأة امرأة كل واحدة منهن تذهب لقتل رجلها فلا تبقى عندها امرأة لكثرة من قتل.
وقيل: إن خزاعة دلت أبا حمزة على أصحاب قديد، وقيل: كان عدة القتلى سبعمائة.
ذكر دخول أبي حمزة المدينةوفي هذه السنة دخل أبو حمزة المدينة ثالث عشر صفر، ومضى عبد الواحد منها إلى الشام، وكان أبو حمزة قد أعذر إليهم وقال لهم: ما لنا بقتالكم حاجة، دعونا نمض إلى عدونا. فأبى أهل المدينة، فلقيهم فقتل منهم خلقاً كثيراً، ودخل المدينة فرقي المنبر وخطبهم وقال لهم: يا أهل المدينة! مررت بكم زمان الأحول، يعني هشام بن عبد الملك، وقد أصاب ثماركم عاهة فكتبتم إليه تسألونه أن يضع عنكم خراجكم ففعل، فزاد الغني غنى الفقير فقراً، فقلتم له: جزاك الله خيراً، فلا جزاكم الله خيراً، فلا جزاكم الله خيراً ولا جزاه خيراً! واعلموا يا أهل المدينة أنا لم نخرج من ديانا أشراً ولا بطراً ولا عبثاً ولا الدولة ملك نريد ان نخوض فيه ولا لثأر قديم نيل منا، ولكنا لما رأينا مصابيح الحق قد عطلت، وعنف القائل بالحق، وقتل القائم بالقسط، ضاقت علينا الأرض بما رحبت، وسمعنا داعياً يدعو إلى طاعة الرحمن وحكم القرآن، فأجبنا داعي الله، ومن لا يجب داعي الله فليس بمعجز في الأرض الأحقاق:2 - 32، فاقبلنا من قبائل شتى ونحن قليلون متسضعفون في الأرض فآوانا الله وأيدنا بنصره فأصبحنا بنعمته إخواناً، ثم لقينا رجالكم بقديد فدعوناهم إلى طاعة الرحمن وحم القرآن فدعونا إلى طاعة الشيطان فيهم بجرانه، وغلت بدمائهم مراجلة وصدق عليهم ظنه، وأقبل أنصار الله، عز وجل، عصائب وكتائب بكل مهند ذي رونق، فدارت رحانا واستدارت رحاهم بضرب يرتاب به المبطلون، وأنتم يا أهل المدينة إن تنصروا مروان وآل مروان يسحتكم الله بعذاب من عنده أو بأيدينا ويشف صدور قوم مؤمنين التوبة:14. يا أهل المدينة أو لكم خير أول وآخركم شر آخر! يا أهل المدينة أخبروني عن ثمانية أسهم فرضها الله، عز وجل، في كتابه على القوي والضعيف فجاء تاع ليس له فيها سهم فأخذها لنفسه مكابراً محاربا ربه.
يا اهل المدينة بلغني أنكم تنقصون أصحابي! قلتم شباب أحداث وأعراب حفاة! ويحكم! وهل كان أصحاب رسول الله، صلى الله عليه وسلم ، إلا شباباً أحداثاً وأعراباً حفاة؟ هم والله مكتهلون في شبابهم، غضة عن الشر أعينهم، ثقيلة عن الباطل أقدامهم. وأحسن السيرة مع أهل المدينة واستمال حتى سمعوه يقول: من زنى فهو كافر، ومن سرق فهو كافر، ومن شك في كفرهما فهو كافر.
وأقام أبو حمزة بالمدينة ثلاثة أشهر.
ذكر قتل أبي حمزة الخارجيثم إن أبا حمزة ودع أهل المدينة وقال لهم: يا أهل المدينة إنا خارجون إلى مروان، فإن نظفر نعدل في إخوانكم ونحملكم على سنة نبيكم، وإن يكن ما تتمنون فسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون الشعراء:227.
ثم سار نحو الشام،وكان مروان قد انتخب من عسكره أربعة آلاف فارس واستعمل عليهم عبد الملك بن محمد بن عطسة السعدي، سعد هوازن، وأمره أن يجد السير، وأمره أن يقاتل الخوارج، فإن هو ظفر بهم يسير حتى يبلغ اليمن ويقالتل عبد الله بنم حيحى طالب الحق.
فاسر ابن عطية فالتقى أبا حمزة بوادي القرى، فقال أبو حمزة لأصحابه: لا تقاتلوهم حتى تختبروهم. فصاحوا بهم: ما تقولون في القرآن والعمل به؟ فقال ابن عطية: نضعه في جوف الجوالق. فقال: فما تقولون في مال اليتيم؟ قال ابن عطية: نأكل ماله ونفجر بأمه، في أشياء سألوه عنها. فملا سمعوا كلامه قاتلوه حتى أمسوا وصاحوا: ويحك يا بن عطية! إن الله قد جعل الليل سكناً فاسكن. فأبى وقاتلهم حتى قتلهم، وانهزم أصحاب أبي حمزة، من لم يقتل، وأتوا المدينة، فلقيهم فقتلهم، وسار ابن عطية إلى المدينة فأقام شهراً.
وفيمن قتل مع أبي حمزة عبد العزيز القارئ المدني المعروف بيشكست النحوي، وكان من أهل المدينة، يكتم مذهب الخوارج، فلما دخل أبو حمزة المدينة انضم إليه، فملا قتل الخوارج قتل معهم.
ذكر قتل عبد الله بن يحيىولما أقام ابن عطية بالمدينة شهراً سار نحو اليمن واستخلف على المدينة الوليد ابن عروة بن محمد بن عطية، واستخلف على مكة رجلاً من أهل الشام، وقصد اليمن، وبلغ عبد الله بن يحيى طالب الحق مسيره وهو بصنعاء، فاقبل إليه بمن معه، فالتقى هو وابن عطية فاقتتلوا، فقتل ابن يحيى وحمل رأسه إلى مروان بالشام، ومضى ان عطية إلى صنعاء.
ذكر قتل ابن عطيةولما سار ابن عطية إلى صنعاء دخلها وأقام بها، فكتب إليه مروان يأمره أن يسرع إليه السير ليحج بالناس؛ فسار في اثني عشر رجلاً بعهد مروان على الحج ومعه أربعون ألفاً، وسار وخلف عسكره وخيله بصنعاء، ونزل الجرف، فأتاه ابنا جهانة المراديان في جمعٍ كثير وقالوا له ولأصحابه: أنتم لصوص! فأخرج ابن عطية عهده على الحج وقال: هذا عهد أمير المؤمنين بالحج، وأنا ابن عطية. قالوا: هذا باطل، فانتم لصوص. فقاتلهم ابن عطية قتالاً شديداً حتى قتل.
ذكر إيقاع قحطبة بأهل جرجانوفي هذه السنة قتل قحطبة بن شبيب من أهل جرجان ما يزيد على ثلاثين ألفاً.
وسبب ذلك أنه بلغه عنهم بعد قتل نباتة بن حنظلة أنهم يريدون الخروج عليه، فبما بلغه ذلك دخل إليهم واستقرر منهم فقتل منهم من ذكرنا، وسار نصر، وكان بقومس، حتى نزل خوار الري، وكاتب ابن هبيرة يستمده، وهو بواسط، مع ناس من وجوه أهل خراسان، وعظم الأمر عليه وقال له: غني قد كذبت أهل خراسان حتى ما أحد منهم يصدقني، فأمدني بعشرة آلاف قبل أن تمدني بمائة ألف لا تغني شيئاً. فحبس ابن هبيرة ليعلموه أمر الناس قبلنا ورسأللته المدد فاحتبس رسلي ولم يمدني بأحد، وإنما أنا بمنزلة من أخرج من بيته إلى حجرته، ثم أخرج من حجرته إلى داره، ثم من داره إلى فناء داره، فإن أدركه من يعينه فعسى أن يعود إلى داره وتبقى له، وإن أخرج إلى الطريق فلا دار له ولا فناء.
فكتب مروان إلى ابن هبيرة يأمره أن يمد نصراً، وكتب إلى نصر يعلمه ذلك، وجهز ابن هبيرة جيشاً كثيفاً وجعل عليم ابن غطيف وسيرهم إلى نصر.
ذكر عدة حوادثغزا الصائفة هذه السنة الوليد بن هشام فنزل العمق وبنى حصن مرعش.
وفيها وقع الطاعون بالبصرة.
وحج بالناس هذه السنة محمد بن عبد الملك بن مروان، وكان هو أمير مكة والمدينة والطائف، وكان بالعراق يزيد بن عمر بن هبيرة، وكان على قضاء الكوفة الحجاج بن عاصم المحاربي، وعلى قضاء البصرة عبادة بن منصور، وكان الأمير بخرايان نصر بن سيار، والأمر بخراسان على ما وصفت.
قلت: قد ذكر أبو جعفر ها هنا أن محمد بن عبد الملك حج بالناس، وكان أمير مكة والمدينة، وذكر فيما تقدم أن عروة بن الوليد كان على المدينة، وذكر في آخر سنة إحدى وثلاثين أن عروة أيضاً كان على المدينة ومكة والطائف وأنه حج بالناس تلك السنة.
في هذه النة مات أبو جعفر بن القعقاع القرئ مولى عبد الله بن عباس المخزومي بالمدينة، وقيل: سمي مولى أبي بكر بن عبد الرحمن بقديد. وفيها توفي أيوب بن أبي تميمة السختياني، وقيل: سنة تسع وعشرين، وعمره ثلاث وستون سنة. وإسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة الأنصاري، وقيل: سنة اثنتين ومائة، وقيل: سنة أربع وثلاثين ومائة، ويكنى ابا نجيح. وفيها توفي محمد بن مخرمة بن سليمان وله سبعون سنة. وأبو وجرة السعدي يزيد بن عيد. وأبو الحويرث. ويزيد بن أبي ملك الهمداني. ويزيد ابن رومان. وعكرمة بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام. وعبد العزيز ابن رفيع بضم الراء المهملة، وفتح الفاء، وبالعين المهملة وهو أبو عبيد الله المكي الفقيه، وكان قد قارب مائة سنة، وكان لا يثبت معه امرأة لكثرة نكاحه. وإسماعيل بن أبي حكيم كاتب عمر بن العزيز. ويزيد بن أبان، وهو المعروف بيزيد الرشك، وكان قساماً بالبصرة. وحفص بن سليمان بن المغيرة، وكان مولده سنة ثمانين، يروى قراءة عاصم عنه
ثم دخلت سنة إحدى وثلاثين ومائة
ذكر موت نصر بن سياروفي هذه السنة مات نصر بن سيار بساوة قرب الري.
وكان سبب مسيره إليها أن نصراً سار بعد قتل نباته إلى خوار الري، وأميرها أبو بكر العقيلي، ووجه قحطبة ابنه الحسن إلى نصر في المحرم من سنة إحدى وثلاثين ومائة، ثم وجه أبا كامل وأبا القاسم محرز بن إبراهيم وأبا العابس المروزي إلى الحسن ابنه، فلما كانوا قريباً من الحسن انحاز أبو كامل وترك عسكره وأتى نصراً فصار معه وأعلمه مكان الجند الذين فارقهم.
فوجه إليهم نصر جنداً، فهرب جند قحطبة منهم وخلفوا شيئاً من متاعهم، فأخذه أصحاب نصر، فبعث نصر إلى أبن هبيرة، فعرض له ابن غطيف بالري فأخذ الكتاب من رسول نصر المتاع وبعث به إلى ابن هبيرة، فغضب نصر وقال: أما واله لأدعن ابن هبيرة فليعرفن أنه ليس بشيء ولا ابنه.
وكان ابن غطيف في ثلاثة آلاف قد سيره ابن هبيرة إلى نصر، فأقام بالري فلم يأت نصراً، وسار نصر حتى نزل الري وعليها حبيب بن يزيد النهشلي، فلما قدمها نصر سار ابن غطيف منها إلى همذان، وفيها مالك ابن أدهم بن محرز الباهلي، فعدل ابن غطيف عنها إلى أصبهان إلى عامر ابن ضبارة؛ فلما قدم نصر الري أقام بها يومين ثم مرض، وكان يحمل حملاً، فلما بلغ ساوة مات، فلما مات بها دخل أصحابه همذان.
وكانت وفاته لمضي اثنتي عشرة ليلةً من شهر ربيع الأول، وكان عمره خمساً وثمانين سنة، وقيل: إن نصراً لما سار من خوار الري متوجها نحو الري لم يدخل الري ولكنه سلك المفازة التي بين الري وهمذان فمات بها.
ذكر دخول قحطبة الريولما مات نصر بن سيار بعث الحسن بن قحطبة خزيمة بن خازم إلى سمنان، وأقبل قحطبة من جرجان وقدم أمامه زياد بن زرارة القشيري، وكان قد ندم على ابتاع أبي مسلم، فانخذل عن قحطبة فأخذ طريق أصبهان يريد أن يأتي عامر بن ضبارة، فوجه قحطبة المسيب بن زهيرة الضبي، فلحقه من غدٍ بعد العصر فقاتله، فانهزم زياد وقتل عامة من معه، ورجع المسيب بن زهير إلى قحطبة.
ثم سار قحطبة إلى قومس، وبها ابنه الحسن، وقدم خزيمة بن خازم سمنان، فقدم قحطبة ابنه الحسن إلى الري.
وبلغ حبيب بن بديل النهشلي ومن معه من أهل الشام مير الحسن، فخرجوا عن الري، ودخل الحسن في صفر فأقام حتى قدم أبوه، ولما قدم قحطبة الري كتب إلى أبي مسلم يعلمه بذلك.
ولما استقر أمر بني العباس بالري هرب أكثر أهلها لميلهم إلى بني أمية لأنهم كانوا سفيانية، فأمر أبو مسلم بأخذ أملاكهم وأموالهم، ولما عادوا من الحج أقاموا بالكوفة سنة اثنتين وثلاثين ومائة ثم كتبوا إلى السفاح يتظلمون من أبي مسلم، فأمر برد أملاكهم فأعاد أبو مسلم الجواب يعرف حالهم وأنهم أشد الأعداء، فلم يسمع قوله وعزم على أبي مسلم برد أملاكهم، ففعل.
ولما دخل قحطبة الري وأقام بها أخذ أمره بالحزم والاحتياط والحفظ وضبظ الطرق، وكان لا يسلكها أحد إلا بجواز منه، فأقام بالري، وبلغه أن بدستبى قوماً من الخوارج وصعاليك تجمعوا بها، فوجه إليهم أبا عون في عسكر كثيف، فنازلهم ودعاهم إلى كتاب الله وسنة رسوله وإلى الرضاء من آل رسول الله،صلى الله عليه وسلم ، فلم يجيبوه، فقالتلهم قتالاً شديداً حتى ظفر بهم؛ فتحصن عدة منهم حتى آمنهم أبو عون، فخرجوا إليه، وأقام معه بعضهم وتفرق بعضهم.
وكتب أبو مسلم إلى أصبهبذ طبرستان يدعوه إلى الطاعة وأداء الخراج، فأجابه إلى ذلك؛ وكتب إلى المصمغان صاحب دنباوند بمثل ذلك، فأجابه: إنما أنت خارجي وإن أمرك سنقضي.
فغضب أبو مسلم وكتب إلى موسى بن كعب، وهو بالري، يأمره بالمسير إليه وقتاله إلى أن يذعن بالطاعة، فسار إليه وراسله، فامتنع من الطاعة وأداء الخراج، فأقام موسى ولم يتمكن من المصمغان لضيق بلاده، وكان المصمغان يرسل إليه كل يوم عدة كثيرة من الديلم يقاتله في عسكره، وأخذ عليه الكرق، ومنع الميرة، وكثرت في أصاب موسى الجراح والقتل.
فملا رأى أنه لا يبلغ غرضاً عاد إلى الري، ولم يزيل المصمغان ممتنعاً إلى أيام المنصور، فأغزاه جيشاً كثيفاً عليهم حماد بن عمرو، ففتح دنباوند على يده.
ولما ورد كتاب قحطبة على أبي مسلم بنزوله الري ارتحل أبو مسلم، فيما ذكر، عن مرو فنزل نيسابور.
وأما قحطبة فإنه سير ابنه الحسن بعد نزووله الري بثلاث ليالٍ إلى همذان، فلما توجه إليها سار عنها مالك بن أدهم ومن كان بها من أهل الشام وأهل خراسان إلى نهاوند فأقام بها، وفارقه ناس كثير، ودخل الحسن همذان وسار منها إلى نهاوند فنزل على أربعة فراسخ في المدينة وحصرهم.
ذكر قتل عامر بن ضبارة ودخول قحطبة أصبهانوكان سبب قتله أن عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر لما هزمه ابن ضبارة مضى هارباً نحو خراسان وسلك إليها طريق كرمان وسار عامر في أثره. وبلغ ابن هبيرة مقتل نباتة بن حنظلة بجرجان، فلما بلغه خبره كتب إلى ابن ضبارة وإلى ابنه داود بن يزيد بن عمر بن هيرة أن يسيرا إلى قحطبة، وكانا بكرمان، فسارا في خمسين ألفاً، فنزلوا باصبهان، وكان يقال لعسكر ابن ضبارة عسكر العساكر.
فبعث قحطبة إليهم جماعةً من القواد، وعليهم جمعاً مقاتل بن حكيم العكي، فساروا حتى نزلوا قم.
وبلغابن ضبارة نزلو الحسن بن قحطبة بنهاوند فسار ليعين من بها منأصحاب مروان، فأرسل العكي من قم إلى قحطبة يعلمه يعلمه بذلك، فأقبل قحطبة من الري حتى لحق مقاتل بن حكيم العكي، ثم سار فالتقوا هم وابن ضبارة ودواد بن يزيد بن هبيرة؛ وكان عسكر قحطبة عشرين ألفاً، فيهم خالد ابن برمك! وكان عسكر ابن ضبارة مائة ألف، وقيل خمسين ومائة ألف؛ فأم قحطبة بمصحف فنصب على رمح، ونادى: يا اهل الشام! إنا ندعوكم إلى ما في هذا المصحف! فشتموه وأفحشوه في القول.
فأرسل قحطبة إلى أصحابه يأمرهم بالحملة، فحمل عليهم العكي، وتهايج الناس، ولم يكن بينهم كثير قتالٍ، حتى انهزم أهل الشام وقتلوا قتلاً ذريعاً، وانهزم ابن ضبارة حتى دخل عسكره وتبعه قحطبة، فنزل ابن ضبارة ونادى: إلي إلي! فانهزم الناس عنه وانهزم داود بن هبيرة، فسأل عن ابن ضبارة فقيل: انهزم. فقال: لعن الله شرنا منقلباً! وقاتل حتى قتل.
وأصابوا عسكره وأخذوا منه ما لا يعلم قدره من السلاح والمتاع والرقيق والخيل وما رئي عسكر قط كان فيه من أصناف الأشياء ما في هذا العسكر كأنه مدينة. وكان فيه من البرابط والطنابير والمزامير والخمر ما لا يحصى.
وأرسل قحطبة بالظفر إلى ابنه الحسن وهو بنهاوند، وكانت الوقعة بنواحي أصبهان في رجب.
ذكر محاربة قحطبة أهل نهاوند ودخولها
ولما قتل ابن ضبارة كتب قحطبة بذلك إلى ابنه الحسن وهو يحاصر نهاوند، فلما أتاه الكتاب كبر هو وجنده ونادوا بقتله، فقال عاصم بن عمير السعدي: ما نادى هؤلاء بقتله إلا وهو حق! فاخرجوا إلى الحسن بن قحطبة فإنكم لا تقومون له فتذهبون حيث شئتم قبل أن يأتيه أبوه أ مدد من عنده.
فقالت الرجالة: تخرجون وأنتم فرسان على خيول وتتركونا؟ وقال له مالك بن أدهم الباهلي: لا أبرح حتى يقدم علي قحطبة.
وأقام قحطبة على أصبهان عشرين يوماً، ثم سار فقدم على ابنه بنهاوند فحصرهم ثلاثة أشهر: شعبان ورمضان وشوال، ووضع عليهم المجانيق، وأرسل إلى من بنهاوند من أهل خراسان يدعوهم إليه وأعطاهم الأمان، فأبو ذلك.
ثم أرسل إلى أهل الشام بمثل ذلك فأجابوه وقبلوا أمانه وبعثوا إليه يسألونه أن يشغل عنهم أهل المدينة بالقتال ليفتحوا له الباب الذي يليهم، ففعل ذ1لك قحطبة وقاتلهم، ففتح أهل الشام الباب، فخرجوا، فلما رأى أهر خراسان ذلك سألوهم عن خروجهم، فقالوا: أخذنا الأمان لنا ولكم. فخرج رؤساء أهل خراسان، فدفع قحطبة كل رجل منهم إلى قائد من قواده ثم أمر فنودي: من كان بيده أسير ممن خرج إلينا فليضرب عنقه وييأتنا برأسه! ففعلوا ذلك؛ فلم يبق أحد ممن كان قد هرب من أبي مسلم إلا قتل إلا أهل الشام، فإنه وفي لهم وخلى سبيلهم وأخذ عليهم أن لا يملئوا عليه عدواً، ولم يقتل منهم أحداً وكان ممن قتل من أهل خراسان: أبو كامل، وحاتم بن لحارث بن سريج، وابن نصر بن سيار، وعاصم بن عمير، وعلي بن عقيل، وبيهس.
ولما حاصر قحطبة نهاوند أرسل ابنه الحسن إلى مرج القلعة، فقدم الحسن خازم بن خزيمة إلى حلوان وعليها عبد الله بن العلاء الكندي، فهرب من حوان وخلاها.
ذكر فتح شهرزورثم إن قحطبة وجه أبا عون عبد الملك بن يزيد الخراساني ومالك بن طرافة الخراساني في أربعة آلاف إلى شهرزور وبها عثمان بن سفيان على مقدمة عبد الله بن مروان بن محمد، فنزلوا على فرسخين من شهرزور في الغشرين من ذي الحجة وقاتلوا عثمان بعد يوم وليلة من نزولهم، فانهزم أصحاب عثمان وقتل، وأقام أبو عون في بلاد الموصل.
وقيل: إن عثمان لم يقتل ولكنه هرب إلى عبد الله بن مروان، وغنم أبو عون عسكره وقتل من أصحابه مقتلةً عظيمة؛ وسير قحطبة العساكر إلى أبي عون فاجتمع معه ثلاثون ألفاً.
ولما بلغ خبر أبي عون مروان بن محمد، وهو بحران، سار منها ومعه جنود أهل الشام والجزيرة والموصل، وحشر معه بنو أمية أبناءهم، وأقبل نحو أبي عون حتى نزل الزاب الأكبر. وأقام أبو عون بشعرزور بقية ذي الحجة والمحرم من سننة اثنتين وثلاثين ومائة، وفرض بها بخمسة آلاف.
ذكر مسير قحطبة إلى ابن هبيرة بالعراقولما قدم على يزيد بن عمر بن هبيرة امير العراق بانه داود منهزماً من حلوان خرج يزيد نحو قحطبة في عدد كثير لا يحصى ومعه حوثرة بن سهيل الباهلي، وكان مروان أمد به ابن هبيرة، وسار ابن هبيرة حتى نزل بحلولاء الوقيعة واحتفر الخندق الذي كانت العجم احتفرته أيام وقعة جلولاء، وأقام به وارتحل ابن هبيرة راحعاً إلى الدسكرة، وأقبل قحطبة حتى نزل قرماسين، ثم سار إلى حلوان،ثم إلى خانقين، وأتى عكبراء وعبر دجلة ومضى حتى نزل دمما دون الأنبار، وارتحل ابن هبيرة بمن معه منصرفاً مبادراً إلى الكوفة لقحطبة، وقدم حوثرة في خمسة عشر ألفاً إلى الكوفة.
وقيل: إن حوثرة لم يفارق ابن هبيرة.
وأرسل قحطبة طائفة من أصحابه إلى الأنبار وغيرها وأمرهم بإحدار ما فيها من السفن إلى دمما ليعبورا الفرات، فحملوا إليه كل سفينة هناك، فقطع قحطبة الفرات من دمما حتى صار في غربيه، ثم سا يريد الكوفة حتى أنتهى إلى الموضع الذي فيه ابن هبيرة، وخرجت السنة.
ذكر عدة حوادثوحج الناس الوليد بن عروة بن محمد بن عطية السعدي، وهو ابن أخي عبد الملك بن محمد الذي قتل أبا حمزة، وكان هو على الحجاز. ولما بلغ الوليد قتل عمه عبد الملك مضى إلى الذين قتلوه فقتل منهم مقتلةً عظيمةً وبقر بطون نسائهم وقتل الصبيان وحرق من قدر عليه منهم.
وكان على العراق يزيد بن عمر بن هبيرة، وعلى قضاء الكوفة الحجاج ابن عاصم المحاربي، وعلى قضاء البصرة عباد بن منصور الناجي.
وفيها توفي منصور بن المعمر السلمي أبو عتاب الكوفي. وفيها قتل أبو مسلم الخراساني جبلة بن أبي داود العتكي مولاهم أخا عبد العزيز بن دواد، ويكنى أبا مروان.
ثم دخلت سنة اثنتين وثلاثين ومائة
ذكر هلاك قحطبة وهزيمة ابن هبيرةوفي هذه السنة هلك قحطبة بن شبيب.
وكان سبب ذلك أن قحطبة لما عبر الفرات وصار في غربيه، وذلك في المحرم لثمان مضين منه، كان ابن هبيرة قد عسكر على فم الفرات من أرض الفلوجة العليا على رأس ثلاثة وعشرين فرسخاً من الكوفة، وقد اجتمع إليه فل ابن ضبارة، فأمده مروان بحوثرة الباهلي، فقال حوثرة وغيره لابن هبيرة: إن قحطبة قد مضى يريد الكوفة فاقصد أنت خراسان ودعه ومروان فإنك تكسره وبالحري أن يتبعك، قال: ما كان ليتبعني ويدع الكوفة، ولكن الرأي أن أبادره إلى الكوفة؛ فعبر دجلة من المدائن يرير الكوفة، فاستعمل على مقدمته حوثرة وأمره بالمسير إلى الكوفة، والفريقان يسيران على جانبي الفرات. وقال قحطبة: إن الإمام أخبرني أن لي في هذا المكان وقعة يكون النصر فيها لنا.
ونزل قحطبة الجبارية، وقد دلوه على مخاضة، فعبر منها وقال حوثرة ومحمد بن نباتة، فانهزم أهل الشام وفقدوا قحطبة، فقال أصحابه: من كان عنده عهد من قحطبة فليخبرنا به. فقال مقاتل بن مالك العتكي: سمعت قحطبة يقول: إن حدث بي حدث فالحسن ابني أمير الناس.
فبايع الناس حميد بن قحطة لأخيه الحسن، وكان قد سيره أبوه في سرية فأرسلوا إليه فأحضروه وسلموا إليه الأمر.
ولما فقدوا قحطبة بحثوا عنه فوجدوه في جدول وحرب بن سالم بن أحوز قتيلين، فظنوا أنكل واحد منهما قتل صاحبه.
وقيل: إن معن بن زائدة ضرب قحطبة لما عبر الفرات على حبل عاتقة فسقط في الماء فأخرجوه، فقال: شدوا يدي إذ أنا مت وألقوني في الماء لئلا يعلم الناس بقتلي.
وقاتل أهل خراسان فانهزم محمد بن نباتة وأهل الشام، ومات قحطبة، وقال قبل موته: إذا قدمتم الكوفة فوزير آل محمد أبو سلمة الخلال فسلموا هذا المر إليه.
وقيل: بل غرق قحطبة.
ولما انهزم ابن نباتة وحوثرة لحقوا بابن هبيرة، فانهزم ابن هبيرة بهزيمتهم، ولحقوا بواسط وتركوا عسكرهم وما فيه من الأموال والسلاح وغير ذلك. ولما قام الحسن بن قحطبة بالأمر أمر بإحصاء ما في العسكر.
وقيل: إن حوثرة كان بالكوفة فبلغه هزيمة ابن هيرة فسار إليه فيمن معه.
ذكر خروج محمد بن خالد بالكوفة مسوداً
وفي هذه السنة خرج محمد بن خالد عبد الله القسري بالكوفة وسود قبل أن يدخلها الحسن بن قحطبة وأخرج عنها عامل ابن هبيرة ثم دخلها الحسن.
وكان من خبره أن محمداً خرج بالكوفة ليلة عاشوراء مسوداً وعلى الكوفة زياد بن صالح الحارثي، وعلى شرطة عبد الرحمن بن بشير العجلي، وسا محمد إلى القصر، فارتحل زياد ومن معه من اهل الشام، ودخل محمد القصر، وسمع حوثرة الخبر فسار نحو الكوفة، فتفرق عن محمد عامة من معه لما بلغهم الخبر وبقي في نفر يسير من أهل الشام ومن اليمانيين من كان هرب من مروان، وكان معه مواليه وارسل أبو سلمة الخلال، ولم يظهر بعد، إلى محمد يأمره بالخروج من القصر تخوفاً عليه من حوثرة ومن معه، ولم يبلغ أحداً من الفريقين هلاك قحطبة، فأبى محمد أن يخرج، وبلغ حوثرة تفرق أصحاب محمد عنه فتهيأ للمسير نحوه.
فبينا محمد في القصر إذ أتاه بعض طلائعه فقال له: قد جاءت خيل من أهل الشام، فوجه إليهم عدة من مواليه، فناداهم الشاميون: نحن بجيلة وفينا مليح ابن خالد البجلي جئنا لندخل في طاعة الأمير، فدخلوا؛ ثم جاءت خيل أعظم من تلك فيها جهم بن الأصفح الكناني؛ ثم جاءت خيل أعظم منها مع رجل من آل بحدل؛ فلما رأى تلك حوثرة من صنع أصحابه ارتحل نحو واسط. وكتب محمد بن خالد من ليلته إلى قحطبة، وهو لا يعلم بهلاكه، يعلم أنه قد ظفر بالكوفة.
فقدم القاصد على الحسن بن قحطبة، فلما دفع إليه كتاب محمد بن خالد قرأه على الناس ثم ارتحل نحو الكوفة يوم الجمعة ويم السبت والأحد وصبحه الحسن يوم الأثنين.
وقد قيل: إن الحسن بن قحطبة أقبل نحو الكوفة بعد هزيمة ابن هبيرة وعليها عبد الرحمن بن بشير العجلي فهرب عنها، فسود محمد بن خالد وخرج في أحد عشر رجلاً وبايع الناس، ودخلها الحسن من الغد، فلما دخلها الجسن هو وأصحابه أتوا أبا سلمة، وهو في بني سلمة، فاستخرجوه، فعسكر بالنخيلة يومين قثم ارتحل إلى حمام أعين، ووجه الحسن بن قحطبة إلى واسط لقتال ابن هيرة، وبايع الناس أبا سلمة حفص بن سليمان مولى السبيع، وكان يقال له وزير آل محمد، واستعمل محمد بن خالد بن عبد الله على الكوفة، وكان يقال له الأمير، حتى ظهرأبو العباس السفاح.
ووجه حميد بن قحطبة إلى المدائن في قواد، وبعث المسيب بن زهير وخالدب بن برمك إلى دير قنى، وبعث المهلبي وشراحيل إلى عين التمر، وبسام بن إبراهيم بن بسام إلى الأهواز، وبها عبد الواحد بن عمر بن هبيرة. فلما أتى بسام الأهواز خرج عنها عبد الواحد إلى البصرة بعد أن قاتله وهزمه بسام، وبعث إلى البصرة سفيان بن معاوية بن يزيد بن المهلب عاملاً عليها، فقدمها وكان عليها سلم بن قتيبة الباهلي عاملاً لابن هبيرة، وقد لحق به عبد الواحد بن هبيرة، كما تقدم ذكره.
فأرسل سفيان بن معاوية إلى سلم يأمره بالتحول من دار الإمارة ويعلمه ما أتاه من رأي أبي سلمة، وامتنع وجمع معه قيساً ومضر ومن بالبصرة من بني أمية، وجمع سفيان جميع اليمانية وحلفاءهم من ربيعة وغيرهم، وأتاهم قائد من قواد ابن هبيرة كل بعثه مدداً لسلم في ألفي رجل من كلب، فأتى سلم سوق الإبل ووجه الخيول في سكك البصة ونادى: من جاء برأس فله خمسمائة، ومن جاء بأسير فله ألف درهم.
ومضى معاوية بن سفيان بن معاوية في ربيعة وخاصته، فلقيه خيل تميم، فقل معاوية وأتي برأسه إلى سلم، فأعطى قاتله عشرة آلاف، وانكسر سفيان بقتل ابنه فانهزم، وقدم على سلم بعد ذلك أربعة آلاف من عند مروان فأرادوا نهب من بقي من الأزد، فقالتلهم قتالاً شيداً، وكثرت القتلى بينهم، وانهزمت الأزد، ونهبت دورهم، وسبيت نساؤهم، وهدموا البيوت ثلاثة أيام، ولم يزل سلم بالبصرة حتى أتاه قتل ابن هبيرة، فشخص عنها، واجتمع من بالبصرة من ولد الحارث بن عبيد المطلب إلى محمد بن جعفر فولوه أمرهم، فوليهم أياماً يسيرة حتى قدم البصرة أبو مالك عبد الله بن أسيد الخزاعي من قبل أبي مسلم. فلما قدم أبو العابس ولا ها سفيان بن معاوية.
وكان حرب سفيان وسلم بالبصرة في صفر.
وفيها عزل مروان عن المدينة الوليد بن عروة واستعمل أخاه يوسف بن عروة في شهر ربيع الأول.
انقضت الدولة الأموية.
ذكر ابتداء الدولة العباسية
وبيعة أبي العباسفي هذه السنة بويع أبو العباس عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس بالخلافة في شهر ربيع الأول، وقيل: في ربيع الآخر لثلاث عشرة مضت منه، وقيل في جمادى الأولى.
وكان بدء ذلك وأوله أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم ، أعلم العباس بن عبد المطلب أن الخلافة تؤول إلى ولده، فلم يزل ولده يتوقعون ذلك ويتحدثون به بينهم.
ثم إن إبا هاشم بن الحنفية خرج إلى الشام فلقي محمد بن علي بن عبد الله ابن عابس فقال له: يا ابن عم إن عندي علماً أنبذه إليك فلا تطلعن عليه أحداً، إن هذا الأمر الذي يرتجيه الناس فيكم. قال: قد علمت فلا يسمعنه منكم أحد.
وقد تقدم في خبر ابن الأشعث قول خالد بن يزيد بن معاوية لعبد الملك ابن مروان: أما إذ كان الفتق من سجستان فليس عليك منه بأس، إنما كنا نتخوف لو كان من خراسان.
وقال محمد بن علي بن عبد الله: لنا ثلاثة أوقات: موت الطاغية يزيد ابن معاوية، ورأس المائة، وفتق إفريقية، فعند ذلك يدعو لنا دعاة ثم تقبل أنصارنا من المشرق حتى ترد خيلهم المغرب ويستخرجوا ما كنز الجبارون.
فلما قتل يزيد بن أبي مسلم بإفريقية ونقضت البربر بعث محمد بن علي إلى خراسان داعياً وأمره أن يدعوه إلى ارضا ولا يسمي أحداً؛ وقد ذكرنا فيما تقدم خبر الدعاة وخبر أبي مسلم وقبض مروان على إبراهيم بن محمد، وكان مروان لما أرسل المقبوض عليه وصف للرسول صفة أبي العابس، لأنه كان يجد في الكتب: إن من هذه صفته يقتلهم وسلبهم ملكهم! وقالله ليأتيه بإبراهيم بن محمد.
فقدم الرسول فأخذ أبا العباس بالصفة، فلما ظهر إبراهيم وأمن قيل للرسول: إنما أمرت بإبراهيم وهذا عبد الله. فترك أبا العباس وأخذ إبراهيم فانطلق به إلى مروان، فلما رآه قال: ليس هذه الصفة التي وصفت لك. فقالوا: قد رأينا الصفة التي وصفت وإنما سميت إبراهيم فهذا إبراهيم. فأمر به فحبس وأعاد الرسل في طلب أبي العابس فلم يروه.
وكان سبب مسيره من الحميمة أن إبراهيم لما أخذه الرسول نعى نفسه إلى أهل بيته وأمرهم بالمسير إلى الكوفة مع أخيه أبي العباس عبد الله بن محمد وبالسمع له وبالطاعة، وأوصى إلى أبي العابس وجعله الخليفة بعده فسار ابو العابس ومن معه من أهل بيته، منهم: أخوه أبو جعفر المنصور، وعبد الوهاب ومحمد ابنا أخيه إبراهيم، وأعمامه داود وعيسى وصالح وإسماعيل وعبد الله وعبد الصمد بنو علي بن عبد الله بن عباس، وابن عمه داود، وابن أخيه عيسى بن موسى بن محمد بن علي، ويحيى بن جعفر بن تمام ابن عباس، حتى قدموا الكوفة في صفر، موسى بن محمد بن علي، ويحيى بن جعفر بن تمام ابن عباس، حتى قدموا الكوفة في صفر، وشيعتهم من أهل خراسان، بظاهر الكوفة بحمام أعين، فأنزلهم أبو سلمة الخلال دار الوليد بن سعد مولى بني هاشم في بني داود وكتم أمرهم نحواً من أربعين ليلة من جميع القواد والشيعة.
وأراد فيما ذكر أن يحول الأمر إلى آل أبي طالب لما بلغه الخبر عن موت إبراهيم الإمام، فقال له أبو الجهم: ما فعل الإمام؟ قال: لم يقدم بعد فألح عليه. فقال: ليس هذا وقت خروجه لأن واسطاً لم تفتح بعد.
وكان أبو سلمة إذ سئل عن الإمام يقول: لا تعجلوا. فلم يزل ذلك من امره حتى دخل أو حميد محمد بن إبراهيم الحميري من حمام أعين يريد الكناسة، فلقي خادماً لإبراهيم الإمام ياقل له سابق الخوارزمي، فعرفه، فقال له: ما فعل إبراهيم الإمام؟ فأخبره أن مروان قتله، وأن إبرايم أوصى إلى أخيه أيب العباس واستخلفه من بعده، وأنه قدم الكوفة ومعه عامة أهل بيته، فسأله أبو حميد أن ينطلق به إليهم، فقال له سابق: الموعد بيني وبينك غداً في هذا الموضع؛ وكره سابق أن يدله عليهم إلا بإذنهم.
فرجع أبو حميد إلى أبي الجهم فأخبره وهو في عسكر أبي سلمة، فأمره أن يلطف للقائهم، فرجع أبو حميد من الغد إلى الموضع الذي واعد فيه سابقاً فلقيه، فانطلق به إلى أبي العابس وأهل بيته، فملا دخل عليهم سأل أبو حميد من الخليفة منهم. فقال داود بن علي: هذا إمامكم وخليفتكم. وأشار إلى أبي العباس، فسلم عليه بالخلافة وقبل يديه ورجليه وقال: مرنا بأمرك وعزاة بإبراهيم الإمام.
ثم رجع وصحبه إبارهيم بن سلمة، رجل كان يخدم بني العباس، إلى أبي الجهم فأخبره عن منزلهم وأن الإمام أرسل إلى أبي سلمة يسأله مائة دينار يعطيها الجمال كراء الجمال التي حملتهم، فلم يبعث بها إليهم، فمشى أبو الجهم وأبو حميد وإبراهيم بن سلمة إلى موسى بن كعبوقصوا عليه القصة، وبعثوا إلى الإمام؛ فمضى موسى ابن كعب، وأبو الجهم، وعبد الحميد ابن ربعي، وسلمة بن محمد، وإبارهيم بن سلمة، وعبد الله الطائي، وإسحاق ابن إبارهيم، وشرا حيل، وعبد الله بن بسام، وأبو حميد محمد بن إبراهيم، وسليمان بن الأسود، ومحمد بن الحصين إلى الإمام أبي العباس.
وبلغ ذلك أبا سلمة فسأل عنهم، فقيل: غنهم دخلوا الكوفة في حاجة لهم؛ وأتى القوم أبا العابس، فقال: وأيكم عبد الله بن محمد بن الحارثية؟ فقالوا: هذا، فسلموا عليه بالخلافة وعزوه في إبراهيم، ورجع موسى بن كعب وأبو الجهم، وأمر أبو الجهم الباقين فتخلفوا عند الإمام، فأرسل أبو سلمة إلى أبي الجهم: أين كنت؟ قال: ركبت إلى إمامي، فركب أو سلمة إلى الإمام، فأرسل أبو الجهم إلى أبي حميد: إن أبا سلمة قد أتاكم فلا يدخلن على الإمام إلا وحده. فلما انتهى إليهم أبو سلمة منعوه أن يدخل معه أحد، فدخل وحده فسلم بالخلافة على أبي العباس. فقال له أبو حميد: على رغم أنفك يا ماص بظر أمه! فقال له أبو العباس: مه! وأمر أبا سلمة بالعود إلى معسكره، فعاد.
وأصبح الناس يوم الجمعة لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول فلبسوا السلاح واصطفوا لخروج أبي العباس وأتوا بالدواب، فكرب برذوناً أبلق، وركب من معه من أهل بيته فدخلوا دار الإمارة، ثم خرج إلى المسجد فخطب وصلى بالناس، ثم صعد المنبر حين بويع له بالخلافة فقام في أعلاه، وصعد عمه داود بن علي فقام دونه، فتكلم أبو العباس فقال: الحمد لله الذي اصطفى الإسلام لنفسه وكرمه وشرفه وعظمه واختاره لنا فأيده بنا وجعلنا أهله وكهفه وحصنه والقوامبه والذابين عنه والناصرين له، فألزمنا كلمة التقوى وجعلنا أحق بها وأهلها، وخصنا برحم رسول الله، صلى الله عليه وسلم ، وقرابته، وأنشأنا من آبائنا، وأنبتنا من شجرته، واستقنا من نبعته، جعله من أنفسنا عزيزاً عليه ما عنتنا حريصاً علنا بالمؤمنين رؤوفا رحيماً، ووضعنا من الإسلام وأهله بالموضع الرفيع، وأنزل بذلك على أهل الإسلام كتاباً يتلى عليهم، تبارك وتعالى فيما أنزل من محكم كتابه: " إما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً " الأحزاب:23؛ وقال: " وأنذر عشيرتك الأقربين " الشعراء:214؛ وقال: " ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله ولرسول ولذي القربى " الحشر:7؛ وقال: " واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى " الأنفال:41؛ فأعلمه جل ثناؤه فضلنا، وأوجب عليهم حقنا ومودتنا، وأجزل من الفيء والغنيمة نصيبنا تكرمةً لنا وفضلاً علينا، والله ذو الفضل العظيم.
وزعمت السبئية الضلال أن غيرنا أحق بالرياسة والسياسة والخلافة منا، فشاهت وجوههم! ولم أيها الناس وبنا هدى الله الناس بعد ضلالتها، وبصرهم بعد جهالتهم، وأنفذهم بعد هلكتهم، وأظهر بنا الحق، ودحض الباطل، وأصلح بنا منهم ما كان فاسداً، ورفع بنا الخسيسة، وتمم بنا النقيصة، وجمع الفرقة حتى عاد الناس بعد العداوة أهل التعاطف والبر والمواساة في دنياهم، وإخواناً على سرر متقالبلين في آخرتهم، فتح الله ذلك منةً ومنحةً لمحمد، صلى الله عليه وسلم .فلما قبضه الله إليه قام بالأمر من بعده أصحابه وأمرهم شورى بينهم فحووا مواريث الأمم فعدلوا فيها ووضعوها مواضعها وأعطوها أهلها وخرجوا خماصاً منها. ثم وثب بنو حرب وبنو مروان فانبذوها وتداولوها فجاروا فيها واستأثروا بها وظلموا أهلها بما ملأ الله لهم حيناً حتى آسفوه، فلما آسفوه انتقم منهم بأيدينا ورد علينا حقنا وتدارك بنا أمتنا وولي نصرنا والقايم بأمرنا ليمن بنا على الذين استضعفوا في الأرض، وختم بنا كما افتتح بنا.
وإني لأرجو أن لا يأتيكم الجور من حيث جاءكم الخير، ولا الفساد من حيث جاءكم الصلاح، وما توفيقنا أهل البيت إلا بالله.
يا أهل الكوفة أنتم محل محبتنا ومنزل مودتنا، أنتم الذين لم تتغيروا عن ذلك ولم يثنكم عنه تحامل أهل الجور عليكم حتى أدركتم زماننا، وأتاكم الله بدولتنا، فأنتم أسعد الناس بنا وأكرمهم علينا، وقد زدتكم في أعطياتكم مائة درهم، فاستعدوا فأنا السفاح المبيح، والثائر المنيح.
وكان موعوكاً فاشتد عليه الوعك. فجلس على المنبر وقام عمه داود على مراقي المنبر فقال: الحمد الله، شكراً للذي أهلك عدونا وأصار إلينا ميراثنا من نبينا محم، صلى الله عليه وسلم .
أيها الناس الآن أقشعت حنادس الدينا، وانكشف غطاؤها، وأشرقت أرضها وسماؤها، وطلعت الشمس من طلعها، وبزغ القمر من مبزغه، وأخذ القوس باريها، وعاد السهم إلى منزعه، ورجع الحق إلى نصابه في أهل بيت نبيكم، أهل الرأفة والرحمة بكم والعطف عليكم.
أيها الناس! إنا والله ما خرجنا في طلب هذا الأمر لنكثر لجيناً ولا عقياناً، ولا نحفر نهراً، ولا نبني قصراً؛ وإنما أخرجتنا الأنفة من ابتزاهم حقنا، والغضب لبني عمنا، وما كرهنا من أموركم، فلقد كانت أموركم ترمضنا ونحن على فرشنا، ويشتد علنا سوء سيرة بني أمية فيكم واستنزالهم لكم واستئثارهم بفيئكم وصداقتكم ومغانمكم عليكم، لكم ذمة الله، تبارك وتعالى، وذمة رسوله، صلى الله عليه وسلم، وذمة العابس، رحمه الله، علينا أن نحكم فيكم بما أنزل الله، ونعمل فيكم بكتاب الله، ونسير في العامة والخاصة بسيرة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، تباً لبني حرب بن أمية وبني مروان! آثروا في مدتهم العاجلة على الآجلة، والدار الفانية على الدار الباقية، فركبوا الآثام، وظلموا الأنام، وانتهكوا المحارم، وغشوا بالجرائم، وجاروا باستدراج الله وأمناً لمكر الله، فأتاهم بأس الله بياتاً وهم نائمون، فأصبحوا أحاديث، ومزقوا كل ممزق، فبعداً لقوم الظالمين، وأدلنا الله من مروان، وقد غرة بالله الغرور، أرسل لعدو الله في عنانه حتى عثر في فضل خاصمه، أظن عدو الله أن لن نقدر عليه فنادى حزبه وجمع مكايده ورمى بكتائبه، فوجد أمامه ووراء وعن يمينه وشماله من مكر الله وبأسه ونقمته ما امات باطله، وحا ضلاله، وجعل دائرة السوء به، وأحيا شر فنا وعزنا ورد إلينا حقنا وإرثنا.
أيها الناس! إن أمير المؤمنين، نصره الله نصراً عزيزاً، إنما عاد إلى المنبر بعد الصلاة لنه كاره أن يخلط بكلام الجمعة غيره، وإنما قطعه عن استتمام الكلام شدة الوعك، فاعوا الله لأمير المؤمنين بالعافية، فقد بدلكم الله بمروان عدو الرحمن وخليفة الشيطان، المتبع السفلة الذين أفسدوا في الأرض بعد إصلاحها بإبدال الدين وانتهاك حريم المسلمين، الشاب المتكهل المتمهل المقتدي بسلفه الأبرار الأخيار الذين أصلحوا الأرض بعد فسادها بمعالم الهدى ومناهج التقوى.
فعج الناس له بالدعاء، ثم قال.
يا أهل الكوفة! إنا والله ما زلنا مظلومين مقهورين على حقنا حتى أباح الله شيعنا أهل خراسان، فأحيا بهم حقنا، وأبلج بهم حجتنا، وأظهر بهم دولتنا، وأراكم الله بهم ما لستم تنتظرون، فأظهر فيكم الخليفة من هاشم وبيض به وجوهكم، وأدالكم على أهل الشام، ونقل إليكم الله بشكر، والزموا طاعتنا، ولا تخدعوا عن أنفسكم، فإن الأمر أمركم، وإن لكل أهل بين مصراً وإنكم مصرنا، وأمير المؤمنين عبد الله بن محمد؛ وأشار بيده إلى أبي العابس السفاح.
واعلموا أن هذا الأمر فينا ليس بخارج منا حتى نسلمه إلى عيسى بن مريم، عليه السلام، والحمد لله على ما أبلانا وأولانا.
ثم نزل أبو العباس وداود بن علي أمامه حتى دخل القصر وأجلس أخاه أبا جعفر المنصور يأخذ البيعة على الناس في المسجد، فلم يزل يأخذها عليهم حتى صلى بهم العصر ثم المغرب وجنهم الليل فدخل.
وقيل: إن داود بن علي لما تكلم قال في آخر كلامه: أيها الناس إن والله ما كان بينكم وبين رسول الله،صلى الله عليه وسلم ، خليفة إلا علي ابن أبي طالب وأمير المؤمنين الذي خلفي.
ثم نزل. وخرج أبو العباس يعسكر بحمام أعين في عسكر أبي سلمة ونزل معه في حجرته بينهما ستر وحاجب السفاح يومئذ عبد الله بن بسام. واستخلف على الكوفة وأرضها عمه داود بن علي، وبعث عمه عبد الله بن علي إلى أبي عون بن يزيد بشهرزور، وبعث ابن أخيه عيسى بن موسى إلى الحسن بن قحطبة، وهو يومئذ يحاصر ابن هبيرة بواسط، وبعث يحيى ابن جعفر بن تمام بن عباس إلى حميد بن قحطبة بالمدائن، وبعث أبا اليقظان عثمان بن عروة بن محمد بن عمار بن ياسر إلى بسام بن إبراهيم بن بسام بالأهواز، وبعث سلمة بن عمرو بن عثمان إلى مالك بن الطواف.
وأقام السفاح بالعسكر أشهراً ثم ارتحل فنزل المدينة الهاشمية بقصر الإمارة، وكان تنكر لأبي سلمة قبل تحوله حتى عرف ذلك.
وقد قيل: إن داود بن علي وابنه موسى لم يكونا بالشام عند مسير بنب العباس إلى العراق، إنما كانا بالعاق أو بغيره فخرجا يريدان الشام، فلقيهما أبو العابس قصتهم وأنهم يريدون الكوفة ليظهروا بها ويظهروا أمرهم. فقال له داود: يا أبا العباس تأتي الكوفة وشخ بني أمية مروان بن محمد بحران مطل على العراق في أهل الشام والجزيرة، وشيخ العرب يزيد بن هيرة بالعراق في جند العرب! وقال: يا عمي من أحب الحياةذل؛ ثم تمثل بقول الأعشى:
فما ميتة إن متها غير عاجزٍ ... بعارٍ إذا ما غالت النفس غولها
فالتفت داود إلى ابنة موسى فقال: صدق والله ابن عمك، فارجع بنا معه نعش أعزاء أو نمت كرماء. فرجعوا جميعاً.
فكان عيسى بن موسى يقول إذا ذكر خروجهم من الحميمة يريدون الكوفة: إن نفراً أربعة عشر رجلاً خرجوا من دارهم وأهلهم يطلبون ما طلبنا لعظيمة همتهم، كبيرة أنفسهم، شديدة قلوبهم.
ذكر هزيمة مروان بالزابقد ذكرنا أن قحطبة أرسل أبا عون عبد الملك بن يزيد الأزدي إلى شهرزور، وأنه قتل عثمان بن سفيان وأقام بناحية الموصل، وأن مروان ابن محمد سار إليه من حران حتى بلغ الزاب وحفر خندقاً وكان في عشرين ومائة ألف، وسار أبو عون إلى الزاب، فوجه أبو سلمة إلى أبي عون عيينة بن موسى، والمنهال بن فتان، وإسحاق بن طلحة، كل واحد في ثلاثة آلاف.
فلما ظهر أبو العباس بعث سلمة بن محمد في ألفين، وعبد الله الطائي في ألف وخمسائة، وعبد الحيمد بن ربعي الطائي في ألفين، ووداس بن نضلة في خمسائة إلى أبي عون، ثم قال: من يسير إلى مروان من أهل بيتي؟ فقال: عبد الله بن علي: أنا. فسيره إلى أبي عون، فقدم عليه، فتحول أبو عون عن سرادقة وخلاه له وما فيه.
فلما كان لليلتين خلتا من جمادى الآخرة سنممة اثنتين ومائة سأل عبد الله بن علي عن مخاضة فدل عليها بالزاب، فامر عيينه بن موسى، فعبر في خمسة آلاف، فانتهى إلى عسكر مروان، فقاتلهم حتى أمسوا، ورجع إلى عبد الله بن علي.
وأصبح مروان فعقد الجسر وعبر عليه، فنهاه وزراؤه عن ذلك، فلم يقبل وسير ابنه عبد الله، فنزل أسفل من عسكر علد الله بن علي، فبعث عبد الله ابن علي المخارق في أربعة آلاف نحو عبد الله بن مروان، فسرح إليه ابن موران الوليد بن معاوية بن مروان بن الحكم، فالتقيا، فانهزم أصحاب المخارق وثبت هو فأسر هو وجماعة وسيرهم إلى مروان مع رؤوس القتلى، فقال مروان: أدخلوا علي رجلاً من الأسرى. فاتوه بالمخارق، وكان نحيفاً. فقال: أنت المخارق؟ قال: لا، أنا عبد من عبيد أهل العسكر. قال: فتعرف المخارق؟ قال: نعم. قال: فنظر هل تراه في هذه الرؤوس. فنظر إلى رأس منها فقال: هو هذا. فخلى سبيله، فقال رجل مع مروان حين نظر المخارق وهو لا يعرفه: لعن الله أبا مسلم حين جاءنا بهؤلاء يقاتلنا بهم.
وقيل: إن المخارق لما نظر إلى الرؤوس قال: ما أرى رأسه فيها ولا أراه إلا قد ذهب. فخلى سبيله.
ولما بلغت الهزيمة عبد الله بن علي أرسل إلى طريق المنهزمين من يمنعهم من دخول العسكر لئلا ينكر قومهم،وأشار عليه أبو عون أن يبادر مروان بالقتال قبل أن يظهر أمر المخارق فيفت ذلك في أعضاد الناس، فنادى فيهم بلبس السلاح والخروج إلى الحرب، فركبوا، واستخلف على عسكره محمد ابن صول وسار نحو مروان، وجعل على ميمنته أبا عون، وعلى ميسرته الوليد ابن معاوية، وكان عسكره عشرين ألفاً، وقيل: اثني عشر ألفاً وقيل غير ذلك.
فلما التقى العسكران قال مروان لعبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز: عن زالت اليوم الشمس ولم يقاتلونا كنا الذين ندفعها إلى المسيح، عليه السلام، وإن قاتلونا فأقبل الزوال فإنا لله وإنا إليه راجعون.
وأرسل مروان إلى عبد الله يسأله الموادعة، فقال عبد الله: كذب ابن زريق، لا تزول الشمس حتى أوطئه الخيل إن شاء الله. فقال مروان لأهل الشام: قفوا لا نبدأهم بالقتال، وجعل ينظر إلى الشمس، فحمل الوليد بن معاوية بن مروان بن الحكم، وهو ختن مروان بن محمد على ابنته، فغضب وشتمه، وقاتل ابن معاوية أبا عون، فانحاز أبو عون إلى عبد الله بن علي، فقال لموسى ابن كعب: يا عبد الله مر الناس فلينزلوا. فنودي: الأرض فنزل الناس وأشرعوا الرماح وجثوا على الركب فقاتلوهم، وجعل أهل الشام يتأخرون كأنهم يدفعون، ومشى عبد الله بن علي قدماً وهو يقول: يار رب حتى متى نقتل فيك؟ ونادى: يا أهل خراسان! يال لثارات إبراهيم! يا محمد! يا منصور! واشتد بينهم القتال. فقال مروان لقضاعة: انزلوا. فقالوا: قل لبني سليم فلينزلوا. فأرسل إلى السكاسك أن احملوا. فقالوا: قل لبني عامر فليحملوا. فأرسل إلى السكون أن احملوا، فالوا: قل لغطفان فليحملوا. فقال لصاحب شرطته: انزل. فقال: والله ما كنت لأحعل نفسي غرضاً. قال: أما والله لأسؤنك! فقال: وددت والله أنك قدرت على ذلك.
وكان مروان ذلك اليوم لا يدبر شيئاً إلا كان فيه الخلل، فأمر بالأموال فأخرجت، وقال للناس: اصبروا وقاتلوا فهذه الأموال لكم. فجعل ناس من الناس يصيبون من ذلك، فقيل له: إن الناس قد مالوا على هذا المال ولا نأمنهم أن يذهبوا به. فأرسل إلى ابنه عبد الله: أن سر في أصحابك إلى قوم عسكرك فاقتل من أخذ من المال وامنعهم.
فكان ممن غرق يومئذ: إبراهيم بن الوليد بن عبد الملك بن المخلوع، فاستخرجوه في الغرقى، فقرأ عبد الله: " وإذا فرقنا بكم البحر فأنجيناكم وأغرقنا آل فرعون وأنتم تنظرون " وقيل بل قتله عبد الله بن علي بالشام.
وقتل في هذه الوقعة يعيد بن هشام بن عبد الملك. وقيل: بل قتله عبد الله بالشام.
وأقام عبد الله بن علي غي عسكره سبعة أيام، فقال رجل من ولد سعيد اب العاص يعير مروان:
لج الفرار بمروان فقلت له: ... عاد الظلوم ظليماً همه الهرب
أين الفرار وترك الملك إذ ذهبت ... عنك الهوينا فلا دين ولا حسب
فراشة الحلم فرعون العقاب وإن ... تطلب نداه فكلب دونه كلب
وكتب يومئذ عبد الله بن علي إلى السفاح بالفتح، وحوى عسكر مروان بما فيه فوجد سلاحاً كثيراً وأموالاً، ولم يجد فيه امرأة إلا جارية كانت لعبد الله بن مروان.
فلما أتى الكتاب السفاح صلى ركعتين وأمر لمن شهد الوقعة بخمسمائة خمسمائة دينار، ورفع أرزاقهم إلى ثمانين.
وكانت هزيمة مروان بالزاب يوم السبت لإحدى عشرة ليلة خلت من جمادى الآخرة؛ وكان فيمن قتل معه يحيى بن معاوية بن هشام بن عبد الملك، وهو أخو عبد الرحمن صاحب الأندلس، فلما تقدم إلى القتال رأى عبد الله ابن علي فتى عليه أبهة الشرف ياقتل مستقتلاً فناداه: يا فتى لك المان ولو كنت مروان بن محمد! فقال: إن لم أكنه فلست بدونه. قال: فلك الأمان ولو كنت من كنت. فأطرق ثم قال:
أذل الحياة وكره الممات ... وكلا أراه طعاماً وبيلا
فإن لم يكن غير إحداهما ... فسير إلى الموت سيراً جميلا
ثم قاتل حتى قتل؛ فإذا هو مسلمة بن عبد الملك.
ذكر قتل إبراهيم بن محمد بن علي الإمامقد ذكرنا سبب حبسه. واختلف الناس في موته، فقيل: إن مروان حبسه بحران، وحبس سعيد بن هشام بن عبد الملك وابنيه عثمان ومروان، وعبد الله بن عمر بن عبد العزيز، والعباس بن الوليد بن عبد الملكل، وأبا محمد السفياني، هلك منهم في وباء وقع بحران العابس بن الوليد، وإبارهيم بن محمد ابن علي الإمام، وعبد الله بن عمر.
فلما كان قبل هزيمة مروان من الزاب بجمعة خرج سعيد بن هشام وابن عمه ومن معه من المحبوسين فقتلوا صاحب السجن وخرجوا، فقتلهم أهل حران ومن فيها من الغوغاء، وكان فيمن قتله أهل حران شراحيل بن مسلمة ابن عبد الملك، وعبد الملك بن بشر التغلبي، وبطريق أرمينية الرابعة واسمه كوشان، وتخلف أبو محمد السفياني في الحبس فلم يخرج فيمن خرج ومعه غيره لم يستحلوا الخروج من الحبس، فقدم مروان منهزماً من الزاب فجاء فخلى عنهم.
وقيل: إن مروان هدم على إبراهيم بيتاً فقتله.
وقد قيل: إن شراحيل بن مسلمة بن عبد الملك كان محبوساً مع إبارهيم فكانا يتزاوران، فصار بينهما مودة، فأتى رسول من شراحيل إلى إبراهيم يوماً بلبن فقال: يقول لك أخوك إني شربت من هذا اللبن فاستطبته فأحببت أن تشرب منه؛ فشرب منه فتكسر جسده من ساعته، وكان يوماً يزور في شراحيل فأبطأ عليه فأرسل إليه شراحيل: إنك قد أبطأت فما حبسك؟ فأعاد إبراهيم: إني لما شربت اللبن الذي أرسلت به قد أسهلني. فاتاه شراحيل فقال: والله الذي لا إله إلا هو ما شربت اليوم لبناً ولا أرسلت به إليك! فإنا لله وإنا إليه راجعون! احتيل والله عليك. فبات أبراهيم ليلته وأصبح ميتاً؛ فقال إبراهيم ابن هرثمة يرثيه يرثيه:
قد كنت أحسبني جلداً فضعضعني ... قبر بحران فيه عصمة الدين
فيه الإمام وخير الناس كلهم ... بين الصفائح والأحجار والطين
فيه الإمام الذي عمت مصيبته ... وعيلت كل ذي مالٍ ومسكين
فلا عفا الله عن مروان مظلمةً ... لكن عفا الله عمن قال آمين
وكان إبراهيم خيرأ فاضلاً كريماً، قدم المدينة مرةً ففرق في أهلها مالاً جليلاً، وبعث إلى عبد الله بن الحسن بن الحسن بخمسمائة دينار، وبعث إلى جعفر بن محمد بألف دينار، فبعث إلى جماعة العلويين بمال كثير، فأتاه الحسين بن زيد بن علي وهو صغير فأجلسه في حجرة قال: من أنت؟ قال: أنا الحسين بن زيد بن علي. فبكى حتى بل رداءه وأمر وكيله بإحضار ما بقي من المال، فأحضر أربعمائة دينار، فسلمها إليه وقال: لو كان عندنا شيء آخر لسلمته إليك، وسير معه بعض مواليه إلى أمه رابطة بنت عبد الملك بن محمد بن الحنفية يعتذر إليها.
وكان مولده سنة اثنتين وثمانين، وأمه أم ولد بربرية اسمها سلمى.
وكان ينبغي أن يقدم ذكر قتله على هزيمة مروان، وإنما قدمنا ذلك لتتبع الحادثة بعضها بعضاً.
ذكر قتل مروان بن محمد بن الحكموفي هذه السنة قتل مروان بن محمد، وكان قتله ببوصير، من أعمال مصر، لثلاث بقين من ذي الحجة سنة اثنتين وثلاثين ومائة.
وكان مروان لما هزمه عبد الله بن علي بالزاب أتى مدينة الموصل وعليها هشام بن عمرو التغلبي وبشر بن خزيمة الأسدي فقطعا الجسر! فناداهم أهل الشام: هذا أمير المؤمنين مروان! فقالوا: كذبتم، أمير المؤمنين لا يفر! وسبه أهل الموصل، وقالوا: ياجعدي! يا معطل الحمد لله الذي أزال سلطانكم وذهب بدولتكم! الحمد لله الذي أتانا بأهل بيت نبينا! فلما سمع ذلك سار إلى بلد فعبر دجلة وأتى حران، وبها ابن أخيه أبان بن يزيد بن محمد بن مروان عامله عليها، فأقام بها نيفاً وعشرين يوماً.
وسار عبد الله بن علي حتى أتى الموصل فدخلها وعزل عنها هشاماً واستعمل عليها محمد بن صول، ثم سار في أثر مروان بن محمد، فلما دنا منه عبد الله حمل مروان أهله وعياله ومضى منهزماً وخلف بمدينة حران ابن أخيه أبان بن يويد وتحته أم عثمان ابنة مروان.
وقدم عبد الله بن علي حران، فلقيه أبان مسوداً مبايعاً له، فبايعه ودخل في طاعته، فآمنه ومن كان بحران والجزيرة.
ومضى مروان إلى حمص، فلقيه أهلها بالسمع والطاعة، فأقام بها يومين أو ثلاثة ثم سار منها. فلما رأوا قلة ممن معه طمعوا فيه وقالوا: مرعوب منهزم؛ فاتبعوه بعدما رحل عنهم فلحقوه على أميال. فلما رأى غبرة الخيل كمن لهم، فلما جاوزوا الكمين صافهم مروان فيمن معه وناشدهم، فأبوا إلا قتاله، فقاتلهم وأتاهم الكمين من خلفهم، فانهزم أهل حمص وقتلوا حتى انتهوا إلى قريب المدينة.
وأتى مروان دمشق وعليها الوليد بن معاوية بن مروان، فخلفه بها وقال: قاتلهم حتى يجتمع أهل الشام. ومضى مروان حتى أتى فلسطيم فنزل نهر أبي فطرس، وقد غلب على فلسطين الحكم بن ضبعان الجذامي، فأرسل مروان إلى عبد الله بن يزيد بن روح بن زنباع الجذامي فأجاره، وكان بيت المال في يد الحكم.
وكان السفاح قد كتب إلى عبد الله بن علي يأمره باتباع مروان، فسار حتى أتى الموصل، فتلقاه من بها مسودين وفتحوا له المدينة؛ ثم سار إلى حران، فتلقاه أبان بن يزيد مسوداً، كما تقدم، فآمنه وهدم عبد الله الدار التي حبس فيها إبراهيم. ثم سار من حران إلى منبج، وقد سودوا، فأقام بها، أياماً، ثم سار إلى بعلبك فأقام يومين، ثم سار فنزل مزة دمشق، وهي قرية من قرى الغوطة؛ وقدم عليه أخوه صالح بن علي مدداً فنزل مرج عذراء في ثمانية آلاف؛ ثم تقدم بعبد الله فنزل على الباب الشرقي، ونزل صالح على باب الجابية، ونزل أبو عون على باب كيسان، ونزل بسام بن إبراهيم على باب الصغير، ونزل حميد بن قحطبة على باب توما، وعبد الصمد ويحيى بن صفوان والعباس بن يزيد على باب الفراديس، وفي دمشق الوليد بن معاوية، فحصروه ودخلوها عنوة يوم الأربعاء لخمس مضين من رمضان سنة اثنتين وثلاثين ومائة.
وكان أول من صعد سور المدينة من باب شرقي عبد الله الطائي، ومن ناحية باب الصغير بسام بن إبراهيم، فقاتلوا بها ثلاث ساعات، وقتل الوليد ابن معاوية فيمن قتل.
وأقام عبد الله بن علي في دمشق خمسة عشر يوماً، ثم سار يريد فلسطين، فلقيه أهل الأردن وقد سودوا، وأتى أبي فطرس وقد ذهب مروان، فأقام عبد الله بفلسطين، ونزل بالمدينة يحيى بن جعفر الهاشمي، فأتاه كتاب السفاح يأمره بإرسال صالح بن علي في طلب مروان. فسار صالح من نهر أي فطرس في ذي القعدة سنة اثنتين وثلاثين ومائة ومعه ابن فتان وعامر بن إسماعيل، فقدم صالح أبا عون وعامر بن إسماعيل الحارثي، فساروا حتى بلغوا العريش. فأحرق مروان ما كان حوله من علف وطعام.
وسار صالح فنزل النيل، ثم سار حتى أتى الصعيد، وبلغه أن خيلاً لمروان يحرقون الأعلاف فوجه إليهم فأخذوا وقدم بهم على صالح وهو بالفسطاط، وسار فنزل موضعاً يقال له ذات السلاسل، وقدم أبو عون عامر ابن إسماعيل الحارثي وشعبة بن كثير المازني في خيل أهل الموصل فلقوا خيلاً لمروان فهزمهم وأسروا منهم رجالاً فقتلوابعضاً واستحيوا بعضاً، فسألوهم عن مروان فأخبروهم بمكانه على أن يؤمنوهم، وساروا فوجدوه نازلاً في كنيسة في بوصير، فوافوه ليلاً، وكان أصحاب أبي عون قليلين، فقال لهم عامر بن إسماعيل: إن أصبحنا وأوا قلتنا أهلكونا ولم ينج منا أحد. وكسر جفن سيفه وفعل أصحابه مثله وحملوا على أصحاب مروان فانهزموا، وحمل رجل من أهل الكحوفة كان يبيع الرمان فاحتز رأسه، فأخذه عامر فبعث به إلى أبي عون، وبعثه أبو عون إلى صالح.
فلما وصل إليه أمر أن يقص لسانه، فانقطع لسانه، فأخذه هر، فقال صالح: ماذا ترينا الأيام من العجائب والعبر! هذا لسان مروان قد أخذه هر؛ وقال شاعر:
قد فتح الله مصراً عنوةً لكم ... وأهلك الفاجر الجعدي إذ ظلما
فلاك مقوله هر يجرره ... وكان ربك من ذي الكفر منتقما
وسيره صالح إلى أبي العباس السفاح.
وكان قتله لليلتين بقيتا من ذي الحجة، ورجع صالح إلى الشام وخلف أبا عون بمصر وسلم إليه السلاح والأموال والرقيق.
ولما وصل الرأس إلى السفاح كان بالكوفة، فلما رآه سجد ثم رفع رأسه فقال: الحمد الله الذي أظهرني عليك وأظفرني بك ولم يبق ثأري قبلك وقبل رهطك أعداء الدين! وتمثل:
لو يشربون دمي لم يرو شاربهم ... ولا دماؤهم للغيظ ترويني
ولما قتل مروان هرب ابناه عبد الله وعبيد الله إلى أرض الحبشة، فلقوا من الحبشة بلاء، قاتلهم الحبشة فقتل عبيد الله ونجا عبد الله وعدة ممن معه، فبقي إلى خلافة المهدي، فاخذه نصر بن محمد بن الشعث، عامل فلسطين، فبعث به إلى المهدي.
ولما قتل مروان قصد عامر الكنيسة التي فيها حرم مروان، وكان قد وكل بهن خادماً وأمره أن يقتلهن بعده، فأخذه عامر وأخذ نساء مروان وبناته فسيرهن إلى صالح بن علي بن عبد الله بن عباس. فلما دخلن عليه تكلمت ابنة مروان الكبرى فقالت: يا عم أمير المؤمنين! حفظ الله لك من أمرك ما تحب حفظه، نحن بناتك وبنات أخيك وابن عمكفليسعنا من عفوكم ما وسعكم من جورنا.
قال: والله لا استبقي منكم واحداً! ألم يقتل أبوك ابن أخي إبراهيم الإمام؟ ألم يقتل هشام بن عبد الملك زيد بن علي بن الحسين وصلبه في الكوفة؟ ألم يقتل الوليد بن يزيد يحيى بن زيد وصلبه بخراسان؟ أل يقتل ابن زياد الدعي مسلم بن عقيل؟ ألم يقتل يزيد بن معاوية الحسين بن علي وأهل بيته؟ ألم يخرج إليه بحرم رسول الله، صلى الله عليه وسلم، سبايا فوقفهن موقف السبي؟ ألم يحمل رأس الحسين وقد قرع دماغه؟ فما الذي يحملني على الإبقاء عليكن؟! قالت: فليسعنا عفوكم! فقال: أما هذا فنعم، وإن أحببت زوجتك ابني الفضل! فقالت: وأي عز خير من هذا! بل تلحقنا بحران. فحملهن إليها، فلما دخلنها ورأين منازل مروان رفعن أصواتهن بالبكاء.
قيل: كان يوماً بكير بن ما هان مع أصحابه قبل أني قتل مروان يتحدث إذ مر به عامر بن إسماعيل وهو لا يعرفه فأتى دجلة واستقى من مائها ثم رجع، فدعاه بكير فقال: ما اسمك يا فتى؟ قال: عامر بن إسماعيل بن الحارث. قال: فكن من بني مسلية. قال: فأنا منهم. قال: أنت والله تقتل مروان! فكان هذا القول هو الذي قوى طوع عامر في قتل مروان.
ولما قتل مروان كان عمره اثنتين وستين سنة، وقيل: تسعاً وستين سنة؛ وكانت ولايته من حين بويع إلى أن قتل خمس سنين وعشرة أشهر وستة عشر يوماً؛ وكان يكنى أبا عبد الملك؛ وكانت أمه أم ولد كردية، كانت لإبراهيم بن الأشتر، أخذها محمد بن مروان يوم قتل إبراهيم فولدت مروان فلهذا قال عبد الله بن عياش المشرف للسفاح: الحمد لله الذي أبدلنا بحمار الجزيرة وابن أمة النخع ابن عم رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ابن عبد المطلب.
وكان مروان يلقب بالحمار والجعدي لأنه تعلم من الجعد بن درهم مذهبه في القول بخلق القرآن والقدر وغير ذلك، وقيل: إن الجعد كان زنديقاً، وعظمه ميمون بن مهران فقال: لشاه قباذ أحب إلي مما تدين به. فقال له: قتلك الله، وهو قاتلك، وشهد عليه ميمون، وطلبه هشام فظفر به وسيره إلى خالد القسري فقتله، فكان الناس يذمون مروان بنسبته إليه.
وكان مروان أبيض أشهل شديد الشهلة، ضخم الهامة، كث اللحية أبيضها، ربعة؛ وكان شجاعاً حازماً إلا أن مدته انقضت فلم ينفعه حزمه ولا شجاعته.
عياش بالياء تحتها نقطتان، والشين المعجمة.
ذكر من قتل من بني أميةدخل سديف على السفاح وعنده سليمان بن هشام بن عبد الملك وقد أكرمه، فقال سديف:
لا يغرنك ما ترى من الرجال ... إن تحت الضلوع داء دوياً
فضع السيف وارفع السوط حتى ... لا ترى فوق ظهرها أمويا
فقال سليمان: قتلتني يا شيخ! ودخل السفاح، وأخذ سليمان فقتل.
ودخل شبل بن عبد الله مولى بني هاشم على عبد الله بن علي وعنده من بني أمية نحو تسعين رجلاً على الطعام، فأقبل عليه شبل فقال:
أصبح الملك ثابت الآساس ... بالبهاليل من بني العابس
طلبوا وتر هاشم فشفوها ... بعد ميلٍ من الزمان وياس
لا تقيلن عبد شمسٍ عثاراً ... واقطعن كل رقلةٍ وغراس
ذلها أظهر التودد منها ... وبها منكم كحر المواسي
ولقد غاظني وغاظ سوائي ... قربهم من تنمارقٍ وكراسي
أنزلوها بحيث أنزلها الل ... ه بدار الهوان والإتعاس
والقتل الذي بحران أضحى ... ثاوياً بين غربةٍ وتناس
فأمر بها عبد الله فضربوا بالعمد حتى قتلوا، وبسط عليهم الأنطاع فأكل الطعام عليها وهو يسمع أنين بعهم حتى ماتوا جيمعاً، وأمر عبد الله ابن علي بنبش قبور بني أمية بدمشق، فنبش قبر معاوية بن أبي سفيان، فلم يجدوا فيه إلا خيطاً مثل الهباء، ونبش قبر يزيد بن معاوية بن أبي سفيان فوجدوا فيه حطاماً كأنه الرماد، ونبش قبر عبد الملك فإنه وجد صحيحاً لم يبل منه إلا أرنبة أنفه، فضربه بالسياط وصلبه وحرقه وذراه في الريح.
وتتبع بني امية من أولاد الخلفاء وغيرهم فأخذهم، ولم يفلت منهم إلا رضيع أو من هرب إلى الأندلس، فقتلهم بنهر أبي فطرس، وكان فيمن قتل: محمد بن عبد الملك بن مروان، والغمر بن يزيد بن عبد الملك، وعبد الواحد بن سليمان بن عبد الملك، وسعيد بن عبد الملك، وقيل: غنه مات قبل ذلك، وأبو عبيدة بن الوليد بن عبد الملك، وقيل: إن إبراهيم بن يزيد المخلوع قتل معهم، واستصفى كل شيء لهم من مال وغي ذلك؛ فلما فرغ منهم قال:
بني أمية قد أفنيت جمعكم ... فكيف لي منكم بالأول الماضي
يطيب النفس أن النار تجمعكم ... عوضتم منم لظاها شر معتاض
منيتم، لا أقال الله عثرتكم، ... بليث غاب إلى الأعداء نهاض
إن كان غيظي منكم لفوتٍ فلقد ... منيت منكم بما ربي به راض
وقيل: إن سديفاً أنشد هذا الشعر للسفاح ومعه كانت الحادثة، هو الذي قتلهم.
وقتل سليمان بن علي بن عبد الله بن عباس بالبصرة أيضاً جماعةً من بني أمية عليهم الثياب الموشية المرتفعة وأمر بهم فجروا بأرجلهم فألقوا على الطريق فأكلتهم الكلاب.
فلما رأى بنو أمية ذلك اشتد خوفهم وتشتت شملهم واختفى من قدر على الاختفاء وكان ممن اختفى منهم عمرو بن معاوية بن عمرو بن سفيان بن عتبة بن أبي سفيان. قال: وكنت لا اتي مكاناً إلا عرفت فيه،فضاقت على الأرض، فقدمت على سليمان بن علي، وهو لا يعرفني، فقلت: لفظتني البلاد إليك، ودلني فضلك عليك، فإما قتلتني فاسترحت، وإما رددتني سالماً فامنت. فقال: ومن أنت؟ فعرفته نفسي، فقال: مرحباً بك، ما حاجتك؟ فقتل: إن الحرم اللواتي أنت أولى الناس بهن وأقربهم إليهن قد خفن لخوفنا ومن خاف خيف عليه. قال: فبكى كثيراً ثم قال: يحقن الله دمك ويوفر مالك ويحفظ حرمك. ثم كتب إلى السفاح: يا أمير الؤمنين إنه قد وفد وافد من بني أمية علينا، وإنا قتلناهم على عقوقهم لا على أرحامهم، فإننا يجمعنا وإياهم عبد مناف والرحم تبل ولا تقتل وترفع ولا توضع، فإن رأى أمير المؤمنين أن يهبهم لي فليفعل، وإن فعل فليجعل كتاباً عاماً إلى البلدان نشكر الله تعالى على نعمه عندنا وإحسانه إلينا. فأجابه إلى ما سأل، فكان هذا أول أمان بني أمية.
ذكر خلع حبيب بن مرة المريوفي هذه السنة بيض حبيب بن مرة المري وخلع هو ومن معه من أهل البثنية وحوران، وكان خلعهم قبل خلع أبي الورد، فسار إليه عبد الله وقاتله دفعاتٍ، وكان حبيب من قواد مروان وفرسانه.
وكان سبب تبييضه الخوف على نفسه وقومه، فبايعته قيس وغيرهم ممن يليهم. فلما بلغ عبد الله خروج أبي الورد ةتبييضه دعا حبيباً إلى الصلح، فصالحه وآمنه ومن معه وسار نحو أبي الورد.
ذكر خلع أبي الورد وأهل دمشقوفيها خلع أبو الورد مجزاة بن الكوثرة بن زفر بن الحارث الكلابي، وكان من أصحاب مروان وقواده.
وكان سبب ذلك أن مروان لما انهزم قام أبو الورد بقنسرين، فقدمها عبد الله بن علي فبايعه أبو الورد ودخل فيما دخل فيه جنده، وكان ولد مسلمة بن عبد الملك مجاورين له ببالس والناعورة، فقدم بالس قائد من قواد عبد الله بن علي فبعث بولد مسلمة ونسائهم، فشكا بعضهم ذلك إلى أبي الورد، فخرج من مزرعة له يقال لها خساف فقتل ذلك القائد ومن معه وأظهر التبييض والخلع لعبد الله، ودعا أهل قنسرين إلى ذلك، فبيضوا أجمعهم، والسفاح يومئذ بالحيرة، وعبد الله بن علي مشتغل بحرب حبيب بن مرة المري بأرض البلقاء وحوران والبثنية، على ماذكرناه.
فلما بلغ عبد الله بييض أهل قنسرين وخلعهم صالح حبيب بن مرة وسار نحو قنسرين للقاء أبي الورد، فمر بدمشق فخلف بها أبا غانم عبد الحميد بن ربعي الطائي في أربعة آلاف، وكان بدمشق أهل عبد الله وأمهات أولاده وثقله، فلما قدم حمص انتقض له أهل دمشق وبيضوا وقاموا مع عثمان بن عبد الأعلى بن سراقة الأزدي فلقوا أبا غانم ومن معه فهزموه وقتلوا من أصحابه مقتلةً عظيمة وانتهبوا ما كان عبد الله خلف من ثقله ولم يعرضوا لأهله واجتمعوا على الخلاف. وسار عبد الله، وكان قد اجتمع مع أبي الورد جماعة من أهل قنسرين وكاتبوا من يليهم من أهل حمص وتدمر، فقدم منهم ألوف عليهم أبو محمد بن عبد الله بن يزيد بن معاوية، ودعوا إليه، وقالوا: هذا السفياني الذي كان يذكر، وهم في نحو من أربعين ألفاً، فعسكروا بمرج الأخرم، ودنا منهم عبد الله بن علي ووجه إليهم أخاه عبد الصمد بن علي في عشرة آلاف، وكان أبو الورد هو المدبر لعسكر قنسرين وصاحب القتال، فناهضهم القتال، وكثر القتل في الفريقين، وانكشف عبد الصمد ومن معه، وقتل منهم ألوف ولحق بأخيه عبد الله.
فأقبلى عبد الله معه وجماعة القواد فالتقوا ثانيةً بمرج الأخرم فاقتتلوا قتالاً شديداً، وثبت عبد الله، فانهزم أصحاب أبي الورد وثبت هو في نحو من خمسمائة من قومه وأصحابه فقتلوا جميعاً، وهرب أبو محمد ومن معه حتى لحقوا بتدمر، وآمن عبد الله أهل قنسرين وسودوا وبايعوه ودخلوا في طاعته.
ثم انصرف راجعاً إلى أهل دمشق لما كان من تبييضهم عليه، فلما دنا منهم هرب الناس ولم يكن منهم قتال، وآمن عبد الله أهلها وبايعوه ولم يأخذهم بما كان منهم.
ولم يزل أبو محمد السفياني متغيباً هارباً ولحق بأرض الحجاز وبقي كذلك إلى أيام المنصور، فبلغ زياد بن هبد الله الحارثي عامل المنصور مكانه، فبعث إليه خيلاً فقاتلوه فقتلوه وأحذوا ابنين له أسيرين، فبعث زياد برأس أبي محمد بن عبد الله السفياني وبابنيه، فأطلقهما المنصور وآمنهما.
وقيل: إن حرب عبد الله وأبي الورد كانت سلخ ذي الحجة سنة ثلاث وثلاثين ومائة.
ذكر تبييض أهل الجزيرة وخلعهموفي هذه السنة بيض أهل الجزيرة وخلعوا أبا العباس السفاح وساروا إلى حران وبها موسى بن كعب في ثلاثة آلاف من جند السفاح فحاصروه بها وليس على أهل الجزيرة رأس يجمعهم، فقدم عليهم إسحاق بن مسلم العقيلي من أرمينية، وكان سار عنها حين بلغه هزيمة مروان، فاجتمع عليه أهل الجزيرة وحاصر موسى بن كعب نحواً من الشهرين.
ووجه أبو العباس السفاح أخاه أبا جعفر فيمن كان معه من الجنود بواسط محاصرين ابن هبيرة، فسار فاجتاز بقرقيسيا والرقة، وأهلهما قد تبيضوا، وسار نحو حران، فرحل إسحاق بن مسلم إلى الرهاء، وذلك سنة ثلاث وثلاثين ومائة، وخرج موسى بن كعب من حران فلقي أبا جعفر.
ووجه إسحاق بن مسلم أخاه بكار بن مسلم إلى ربيعة بدارا ومادرين، ورئيس ربيعة يومئذ رجل من الحرورية يقال له بريكة، فعمد إليهم أبو جعفر فلقيهم، فقاتلوه قتالاً شديداً، وقتل بريكة في المعركة، وانصرف بكار إلى أخيه إسحاق بالرهاء، فخلفه إسحاق بها وسار إلى سميساط في عظم عسكره،وأقبل أبو جعفر إلى الرهاء، وكان بينهم وبين بكار وقعات.
وكتب السفاح إلى عبد الله بن علي يأمره أن يسير في جنوده إلى سمياط، فسار حتى نزل بإزاء إسحاق بسمياط، وإسحاق في ستين ألفاً وبينهم الفرات، وأقبل أبو جعفر من الرهاء وحاصر إسحاق بسميساط سبعة أشهر، وكان إسحاق يقول: في عنقي بيعة، فأنا لا ادعها حتى أعلم أن صاحبها مات أوقتل.
فأرسله إليه أبو جعفر: إن مروان قد قتل. فقالك حتى أتيقن. فلما تيقن قتله طلب الصلح والأمان، فكتبوا إلى السفاح بذلك وأمرهم أن يؤمنوه ومن معه، فكتبوا بينهم كتاباً بذلك، وخرج إسحاق إلى أبي جعفر، وكان عنده من آثر صحابته، واستقام أهل الجزيرة والشام، وولى أبو العباس أخاه أبا جعفر الجزيرة وأرمينية وأذربيجان، فلم يزل عليها حتى استخلف.
وقد قيل: إن عبد الله بن علي هو الذي آمن إسحاق بن مسلم.
ذكر قتل أبي سلمة الخلال وسليمان بن كثير
قد ذكرنا ما كان من أبي سلمة في أمر أبي العباس السفاح ومن كان معه من بني هاشم عند قدومهم الكوفة بحيث صار عندهم متهماً، وتغير السفاح عليه وهو بعسكره بحمام أعين، ثم تحول عنه إلى المدينة الهاشمية فنزل قصر الإمارة بها وهو متكر لأبي سلمة.وكتب إلى أبي مسلم يعلمه رأيه فيه وما كان هم به من الغش، وكتب إليه أبو مسلم: إن كان أمير المؤمنين اطلع على ذلك منه فليقتله.
فقال داود بن علي للسفاح: لا تفعل يا أمير المؤمنين فيحتج بها أبو مسلم عليك واهل خراسان الذين معك أصحابه، وحاله فيهم حاله، ولكن اكتب إلى أبي مسلم فليبعث إليه من يقتله.
فكتب إليه، فبعث أبو مسلم مرار بن أنس ال2ضبي لقتله، فقدم على السفاح فأعلمه بسبب قدومه، فأمر السفاح منادياً فنادى: إن أمير المؤمنين قد رضي عن أبي سلمة ودعاه فكساه، ثم دخل عليه بعد ذلك ليلة فلم يزل عنده حتى ذهب عامل الليل، ثم انصرف إلى منزله وحده، فعرض له مرار ابن أنس ومن معه من أعوانه فقتلوه وقالوا: قتله الخوارج، ثم أخرج من الغد فصلى عليه يحيى بن محمد بن علي ودفن بالمدينة الهاشمية عند الكوفة، فقال سليمان بن المهاجر البجلي.
إن الوزير وزير آل محمد ... وأدى فمن يشناك صار وزيرا
وكان يقال لأبي سلمة: وزير آل محمد، ولأبي مسلم، فملا قدم على أبي مسلم سايره عبيد الله بن الحسن الأعرج وسلميان بن كثير، فقال سليمان بن كثير لعبيد الله: يا هذا إنا كنا نرجو أن يتم أمركم، فإذا شئتم فادعونا إلى ما تريدون. فظن عبيد الله أنه دسيس من أبي مسلم، فأتى أبا مسلم فأخبره وخاف أن يعلمه أن يقتله، فاحضر أبو مسلم سليمان بن كثير وقال له: احفظ قوزل الإمام لي من اتهمته فاقتله؟ قال: نعم. قال: فإني اتهمتك. قال: أنشدك الله! قال: لا تناشدني، فانت منطوٍ على غش الإمام، وأمر بضرب عنقه.
ورجع أبو جعفر إلى السفاح فقال: لست خليفة ولا أمرك بشيء إن تركت أبا مسلم ولم تقتله. قال: وكيف؟ قال: والله ما يصنع إلا ما أراد. قال أبو العباس: فاكتمها.
وقد قيل: إن أبا جعفر إنما سار إلى أبي مسلم قبل أن يقتل أبو سلمة.
وكان سبب ذلك أن السفاح لما ظهر تذاكروا ما صنع أبو سلمة فقال بعض من هناك: لعل ما صنع كان من رأي أبي مسلم. فقال السفاح: لئن كان هذا عن رأيه إنا لنعرفن بلاء إلا أن يدفعه الله عنا. وأرسل أخاه أبا جعفر إلى أبي مسلم ليعلم رأيه. فسار إليه وأعلمه ما كان من أبي سلمة فأرسل مرار بن أنس فقتله.
ذكر محاصرة ابن هبيرة بواسطقد ذكرنا ما كان من أمر يزيد بن هليرة والجيش الذين لقوه من أهل خاسان مع قحطبة، ثم مع ابنة الحسن، وانهزامه إلى واسط وتحصنه بها، وكان لما انهزم قد وكل بالأثال قوماً، فذهبوا بها، فقال له حوثرة: أين تذهب وقد قتل صاحبهم؟ يعني قحطبة، امض إلى الكوفة ومعك جند كثير، فقاتلهم حتى تقتل أو تظفر. قال: بل نأتي واسطاً فننظر. قال: مكا تريد على أن تمكنه من نفسك وتقتل.
وقال يحيى بن حضين: غنك لو تأتي مروان بشيء أحل إليه من هذه الجنود، فالزم الفارت حتى تأتيه، وأياك وواسطاً فتصير في حصار ولي بعد الحصر إلا القتل. لإابى.
وكان يخاف مروان لأنه كان يكتب إليه بالأمر فيخالفه، فخاف أن يقتله، فأتى واسطاً فتحصن بها؛ وسير أبو سلمة إليه الحسن بن قحطبة فحصره، وأول وقعة كانت بينهم يوم الأربعاء. قال أهل الشام لابن هيرة: ايذن لنا في قتالهم. فأذن لهم، فخرجوا وخرج ابن هبيرة وعلى ميمنته ابنه داود، فالتقوا وعلى ميمنة الحسن خازم بن خزيمة، فحمل خازم على ابن هبيرة، فانهزم هو ومن معه وغص الباب بالناس، ورمى أصحابه بالعرادات، ورجع أهل الشام، فكر عليهم الحسن واضطرهم إلى دجلة، فغرق منهم ناس كثير، فتلقوهم بالسفن وتحاجزوا، فمكثوا سبعة أيام ثم خرجوا إليهم فاقتتلوا وانهزم أهل الشام هزيمةً قبيحة، فدخلوا المدينة، فمكثوا ما شاء الله لا يقاتلون إلا رمياً.
وبلغ ابن هبيرة، وهو في الحصار، أن أبا أمية التغلبي قد سود فأخذه وحبسه، فتكلم ناس من ربيعة في ذلك ومعن بن زائدة السيباني وأخذوا ثلاثة من فزارة رهط ابن هبيرة فحبسوهم. وشتموا ابن هبيرة وقالوا: لا نترك ما في أيدينا حتى يترك ابن هبيرة صاحبنا، وابى أبن هبيرة أن يطلقه، فاعتزل معن وعبد الرحمن بن بشير العجلي فيمن معهما. فقيل لابن هبيرة: هؤلاء فرسانك قد أفسدتهم، وإن تماديت في ذلك كانوا أشد عليك ممن حصرك. فدعا أبا أمية فكساه وخلى سبيله، فاصطلحوا وعادوا إلى ما كانوا عليه.
وقدم أبو نصر مالك بن الهيثم من ناحية سجستان إلى الحسن، فأوفد الحسن وفداً إلى السفاح بقدوم أبي نصر عليه، وجعل على الوفد غيلان بن عبد الله الخزاعي، وكان غيلان واجداً على الحسن لأنه سرحه إلى روح بن حاتم مدداً له، فلما قدم على السفاح وقال: أشهد أنط أمير المؤمنين، وأنك حبل الله المتين، وأنك إمام المتقين. قال: حاجتك يا غيلان؟ قال: أستغفرك. قال: غفر الله لك. قال غيلان: يا أمير المؤمنين من علينا برجل من أهل بيتك ننظر إلى وجهه وتقر عيننا به. فبعث أخاه أبا جعفر لقتال ابن هبيرة عند رجوعه من خراسان. وكتب إلى الحسن: إن العسكر عسكرك، والقواد قوادك، ولكن أحببت أن يكون أخي حاضراً، فاسمع له وأطع وأحسن موازرته. وكتب إلى مالك بن الهيثم بمثل ذلك.وكان الحسن هو المدبر لأمر ذلك العسكر.
فلما قدم أبو جعفر المنصور على الحسن تحول الحسن عن خيمته وأنزله فيها، وجلعل الحسن على حرس المنصور عثمان بن نهيك.
وقاتلهم مالك بن الهيثم يوماً فانهزم أهل الشام إلى خنادقهم وقد كمن لهم معن وأبو يحيى الجذامي. فملا جازهم أصحاب مالك خرجوا عليهم فقاتلوهم حتى جاء الليل، وابن هبيرة على برج الخلالين، فاقتتلوا ما شاء الله من الليل، وسرح ابن هبيرة إلى معن يأمره بالآنصاف، فانصرف، فمكثوا أياماً، وخرج أهل واسط أيضاً مع معن ومحمد بن نباتة، فقاتلهم أصحاب الحسن فهزموهم إلى دجلة حتى تساقطو فيها ورجعوا وقد قتل ولد مالك بن الهيثم، فملا رآه أبوه قتيلاً قال: لعن الله الحياة بعدك! ثم حملوا على أهل واسط فقاتلوهم حتى المدينة.
وكان مالك يملأ السفن حطباً ثم يضرمها ناراً لتحرق ما مرت به، فكان ابن هبية يجر تلك السفن بكلاليب، فمكثوا كذلك أحد عشر شهراً.
فلما طال عليم الحصار طلبوا لصلح، ولم يطلبوه حتى جاءهم خبر قتل مروان، أتاهم به إسماعيل بن عبد الله القسري وقال لهم: علام تقتلون أنفسكم وقد قتل مروان؟ وتجنى أصحاب ابن هبيرة عليه، فقالت اليمانية: لا نعين مروان زآثاره فينا آثاره. وقالت النزارية: لا تقاتل حتى تقاتل معنا اليمانية، وكان يقاتل معه صعاليك الناس وفتيانهم.
وهم ابن هبيرة بأن يدعو إلى محمد بن عبد الله بن الحسن بن علي، فكتب إليه، فأبطأ جوابه، وكاتب السفاح اليمانية من أصحاب ابن هبيرة وأطمعهم، فخرج إليه زياد بن صالح وزياد بن عبد الله الحارثيان ووعدا ابن هبيرة أن يصلحا له ناحية ابن العباس، فلم يفعلا، وجرت السفراء بين أبي جعفر وابن هبيرة حتى جعل له أماناً وكتب به كتاباً مكث ابن هبية يشاور فيه العلماء أربعين يوماً حتى رضيه فأنفذه إلى أبي جعفر، فأنفذه أبو جعفر إلى أخيه السفاح فأمره بأمضائه.
وكان رأي أبي جعفر الوفاء له بما أعطاه، وكان السفاح لا يقطع أمراً دون أبي مسلم، وكان أبو الجهم عيناً لأبي مسلم على السفاح، فكتب السفاح إلى أبي مسلم يخبره أمر ابن هبية، فكتب أبو مسلم إليه: إن الطريق السهل إذا ألقيت فيه الحجارةفسد، ولا واله لا يصلح طريق فيه ابن هبيرة.
ولما تم الكتاب خرج ابن هبيرة إلى أبي جعفر في ألف وثلاثمائة من الخارية وأراد أن يدخل على دابته، فقام إليه الحاجب سلام بن سليم فقال: مرحباً بك أبا خالد، انزل راشداً! وقد أطاف بحجرة المنصور عشرة آلاف من أهل خراسان، فنزل، ودعا له بوسادة ليجلس عليها، وأدخل القواد ثم أذن لابن هبيرة وحده، فدخل وحادثه ساعةً ثم قام ثم مكث يأتيه يوماً ويتركه يوماً، فكان يأتيه في خمسمائة فارس وثلاثمائة راجل. فقيل لأبيجعفر: إن ابن هبيرة ليأتي فيتضعضع له العسكر وما نقص من سلطانه شيء. فأمره أبو جعفر أن لا يأتي إلا في حاشيته فكان يأتي في ثلاثين، ثم صار يأتي في ثلاثة أو أربعة.
وكلم ابن هبيرة المنصور يوماً، فقال له ابن هبيرة: يا هناه! أو: يا أيها المرء! ثم رجع فقال: أيها الأمير إن عهدي بكلام الناس بمثل ما خاطبتك به لقريب فسبقني لساني إلى ما لم أرده.
فألح السفاح على أبي جعفر يأمره بقتل ابن هبيرة وهو يراجعه حتى كتب إليه: والله لتقتلنه أو لأرسلن إليه من يخرجه من حجرتك ثم يتولى قتله.
فعزم على قتله، فبعث خازم بن خزيمة والهيثم بن شعبة بن ظهير وأمرهما بختم بيوت الأموال، ثم بعث إلى وجوه من مع ابن هبيرة من القيسية والمضرية فأحضرهم، فأقبل محمد بن نباتة وحوثرة بن سهيل في اثني وعشرين رجلاً، فخرج سلام بن سليم فقال: أين ابن نباته وحوثرة؟ فدخلا وقد أجلس أبوز جعفر عثمان بن نهيك وغيره في مائة في حجة دون حجرته، فنزعت سيوفهما وكتفا، واستدعى رجلين رجلين يفعل بهما مثل ذلك، قال بعضهم: أعطينمونا عهد الله ثم غدرتم بنا! إنا لنرجو ان يدرككم الله! وجعل ابن نباتة يضرط فيلحية نفسه وقال: كأني كنت أنظر إلى هذا.
وانطلق خازم والهيثم بن شعبة في نحو من مائة إلى ابن هبيرة فقالوا: نريد حمل المال. فقال لحاجبه: دلهم على الخزائن. فأقاموا عند كل بيت نفراً، وأقبلوا نحوه وعنده ابنه داود وعدة من مواليه وبني له صغير في حجرة. فلما أقبلوا نحوه قام حاجبه في وجوههم، فضربه الهيثم بن شعبة على حبل عاتقه فصرعه، وقاتل ابنه داود، وأقبل هو إليه ونحى ابنه من حجرة فال: دونكم هذا الصبي، وخر ساجاً فقتل؛ وحملت رؤوسهم إلى أبي جعفر، ونادى بالأمان للناس إلا الحكم بن عبد الملك بن بشر، وخاد بن سلمة المخزومي، وعمر، بن ذر، فاستأمن زياد بن عبد الله لابن ذر، فأمنه، وهرب الحكم، وآمن أبو جعفر خالداً فقتله السفاح ولم يجز أمان أبي جعفر ، فقال أبو العطاء السندي يرثي ابن هبيرة.
ألا إن عيناً لم تجد يوم واسطٍ ... عليك بجاري دمعها لجمود
عشية قام النائحات وصفقت ... أكف بأيدي مأتم وخدود
فإن تمس مهجور الفناء فربما ... أقام به بعد الوفود وفود
فإنك لم تبعد على متعهدٍ ... بلى كل من تحت التراب بعيد
ذكر قتل عمال أبي سلمة بفارسوفي هذه السنة وجه أبو مسلم الخراساني محمد بن الأشعث على فارس وأمره أن يقتل عمال أبي سلمة، ففعل ذلك، فوجه السفاح عمه عيسى ابن علي إلى فارس، وعليها محمد بن الأشعث، فأراد محمد قتل عيسى، فقيل له: إن هذا لا يسوغ لك. فقال: بلى أمرني أبو مسلم أن لايقدم أحد علي يدعي الولاية من غيره إلا ضربت عنقه؛ ثم ترك عيسى خوفاً من عاقبة قتله واستحلف عبيسى بالأيمان المحرجة أن لا يعلو منبراً ولا يتقلد سيفاً إلا في جهاد، فلم يل عيسى بعد ذلك ولاية ولا تقلد سيفاً إلا في غزو، ثم وجه السفاح بعد ذلك إسماعيل بن علي والياً على فارس.
ذكر ولاية يحيى بن محمد الموصل وما قيل فيهاوفي هذه السنة استعمل السفاح أخاه يحيى بن محمد على الموصل عوض محمد بن صول.
وكان سبب ذلك أن أهل الموصل امتنعوا من طاعة محمد بن صول، وقالوا: يلي علينا مولى الخثعم، وأخرجوه عنهم. فكتب إلى السفاح بذلك واستعمل عليهم أخاه يحيى بن محمد وسيره إليها في اثني عشر ألف رجل، فنزل قصر الإمارة مجانب مسجد الجامع، ولم يظهر لأهل الموصل شيئاً ينكرونه ولم يعترض فيما يفعلونه، ثم دعاهم فقتل منهم أثني عشر رجلاً، فنفر أهل البلد وحملوا السلاح، فأعطاهم الأمان، وأمر فنودي: من دخل الجامع فهو آمن؛ فأتاه الناس يهرعون إليه، فأقام يحيى الرجال على أبواب الجمع، فقتلوا الناس قتلاً ذريعاً أسرفوا فيه، فقيل: إنه قتل فيه أحد عشر ألفاً ممن له خاتم وممن ليس له خاتم خلقاً كثيراً.
فلما كان الليل سمع يحيى صراخ النساء اللاتي قتل رجالهن، فسأل عن ذلك الصوت فأخبر به، فقال: إذا كان الغد فاقتلوا النساء والصبيان. ففعلوا ذلك، وقتل منهم ثلاثة أيام، وكان في عسكره قائد معه أربعة آلاف زنجي، فأخذوا النساء قهراً.فلما فرغ يحيى من قتل أهل الموصل في اليوم الثالث ركب اليوم الرابع وبين يديه الحراب والسيوف المسلولة، فاعترضته امرأة وأخذت بعنان دابته، فأراد أصحابه قتلها فنهاهم عن ذلك، فقالت: له:ألست من بني هشام؟ أست ابن عم رسول الله، صلى الله عليه وسلم ؟ أما تأنف للعربيات المسلمات أن ينكحهن الزنج؟ فأمسك عن جوابها وسير معها من يبلغها مأمنها، وقد عمل كلامها فيه. فلما كان الغد جمع الزنج للعطاء، فاجتمعوا، فأمر بهم فتلوا عن آخرهم.
وقيل: كان السبب في قتل أهل الموصل ما ظهر منهم من محبة بني أمية وكراهة بني العباس، وأن امرأة غسلت رأسها وألقت الخطمي من السطح فوقع على رأس بعض الخراسانية فظنها فعلت ذلك تعمداً، فهاجم الدار، وقتل أهلها، فثار أهل البلد وقتلوه، وثارت الفتنة وفيمن قتل معروف بن أبي معروف، وكان زاهداً عابداً، وقد أدرك كثيراً من الصحابة ز
ذكر عدة حوادثوفيها وجه السفاح أخاه المنصور والياً على الجزيرة وأذربيجان وأرمينية، وفيها عزل عمه داود بن علي عن الكوفة وسوادها وولاه المدينة ومكة واليمن واليمامة،وولى موضعه من عمل الكوفة ابن أخيه عيسى بن موسى بن محمد، فاستقضى عيسى على الكوفة ابن أبي ليلى.
وكان العامل على البصرة هذه السنة سفيان بن عينة المهلبي، وعلى قضائها الحجاج بن أرطاة، وعلى السند منصور بن جمهور، وعلى فارس محمد بن الأشعث، وعلى الجزيرة وأرمينية وأذربيجان أبو جعفر بن محمد بن علي، وعلى الموصل يحيى بن محمد بن علي، وعلى الشام عبد الله بن علي، وعلى مصر أبو عون عبد لملك بن يزيد، وعلى خراسان والجبال أبو مسلم، وعلى ديوان الخراج خالد بن برمك.
وحج بالناس هذه السنة داود بن علي.
وفيها قتل يحيى بن معاوية بن هشام بن عبد الملك مع مروان بن محمد بالزاب، ويحيى أخو عبد الرحمن الداخل إلى الأندلس. وفيها قتل يونس ابن مغيرة بن حلين بدمشق لما دخلها عبد الله بن علي، وكان عمره عشرين ومائة سنة، قتله رجلان من خراسان ولم يعرفاه، فلما عرفاه بكيا عليه، وقيل: بل عضته دابة من دوابه فقتلته، وكان ضريراً. وفيها مات صفوان بن سليم مولى حميد بن عبد الحمن. وفيها توفي محمد بن أبي كبر نب محمد بن عمرو بن حزم بالمدينة، وكان قاضيها. وفيها مات همام بن منبه. وعبد الله ابن عوف. وسعيد بن سليمان بن زيد بن ثابت الأنصاري. وخبيب بن عبد الرحمن بن خبيب بن يسار الأنصاري، وهو خال عبيد الله بن عمر العمري؛ خبيب بضم الخاء المعجمة، وفتح الحاء والراء المهملتين.
وفيها توفي عبد الله بن طاووس بن كيسان الهمداني من عباد أهل اليمن وفقهائهم.
ثم دخلت سنة ثلاث وثلاثين ومائة
ذكر ملك الروم ملطيةفي هذه السنة أقبل قسطنطين، ملك الروم، إلى ملطية وكمخ، فنازل كمخ، فأرسل أهلها إلى أهل ملطية يسنجدونهم، فسار إليهم منها ثمانمائة مقاتل، فقاتلهم الروم، فانهزم المسلمون، ونازل الروم ملطسة وحصروها، والجزيرة يومئذ مفتونة بما ذكرناه، وعاملها موسى بن كعب بحران.
فأرسل قسطنطين إلى أهل ملطية: إني لم أحصركم إلا على علم من المسلمين واختلافهم، فلكم الأمان وعودون إلى بلاد المسلمين حتى أحترث ملطية. فلم يجيبوه إلى ذلك، فنصب المجانيق، فأذعنوا وسلموا البلاد على المان وانتقلوا إلى بلاد الإسلام وحملوا ما أمكنهم حمله، وما لم قدروا على حمله ألقوه في الآبار والمجاري.
فلما ساروا عنها أخربها الروم ورحلوا عنها عائدين، وتفرق أهلها في بلاد الجزيرة، وسار ملك الروم إلى قاليقلا فنزل مرج الخصي، وأرسل كوشان الأرمني فحصرها، فنقب إخوان من الأرمن من أهل المدينة ردماً كان في سورها، فدخل كوشان ومن معه المدينة وغلبوا عليها وقتلوا رجالها وسبوا النساء وساق القائم إلى ملك الروم.
ذكر عدة حوادثفي هذه السنة وجه السفاح عمه سليمان بن علي والياً على البصرة واعمالها وكور دجلة والبحرين وعمان ومهر جانقذق، واستعمل عمه إسماعيل بن علي على الأهواز.
وفيها قتل داود بن علي من ظفر به من بني أمية بمكة والمدينة، ولما أراد قتلهم قال له عبد الله بن الحسن بن الحسن: يا أخي إذا قتلت هؤلاء فمن تباهي بملكه؟ أما يكفيك أن يروك غادياً ورائحاً فيما يذلهم ويسؤهم؟ فلم يقبل منه وقتلهم.
وفيها مات داود بن علي بالمدينة في شهر ربيع الأول، واستخلف حين حضرته الوفاة ابنه موسى، ولما بلغت السفاح وفاته استعمل على مكة والمدينة والطائف واليمامة خاله زياد بن عبد الله بن عبد المدان الحارثي، ووجه محمد ابن يزيد بن عبد الله بن عبد المدان على اليمن. فلما قدم زياد المدينة وجه إبراهيم بن حسان السلمي ، وهي أبو حماد الأبرص بن المثنى، وإلى يزيد بن عمر ابن هيرة، وهو باليمامة، فقتله وقتل أصحابه.
وفيها توجه محمد بن الأشعث إلى إفريقية فقاتل أهلها قتالاً شديداً حتى فتحها. وفيها خرج شريك بن شيخ المهري ببخارى على أبي مسلم ونقم عليه وقال: ما على هذا اتبعنا آل محمد، أن نسفك الدماء وأن يعمل بغير الحق! وتبعه على رأيه أكثر من ثلاثين ألفاً، فوجه إليه أبو مسلم زياد بن صالح الخزاعي فقاتله، وقتله زياد.
وفيها توجه أبو داود خالد بن إبراهيم إلى الختل فدخلها، ولم يمتنع عليه حبيش بن الشبل ملكها بل تحصن منه هو وأناس من الدهاقين، فلما ألح عليه أبو داود خرج من الحصن هو ومن معه من دهاقينه وشاكريته حتى انتهوا إلى أرض فرغانة، ثم دخلوا بلد الترك وانتهوا إلى ملك الصين، وأخذ أبو داود من ظفر به منهم فبعث بهم إلى أبي مسلم.
وفيها قتل عبد الرحمن بن يزيد بن المهلب بالموصل، قتله سليمان الذي يقال له الأسود بأمان كتبه له.
وفيها وجه صالح بن علي سعيد بن عبد الله ليغزو الصائفة وراء الدروب.وفيها عزل يحيى بن محمد على الموصل واستعمل مكانه إسماعيل بن علي.وإنما عزل يحيى لقتله أهل الموصل وسوء أثره فيهم.
وحج بالناس هذه السنة زياد بن عبيد الله الحارثي. وكان العمال من ذكرنا إلا الحجاز واليمن والموصل فقد ذكرنا من استعمل عليها.
وفيها تخالف إخشيد فرغانة وملك الشاش، فاستمد إخشيد ملك الصين فأمده بمائة ألف مقاتل، فحصروا ملك الشاش، فنزل على حكم ملك الصين، فلم يتعرض له ولأصحابه بما يسؤهم، وبلغ الخبر أبا مسلم فوجه إلى حربهم زياد بن صالح، فالتقوا على نهر طراز فظفر بهم المسلمون وقتلوا منهم زهاء خمسين ألفاً وأسروا نحو عشرين ألفاً وهرب الباقون إلى الصين؛ وكانت الوقعة فذ ذي الحجة سنة ثلاث وثلاثين.
وفيها توفي موان بن أبي سعيد. وابن المعلى الزرقي الأنصاري. وعلي ابن بذيمة مولى جابر بن سمرة السوائي.
بذيمة بفتح الباء الموحدة، وكسر الذال المعجمة.
ثم دخلت سنة أربع وثلاثين ومائة
ذكر خلع بسام بن إبراهيموفي هذه السنة خلع بسام بن إبراهيم بن بسام، وكان من فرسان أهل خراسان وسار من عسكر السفاح هو وجماعة على رأية ساً إلى المدائن، فوجه إليهم السفاح خازم بن خزيمة، فاقتتلوا، فانهزم بسام وأصحابه وقتل أكثرهم وقتل كل من لحقه منهزماً؛ ثم انصرف فمر بذات المطامير، وبها أخوال السفاح من بين عبد المدان، وهم خمسة وثلاثون رجلاً، ومن غيرهم ثمانية عشر رجلاً، ومن مواليهم سبعة عشر، فلم سلم عليهم، فلما جازهم شتموه، وكان في قلبه عليهم لما بلغه من حال المغيرة، فقالوا: مر بنا رجل مجتاز لا نعرفه فأقام في قريتنا ليلة ثم خرج عنا.
فقال لهم: أنتم أخوال أمير المؤمنين يأتيكم عدوه ويأمن في قريتكم! فهلا اجتمعتم فأخذتموه! فأغلظوا له في الجواب، فأمر بهم فضربت أعناقهم جميعاً وهدم دورهم ونهب أموالهم ثم انصرف.
فبلغ ذلك اليمانية فاجتمعوا، ودخل زياد بن عبيد الله الحارثي معهم على السفاح، فقالوا له: إن خازماً اجترأ عليك واستخف بحقك وقتل أخوالك الذين قطعوا البلاد وأتوك معتزين بك طالبين معروفك حتى صاروا في جوارك، قتلهم خازم وهدم دورهم ونهب أموالهم بلا حث احدثوه. فهم بقتل خازم فبلغ ذلك موسى بن كعب وأبا الجهم بن عطية، فدخلا على السفاح وقالا: يا امير المؤمنين بلغنا ما كان من هؤلاء وأنك هممت بقتل خازم، وإنا نعيذك بالله من ذلك، فإن له طاعة وسابقة وهو يحتمل له ما صنع، فإن شيعتكم من أهل خراسان قد آثروكم على الأقارب والأولاد وقتلوا من خالفكم، وأنت أحق من تغمد إساءة مسيئهم، فإن كنت لا بد مجمعاً على قتله فلا تتولى ذلك بنفسك وابعثه لأمرٍ إن قتل فيه كنت قد بلغت الذي تريد، وإن ظفر كان ظفره لك.
وأشاوا عليه بتوجيهه إلى من بعمان من الخوارج وإلى الخوارج الذين يجزيرة بركاوان مع شيبان بن عبد العزيز اليشكري، فامر السفاح بتوجيهه مع سبعمائة رجل، وكتب إلى سليمان بن علي، وهو على البصرة، بحملهم إلى جزيرة بركاوان وعمان، فسار خازم.
ذكر أمر الخوارج وقتل شيبان بن عبد العزيزفلما سار خازم إلى البصرة في الجند الذين معه، وكان قد انتخب من أهله وعشيرته ومواليه من أهل مرو الروذ من يثق به، فلما وصل البصرة حملهم سليمان في السفن وانضم إليه بالبصرة أيضاً عدة من بين تميم، فساروا في البحر حتى أرسوا بجزيرة بركاوان، فوجه خازم فضله بن نعيم النهشلي في خمسمائة إلى سشيبان، فالتقوا فاقتتلوا قتالاً شديداً، فركب شيبان وأصحابه السفن وساروا إلى عمان، وهم صفرية. فلما صاروا إلى عمان قاتلهم الجلندى وأصحابه، وهم إباضية، واشتد القتال بينهم، فقتل شيبان ومن معه؛ وقد تقدم سنة تسع وعشرين ومائة قتل شيبان على هذا السياق.
ثم سار خازم في البحر بمن معه حتى أرسوا إلى ساحل عمان، فخرجوا إلى الصحراء، فلقيهم الجلندى وأصحابه واقتتلوا قتالاً شديداً،فقتل يومئذ من الخوارج تسعمائة وأحرق منهم نحو من تسعين رجلاً، ثم التقوا بعد سبعة أيام من مقدم خازم على رأي أشار به بعض أصحاب خازم، أشار عليه أن يأمر أصحابه فيجعلوا على أطراف أسنتهم المشقة ويرووها بانفط ويشعلوا فيها النيران ثم يمشوا بها حتى يضرموها في بيوت أصحاب الجلندى، وكانت من خشب، فلما فعل ذلك وأضرمت بيوتهم بالنيران اشتغلوا بها وبمن فيها من أولادهم وأهاليهم، فحمل عليهم خازم وأصحابه فوضعوا فيهم السيف فقتلوهم وقتلوا الجلندى فيمن قتل، وبلغ عدة القتلى عشرة آلاف، وبعث برؤوسهم إلى البصرة، فأرسلها سليمان إلى السفاح،و أقام خازم بعد ذلك أشهراً حتى استقدمه السفاح فقدم.
ذكر غزوة كشوفي هذه السنة غزا أبو داود خالد بن إبراهيم أهل كش فقتل الاخريد ملكها، وهو سامع مطيع، وقتل أصحابه وأخذ منهم من الأواني الصينية المنقوشة المذهبة ما لم ير مثلها، ومن السروج ومتاع الصين كله من الديباج والطرف شيئاً كثيراً فحمله إلى أبي مسلم وهو بسمرقند، وقتل عدة من دهاقينهم، واستحيا طاران أخا الأخريد وملكه على كش؛ وانصرف أبو مسلم إلى مرو بعد أن قتل في أهل الصغد وبخارى؛ وأمر ببناء سور سمرقند، واستخلف زياد ابن صالح عليها وعلى بخارى، ورجع أبو داود إلى بلخ.
ذكر حال منصور بن جمهوروفي هذه السنة وجه السفاح موسى بن كعب إلى السند لقتال منصور بن جمهور،فسار واستخلف مكانه على شرط السفاح المسيب بن زهير، وقدم موسى السند قلقي منصوراً في اثني عشر ألفاً، فانهزم منصور ومن معه ومضى فمات عطشاً في الرمال، وقد قيل أصابه بطنه فمات. وسمع خليفته على السند بهزيمته فرحل بعيال منصور وثقله فدخل بهم بلاد الخزر.
ذكر عدة حوادثوفيها توفي محمد بن يزيد بن عبد الله وهو على اليمن، فاستعمل السفاح مكانه علي بن الربيع بن عبد الله.
وفيها تحول السفاح من الحيرة إلى الأنبار في ذي الحجة. وفيها ضرب المنار من الكوفة إلى مكة والأميال.
وحج بالناس هذه السنة عيسى بن موسى وهو على الكوفة.
وكان على قضاء الكوفة ابن أبي ليلى، وعلى المدينة ومكة والطائف واليمامة زياد بن عيد الله، وعلى اليمن علي بن الربيع الحارثي، وعلى البصرة وأعمالها وكور دجلة وعمان سليمان بن علي، وعلى فلسطين صالح ابن علي، وعلى مصر أبو عون، وعلى الموصل إسماعيل بن علي، وعلى أمينية يزيد بن أسيد، وعلى أذربيجان محمد بن صول، وعلى ديوان الخراج خالد بن برمك، وعلى الجزيرة أبو جعفر المنصور.
وكان عامله على أذربيجان وأرمينية من ذكرنا، وعلى الشام عبد الله بن علي.
وفيها توفي محمد بن إسماعيل بن سعد بن أبي وقاص. وسعد بن عمر ابن سليم الزرقي.
ثم دخلت سنة خمس وثلاثين ومائة
ذكر خروج زياد بن صالحفي هذه السنة خرج زياد بن صالح وراء النهر، فسار أبو مسلم من مرو مستعداً للقائه، وبعث أبو داود خالد بن إبراهيم نصر بن راشد إلى ترمذ مخافة أن يبعث زياد بن صالح إلى حصن والسفن فيأخذها، ففعل ذلك نصر وأقام بها، فخرج عليه ناس من الطالقان مع رجل يكنى أبا إسحاق فقتلوا نصراً. فلما بلغ ذلك أبا داود بعث عيسى بن ماهان في تتبع قتله نصر، فتبعهم فقتلهم.
ومضى أبو مسلم مسرعاً حتى انتهى إلى آمل ومعه سباع بن النعمان الأزدي، وهو الذي كان قد أرسله السفاح إلى زياد بن صالح وأمره إن رأى فرصة أن يثبت على أبي مسلم فيقتله.
فأخبر أبو مسلم بذلك، فحبس سباعاً ببآمل، وعبر أبو سملم إلى بخارى، فلما نزلها أتاه عدة من قواد زياد قد خلعوا زياداً فأخبروا أبا مسلم أن سباع بان النعمان هو الذي أفسد زياداً، فكتب إلى عامله بآمل أن يقتله، ولما أسلم زياداً قواده ولحقوا بأبي مسلم لجأ إلى دهقان هناك فقتله وحمل رأسه إلى أبي مسلم.
وتأخر أو داود عن أبي مسلم لحال أهل الطالقان، فكتب إليه أبو مسلم يخبره بقتل زياد، فأتى كش وأرسل عيسى بن ماهان إلى بسام وبعث جنداً إلى ساعر فطلبوا الصلح، فأجيبوا إلى ذلك.
وأما بسام فلم يصل عيسى إلى شيء منه، وكتب عيسى إلى كامل بن مظفر صاحب أبي مسلم يعتب أبا داودوينسبه إلى العصبية، فبعث أبو مسلم بالكتب إلى أب داود، وكتب إليه: إن هذه كتب العلج الذي صيرته عدل نفسك فشأنك به. فكتب أبو داود إلى عيسى يستدعيه، فلما حضر عنده حبسه وضربه ثم أخرجه، فوثب عليه الجند فقتلوه، ورجع أبو مسلم إلى مرو.
ذكر غزو جزيرة صقليةوفي هذه السنة غزا عبد الله بن حبيب جزيرة صقلية وغنم بها وسبى وظفر بها ما لم يظفره أحد قبله بعد ان غزا تلمسان، واشتغل ولاة إفريقية بالفتنة مع البربر، فأمن الصقلية وعمرها الروم من جميع الجهات وعمروا فيها الحصون والمعاقل وصاروا يخرجون كل عام مراكب تطوف بالجزيرة وتذب عنها، وربما طارقوا تجاراً من المسلمين فيأخذونهم.
ذكر عدة حوادثحج بالناس هذه السنة سليمان بن علي، وهو على البصرة وأعمالها، وكان العمال من تقدم ذكرهم.
وفيها مات أبو خازم الأعرج، وقيل: سنة أربعين، وقيل سنة أربع وأربعين. وفيها مات عطاء بن عبد الله مولى المطلب، وقيل: مولى المهلب، وقيل: هو عطاء بن ميسرة، ويكنى أبا عثمان الخراساني، وقيل سنة أربع وثلاثين. وفيها مات يحيى بن محمد بن علي بن عبد الله بتن عباس بفارس، وكان أميراً عليها، وكان قبل ذلك أميراً على الموصل. وفيها توفي ثور بن زيد الدئلي، وكان ثقة. وزياد بن أبي زياد مولى عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة المخزومي، وكان من البطال.
عياش بالياء المثناة من تحت، وبالشين المعجمة.
ثم دخلت سنة ست وثلاثين ومائة
ذكر حج أبي جعفر وأبي مسلموفي هذه السنة كتب أبو مسلم إلى السفاح يسأذنه في القدوم عليه والحج، وكان مذ ملك خراسان لم يفارقها إلى هذه السنة. فكتب إليه السفاح يأمره بالقدوم عليه في خمسمائة من الجند، فكتب أبو مسلم إليه: إني قد وترت الناس ولست آمن على نفسي. فكتب إليه: أن أقبل في ألف، فإنما أنت في سلطان أهلك ودولتك وطريق مكة لا يتحمل العسكر.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

كتاب { متن الدرة المضيئة في السيرة}الدرة المضية

    كتاب { متن الدرة المضيئة في السيرة}الدرة المضية بسم الله الرحمن الرحيم وبه ثقتي  ----------------- قال الشيخ الإمام الحبر الحافظ أبو...