الجمعة، 20 مايو 2022

مجلد 17. ومجلد 18. كتاب : الكامل في التاريخ ابن الأثير



مجلد 17.و18. كتاب : الكامل في التاريخ ابن الأثير
====

لم نبكيك، لماذا؟ للطرب ... يا أبا موسى، وترويج العب
ولترك الخمس في أوقاتها ... حرصاً منك على ماء العنب
وشنيف أنا لا أبكي له ... وعلى كوثر لا أخشى العطب
لم تكن تعرف ما حد الرضى ... لا ولا تعرف ما حد الغضب
لم تكن تصلح للملك ولم ... تعطك الطاعة بالملك العرب
لم نبكيك؟ لما عرضتنا ... للمجانيق وطوراً للسلب
في عذاب وحصار مجهد ... سدد الطرق، فلا وجه الطلب
زعموا أنك حي حاشر ... كل من قد قال هذا فكذب
ليته قد قاله في وجدة ... من جميع ذاهب حيث ذهب
أوجب الله علينا قتله ... وإذا ما أوجب الأمر وجب
كان والله علينا فتنة ... غضب الله عليه وكتب
وقيل فيه غير ذلك تركنا ذكره خوف الإطالة.
ذكر بعض سيرة الأمينلما ملك الأمين وكاتبه المأمون، وأعطاه بيعته، طلب الخصيان وأباعهم وغالى فيهم، فصيرهم لخلوته ليله ونهاره،وقوام طعامه وشرابه، وأمره ونهيه، وفرض لهم فرضاً سماهم الجرادية، وفرضاً من الحبشان سماهم الغرابية، ورفض النساء الحرائر والإماء، حتى رمي بهن، وقيل فيه الأشعار، فمما قيل فيه:
ألا أيها المثوى بطوس ... عزيباً ما نفادي بالنفوس
لقد أبقيت للخصيان هقلاً تحمل منهم شوم البسوس
فأما نوفل فالشأن فيه ... وفي بدر، فيا لك من جليس
وما للمعصمي شيء لديه ... إذا ذكروا بذي سهم خسيس
وما حسن الصغير أخس حالاً ... لديه عند مخترق الكؤوس
لهم من عمره شطر وشطر ... يعاقر فيه شرب الخندريس
وما للغانيات لديه حظ ... سوى التقطيب بالوجه العبوس
إذا كان الرئيس كذا سقيماً ... فكيف صلاحنا بعد الرئيس
فلوعلم المقيم بدار طوس ... لغز على المقيم بدار طوس
ثم وجه إلأى جمع البلدان في طلب الملهين، وضمهم إليه، وأجرى عليهم الأرزاق، واحتجب عن أخويه وأهل بيته، واستخف بهم وبقواده، وقسم ما في بيوت الأموال، وما بحضرته من الجواهر في خصيانه، وجلسائه، ومدثيه، وأمر ببناء مجالس لمنزهاته، ومواضع خلواته ولهوه ولعبه، وعمل خمس حراقات في دجلة على صورة الأسد، والفيل، والعقاب، والحية، والفرس، وأنفق في عملها مالاً عظيمأن فقال أبونواس في ذلك:
سخر الله للأمين مطايا ... لم تسخر لصاحب المحراب
فإذا ما ركابه سرن براً ... سار في الماء راكباً ليث غاب
عجب الناس إذا رأوك على صو ... رة ليث تمر مر السحاب
سبحوا إذا رأوك سرت عليه ... كيف لوأبصروك فوق العقاب
ذات زور ومنسر وجناحي ... ن اشق العباب بعد العباب
تسبق الطير في السماء إذا ما ... استعجلوها بحية وذهاب
قال الكوثر: أمر الأمين أن يفرش له على دكان في الخلد يومأن ففرش عليها بساط زرعي، ومنارق، وفرش مثله، وهيئ من آنية الذهب والفضة والجواهر أمر عظيم، وأمر قيمة جواريه أن تهيئ له مائة جارية صانعة، فتصعد إليه عشراً عشراً بأيديهن العيدان، يغنين بصوت واحد، فأصعدت إليه عشراً فاندفعن يغنين بصوت واحد:
هم قتلوه كي يكونوا مكانة ... فكما غدرت يوماً بكسرى مرازبة
فسبهن وطردهن، ثم أمرها فأصعدت عشراً غيرهن فغنينه:
من كان مسروراً بمقتل مالك ... فليأت نسوتنا بوجه نهار
ففعل مثل ما فعله، وأطرق طويلأن ثم قال: أصعدي عشرأن فأصعدتهن فغنين:
كليب لعمري كان أكثر ناصراً ... وأيسر جرماً منك ضرج بالدم
فقام من مجلسه، وأمر بهدم الدكان، تطيراً مما كان.
قيل وذكر محمد الأمين عند الفضل بن سهل بخراسان، فقال: كيف لا يستحل قتل محمد وشاعره يقول في مجلسه:
ألا فاسقني خمراً وقل لي هي الخمر ... ولا تسقني سراً فقد أمكن الجهر
فبلغت القصة الأمين، فحبس أبا نواس؛ ولم نجد في سيرته ما يستحسن ذكره من حلم، أومعدله، أوتجربة، حتى نذكرهأن وهذا القدر كاف.
ذكر وثوب الجند بطاهروفي هذه السنة وثب الجند بطاهر بعد مقتل الأمين بخمسة أيام.
وكان سبب ذلك أنهم طلبوا منه مالأن فلم يكن معه شيء، فثاروا به، فضاق بهم الأمر، وظن أن ذلك من مواطأة من الجند وأهل الأرباض، وأنهم معهم عليه، ولم يكن تحرك من أهل الأرباض أحد، فخشي على نفسه، فهرب، ونهبوا بعض متاعه، ومضى إلى عقرقوف.
وكان لما قتل الأمين أمر بحفظ الأبواب، وحول زبيدة أم الأمين وولديه موسى وعبد الله معهأن وحملهم في حراقة إلى همينيا على الزاب الأعلى، ثم أمر بحمل موسى وعبد الله إلى عمهما المأمون بخراسان.
فلما ثار به الجند نادوا موسى يا منصور، وبقوا كذلك يومهم، ومن الغد، فصوب الناس إخراج طاهر ولدي الأمين؛ ولما هرب طاهر إلى عقرقوف خرج معه جماعة من القواد وتعبأ لقتال الجند، وأهل الأرباض ببغداد؛ فلما بلغ ذلك القواد المتخلفين عنه والأعيان من أهل المدينة خرجوا واعتذروأن وأحالوا على السفهاء والأحداث، وسألوه الصفح عنهم، وقبول عذرهم.
فقال طاهر: ما خرجت عنكم إلا لوضع السيف فيكم، وأقسم بالله العظيم، عز وجل، لئن عدتم لمثلها لأعودن إلى رأيي فيكم، ولأخرجن إلى مكروهكم! فكسرهم بذلك، وأمر لهم برزق أربعة أشهر.
وخرج إليه جماعة من مشيخة أهل بغداد، وعميرة أبوشيخ بن عميرة الأسدي، فحلفوا له أنه لم يتحرك من أهل بغداد ولا من الأبناء أحد، وضمنوا منه من وراءهم، فسكن غضبه، وعفا عنهم، ووضعت الحرب أوزارهأن واستوسق الناس في المشرق والمغرب على طاعة المأمون والانقياد لخلافته.
عميرة بفتح العين وكسر الميم.
ذكر خلاف نصر بن شبث العقيلي على المأمونفي هذه السنة أظهر نصر بن سيار بن شبث العقيلي الخلاف على المأمون؛ وكان نصر من بني عقثيل يسكن كيسوم، ناحية شمالي حلب، وكان في عنقه بيعة للأمين، وله فيه هوى؛ فلما قتل الأمين أظهر نصر الغضب لذلك، وتغلب على ما جاوره من البلاد، وملك سميساط، واجتمع عليه خلق كثير من الأعراب، وأهل الطمع، وقويت نفسه، وعبر الفرات إلى الجانب الشرقي، وحدثته نفسه بالتغلب عليه، فلما رأى الناس ذلك منه كثرت جموعه وزادت عما كانت، وكان من أمره ما نذكره إن شاء الله تعالى.
شبث بفتح الشين المعجمة والباء الموحدة والثاء المثلثة.
ذكر ولاية الحسن بن سهل العراق وغيره من البلادوفي هذه السنة استعمل المأمون الحسن بن سهل، أخا الفضل، على كل ما كان افتتحه طاهر من كور الجبال، والعراق ، وفارس، والأهواز، والحجاز، واليمن، بعد أن قتل الأمين، وكتب إلى طاهر بتسليم ذلك إليه، فقدم الحسن بين يديه علي بن أبي طاهر سعيد، فدافعه طاهر بتسليم الخراج إليه، حتى وفى الجند أرزاقهم، وسلم إليه العمل.
وقدم الحسن سنة تسع وتسعين ومائة، وفرق العمال، وأمر طاهراً أن يسير إلى الرقة لمحاربة نصر بن شبث العقيلي، وولاه الموصل والجزيرة والشام والمغرب، فسار طاهر إلى قتال نصر بن شبث، وأرسل إليه يدعوه إلى الطاعة، وترك الخلاف، فلم يجبه إلى ذلك، فتقدم إليه طاهر، والتقوا بنواحي كيسوم، واقتتلوا قتالاً شديداً أبلى فيه نصر بلاءً عظيمأن وكان الظفر له، وعاد طاهر شبه المهزوم إلى الرقة.
وكان قصارى أمر طاهر حفظ تلك النواحي؛ وكتب المأمون إلى هرثمة يأمره بالمسير إلى خراسان، وحج بالناس العباس بن موسى بن عيسى بن موسى بن محمد.
ذكر وقعة الربض بقرطبةفي هذه السنة كانت بقرطبة الوقعة المعروفة بالربض؛ وسببها أن الحكم ابن هشام الأموي، صاحبهأن كان كثير التشاغيل باللهو، والصيد، والشرب، وغير ذلك مما يجانسه؛ وكان قد قتل جماعة من أعيان قرطبة، فكرهه أهلهأن وصاروا يتعرضون لجنده بالأذى والسب، إلى أن بلغ الأمر بالغوغاء أنهم كانوا ينادون عند انقضاء الأذان: الصلاة يا مخمور، الصلاة؛ وشافهه بعضهم بالقول وصفقوا عليه بالأكف؛ فشرع في تحصين قرطبة وعمارة أسوارهأن وحفر خنادقهأن وارتبط الخيل على بابه، واستكثر المماليك، ورتب جمعاً لا يفارقون باب قصره بالسلاح، فزاد ذلك في حقد أهل قرطبة، وتيقنوا أنه يفعل ذلك للانتقام منهم.
ثم وضع عليهم عشر الأطعمة، كل سنة، من غير حرص، فكرهوا ذلك، ثم عمد إلى عشرة من رؤساء سفهائهم، فقتلهم، وصلبهم، فهاج لذلك أهل الربض، وانضاف إلى ذلك أن مملوكاً له سلم سيفاً إلى صقيل ليصقله، فمطله، فأخذ المملوك السيف، فلم يزل يضرب الصقيل به إلى أن قتله، وذلك في رمضان من هذه السنة.
فكان أول من شهر السلاح أهل الربض، واجتمع أهل الربض جميعهم بالسلاح، واجتمع الجند والأمويون والعبيد بالقصر، وفرق الحكم الخيل والأسلحة، وجعل أصحابه كتائب، ووقع القتال بين الطائفتين، فغلبهم أهل الربض، وأحاطوا بقصره، فنزل الحكم من أعلى القصر، ولبس سلاحه، وركب وحرض الناس، فقاتلوا بين يديه قتالاً شديداً.
ثم أمر ابن عمه عبيد الله، فثلم في السور ثلمة، وخرج منها ومعه قطعة من الجيش، وأتى أهل الربض من وراء ظهورهم، ولم يعلموا بهم، فأضرموا النار في الربض، وانهزم أهله، وقتلوا مقتلة عظيمة، وأخرجوا من وجدوا في المنازل والدور، فأسروهم، فانتقى من الأسرى ثلاثمائة من وجوههم، فقتلهم، وصلبهم منكسين، وأقام النهب والقتل والحريق والخراب في أرباض قرطبة ثلاثة أيام.
ثم استشار الحكم عبد الكريم بن عبد الواحد بن عبد المغيث، ولم يكن عنده من يوازيه في قربه، فأشار عليه بالصفح عنهم، والعفو، وأشار غيره بالقتل، فقبل قوله، وأمر فنودي بالأمان، على أنه من بقي من أهل الربض بعد ثلاثة أيام قتلناه وصلبناه؛ فخرج من بقي بعد ذلك منهم مستخفيأن وتحملوا على الصعب والذلول خارجين من حضرة قرطبة بنسائهم وأولادهم، وما خف من أموالهم، وقعد لهم الجند والفسقة بالمراصد ينهبون، ومن امتنع عليهم قتلوه.
فلما انقضت الأيام الثلاثة أمر الحكم بكف الأيدي عن حرم الناس، وجمعهن إلى مكان، وأمر بهدم الربض القبلي.
وكان بزيع مولى أمية ابن الأمير عبد الرحمن بن معاوية بن شهام محبوساً في حبس الدم بقرطبة، في رجليه قيد ثقيل، فلما رأى أهل قرطبة قد غلبوا الجند سأل الحرس أن يفرجوا له، فأخذوا عليه العهود إن سلم أن يعود إليهم، وأطلقوه، فخرج فقاتل قتالاً شديداً لم يكن في الجيش مثله، فلما انهزم أهل الربض عاد إلى السجن، فانتهى خبره إلى الحكم، فأطلقه وأحسن إليه، وقد ذكر بعضهم هذه الوقعة سنة اثنتين ومائتين.
ذكر الوقعة بالموصل المعروفة بالميدانوفيها كانت الوقعة المعروفة بالميدان بالموصل بين اليمانية والنزارية وكان سببها أن عثمان بن نعيم البجمي صار إلى ديار مضر، فشكا الأزد واليمن، وقال: إنهم يتهضموننأن ويغلبوننا على حقوقنأن واستنصرهم، فسار معه إلى الموصل ما يقارب عشرين ألفأن فأرسل إليهم علي بن الحسن الهمداني، وهوحينئذ متغلب على الموصل، فسألهم على حالهم، فاخبروه، فأجابهم إلى ما يريدون، فلم يقبل عثمان ذلك، فخرج إليهم علي من البلد في نحوأربعة آلاف رجل، فالتقوا واقتتلوا قتالاً شديدأن عدة وقائع، فكانت الهزيمة على النزارية، وظفر بهم علي وقتل منهم خلقاً كثيراً وعاد إلى البلد.
ذكر عدة حوادثوفي هذه السنة خرج الحسن الهرش في جماعة من سفلة الناس معه خلق كثير من الأعراب ودعا إلى الرضى من آل محمد، وأتى النيل، فجبى الأموال ونهب القرى.
وفيها مات سفيان بن عيينة الهلالي بمكة، وكان مولده سنة تسع ومائة.
وفيها توفي عبد الرحمن بن المهدي وعمره ثلاث وستون سنة؛ ويحيى بن سعيد القطان في صفر، ومولده سنة عشرين ومائة.
حوادث سنة تسع وتسعين ومائة
ذكر ظهور ابن طباطبا العلويوفيها ظهر أبوعبد الله محمد بن إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم بن الحسن بن الحسين بن علي بن أبي طالب، عليه السلام، لعشر خلون من جمادى الآخرة، بالكوفة، يدعوإلى الرضى من آل محمد، صلى الله عليه وسلم، والعمل بالكتاب والسنة، وهوالذي يعرف بابن طباطبأن وكان القيم بأمره في الحرب أبوالسرايا السري بن منصور، وكان يذكر انه من ولد هانئ بن قبيصة بن هانئ بن مسعود الشيباني.
وكان سبب خروجه أن المأمون لما صرف طاهراً عما كان إليه من الأعمال التي افتتحهأن ووجه الحسن بن سهل إليهأن تحدث الناس بالعراق أن الفضل ابن سهل قد غلب على المأمون، وأنه أنزله قصراً حجبه فيه عن أهل بيته وقواده، وأنه يستبد بالأمر دونه، فغضب لذلك بنوهاشم ووجوه الناس، واجترأوا على الحسن بن سهل، وهاجت الفتن في الأمصار، فكان أول من ظهر ابن طباطبا بالكوفة.
وقيل كان سبب اجتماع ابن طباطبا بأبي السرايا أن أبا السرايا كان يكري الحمير، ثم قوي حاله، فجمع نفرأن فقتل رجلاً من بني تميم بالجزيرة، وأخذ ما معه، فطلب، فاختفى، وعبر الفرات إلى الجانب الشامي، فكان يقطع الطريق في تلك النواحي، ثم لحق بيزيد بن مزيد الشيباني بأرمينية، ومعه ثلاثون فارسأن فقوده، فجعل يقاتل معه الخرمية، وأثر فيهم، وفتك وأخذ منهم غلامه أبا الشوك.
فلما عزل أسد عن أرمينية صار أبوالسرايا إلى أحمد بن مزيد، فوجهه أحمد طليعةً إلى عسكر هرثمة في فتنة الأمين والمأمون، وكانت شجاعته قد اشتهرت، فراسله هرثمة يستميله، فمال إليه، فانتقل إلى عسكره، وقصده العرب من الجزيرة، واستخرج لهم الأرزاق من هرثمة فصار معه نحوألفي فارس وراجل، فصار يخاطب بالأمير.
فلما قتل الأمين نقصه هرثمة من أرزاقه وأرزاق أصحابه، فاستأذنه في الحج، فأذن له، وأعطاه عشرين ألف درهم، ففرقها في أصحابه ومضى، وقال لهم: اتبعوني متفرقين، ففعلوأن فاجتمع معه منهم نحومن مائتي فارس، فسار بهم إلى عين التمر، وحصر عاملهأن وأخذ ما معه من المال وفرقه في أصحابه.
وسار ، فلقي عاملاً آخر ومعه مال، على ثلاثة بغال، فأخذها وسار، فلحقه عسكر كان قد سيره هرثمة خلفه، فعاد إليهم، وقاتلهم، فهزمهم، ودخل البرية، وقسم المال بين أصحابه، وانتشر جنده، فحلق به من تخلف عنه من أصحابه وغيرهم، فكثر جمعه، فسار نحودقوقأن وعليها أبوضرغامة العجلي، في سبع مائة فارس، فخرج إليه، فلقيه، فاقتتلوأن فانهزم أبوضرغامة، ودخل قصر دقوقأن فحضره أبوالسرايأن وأخرجه من القصر بالأمان وأخذ ما عنده من الأموال.
وسار إلى الأنبار، وعليها إبراهيم الشروي، مولى المنصور، فقتله أبوالسرايأن وأخذ ما فيها وسار عنها؛ ثم عاد غليها بعد إدراك الغلال، فاحتوى عليهأن ثم ضجر من طول السرى في البلاد، فقصد الرقة، فمر بطوق بن مالك التغلبي وهويحارب القيسية، فأعانه عليهم، وأقام معه أربعة أشهر يقاتل على غير طمع إلا للعصبية للربعية على المضرية، فظفر طوق واقادت له قيس.
وسار عنه أبوالسرايا إلى الرقة، فلما وصلها لقيه محمد بن إبراهيم المعروف بابن طباطبأن فبايعه، وقال له: انحدر أنت في الماء، وأسير أنا على البر، حتى نوافي الكوفة؛ فدخلاهأن وابتدأ أبوالسرايا بقصر العباس ابن موسى بن عيسى فأخذ ما فيه من الأموال والجواهر، وكان عظيماً لا يحصى، وبايعهم أهل الكوفة.
وقيل كان سبب خروجه أن أبا السرايا كان من رجال هرثمة، فمطله بأرزاقه، فغضب، ومضى إلى الكوفة فبايع ابن طباطبأن وأخذ الكوفة، واستوسق له أهلهأن وأتاه الناس من نواحي الكوفة والأعراب، فبايعوه، وكان العامل عليها للحسن بن سهل سليمان بن المنصور، فلامه الحسن، ووجه زهير بن المسيب الضبي إلى الكوفة في عشرة آلاف فارس وراجل، فخرج إليه ابن طباطبا وأبوالسرايأن فواقعوه في قرية شاهي، فهزموه، واستباحوا عسكره، وكانت الوقعة سلخ جمادى الآخرة.
فلما كان الغد، مستهل رجب، مات محمد بن إبراهيم بن طباطبا فجأة، سمه أبوالسرايا؛ وكان سبب ذلك أنه لما غمن ما في عسكره زهير منع عنه أبا السرايأن وكان الناس له مطيعين، فعلم أبوالسرايا أنه لا حكم له معه، فسمه فمات، وأخذ مكانه غلاماً أمرد يقال له محمد بن محمد بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، عليه السلام، فكان الحكم إلى أبي السرايا.
ورجع زهير إلى قصر ابن هبيرة، فأقام به، ووجه الحسن بن سهل عبدوس بن محمد بن أبي خالد المرورذي، في أربعة آلاف فارس، فخرج إليه أبوالسرايأن فلقيه بالجامع لثلاث عشرة ليلة بقيت من رجب، فقتل عبدوسأن ولم يفلت من أصحابه أحد، كانوا بين قتيل وأسير.
وانتشر الطالبيون في البلاد، وضرب أبوطالب الدراهم بالكوفة وسير جيوشه إلى البصرة، وواسط، ونواحيهمأن فولى البصرة العباس بن محمد بن عيسى بن محمد الجعفري؛ وولى مكة الحسين بن الحسن بن علي بن الحسين بن علي الذي يقال له الأفطس، وجعل إليه الموسم؛ وولى اليمن إبراهيم بن موسى بن جعفر؛ وولى فارس إسماعيل بن موسى بن جعفر؛ وولى الأهواز زيد بن موسى بن جعفر، فسار إلى البصرة، وغلب عليهأن وأخرج عنها العباس بن محمد الجعفري، ووليها مع الأهواز، ووجه أبوالسرايا محمد بن سليمان بن داود بن الحسن بن الحسن بن علي إلى المدائن، وأمره أن يأتي بغداد من الجانب الشرقي، فأتى المدائن، وأقام بها وسير عسكره إلى ديالى.
وكان بواسط عبد الله بن سعيد الحرشي والياً عليها من قبل الحسن بن سهل، فانهزم من أصحاب أبي السرايا إلى بغداد، فلما رأى الحسن أن أصحابه لا يلبثون لأصحاب أبي السرايأن أرسل إلى هرثمة يستدعيه لمحاربة أبي السرايأن وكان قد سار إلى خراسان مغاضباً للحسن، فحضر بعد امتناع، وسار إلى الكوفة في شعبان، وسير الحسن إلى المدائن وواسط علي بن سعيد، فبلغ الخبر أبا السرايا وهوبقصر ابن هبيرة، فوجه جيشاً إلى المدائن، فدخلها أصحابه في رمضان، وتقدم حتى نزل بنهر صرصر، وجاء هرثمة فعسكر بإزائه، بينهما النهر، وسار علي بن سعيد في شوال إلى المدائن، فقاتل بها أصحاب أبي السرايأن فهزمهم واستولى على المدائن.
وبلغ الخبر أبا السرايأن فرجع من نهر صرصر إلى قصر ابن هبيرة، فنزل به؛ وسار هرثمة في طلبه فوجد جماعة من أصحابه، فقتلهم، ووجه رؤوسهم إلى الحسن بن سهل، ونازل هرثمة أبا السرايأن فكانت بينهما وقعة قتل فيها جماعة من أصحاب أبي السرايأن فانحاز إلى الكوفة، ووثب ن معه من الطالبيين على دور بني العباس ومواليهم وأتباعهم، فهدموهأن وانتهبوهأن وخربوا ضياعهم، وأخرجوهم من الكوفة، وعملوا أعمالاً قبيحة، واستخرجوا الودائع التي كانت لهم عند الناس.
وكان هرثمة يخبر الناس أنه يريد الحج، وحبس من قدم للحج من خراسان وغيرها ليكون هوأمير الموسم، ووجه إلى مكة داود بن عيسى بن موسى بن عيسى بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، رضي الله عنهم، وكان الذي وججه أبوالسرايا إلى مكة حسين بن حسن الأفطس بن علي بن علي بن الحسين بن علي، ووجه أيضاً إلى المدينة محمد بن سليمان بن داود بن الحسن بن علي، فدخلهأن ولم يقاتله بها أحد.
ولما بلغ داود بن عيسى توجيه أبي السرايا حسين بن حسن إلى مكة لإقامة الموسم، جمع أصحاب بني العباس ومواليهم، وكان مسرور الكبير قد حج في مائتي فارس، فتعبأ للحرب، وقال لداود: أقم إلي شخصك، أوبعض ولدك، وأنا أكفيك، فقال: لا أستحل القتال في المحرم، والله لئن دخلوها في هذا الفج لأخرجن من غيره.
وانحاز داود إلى ناحية المشاش، وافترق الجمع الذي كان جمعهم، وخاف مسرور أن يقاتلهم، فخرج في أثر داود راجعاً إلى العراق، وبقي الناس بعرفة، فصلى بهم رجل من عرض الناس بغير خطبة، ودافعوا من عرفه بغير إمام.
وكان حسين بن حسن بشرف يخاف دخول مكة، حتى خرج إليه قوم أخبروه أن مكة قد خلت من بني العباس، فدخلها في عشرة أنفس، فطافوا بالبيت، وبين الصفا والمروة، ومضوا إلى عرفة، فوقفوا ليلاً ثم رجعوا إلى مزدلفة، فصلى بالناس الصبح، وأقام بمنى أيام الحج، وبقي بمكة إلى أن انقضت السنة، وكذلك أيضاً أقام محمد بن سليمان بالمدينة، حتى انقضت السنة.
وأما هرثمة فإنه نزل بقرية شاهي، ورد الحاج، واستدعى منصور بن المهدي إليه، وكاتب رؤساء أهل الكوفة.
وأما علي بن سعيد فإنه توجه من المدائن إلى واسط، فأخذهأن وتوجه إلى البصرة، فلم يقدر على أخذها هذه السنة.
ذكر قوة نصر بن شبث العقيليوفيها قوي أمر نصر بن شبث العقيلي، وكثر جمعه، وحصر حران، وأتاه نفر من شيعة الطالبيين، فقالوا له: قد وترت بني العباس، وقتلت رجالهم، وأعلقت عنهم العرب، فلوبايعت لخليفة كان أقوى لأمرك.
فقال: من أي الناس؟ فقالوا: نبايع لبعض آل علي بن أبي طالب؛ فقال: أبايع بعض أولاد السوداوات فيقول إنه لوخلقني ورزقني؟ قالوا: فنبايع لبعض بني أمية؛ فقال: أولئك قد أدبر أمرهم، والمدبر لا يقبل أبدأن ولوسلك علي رجل مدبر لأعداني إدباره، وإمنا هواي في بني العباس، وإمنا حاربتهم محاماة على العرب لأنهم يقدمون عليهم العجم.
ذكر عدة حوادثفي هذه السنة توفي الحسين بن مصعب بن زريق أبوطاهر بن الحسين بخراسان، وكان طاهر بالرقة، وحضر المأمون جنازته، ونزل الفضل بن سهل قبره، ووجه المأمون يعزيه بأبيه.
وفيها توفي أبوعون معاوية بن أحمد الصمادحي، مولى آل جعفر بن أبي طالب، الفقيه المغربي الزاهد.
وفيها توفي سهل بن شاذويه أبوهارون، وعبد الله بن منير الهمداني الكوفي، وكنيته أبوهاشم، وهووالد محمد بن عبد الله بن منير شيخ البخاري ومسلم.
حوادث سنة مائتين
ذكر هرب أبي السرايافي هذه السنة هرب أبوالسرايا من الكوفة، وكان قد حصره فيها ومن معه هرثمة، وجعل يلازم قتالهم، حتى ضجروأن وتركوا القتال؛ فلما رأى ذلك أبوالسرايأن تهيأ للخروج من الكوفة، فخرج في ثمامنائة فارس، ومعه محمد بن محمد بن زيد، ودخلها هرثمة فأمن أهلهأن ولم يتعرض إليهم؛ وكان هربه سادس عشر المحرم، وأتى القادسية وسار منها إلى السوس بخوزستان فلقي مالاً قد حمل من الأهواز، فأخذه، وقسمه بين أصحابه.
وأتاه الحسن بن علي المأموني، فأمره بالخروج من عمله، فكره قتاله فأبى أبوالسرايا إلا قتاله، فقاتله، فهزمه المأموني وجرحه، وتفرق أصحابه، وسار هوومحمد بن محمد وأبوالشوك نحومنزل أبي السرايا برأس عين، فلما انتهوا إلى جلولاء ظفر بهم حماد الكندغوش، فأخذهم، وأتى بهم الحسن بن سهل، وهوبالنهروان، فقتل أبا السرايأن وبعث رأسه إلى المأمون، ونصبت جثته على جسر بغداد، وسير محمد بن محمد إلى المأمون.
وأما هرثمة فإنه أقام بالكوفة يوماً واحداً وعاد، واستخلف بها غسان بن أبي الفرج أبا إبراهيم بن غسان، صاحب حرس والي خراسان.
وسار علي بن سعيد إلى البصرة، فأخذها من العلويين. وكان بها زيد بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسن بن علي، عليه السلام، وهوالذيث يسمى زيد النار، وإمنا سمي بها لكثرة ما أحرق بالبصرة من دور العباسيين وأتباعهم، وكان إذا أتى رجل من المسودة أحرقه؛ وأخذ أموالاً كثيرة من أموال التجار سوى أموال بني العباس؛ فلما وصل علي إلى البصرة استأمنه زيد فأمنه، وأخذه، وبعث إلى مكة، والمدينة، واليمن جيشأن فأمرهم بمحاربة من بها من العلويين، وكان بين خروج أبي السرايا وقتله عشرة أشهر.
ذكر ظهور إبراهيم بن موسىفي هذه السنة ظهر إبراهيم بن موسى بن جعفر بن محمد، وكان بمكة، فلما بلغه خبر أبي السرايا وما كان منه سار إلى اليمن، وبها إسحاق بن موسى بن عيسى بن موسى بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس أملاً للمأمون، فلما بلغه قرب إبراهيم من صنعاء، سار منها نحومكة فأتى المشاش، فعسكر بهأن واجتمع بها إليه جماعة من أهل مكة هربوا من العلويين، واستولى إبراهيم على اليمن، وكان يسمى الجزار لكثرة من قتل باليمن، وسبى، وأخذ الأموال.
ذكر ما فعله الحسين بن الحسن الأفطس بمكة والبيعة لمحمد بن جعفروفي هذه السنة، في المحرم، نزع الحسين كسوة الكعبة، وكساها كسوة أخرى، أنفذها السرايا من الكوفة، من القز، وتتبع ودائع بني العباس وأتباعهم، وأخذهأن وأخذ أموال الناس بحجة الودائع، فهرب الناس منه، وتطرق أصحابه إلى قلع شبابيك الحرم، وأخذ ما على الأساطين من الذهب، وهونزر حقير، وأخذ ما في خزانة الكعبة، فقسمه مع كسوتها على أصحابه.
فلما بلغه قتل أبي السرايأن ورأى تغير الناس لسوء سيرته وسيرة أصحابه، أتى هووأصحابه إلى محمد بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي، عليه السلام، وكان شيخاً محبباً للناس، مفارقاً لما عليه كثير من أهل بيته من قبح السيرة، وكان يروي العلم عن أبيه جعفر، رضي الله عنه، وكان الناس يكتبون عنه، وكان يظهر زهدأن فلما أتوه قالوا له: تعلم منزلتك من الناس، فهلم نبايع لك بالخلافة، فإن فعلت لم يختلف عليك رجلان.
فامتنع من ذلك، فلم يزل به ابنه علي والحسين بن الحسن الأفطس، حتى غلباه على رأيه، وأجابهم، وأقاموه في ربيع الأول، فبايعوه بالخلافة، وجمعوا له الناس، فبايعوه طوعاً وكرهأن وسموه أمير المؤمنين، فبقي شهوراً وليس له من الأمر شيء، وابنه علي والحسين بن الحسن وجماعتهم أسوأ ما كانوا سيرة وأقبح فعلاً؛ فوثب الحسين بن الحسن على امرأة من بني فهر كانت جميلة، وأرادها على نفسهأن فامتنعت منه، فأخاف زوجهأن وهومن بني مخزوم، حتى توارى عنه، ثم كسر باب دارهأن وأخذها إليه مدة ثم هربت منه.
ووثب علي بن محمد بن جعفر على غلام أمرد، وهوابن قاضي مكة، يقال له إسحاق بن محمد، وكان جميلأن فأخذه قهرأن فلما رأى ذلك من أهل مكة ومن بها من المجاورين اجتمعوا بالحرم، واجتمع معهم جمع كثير، فأتوا محمد بن جعفر، فقالوا له: لنخلعنك، أولنقتلنك، أولتردن غلينا هذا الغلام! فأغلق بابه وكلمهم من شباك، وطلب منهم الأمان ليركب إلى ابنه ويأخذ الغلام، وحلف لهم أنه لم يعلم بذلك، فأمنوه، فركب إلى ابنه وأخذ الغلام منه وسلمه إلى أهله.
ولم يلبثوا إلا يسيراً حتى قدم إسحاق بن موسى العباسي من اليمن فنزل المشاش واجتمع الطالبيون إلى محمد بن جعفر، وأعلموه، وحفروا خندقأن وجمعوا الناس من الأعراب وغيرهم، فقاتلهم إسحاق، ثم كره القتال، فسار نحوالعراق، فلقيه الجند الذين أنفذهم هرثمة، إلى مكة، ومعهم الجلودي ورجاء بن جميل، فقالوا لإسحاق: ارجع معنأن ونحن نكفيك القتال، فرجع معهم، فقاتلوا الطالبيين، فهزموهم، فأرسل محمد بن جعفر يطلب الأمان، فأمنوه، ودخل العباسيون مكة في جمادى الآخرة وتفرق الطالبيون من مكة.
وأما محمد بن جعفر فسار نحوالجحفة، فأدركه بعض موالي بني العباس، فأخذ جميع ما معه، وأعطاه دريهمات يتوصل بهأن فسار نحوبلاد جهينة، فجمع بهأن وقاتل هارون بن المسيب والي المدينة، عند الشجرة وغيرهأن عدة دفعات، فانهزم محمد، وفقئت عينه بنشابة، وقتل من أصحابه بشر كثير، ورجع إلى موضعه.
فلما انقضى الموسم طلب الأمان من الجلودي، ومن رجاء بن جميل وهوابن عمة الفضل بن سهل، فأمنه، وضمن له رجاء عن المأمون وعن الفضل الوفاء بالأمان، فقبل ذلك، فأتى مكة لعشر بقين من ذي الحجة، فخطب الناس، وقال: إنني بلغني أن المأمون مات، وكانت له في عنقي بيعة، وكانت فتنة عمت الأرض، فبايعني الناس، ثم إنه صح عندي أن المأمون حي صحيح، وأنا أستغفر الله من البيعة، وقد خلعت نفسي ن البيعة التي بايعتموني عليهأن كما خلعت خاتمي هذا من إصبعي، فلا بيعة لي في رقابكم.
ثم نزل وسار سنة إحدى ومائتين إلى العراق، فسيره الحسن بن سهل إلى المأمون بمرو، فلما سار المأمون إلى العراق صحبه، فمات بجرجان، على ما نذكره إن شاء الله تعالى.
ذكر ما فعله إبراهيم بن موسىوفي هذه السنة وجه إبراهيم بن موسى بن جعفر من اليمن رجلاً من ولد عقيل بن أبي طالب في جند ليحج بالناس، فسار العقيلي حتى أتى بستان ابن عامر، فبلغه أن أبا إسحاق المعتصم قد حج في جماعة من القواد، فيهم حمدويه بن علي بن عيسى بن ماهان، وقد استعمله الحسن بن سهل على اليمن، فعلم العقيلي أنه لا يقوى بهم، فأقام ببستان ابن عامر، فاجتاز قافلة من الحاج، ومعهم كسوة الكعبة وطيبهأن فأخذ أموال التجار، وكسوة الكعبة وطيبهأن وقدم الحجاج مكة عراة منهوبين.
فاستشار المعتصم أصحابه، فقال الجلودي: أنا أكفيك ذلك، فانتخب مائة رجل، وسار بهم إلى العقيلي، فصبحهم، فقاتلهم، فانهزموأن واسر أكثرهم، وأخذ كسوة الكعبة، وأموال التجار، إلا ما كان مع من هرب قبل ذلك، فرده وأخذ الأسرى، فضرب كل واحد منهم عشرة أسواط، وأطلقهم، فرجعوا إلى اليمن يستطعمون الناس، فهلك أكثرهم في الطريق.
ذكر مسير هرثمة إلى المأمون وقتلهلما فرغ هرثمة من أبي السرايا رجع فلم يأت الحسن بن سهل، وكان بالمدائن، بل سار على عقرقوف حتى أتى البردان، والنهروان، وأتى خراسان، فأتته كتب المأمون في غير موضع أن يأتي إلى الشام والحجاز، فأبى، وقال: لا أرجع حتى ألقى أمير المؤمنين، إدلالاً منه عليه، ولما يعرف من نصيحته له ولآبائه، وأراد أن يعرف المأمون ما يدبر عليه الفضل ابن سهل، وما يكتم عنه من الأخبار، وأنه لا يدعه حتى يرده إلى بغداد ليتوسط سلطانه.
فعلم الفضل بذلك، فقال للمأمون: إن هرثمة قد أثقل عليك البلاد والعباد، ودس أبا السرايأن وهومن جنده، ولوأراد لم يفعل ذلك، وقد كتب إليه أمير المؤمنين عدة كتب ليرجع إلى الشام والحجاز، فلم يفعل وقد جاء مشاقاً يظهر القول الشديد فإن أطلق هذا كان مفسدة لغيره.
فتغير قلب المأمون، وأبطأ هرثمة إلى ذي القعدة، فلما بلغ مروخشي أن يكتم قدومه عن المأمون، فأمر بالطبول فضربت لكي يسمعها المأمون، فسمعها فقال: ما هذا؟ قالوا: هرثمة قد أقبل يرعد ويبرق، فظن هرثمة أن قوله المقبول، فأمر المأمون بإدخاله، فلما دخل عليه قال له المأمون: مالأت أهل الكوفة العلويين، ووضعت أبا السرايأن ولوشئت أن تأخذهم جميعاً لفعلت.
فذهب هرثمة يتكلم ويعتذر، فلم يقبل منه، فأمر به فديس بطنه، وضرب أنفه، وسحب من بين يديه، وقد أمر الفضل الأعوان بالتشديد عليه، فحبس فمكث في الحبس أياماً ثم دس إليه من قتله، وقالوا مات.
ذكر وثوب الحربية ببغدادوفيها كان الشغب ببغداد بين الحربية والحسن بن سهل، وكان سبب ذلك أن الحسن بن سهل كان بالمدائن حين شخص هرثمة إلى المأمون، فلما اتصل ببغداد، وسمع ما صنعه المأمون بهرثمة، بعث الحسن بن سهل إلى علي بن هشام، وهووالي بغداد من قبله، أن ماطل الجند من الحربية أرزاقهم ولا تعطهم.
وكانت الحربية قبل ذلك حين خرج هرثمة إلى خراسان قد وثبوأن وقالوا: لا نرضى حتى نطرد الحسن وعماله عن بغداد، فطردوهم، وصيروا إسحاق بن موسى الهادي خليفة المأمون ببغداد، واجتمع أهل الجانبين على ذلك ورضوا به.
فدس الحسن إليهم، وكاتب قوادهم حتى يبعثوا من جانب عسكر المهدي، فحول الحربية إسحاق إليهم، وأنزلوه على دجيل، وجاء زهير بن المسيب، فنزل في عسكر المهدي، وبعث الحسن علي بن هشام في الجانب الآخر هوومحمد بن أبي خالد، ودخلوا بغداد ليلاً في شعبان، وقاتل الحربية ثلاثة أيام على قنطرة الصراة، ثم وعدهم رزق ستة اشهر، إذا أدركت الغلة، فسألوه تعجيل خمسين درهماً لكل رجل منهم ينفقونها في رمضان، فأجابهم إلى ذلك.
وجعل يعطيهم فلم يتم العطاء حتى أتاهم خبر زيد بن موسى من البصرة، المعروف بزيد النار، وكان هرب من الحبس، وكان عند علي بن سعيد، فخرج بناحية الأنبار هووأخوأبي السرايا في ذي القعدة سنة مائتين، فبعثوا إليه فأتي به إلى علي بن هشام، وهرب علي بن شهام بعد جمعة من الحربية، ونزل بصرصر لأنه لن يف لهم بإعطاء الخمسين إلى أن جاء الأضحى، وبلغهم خبر هرثمة وأخرجوه.
وكان القيم بأمر هرثمة محمد بن أبي خالد لأن علي بن هشام كان يستخف به، فغضب من ذلك، وتحول إلى الرحبية، فلم يقربهم علي، فهرب إلى صرصر، ثم هزموه من صرصر.
وقيل كان السبب في شغب الأبناء أن الحسن بن سهل جلد عبد الله بن علي بن ماهان الحد، فغضب الأبناء، وخرجوا.
ذكر الفتنة بالموصلوفيها وقعت الفتنة بالموصل بين بني سامة وبني ثعلبة، فاستجارت ثعلبة بمحمد بن الحسين الهمداني، وهوأخوعلي بن الحسين، أمير البلد، فأمرهم بالخروج إلى البرية، ففعلوأن فتبعهم بنوسامة في ألف رجل إلى العوجاء، وحصروهم فيهأن فبلغ الخبر علياً ومحمداً ابني الحسين، فأرسلا الرجال إليهم، واقتتلوا قتالاً شديدأن فقتل من بني سامة جماعة، وأسر جماعة منهم، ومن بني تغلب، وكانوا معهم فحبسوا في البلد.
ثم إن أحمد بن عمروبن الخطاب العدوي التغلبي أتى محمدأن وطلب إليه المسالمة، فأجابه إلى ذلك، وصلح الأمر، وسكنت الفتنة.
ذكر الغزاة إلى الفرنجوفي هذه السنة جهز الحكم أمير الأندلس جيشاً مع عبد الكريم بن مغيث إلى بلاد الفرنج بالأندلس، فسار بالعساكر حتى دخل بأرضهم، وتوسط بلادهم، فخربهأن ونهبها وهدم عدة من حصونهأن كلما أهلك موضعاً وصل إلى غيره، فاستنفد خزائن ملوكهم.
فلما رأى ملكهم فعل المسلمين ببلادهم كاتب ملوك جميع تلك النواحي مستنصراً بهم، فاجتمعت إليه النصرانية من كل أوب، فأقبل في جموع عظيمة بإزاء عسكر المسلمين، بينهم نهر، فاقتتلوا قتالاً شديداً عدة أيام، المسلمون يريدون يعبرون النهر، وهم يمنعون المسلمين من ذلك.
فلما رأى المسلمون ذلك تأخروا عن النهر، فعبر المشركون إليهم، فاقتتلوا أعظم قتال، فانهزم المشركون إلى النهر، فأخذهم السيف والأسر، فمن عبر النهر سلم، وأسر جماعة من كنودهم وملوكهم وقماصتهم، وعاد الفرنج ولزموا جانب النهر، يمنعون المسلمين من جوازه، فبقوا كذلك ثلاثة عشر يومأن يقتتلون كل يوم، فجاءت الأمطار، وزاد النهر، وتعذر جوازه، فقفل عبد الكريم عنهم سابع ذي الحجة.
ذكر خروج البربر بناحية موروروفي هذه السنة خرج خارجي من البربر بناحية مورور، من الأندلس، ومعه جماعة، فوصل كتاب العامل إلى الحكم بخبره، فأخفى الحكم خبره، واستدعى من ساعته قائداً من قواده، فأخبره بذلك سرأن وقال له: سر من ساعتك إلى هذا الخارجي فأتني برأسه، وإلا فرأسك عوضه، وأنا قاعد مكاني هذا إلى أن تعود.
فسار القائد إلى الخارجي، فلما قاربه سأله عنه، فأخبر عنه باحتياط كثير، واحتراز شديد، ثم ذكر قول الحكم: إن قتلته، وإلا فرأسك عوضه، فحمل نفسه على سبيل المخاطرة فأعمل الحيلة، حتى دخل عليه، وقتله، وأحضر رأسه عند الحكم، فرآه بمكانه ذلك لم يتغير منه، وكانت غيبته أربعة أيام.
فلما رأى أحسن إلى ذلك القائد، ووصله وأعلى محله.
مورور بفتح الميم وسكون الواووضم الراء وسكون الواوالثانية وآخره راء ثانية.
ذكر عدة حوادثفي هذه السنة وجه المأمون رجاء بن أبي الضحاك علي بن موسى بن جعفر بن محمد، وأحصي في هذه السنة ولد العباس فبلغوا ثلاثة وثلاثين ألفاً ما بين ذكر وأنثى، وفي هذه السنة قتلت الروم ملكها أليون وكان ملكه سبع سنين وستة أشهر وملكوا عليهم ميخائيل بن جورجيش ثانية، وفيها خالف علي بن أبي سعيد على الحسن بن سهل فبعث المأمون إليه بسراج الخادم وقال له: إن وضع يده في يد الحسن بن سهل أوشخص إلي بمرووإلا فاضرب عنقه، فسار إليه سراج فأطاع وتوجه إلى المأمون بمرومع هرثمة، وفيها قتل المأمون يحيى بن عامر بن إسماعيل لأنه قال له يا أمير الكافرين، وحج بالناس هذه السنة المعتصم، وفيها توفي القاضي أبوالبختري وهب بن وهب، ومعروف الكرخي الزاهد، وصفوان بن عيسى الفقيه، والمعافى بن داود الموصلي وكان فاضلاً عابداً.
حوادث سنة إحدى ومائتين
ذكر ولاية منصور بن المهدي ببغدادوفي هذه السنة أراد أهل بغداد أن يبايعوا المنصور بن المهدي بالخلافة، فامتنع عن ذلك، فأرادوه على الإمرة عليهم، على أن يدعوللمأمون بالخلافة، فأجابهم إليه.
وكان سبب ذلك ما ذكرناه قبل من إخراج أهل بغداد علي بن هشام من بغداد. فلما اتصل إخراجه من بغداد بالحسن بن سهل سار من المدائن إلى واسط تبعه محمد ابن أبي خالد بن الهندوان، مخالفاً له، وقد تولى القيام بأمر الناس، وولى سعيد بن الحسن بن قحطبة الجانب الغربي، ونصر بن حمزة بن مالك الجانب الشرقي.
وكان ببغداد منصور بن المهدي، والفضل بن الربيع، وخزيمة بن خازم؛ وقدم عيسى بن محمد بن أبي خالد من أرقة من عند طاهر، في هذه الأيام، فوافق أباه على قتال الحسن بن سهل، فمضيا ومن معهما إلى قرية أبي قريش قريب واسط، ولقيهما في طريقهما عساكر الحسن، في غير موضع، فهزماهم.
ولما انتهى محمد إلى دير العاقول أقام به ثلاثأن وزهير بن المسيب مقيم بإسكاف بني الجنيد، عاملاً للحسن على جوخي، وهويكاتب قواد بغداد، فركب إليه محمد، وأخذه أسيرأن وأخذ كل ماله، وسيره أسيراً إلى بغداد، وحبسه عند أبيه جعفر.
ثم تقدم محمد إلى واسط، ووجه محمد ابنه هارون من دير العاقول إلى النيل، وبها نائب للحسن، فهزمه هارون، وتبعه إلى الكوفة.
ثم سار المنهزمون من الكوفة إلى الحسن بواسط، ورجع هارون إلى أبيه وقد استولى على النيل، وسار محمد وهارون نحوواسط، فسار الحسن عنهأن ونزل خلفها.
وكان الفضل بن الربيع مختفياً كما تقدم إلى الآن، فلما رأى أن محمداً قد بلغ واسطاً طلب منه الأمان فأمنه، وظهر، وسار محمد إلى الحسن على تعبئة فوجه إليه الحسن قواده وجنده، فاقتتلوا قتالاً شديدأن فانهزم أصحاب محمد بعد العصر، وثبت محمد حتى جرح جراحات شديدة، وانهزموا هزيمة قبيحة، وقتل منهم خلق كثير، وغمنوا مالهم، وذلك لسبع بقين من شهر ربيع الأول.
ونزل محمد بفم الصلح، وأتاهم الحسن، فاقتتلوأن فلما جنهم الليل رحل محمد وأصحابه، فنزلوا المنازل، فأتاهم الحسن، فاقتتلوأن فلما جنهم الليل ارتحلوأن حتى أتوا جبل، فأقاموا بهأن ووجه محمد ابنه عيسى إلى عرنايا، فأقام بهأن محمد بجرجرايأن فاشتدت جراحات محمد فحمله ابنه أبوزنبيل إلى بغداد، وخلف عسكره لست خون من ربيع الآخر، ومات محمد بن أبي خالد في داره سراً.
وأتى أبوزنبيل خزيمة بن خازم، فأعلمه حال أبيه، وأعلم خزيمة ذلك الناس، وقرأ عليهم كتاب عيسى بن محمد إليه، يبذل فيه القيام بأمر الحرب مقام أبيه، فرضوا به، وصار مكان أبيه؛ وقتل أبوزنبيل زهير بن المسيب من ليلته، ذبحه ذبحأن وعلق رأسه في عسكر أبيه.
وبلغ الحسن بن سهل موت محمد، فسار إلى المبارك، فأقام به، وبعث في جمادى الآخرة جيشاً له، فالتقوا بأبي زنبيل بفم الصراط، فهزموه، وانحاز إلى أخيه هارون بالنيل، فتقدم جيش الحسن إليهم، فلقوهم، فاقتتلوا ساعة، وانهزم هارون وأصحابه، فأتوا المدائن، ونهب أصحاب الحسن النيل، ثلاثة أيام، وما حولها من القرى.
وكان بنوهاشم والقواد، حين مات محمد بن أبي خالد، قالوا: نصير بعضنا خليفةً ونخلع المأمون؛ فأتاهم خبر هارون وهزيمته، فجدوا في ذلك، وأرادوا منصور بن المهدي على الخلافة فأبى، فجعلوه خليفة للمأمون ببغداد والعراق، وقالوا: لا نرضى بالمجوسي بن المجوسي الحسن بن سهل.
وقيل إن عيسى لما ساعده أهل بغداد على حرب السحن بن سهل علم الحسن أنه لا طاقة له به، فبهث إليه، وبذل المصاهرة ومائة ألف دينار، والأمان له ولأهل بيته، ولأهل بغداد، وولاية أي النواحي احب، فطلب كتاب المأمون بخطه، وكتب عيسى إلى أهل بغداد: إني مشغول بالحرب عن جباية الخراج، فولوا رجلاً من بني هاشم، فولوا منصور بن المهدي، وقال: أنا خليفة أمير المؤمنين المأمون حتى يقدم، أويولي من أحب، فرضي به الناس.
وعسكر منصور بكلواذي، بعث غسان بن عباد بن أبي الفرج إلى ناحية الكوفة، فنزل بقصر ابن هبيرة، فلم يشعر غسان إلا وقد أحاط به حميد الطوسي، فأخذه أسيرأن وقتل من أصحابه، وذلك لأربع خلون من رجب.
وسير منصور بن المهدي محمد بن يقطين في عسكر إلى حميد، فسار حتى أتى كوثى، فلم يشعر بشيء حتى هجم عليه حميد، وكان بالنيل، فقاتله قتالاً شديداً وانهزم ابن يقطين، وقتل من أصحابه، وأسر، وغرق بشر كثير، ونهب حميد ما حول كوثى من القرى، ورجع حميد إلى النيل، وابن يقطين أقام بنهر صرصر؛ وأحصى عيسى بن محمد بن أبي خالد من في عسكره، وكانوا مائة ألف وخمسة وعشرين ألفاً بين فارس وراجل، فأعطى الفارس أربعين درهماً والراجل عشرين درهماً.
ذكر أمر المتطوعة بالمعروفوفي هذه السنة تجردت المتطوعة للأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر.
وكان سبب ذلك أن فساق بغداد والشطار آذوا الناس أذىً شديدأن وأظهروا الفسق، وقطعوا الطريق، وأخذوا النساء والصبيان علانيةً، وكانوا يأخذون ولد الرجل وأهله، فلا يقدر أن يمتنع منهم، وكانوا يطلبون من الرجل أن يقرضهم، أويصلهم، فلا يقدر على الامتناع، وكانوا ينهبون القرى لا سلطان يمنعهم، ولا يقدر عليهم، لأنه كان يغريهم، وهم بطانته، وكانوا يمسكون المجتازين في الطريق، ولا يعدي عليهم أحد، وكان الناس معهم في بلاء عظيم.
وآخر أمرهم أنهم خرجوا إلى قطربل، وانتهبوها علانية، وأخذوا العين والمتاع والدواب، فباعوها ببغداد ظاهرأن واستعدى أهلها السلطان، فلم يعدهم، وكان ذلك آخر شعبان.
فلما رأى الناس ذلك قام صلحاء كل ربض ودرب، ومسى بعضهم إلى بعض، وقالوا: إمنا في الدرب الفاسق والفاسقان إلى العشرة، وأنتم أكثر منهم، فلواجتمعتم لقمعتم هؤلاء الفساق، ولعجزوا عن الذي يفعلونه؛ فقام رجل يقال له خالد الدريوش، فدعا جيرانه وأهل محلته، على أن يعاونوه على الأمر المعروف والنهي عن المنكر، فأجابوه إلى ذلك، فشد على من يليه من الفساق والشطار، فمنعهم، وامتنعوا عليه، وأرادوا قتاله، فقاتلهم، فهزمهم وضرب من أخذه من الفساق، وحبسهم، ورفعهم إلى السلطان إلا أنه كان لا يرى أن يغير على السلطان شيئاً.
ثم قام بعده رجل من الحربية يقال له سهل بن سلامة الأنصاري من أهل خراسان، ويكنى أبا حاتم، فدعا الناس إلى الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والعمل بالكتاب والسنة، وعلق مصحفاً في عنقه، وأمر أهل محلته ونهاهم، فقبلوا منه، ودعا الناس جميعاً الشريف والوضيع من بني هاشم وغيرهم، فأتاهم خلق عظيم فبايعوه على ذلك، وعلى القتال معه لمن خالفه، وطاف ببغداد وأسواقها؛ وكان قيام سهل لأربع خلون من رمضان وقيام الدريوش قبله بيومين أوثلاثة.
وبلغ خبر قيامهم إلى منصور بن المهي وعيسى بن محمد بن أبي خالد، فكسرهما ذلك، لأن أكثر أصحابهما كان الشطار ومن لا خير فيه؛ ودخل منصور بغداد، وكان عيسى يكاتب الحسن بن سهل في الأمان، فأجابه الحسن إلى الأمان ولأهل بغداد، وأن يعطي جنده وأهل بغداد رزق ستة أشهر إذا أدركت الغلة، ورحل عيسى، فدخل بغداد لثلاث عشرة ليلة خلت من شوال وتفرقت العساكر، فرضي أهل بغداد بما صالح عليه، وبقي سهل على ما كان عليه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
ذكر البيعة لعلي بن موسى عليه السلام بولاية العهدفي هذه السنة جعل المأمون علي بن موسى الرضي بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، عليه السلام، ولي عهد المسلمين والخليفة من بعده، ولقبه الرضي من آل محمد، صلى الله عليه وسلم، وأمر جنده بطرح السواد ولبس الثياب الخضر، وكتب بذلك إلى الآفاق، وكتب الحسن بن سهل إلى عيسى بن محمد بن أبي خالد بعد عوده إلى بغداد يعلمه أن المأمون قد جعل علي بم مسوى ولي عهده من بعده.
وذلك أنه نظر في بني العباس وبني علي، فلم يجد أحداً أفضل ولا أروع ولا أعلم منه، وأنه سماه الرضي من آل محمد، صلى الله عليه وسلم، وأمره بطرح السواد ولبس الخضرة، وذلك لليلتين خلتا من شهر رمضان سنة إحدى ومائتين، وأمر عيسى بن محمداً أن يأمر من عنده من أصحابه، والجند، والقواد، وبني هاشم بالبيعة له، ولبس الخضرة، ويأخذ أهل بغداد جميعاً بذلك؛ الخلافة من ولد العباس، وإمنا هذا من الفضل بن سهل، فمكثوا كذلك أيامأن وتكلم بعضهم وقالوا: نولي بعضنأن ونخلع المأمون، فكان أشدهم فيه منصور وإبراهيم ابنا المهدي.
ذكر الباعث على البيعة لإبراهيم بن المهديوفي هذه السنة في ذي الحجة خاض الناس في البيعة لإبراهيم بن المهدي بالخلافة وخلع المأمون ببغداد.
وكان سبب ذلك ما ذكرناه من إنكار الناس لولاية الحسن بن سهل والبيعة لعلي بن موسى، فأظهر العباسيون ببغداد أنهم كانوا قد بايعوا لإبراهيم بن المهدي، لخمس بقين من ذي الحجة، ووضعوا يوم الجمعة رجلاً يقول: إنا نريد أن ندعوللمأمون، ومن بعده لإبراهيم، ووضعوا من يجيبه بأننا لا نرضى إلا أن تبايعوا لإبراهيم بن المهدي بالخلافة، ومن بعده لإسحاق بن موسى الهادي، وتخلعوا المأمون، ففعلوا ما أمروهم به، فلم يصل الناس جمعة، وتفرقوأن وكان ذلك لليلتين بقيتا من ذي الحجة من السنة.
ذكر فتح جبال طبرستان والديلمفي هذه السنة افتتح عبد الله بن خرداذبة والي طبرستان البلاذر، والشيزر، من بلاد الديلم، وافتتح جبال طبرستان، فأنزل شهريار بن شروين عنهأن وأشخص مازيار بن قارن إلى المأمون، واسر أبا ليلى ملك الديلم.
ذكر ابتداء بابك الخرميوفيها تحرك بابك الخرمي في الجاويدانية، أصحاب جاويدان بن سهل، صاحب البذ، وادعى أن روح جاويدان دخلت فيه، وأخذ في العيث والفساد، وتفسير جاويدان الدائم الباقي، ومعنى خرم فرج، وهي مقالات المجوس، والرجل منهم ينكح أمه، وأخته، وابنته، ولهذا يسمونه دين الفرج، ويعتقدون مذهب التناسخ، وأن الأرواح تنتقل من حيوان إلى غيره.
ذكر ولاية زيادة الله بن إبراهيم بن الأغلب إفريقيةوفي هذه السنة سادس في ذي الحجة توفي أبوالعباس عبد الله بن إبراهيم بن الأغلب، أمير إفريقية، وكانت إمارته خمس سنين ونحوشهرين.
وكان سبب موته أنه حدد على كل فدان في عمله ثمانية عشر ديناراً كل سنة، فضاق الناس لذلك وشكا بعضهم إلى بعض، فتقدم إليه رجل من الصالحين، اسمه حفص بن عمر الجزري، مع رجال من الصالحين، فنهوه عن ذلك، ووعظوه، وخوفوه العذاب في الآخرة، وسوء الذكر في الدنيأن وزوال النعمة، فإن الله تعالى اسمه وجل ثناؤه (لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، وإذا أراد بقوم فلا مرد له، ومالهم من دونه من وال) الرعد: 11.
فلم يجبهم أبوالعباس عبد اله بن إبراهيم بن الأغلب أمير إفريقية المذكور إلى ما طلبوأن فخرجوا من عنده إلى القيروان، فقال لهم حفص: لوأننا نتوضأ للصلة ونصلي، ونسأل الله تعالى أن يخف عن الناس؟ ففعلوا ذلك، فما لبث إلا خمسة أيام حتى خرجت قرجة تحت أذنه، فلم ينشب أن مات منهأن وكان من أجمل زمانه، ولما مات ولي بعده أخوه زيادة الله بن إبراهيم، وبقي أميراً رخي البال وادعأن والدنيا عنده آمنة.
ثم جهز جيشاً في أسطول البحر، وكان مراكب كثيرة، إلى مدينة سردانية، وهي للروم، فعطب بعضهأن بعد أن غمنوا من الروم، وقتلوا كثيرأن فلما عاد من سلم منهم أحسن إليهم زيادة الله ووصلهم.
فلما كان سنة سبع ومائتين خرج عليه زياد بن سهل المعروف باب الصقلبية، وجمع جمعاً كثيرأن وحصر مدينة باجة، فسير إليه زياد الله العساكر، فأنالوه عنهأن وقتلوا من وافقه على المخالفة.
وفي سنة ثمان ومائتين نقل إلى زيادة الله أن منصور بن نصير الطنبذي يريد المخالفة عليه بتونس، وهويسعى في ذلك، ويكاتب الجند، فلما تحققه سير إليه قائداً اسمه محمد بن حمزة في ثلاث مائة فارس، وأمره أن يخفي خبره، ويجد السير إلى تونس، فلا يشعر به منصور حنى يأخذه فيحمله إليه.
فسار محمد ودخل تونس، فلم يجد منصوراً بهأن كان قد توجه إلى قصره بطنبذة، فأرسل إليه محمد قاضي تونس، ومعه أربعون شيخأن يقبحون له الخلاف، وينهونه عنه، ويأمرونه بالطاعة، فساروا إليه واجتمعوا به وذكروا له ذلك؛ فقال منصور: ما خالفت طاعة الأمير، وأنا سائر معكم إلى محمد، ومن معه إلى الأمير، ولكن أقيموا معي يومنا هذأن حتى نعمل له ولمن معه ضيافة.
فأقاموا عنده، وسير منصور لمحمد ولمن معه الإقامة الحسنة الكثيرة من الغمن والبقر وغير ذلك من أنواع ما يؤكل، فكتب إليه يقول: إنني صائر إليك مع القاضي والجماعة؛ فركن محمد إلى ذلك، وأمر بالغمن فذبحت، وأكل هوومن معه، وشربوا الخمر.
فلما أمسى منصور سجن القاضي ومن معه وسار مجداً فيمن عنده من أصحابه سراً إلى تونس فدخلوا دار الصناعة، وفيها محمداً وأصحابه، فأمر بالطبول فضربت، وكبر وهووأصحابه، فوثب محمد وأصحابه إلى سلاحهم، وقد عمل فيهم الشراب، وأحاط بهم منصور ومن معه، وأقبلت العامة من كل مكان، فرجوهم بالحجارة، واقتتلوا عامة الليل، فقتل من كان مع محمد، ولم يسلم منهم إلا من نجا إلى البحر فسبح حتى تخلص وذلك في صفر.
وأصبح منصور، فاجتمع عليه الجند وقالوا: نحن لا نثق بك، ولا نأمن أن يخليك زيادة الله، ويستميلك بدنياه، فتميل إليه، فإن أحببت أن نكون معك فاقتل أحداً من أهله ممن عندك، فأحضر إسماعيل بن سفيان بن سالم بن عقال، وهومن أهل زيادة الله، فكان هوالعامل على تونس، فلما حضر أمر بقتله.
فلما سمع زيادة الله الخبر سير جيشاً كثيفأن واستعمل عليهم غلبون، واسمه الأغلب بن عبد الله بن الأغلب، وهووزير زيادة الله، إلى منصور الطنبذي، فلما ودعهم زيادة الله تهددهم بالقتل إن انهزموا؛ فلما وصلوا إلى تونس خرج إليهم منصور، فقاتلهم، فانهزم جيش زيادة الله عاشر ربيع الأول، فقال القواد الذين فيه لغلبون: لا نأمن زيادة الله على أنفسنأن فإن أخذت لنا أماناً حضرنا عنده، وفارقوه واستولوا على عدة مدن، فأخذوهأن منها: باجة، والجزيرة، وصطفورة ومسر والأربس وغيرهأن فاضطربت إفريقية، واجتمع الجند كلهم إلى منصور؛ أطاعوه لسوء سيرة زيادة الله معهم.
فلما كثر جمع منصور سار إلى القيروان فحصرها في جمادى الأولى، وخندق على نفسه، وكان بينه وبين زيادة الله وقائع كثيرة؛ وعمر منصور سور القيروان فوالاه أهلهأن فبقي الحصار عليه أربعون يوماً.
ثم إن زيادة اله عبأ أصحابه، وجمعهم، وسار معهم الفارس والراجل، فكانوا خلقاً كثيرأن فلما رآهم منصور راعه ما رأى وهاله، ولم يكن يعرف ذلك من زيادة الله، لما كان فيه من الوهن، فزحف المنصور إليه بنفسه أيضأن فالتقوأن واقتلوا قتالاً شديدأن وانهزم منصور ومن معه، ومضوا هاربين، وقتل منهم خلق كثير، وذلك منتصف جمادى الآخرة، وأمر زيادة الله أن ينتقم من أهل القيروان بما جنوه من مساعدة منصور والقتال معه، بما تقدم أولاً من مساعدة عمران بن مجالد لما قاتل أباه إبراهيم بن الأغلب، فمنعه أهل العلم والدين، فكف عنهم، وخرب سور القيروان.
ولما نهزم منصور فارقه كثير من أصحابه الذين صاروا معه، منهم: عامر بن نافع، وعبد السلام بن المفرج، إلى البلاد التي تغلبوا عليها؛ ثم إن زيادة الله سير جيشأن سنة تسع ومائتين، وإلى مدينة سبيبة، واستعمل عليهم محمد بن عبد الله بن الأغلب، وكان بها جمع من الجند الذين صاروا مع منصور، عليهم عمر بن نافع، فالتقوا في العشرين من المحرم، واقتتلوأن فانهزم ابن الأغلب، وعاد هوومن معه إلى القيروان، فعظم الأمر على زيادة الله، وجمع الرجال، وبذل الأموال.
وكان عيال الجند الذين مع منصور بالقيروان، فلم يعرض لهم زيادة الله، فقال الجند لمنصور: الرأي أن تحتال في نقل العيال من القيروان لنأمن عليهم، فسار بهم منصور إلى القيروان، وحصر زيادة الله ستى عشر يومأن ولم يكن منهم قتال، وأخرج الجند نساءهم وأولادهم من القيروان، وانصرف منصور إلى تونس، ولم يبق بيد زيادة الله من إفريقية كلها إلا قابس، والساحل، ونفزاوة، وطرابلس، فإنهم تمسكوا بطاعته وأرسل الجند إلى زيادة الله: أن ارحل عنأن وخل إفريقية، ولك الأمان على نفسك، ومالك، ومن ضمه قصرك؛ فضاق به وغمه الأمر، فقال له سفيان بن سوادة: مكني من عسكرك لأختار منهم مائتي فارس وأسير بهم إلى نفزاوة، فقد بلغني أن عامر بن نافع يريد قصدهم، فإن ظفرت كان الذي تحب، وإن تكن الأخرى عملت برأيك، فأمره بذلك فأخذ مائتي فارس وسار إلى نفزاوة، فدعا برابرها إلى نصرته، فأجابوه، وسارعوا إليه، وأقبل عامر بن نافع في العسكر إليهم، فالتقوأن واقتتلوأن فانهزم عامر ومن معه، وكثر القتل فيهم، ورجع عامر إلى قسطيلية، فجبى أموالها ليلاً ونهاراً في ثلاثة أيام، وساروا عنهأن واستخلف عليها من يضبطهأن فهرب منها أيضاً خوفاً من أهلهأن فأرسل أهل قسطيلية إلى ابن سوادة، وسألوه أن يجيء إليهم، فسار إليهم، وملك قسطيلية وضبطها.
وقد قيل إن هذه الحوادث المذكورة سنة ثمان وتسع ومائتين إمنا كانت سنة تسع وعشر ومائتين.
طنبذة بضم الطاء المهملة وسكون النون وضم الباء الموحدة وبذال معجمة وآخره هاء وصطفورة بفتح الصاد وسكون الطاء وضم الفاء وسكون الواووآخره هاء، وسبيبة بفتح السين المهملة وكسر الباء الموحدة وسكون الياء تحتها نقطتان وفتح الباء الثانية الموحدة وآخره هاء، ونفزاوة بالنون والفاء الساكنة وفتح الزاي وبعد الألف واوثم هاء.
ذكر ما فتحه زيادة الله بن الأغلب من جزيرة صقلية وما كان فيها من الحروب إلى أن توفي
في سنة اثنتي عشرة ومائتين جهز زيادة الله جيشاً في البحر، وسيرهم إلى جزيرة صقلية، واستعمل عليهم أسد بن الفرات، قاضي القيروان، وهومن أصحاب مالك، وهومصنف الأسدية في الفقه على مذهب مالك؛ فلما وصلوا إليها ملكوا كثيراً منها.
وكان سبب إنفاذ الجيش أن ملك الروم بالقسطنطينية استعمل على جزيرة صقلية بطريقاً اسمه قسطنطين سنة إحدى عشرة ومائتين، فلما وصل إليها استعمل على جيش الأسطول إنساناً رومياً اسمه فيمي، كان حازمأن شجاعأن فغزا إفريقية، وأخذ من سواحلها تجارأن ونهب، وبقي هناك مديدة.
ثم إن ملك الروم كتب إلى قسطنطين يأمره بالقبض على فيمي، مقدم الأسطول، وتعذيبه، فبلغ الخبر إلى فيمي، فأعلم أصحابه، فغضبوا له، وأعانوه على المخالفة، فسار في مراكبه إلى صقلية، واستولى على مدينة سرقوسة، فسار إليه قسطنطين فالتقوأن واقتتلوأن فانهزم قسطنطين إلى مدينة قطانية، فسير إليه فيمي جيشأن فهرب منهم، فاخذ وقتل، وخوطب فيمي بالملك، واستعمل على ناحية من الجزيرة رجلاً اسمه بالطه، فخالف على فيمي، وعصى، واتفق هووابن عم له اسمه ميخائيل، وهووالي مدينة بلرم،وجمعا عسكراً كثيرأن فقاتلا فيمي، وانهزم، فاستولى بلاطه على مدينة سرقوسة.
وركب فيمي ومن معه في مراكبهم إلى إفريقية، وأرسل إلى الأمير زيادة الله يستنجده، ويعده بملك جزيرة صقلية، فسير معه جيشاً في ربيع الأول سنة اثنتي عشرة ومائتين، فوصلوا إلى مدينة مارز من صقلية، فساروا إلى بلاطه الذي قاتل فيمي، فلقيهم جمع الروم، فانهزمت الروم، وغمن المسلمون أموالهم ودوابهم، وهرب بلاطه إلى قلورية، فقتل لها.
واستولى المسلمون على عدة حصون من الجزيرة ووصلوا إلى قلعة تعرف بقلعة الكراث وقد اجتمع إليها خلق كثير، فخدعوا القاضي أسد بن الفرات أمير المسلمين، وذلوا له، فلما رآهم فيمي مال إليهم، وراسلهم أن يثبتوأن ويحفظوا بلدهم، فبذلوا لأسد الجزية، وسألوه أن لا يقرب منهم، فأجابهم إلى ذلك، وتأخر عنهم أيامأن فاستعدوا للحصار، ودفعوا إليهم ما يحتاجون إليه، فامتنعوا عليه، وناصبهم الحرب، وبث السرايا في كل ناحية، فغمنوا شيئاً كثيرأن وافتتحوا عمراناً كثيراً حول سرقوسة، وحاصروا سرقوسة براً وبحرأن ولحقته الأمداد من إفريقية، فسار إليهم والي بلرم في عساكر كثيرة، فخندق المسلمون عليهم، وحفروا خارج الخندق حفراً كثيرة، فحمل الروم عليهم، فسقط في تلك الحفر كثير منهم، فقتلوا.
ز ضيق المسلمون على سرقوسة، فوصل أسطول من القسطنطينية فيه جمع كثير، وكان قد حل بالمسلمين وباء شديد سنة ثلاث عشرة ومائتين، هلك فيه كثير منهم، وهلك فيه أميرهم أسد بن الفرات، وولي الأمر على المسلمين بعده محمد بن أبي الجواري، فلما رأى المسلمون شدة الوباء ووصول الروم، تحملوا في مراكبهم ليسيروأن فوقف الروم في مراكبهم على باب المرسي، فمنعوا المسلمين من الخروج.
فلما رأى المسلمون ذلك أحرقوا مراكبهم، وعادوأن ورحلوا إلى مدينة ميناو، فحصروها ثلاثة أيام، وتسموا الحصن، فسار طائفة منهم إلى حصن جرجنت، فقاتلوا أهله، وملكوه، وسكنوا فيه، واشتدت نفوس المسلمين بهذا الفتح وفرحوا.
ثم ساروا إلى مدينة قصريانة ومعهم فيمي، فخرج أهلها إليه، فقبلوا الأرض بين يديه، وأجابوا إلى أن يملكوه عليهم، وخدعوه، ثم قتلوه.
ووصل جيش كثير من القسطنطينية مدداً لمن في الجزيرة، فتصافوا هم والمسلمون، فانهزم الروم، وقتل منهم خلق كثير، ودخل من سلم قصريانة، وتوفي محمد بن أبي الجواري أمير المسلمين، وولي بعده زهير ابن غوث.
ثن إن سرية المسلمين سارت للغنيمة، فخرج عليها طائفة من الروم، فاقتتلوأن وانهزم المسلمون، وعادوا من الغد، ومعهم جمع العسكر، فخرج إليهم الروم، وقد اجتمعوا وحشدوأن وتصافوا مرة ثاينة، فانهزم المسلمون أيضأن وقتل منهم نحوألف قتيل، وعادوا إلى معسكرهم، وخندقوا عليهم، فحصرهم الروم، ودام القتال بينهم، فضاقت الأقوات على المسلمين، فعزموا على بيات الروم، فعلموا بهم، ففارقوا الخيم، وكانوا بالقرب منهأن فلما خرج المسلمون لم يروا أحداً.
وأقبل عليهم الروم من كل ناحية، فأكثروا القتل فيهم، وانهزم الباقون، فدخلوا ميناو، ودام الحصار عليهم، حتى أكلوا الدواب والكلاب.
فلما سمع من مدينة جرجنت من المسلمين ما هم عليه هدموا المدينة، وساروا إلى مازر، ولم يقدروا على نصرة إخوانهم، ودام الحال كذلك إلى أن دخلت سنة أربع عشرة ومائتين، وقد اشرف المسلمون على الهلاك، وإذ قد أقبل أسطول كثير من الأندلس، خرجوا غزاة، ووصل في ذلك الوقت مراكب كثيرة من إفريقية مدداً للمسلمين، فبلغت عدة الجميع ثلاثمائة مركب، فنزلوا إلى الجزيرة، فانهزم الروم عن حصار المسلمين، وفرج الله عنهم، وسار المسلمون إلى مدينة بلرم، فحصروهأن وضيقوا على من بهأن فطلب صاحبها الأمان لنفسه ولأهله ولماله، فأجيب إلى ذلك، وسار في البحر إلى بلاد الروم.
ودخل المسلمون البلد في رجب سنة ست عشرة ومائتين، فلم يروا فيه إلا أقل من ثلاثة آلاف إنسان، وكان فيه، لما حصروه، سبعون ألفأن وماتوا كلهم؛ وجرى بين المسلمين: أهل إفريقية، وأهل الأندلس، خلف ونزاع، ثم اتفقوأن وبقي المسلمون إلى سنة تسع عشرة ومائتين، وسار المسلمون إلى مدينة قصريانة، فخرج من فيها من الروم، فاقتتلوا أشد قتال، ففتح اله على المسلمين وانهزم الروم إلى معسكرهم؛ ثم رجعوا في الربيع، فقاتلوهم، فنصر المسلمون أيضأن ثم ساروا سنة عشرين ومائتين وأميرهم محمد بن عبد الله إلى قصريانة، فقاتلهم الروم، فانهزموأن وأسرت امرأة لبطريقهم وابنه، وغمنوا ما كان في عسكرهم وعادوا إلى بلرم.
ثم سير محمد بن عبد الله عسكراً إلى ناحية طبرمين، عليهم محمد بن سالم، فغمن غنائم كثيرة، ثم عدا عليه بعض عسكره، فقتلوه، ولحقوا بالروم، فأرسل زيادة الله من إفريقية الفضل بن يعقوب عوضاً منه، فسار في سرية إلى ناحية سرقوسة، فأصابوا غنائم كثيرة وعادوا؛ ثم سارت سرية كبيرة، فغمنت وعادت، فعرض لهم البطريق ملك الروم بصقلية، وجمع كثير، فتحصنوا من الروم في أرض وعر، وشجر كثيف، فلم يتمكن من قتالهم، وواقفهم إلى العصر، فلما رأى أنهم لا يقاتلونهم عاد عنهم، فتفرق أصحابه وتركوا التعبئة.
فلما رأى المسلمون ذلك حملوا عليهم حملة صادقة، فانهزم الروم وطعن البطريق، وجرح عدة جراحات، وسقط عن فرسه، فأتاه حماة أصحابه، واستنقذوه جريحأن وحملوه، وغمن المسلمون ما معهم من سلاح ومتاع ودواب فكانت وقعة عظيمة.
وسير زيادة الله من إفريقية إلى صقلية أبا الأغلب إبراهيم بن عبد الله أميراً عليهأن فخرج إليهأن فوصل إليها منتصف رمضان، فبعث أسطولأن فلقوا جمعاً للروم في أسطول، فغمن المسلمون ما فيه، فضرب أبوالأغلب رقاب كل من فيه. وبعث أسطولاً آخر إلى قوصرة، فظفر بحراقة فيها رجال من الروم، ورجل متنصر من أهل إفريقية، فأتى بهم فضرب رقابهم. وسارت سرية أخرى إلى جيل النار والحصون التي في تلك الناحية، فأحرقوا الزرع وغمنوا وأكثروا القتل.
ثم سير أبوالأغلب سنة إحدى وعشرين ومائتين سرية إلى جبل النار أيضأن فغمنوا غنائم عظيمة، حتى بيع الرقيق بأبخس الأثمان، وعادوا سالمين، وفيها جهز أسطولأن فساروا نحوالجزائر، فغمنوا غنائم عظيمة، وفتحوا مدناً ومعاقل، وعادوا سالمين، وفيها سير أبوالأغلب أيضاً سرية إلى قسطلياسة فغمنوا وسبوأن ولقيهم العدو، فكانت بينهم حرب استظهر فيها الروم، وسير سرية إلى مدينة قصريانة، فخرج إليهم العدو، فاقتتلوأن فانهزم المسلمون، وأصيب منهم جماعة.
ثم كانت وقعة أخرى بين الروم والمسلمين، فانهزم الروم، وغمن المسلمون منهم تسعة مراكب كبار برجالها وشلندس، فلما جاء الشتاء وأظلم الليل رأى رجل من المسلمين غرة من أهل قصريانة، فقرب منه، ورأى طريقأن فدخل منه، ولم يعلم به أحد، ثم انصرف إلى العسكر، فأخبرهم فجاؤوا معه، فدخلوا من ذلك الموضع وكبروأن وملكوا ربضه، وتحصن المشركون منهم بحصنة، فطلبوا الأمان فأمنوهم، وغمن المسلمون غنائم كثيرة، وعادوا إلى بلرم.
وفي سنة ثلاث وعشرين ومائتين وصل كثير من الروم في البحر إلى صقلية، وكان المسلمون يحاصرون جفلوذى، وقد طال حصارهأن فلما وصل الروم رحل المسلمون عنهأن وجرى بينهم وبين الروم الواصلين حروب كثيرة، ثم وصل الخبر بوفاة زيادة الله بن إبراهيم بن الأغلب، أمير إفريقية، فوهن المسلمون ثم تشجعوات، وضبطوا أنفسهم.
سرقوسة بسين مفتوحة وقاف وواووسين ثانية، وبلرم بفتح الباء الموحدة واللام وتسكين الراء وبعدها ميم، وميناوبميم وياء تحتها نقطتان ونون وبعد الألف واو، وجرجنت بجيم وراء وجيم ثانية مفتوحة ونون وتاء فوقها نقطتان، وقصريانة بالقاف والصاد المهملة والراء والياء تحتها نقطتان وبعد الألف نون مشددة وهاء.
ذكر عدة حوادثفي هذه السنة مات محمد بن محمد صاحب أبي السرايا. وفيها أصاب أهل خراسان وأصبهان والري مجاعة شديدة، وكثر الموت فيهم؛ وحج بالناس هذه السنة إسحاق بن موسى بن عيسى بن موسى بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس.
حوادث سنة اثنتين ومائتين
ذكر بيعة إبراهيم بن المهدي
في هذه السنة بايع أهل بغداد إبراهيم بن المهدي بالخلافة، ولقبوه المبارك، وكانت بيعته أول يوم من المحرم، وقيل خامسه، وخلعوا المأمون، وبايعه سائر بني هاشم، فكان المتولي لأخذ البيعة المطلب بن عبد الله بن مالك، فكان الذي سعى في هذا الأمر السندي، وصالح صاحب المصلى، ونصير الوصيف، وغيرهم، غضباً على المأمون حين أراد إخراج الخلافة من ولد العباس، ولتركه لباس آبائه من السواد.
فلما فرغ من البيعة وعد الجند رزق ستة أشهر، ودافعهم بهأن فشغبوا عليه، فأعطاهم لكل رجل مائتي درهم، وكتب لبعضهم إلى السواد بقية مالهم حنطة وشعيرأن فخرجوا في قبضهأن فانتهبوا الجميع، وأخذوا نصيب السلطان وأهل السواد، واستولى إبراهيم على الكوفة والسواد جميعه، وعسكر بالمدائن، واستعمل على الجانب الغربي من بغداد العباس بن موسى الهادي وعلى الجانب الشرقي منها إسحاق بن موسى الهادي.
وخرج عليه مهي بن علوان الحروري، وغلب على طساسيج نهر بوق والراذانين، فوجه إليه إبراهيم أبا إسحاق بن الرشيد، وهوالمعتصم، في جماعة من القواد، فلقوه، فاقتتلوا، فطعن رجل من أصحابه ابن الرشيد، فحامى عنه غلام تركي يقال له: اشناس، وهزم مهدي إلى حولايا.
وقيل كان خروج مهدي سنة ثالث ومائتين.
ذكر استيلاء إبراهيم على قصر ابن هبيرةوكان بقصر ابن هبيرة حميد بن عبد الحميد عاملاً للحسن بن سهل، ومعه من القواد سعيد بن الساجور، وأبوالبط، وغسان بن أبي الفرج، ومحمد بن إبراهيم الإفريقي وغيرهم، فكاتبوا إبراهيم على أن يأخذوا له قصر ابن هبيرة، وكانوا قد تحرفوا عن حميد، وكتبوا إلى الحسن بن سهل يخبرونه أن حميداً يكاتب إبراهيم، وكان حميد يكتب فيهم بمثل ذلك، فكتب الحسن إلى حميد يستدعيه إليه، فلم يفعل، خاف أن يسير إليه، فيأخذ هؤلاء القواد ماله وعسكره، ويسلمونه إلى إبراهيم، فلما ألح الحسن عليه بالكتب سار إليه في ربيع الآخر، وكتب أولئك القواد إلى إبراهيم لينفذ إليهم عيسى بن محمد بن أبي خالد، فوجهه إليهم، فانهبوا ما في عسكر حميد فكان مما أخذوا له مائة بدرة، وأخذ ابن حميد جواري أبيه، وسار إليه وهوبعسكر الحسن، ودخل عيسى القصر، وتسلمه لعشر خلون من ربيع الآخر، فقال حميد للحسن: ألم أعلمك؟ لكنك خدعت.
وعاد إلى الكوفة،فاخذ أمواله، واستعمل عليها العباس بن مسوى بن جعفر العلوي، وأمره أن يدعولأخيه علي بن موسى بعد المأمون، وأعانه بمائة ألف درهم، وقال له: قاتل عن أخيك، فإن أهل الكوفة يجيبونك إلى ذلك وأنا معك.
فلما كان الليل خرج حميد إلى الحسن، وكان الحسن قد وجه حكيماً الحارثي إلى النيل، فسار إليه عيسى بن محمد، فاقتتلوأن فانهزم حكيم، فدخل عيسى النيل، ووجه إبراهيم إلى الكوفة سعيدأن وأبا البط، لقتال العباس بن موسى، وكان العباس قد دعا أهل الكوفة، فأجابه بعضهم.
وأما الغلاة من الشيعة فإنهم قالوا: إن كنت تدعونا لأخيك وحده، فنحن معك، وأما المأمون فلا حاجة لنا فيه؛ فقال: إمنا أدعوللمأمون، وبعده لأخي، فقعدوا عنه.
فلما أتاه سعيد وأبوالبط ونزلوا قرية شاهي بعث إليهم العباس ابن عمه علي بن محمد بن جعفر، وهوابن الذي بويع له بمكة، وبعث معهم جماعة منهم أخوأبي السرايأن فاقتتلوا ساعة، فانهزم علي بن محمد العلوي وأهل الكوفة، ونزل سعيد وأصحابه الحيرة، وكان ذلك ثاني جمادى الأولى؛ ثم تقدموأن فقاتلوا أهل الكوفة، وخرج إلى شيعة بني العباس ومواليهم، فاقتتلوا إلى الليل، وكان شعارهم: يا أبا إبراهيم، يا منصور، لا طاعة للمأمون، وعليهم السواد، وعلى أهل الكوفة الخضرة.
فلما كان الغد اقتتلوأن وكان كل فريق منهم إذا غلب على شيء أحرقه ونهبه؛ فلما رأى ذلك رؤساء أهل الكوفة خرجوا إلى سعيد فسألوه الأمان للعباس وأصحابه، فأمنهم على أ ن يخرجوا من الكوفة، فأجابوه إلى ذلك، ثم أتوا العباس فأعلموه ذلك، فقبل منهم، وتحول عن داره، فشغب أصحاب العباس بن موسى على من بقي من أصحاب سعيد، وقاتلوهم، فانهزم أصحاب سعيد إلى الخندق، ونهب أصحاب العباس دور عيسى بن موسى، وأحرقوأن وقتلوا من ظفروا به.
فأرسل العباسيون إلى سعيد، وهوبالحيرة، يخبرونه أن العباس بن موسى قد رجع عن الأمان، فركب سعيد وأصحابه، وأتوا الكوفة عتمة، فقتلوا من ظفروا به ممن انتهب، وأحرقوا ما معهم من النهب، فمكثوا عامة الليل، فخرج إليهم رؤساء الكوفة، فأعلموهم أن هذا فعل الغوغاء، وأن العباس لم يرجع عن الأمان، فانصرفوا عنهم.
فلما كان الغد دخلها سعيد وأبوالبط، ونادوا بالأمان، ولم يعرضوا إلى أحد، وولوا على الكوفة الفضل بن محمد بن الصباح الكندي، ثم عزلوه لميله إلى أهل بلده؛ واستعملوا مكانه غسان بن أبي الفرج، ثم عزلوه بعد ما قتل أبا عبد الله أخا أبي السرايأن واستعملوا الهول ابن أخي سعيد، فلم يول عليها حتى قدمها حميد بن عبد الحميد فهرب الهول.
وأمر إبراهيم بن المهدي عيسى بن محمد أن يسير إلى ناحية واسط على طريق النيل، وأمر ابن عائشة الهاشمي، ونعيم بن حازم أن يسرا جميعأن ولحق بهما سعيد، وأبوالبط، والإفريقي، وعسكروا جميعاً بالصيادة، قرب واسط، عليهم جميعاً عيسى بن محمد، فكانوا يركبون، ويأتون عسكر الحسن بواسط، فلا يخرج إليهم منهم أحد، وهم متحصنون بالمدينة.
ثم إن الحسن أمر أصحابه بالخروج إليهم، فخرجوا إليهم لأربع بقين من رجب، فاقتتلوا قتالاً شديداً إلى الظهر، وانهزم عيسى وأصحابه، حتى بلغوا طرنايا والنيل، وغمنوا عسكر عيسى وما فيه.
ذكر الظفر بسهل بن سلامةوفي هد السنة ظفر إبراهيم بن المهدي بسهل بن سلامة المطوع، فحبسه، وعاقبه.
وكان سبب ظفره به أن سهلاً كان مقيماً ببغداد يدعوإلى الأمر المعروف والنهي عن المنكر، فاجتمع إليه أهل بغداد، فلما انهزم عيسى أقبل هوومن معه نحوسهل بن سلامة، لأنه كان يذكرهم بأقبح أعمالهم، ويسميهم الفساق، فقاتلوه أيامأن حتى صاروا إلى الدروب، وأعطوا أصحابه الدراهم الكثيرة، حتى تنحوا عن الدروب، فأجابوا إلى ذلك.
فلما كان السبت لخمس بقين من شعبان، قصدوه من كل وجه، وخذله أهل الدروب لأجل الدراهم التي أخذوهأن حتى وصل عيسى وأصحابه إلى منزل سهل، فاختفى منه، واختلط بالنظارة، فلم يروه في منزله، فجعلوا عليه العيون، فلما كان الليل أخذوه، وأتوا به إسحاق بن الهادي، فكلمه، فقال: إمنا كانت دعوتي عباسية، وإمنا كنت أدعوإلى العمل بالكتاب والسنة، وأنا على ما كنت عليه أدعوكم إليه الساعة؛ فقالوا له: اخرج إلى الناس فقل لهم إن ما كنت أدعوكم إليه باطل، فخرج فقال: أيها الناس! قد علمتم ما كنت أدعوكم إليه من العمل بالكتاب والسنة، وأنا أدعوكم إليه الساعة: فضربوه، وقيدوه، وشتموه، وسيروه إلى إبراهيم بن المهدي بالمدائن، فلما دخل عليه كلمه به إسحاق بن الهادي، فضربه، وحبسه، وأظهر أنه قتل خوفاً من الناس، لئلا يعلموا مكانه فيخرجوه، وكان ما بين خروجه وقبضة اثنا عشر شهراً.
ذكر مسير المأمون إلى العراق
وقتل ذي الرياستينوفي هذه السنة سار المأمون من مروإلى العراق، واستخلف على خراسان غسان بن عبادة.
وكان سبب مسيره أن علي بن موسى الرضي أخبر المأمون بما الناس فيه من الفتنة والقتال، مذ قتل الأمين، وبما كان الفضل بن سهل يستر عنه من أخبار، وأن أهل بيته والناس قد نقموا عليه أشياء وأنهم يقولون: مسحور، مجنون، وأنهم قد بايعوا إبراهيم بن المهدي بالخلافة.
فقال له المأمون: لم يبايعوه بالخلافة، وإمنا صيروه أميراً يقوم بأمرهم على ما أخبر به الفضل، فأعلمه أن الفضل قد كذبه، وأن الحرب قائمة بين الحسن بن سهل وإبراهيم، والناس ينقمون عليك مكانه، ومكان أخيه الفضل، ومكاني، ومكان بيعتك لي من بعدك.
فقال: ومن يعلم هذا؟ قال: يحيى بن معاذ، وعبد العزيز بن عمران وغيرهما من وجوه العسكر؛ فأمر بإدخالهم، فدخلوأن فسألهم عما اخبره به علي بن موسى، ولم يخبروه حتى يجعل لهم الأمان من الفضل أن لا يعرض إليهم.
فضمن لهم ذلك، وكتب لهم خطه به، فأخبروه بالبيعة لإبراهيم بن المهدي، وأن أهل بغداد قد سموه الخليفة السني وأنهم يتهمون المأمون بالرفض لمكان علي بن موسى منه، وأعلموه بما فيه الناس، وبما موه عليه الفضل من أمر هرثمة، وأن هرثمة إمنا جاءه لينصحه، فقتله الفضل، وإن لم يتدارك أمره خرجت الخلافة من يده، وأن طاهر بن الحسين قد أبلى في طاعته ما يعلمه، فأخرج من الأمر كله، وجعل في زاوية من الأرض بالرقة لا يستعان به في شيء، حتى ضعف أمره، وشغب عليه جنده، وأنه لوكان ببغداد لضبط الملك، وأن الدنيا قد تفتقت من أقطارهأن وسألوا المأمون الخروج إلى بغداد، فإن أهلها لورأوك لأطاعوك.
فلما تحقق ذلك أمر بالرحيل، فعلم الفضل بالحال، فبغتهم، حتى ضرب بعضهم، وحبس بعضهم، ونتف لحى بعضهم، فقال علي بن موسى للمأمون في أمرهم، فقال: أنا أدراي، ثم ارتحل، فلما أتى سرخس وثب قوم بالفضل بن سهل، فقتلوه في الحمام، وكان قتله لليلتين خلتا من شعيان، وكان الذين قتلوه أربعة نفر أحدهم غالب المسعودي الأسود، وقسطنطين الرومي، وفرج الديلمي، وموفق الصقلبي، وكان عمره ستين سنة، وهربوا فجعل المأمون لمن جاء بهم عشرة آلاف دينار، فجاء بهم العباس بن الهيثم الدينوري، فقالوا للمأمون: أنت أمرتنا بقتله، فأمر بهم فضربت رقابهم.
وقيل إن المأمون لما سألهم، فمنهم من قال: إن علي بن أبي سعيد ابن أخت الفضل بن سهل وضعهم عليه؛ ومنهم من أنكر ذلك فقتلهم؛ ثم أحضر عبد العزيز ين عمران، وعلياً وموسى، وخلقأن فسألهم، فأنكروا أن يكونوا علموا بشيء من ذلك، فلم يقبل منهم، وقتلهم، وبعث برؤوسهم إلى الحسن ين سهل، وأعلمه ما دخل عليه من المصيبة بقتل الفضل، وأنه قد صيره مكانه، فوصله الخبر في رمضان.
ورحل المأمون إلى العراق، فكان إبراهيم بن المهدي وعيسى وغيرهما بالمدائن، وكان أبوالبط وسعيد بالنيل يراوحون القتال ويغادونه، وكان المطلب بن عبد اله بن مالك قد عاد من المدائن، فاعتل بأنه مريض، فأتى بغداد وجعل يدعوفي السر إلى المأمون، على أن منصور بن المهدي خليفة المأمون، ويخلعون إبراهيم، فأجابه منصور بن المهدي، وخزيمة بن خازم، وغيرهما من القواد، وكتب المطلب إلى علي بن هشام وحميد أن يتقدمأن فينزل حميد نهر صرصر، وينزل علي النهروان.
فلما علم إبراهيم بن المهدي بذلك عاد عن المدائن نحوبغداد، فنزل زندورد منتصف صفر وبعث إلى المطلب ومنصور وخزيمة يدعوهم، فاعتلوا عليه، فلما رأى ذلك بعث عيسى إليهم، فأما منصور وخزيمة فأعطوا بأيديهما؛ وأما المطلب فمنعه مواليه وأصحابه، فنادى منادي إبراهيم: من أراد النهب فليأت دار المطلب، فلما كان وقت الظهر وصلوا إلى داره فنهبوهأن ونهبوا دور أهله، ولم يظفروا به، وذلك لثلاث عشرة بقيت من صفر، فلما بلغ حميداً وعلي بن هشام الخبر أخذ حميد المدائن ونزلهأن وقطع الجسر، وأقاموا بهأن وندم إبراهيم حيث صنع بالمطلب ما صنع، ثم لم يظفر به.
ذكر قتل علي بن الحسن الهمدانيفي هذه السنة قتل علي بن الحسين الهمداني وأخوه أحمد وجماعة من أهل بيته، وكان متغلباً على الموصل.
وسبب قتله أنه خرج ومعه جماعة من قومه ومن الأزد، فلما نظر إلى رستاق نينوى والمرج قال: نعم البلاد لإنسان واحد! فقال بعض الأزد: فما نصنع نحن؟ قال: تلحقون بعمان؛ فانتشر الخبر.
ثم إن علياً اخذ رجلاً من الأزد يقال له عون بن جبلة، فبنى عليه حائطأن فمات فيه، وظهر خبره، فركبت الأزد، وعليهم السيد بن أنس، فاقتتلوأن واستنصر علي بن الحسين بخارجي يقال له مهدي بن علوان، فأتاه، فدخل البلد، وصلى بالناس، ودعا لنفسه، واشتدت الحرب، وكانت أخيراً على علي بن الحسين وأصحابه، فخرجوا عن البلد إلى الحديثة، فتبعهم الأزد إليهأن فقتلوا علياً وأخاه أحمد وجماعة من أهلهمأن وسار أخوهما محمد إلى بغداد، فنجا وعادت الأزد إلى الموصل، وغلب السيد عليها وخطب للمأمون وأطاعه.
الهمداني ها هنا نسبة إلى همدان بسكون الميم وبالدال المهملة، وهي قبيلة من اليمن.
ذكر عدة حوادثوفيها تزوج المأمون بوران بنت الحسن بن سهل.
وفيها أيضاً زوج المأمون ابنته أم حبيب من علي بن موسى الرضي، وزوج ابنته أم الفضل من محمد بن علي الرضي بن موسى؛ وحج بالناس هذه السنة إبراهيم بن موسى بن جعفر ودعا لأخيه، بعد المأمون، بولاية العهد، ومضى إلى اليمن، وكان حمدويه بن علي بن عيسى بن ماهان قد غلب على اليمن.
وفيها في ربيع الآخر ظهرت حمرة في السماء ليلة السبت رابع عشر ربيع الآخر، وبقيت إلى آخر الليل، وذهبت الحمرة، وبقي عمرودان أحمران إلى الصبح.
وفيها توفي أبومحمد يحيى بن المبارك بن المغيرة العدوي اليزيدي المقرئ صاحب أبي عمروبن العلاء، وإمنا قيل اليزيدي لأنه صحب يزيد بن منصور خال المهدي وكان يعلم ولده.
وفيها توفي سهل ذي الرياستين، بعد قتل ابنه بستة اشهر، وعاشت أمه حتى أدركت عرس بوران ابنة ابنها.
حوادث سنة ثلاث ومائتين
ذكر موت علي بن موسى الرضيفي هذه السنة مات علي بن موسى الرضي، عليه السلام؛ وكان سبب موته أنه أكل عنباً فأكثر منه، فمات فجأة، وذلك في آخر صفر، وكان موته بمدينة طوس، فصلى المأمون عليه، ودفنه عند قبر أبيه الرشيد.
وكان المأمون لما قدمها قد أقام عند قبر أبيه؛ وقيل إن المأمون سمه في عنب، وكان علي يحب العنب، وهذا عندي بعيد.
فلما توفي كتب المأمون إلى الحسن ين سهل يعلمه موت علي، وما دخل عليه من المصيبة بموته، وكتب إلى أهل بغداد، وبني العباس والموالي يعلمهم موته، وأنهم إمنا نقموا ببيعته، وقد مات، ويسألهم الدخول في طاعته، فكتبوا إليه أغلظ جواب.
وكان مولد علي بن موسى بالمدينة سنة ثمان وأربعين ومائة.
ذكر قبض إبراهيم بن المهدي على عيسى بن محمدوفي هذه السنة، في آخر شوال، حبس إبراهيم بن المهدي عيسى بن محمد بن أبي خالد.
وسبب ذلك أن عيسى كان يكاتب حميدأن والحسن بن سهل، وكان يظهر لإبراهيم الطاعة، وكان كلما قال له إبراهيم ليخرج إلى قتال أحمد يعتذر بأن الجند يريدون أرزاقهم، ومرة يقول: حتى تدرك الغلة، فلما توثق عيسى بما يريد، فارقهم على أن يدفع إليهم إبراهيم بن المهدي يوم الجمعة سلخ شوال.
وبلغ الخبر إبراهيم، أبلغه هارون بن محمد أخوعيسى، وجاء عيسى إلى باب الجسر، فقال للناس: إني قد سألت حميداً ألا يدخل عملي، ولا أدخل عمله، ثم أمر بحفر خندق بباب الجسر، وباب الشام.
وبلغ إبراهيم قوله وفعله، وكان عيسى قد سأله إبراهيم أن يصلي الجمعة بالمدينة، فأجابه إلى ذلك، فلما تكلم عيسى بما تكلم، حذر إبراهيم، وأرسل إلى عيسى يستدعيه، فاعتل عليه، فتابع الرسل بذلك، فحضر عنده بالرصافة، فلما دخل عليه عاتبه ساعة، وعيسى يعتذر إليه، وينكر بعضه، فأمر به إبراهيم فضرب، وحبس، وأخذ عدة من قواده وأهله، فحبسهم ونجا بعضهم، وفيمن نجا خليفته العباس.
ومشى بعض أهله إلى بعض، وحرضوا الناس على إبراهيم، وكان أشدهم العباس خليفة عيسى، وكان هورأسهم، فاجتمعوأن وطردوا عامل إبراهيم على الجسر، والكرخ وغيره، وظهر الفساق والشطار، وكتب العباس إلى حميد يسأله أن يقدم عليهم حتى يسلموا إليه بغداد.
ذكر خلع إبراهيم بن المهديوفي هذه السنة خلع أهل بغداد إبراهيم بن المهدي، وكان سبب ذلك ما ذكرناه من قبضة على عيسى بن محمد، على ما تقدم، فلما كاتب أصحابه، ومنهم العباس، حميداً بالقدوم عليهم، سار حتى أتى نهر صرصر فنزل عنده.
وخرج إليه العباس وقواد أهل بغداد، فلقوه، وكانوا قد شرطوا عليه أن يعطي كل جندي خمسين درهمأن فأجابهم إلى ذلك، ووعدهم أن يصنع لهم العطاء يوم السبت في الياسرية على أن يدعوللمأمون بالخلافة يوم الجمعة، ويخلعوا إبراهيم، فأجابوه إلى ذلك.
ولما بلغ إبراهيم الخبر أخرج عيسى ومن معه من إخوته من الحبس، وسأله أن يرجع إلى منزله، ويكفيه أمر هذا الجانب، فأبى عليه.
فلما كان يوم الجمعة أحضر العباس بن محمد أبي رجاء الفقيه، فصلى بالناس الجمعة، ودعا للمأمون بالخلافة، وجاء حميد إلى الياسرية، فعرض جند بغداد، وأعطاهم الخمسين التي وعدهم فسألوه أن ينقصهم عشرة عشرة لما تشاءموا به من علي بن هشام حين أعطاهم الخمسين وقطع العطاء عنهم، فقال حميد: بل أزيدكم عشرة وأعطيكم ستين درهماً لكل رجل.
فلما بلغ ذلك إبراهيم دعا عيسى وسأله أن يقاتل حميدأن فأجابه إلى ذلك، فخلى سبيله، وأخذ منه كفلاء، وكلم عيسى الجند، ووعدهم أن يعطيهم مثل ما أعطاهم حميد، فأبوا ذلك، فعبر إليهم عيسى وقواد الجانب الشرقي، ووعد الجند أن يزيدهم على الستين، فشتموه وأصحابه، وقالوا: لا نريد إبراهيم، فقاتلهم ساعة، ثم ألقى نفسه في وسطهم، حتى أخذوه شبه الأسير، فأخذه بعض قواده، فأتى به منزله، ورجع الباقون إلى إبراهيم، فأخبروه الخبر، فاغتم لذلك.
وكان المطلب بن عبد الله بن مالك قد اختفى من إبراهيم، كما ذكرنأن فلما قدم حميد أراد العبور إليه، فعلموا به، فأخذوه، وأحضروه عند إبراهيم، فحبسه ثلاثة أيام، ثم خلى عنه لليلة خلت من ذي الحجة.
ذكر اختفاء إبراهيم بن المهديوفي هذه السنة اختفى إبراهيم بن المهدي؛ وكان سبب ذلك أن حميداً تحول فنزل عند أرحاء عبد اله بن مالك، فلما رأى أصحاب إبراهيم وقواده ذلك تسللوا إليه، فصار عامتهم عنده، وأخذوا له المدائن.
فلما رأى إبراهيم فعلهم أخرج جميع من بقي عنده حتى يقاتلوأن فالتقوا على جسر نهر ديالى، فاقتتلوأن فهزمهم حميد وتبعهم أصحابه، حتى دخلوا بغداد، وذلك سلخ ذي العقدة.
فلما كان الأضحى اختفى الفضل بن الربيع، ثم تحول إلى حميد، وجعل الهاشميون والقواد يأتون حميداً واحداً بعد واحد، فلما رأى ذلك إبراهيم سقط في يديه، وشق عليه؛ وكاتب المطلب حميداً ليسلم إليه ذلك الجانب، وكان سعيد بن الساجور، وأبوالبط وغيرهمأن يكاتبون علي بن هشام على أن يأخذوا له إبراهيم فلما علم إبراهيم بأمرهم، وما اجتمع عليه قوم من أصحابه جعل يداريهم، فلما جنه الليل اختفى ليلة الأربعاء لثلاث عشرة بقيت من ذي الحجة.
وبعث المطلب إلى حميد يعلمه أنه قد أحد بدار إبراهيم، وكتب ابن الساجور إلى علي بن هشام، فركب حميد من ساعته من أرحاء عبد الله، فأتى باب الجسر، وجاء علي بن هشام حتى نزل نهر بين، ثم تقدم إلى مسجد كوثر، وأقبل حميد إلى دار إبراهيم فطلبوه فلم يجدوه فيها؛ فلم يزل إبراهيم متوارياً حتى جاء المأمون، وبعد ما قدم، حتى كان من أمره ما كان.
وكانت أيام إبراهيم سنة وأحد عشر شهراً واثني عشر يومأن وكان بعده علي بن هشام على شرقي بغداد، وحميد على غربيهأن وكان إبراهيم قد أطلق سهل بن سلامة من الحبس، وكان الناس يظنونه قد قتل، فكان يدعوفي مسجد الرصافة إلى ما كان عليه، فإذا جاء الليل يرد إلى حبسه، ثم إنه أطلقه، وخلى سبيله لليلة خلت من ذي الحجة، فذهب، فاختفى، ثم ظهر بعد هرب إبراهيم، فقربه حميد، وأحسن إليه، ورده إلى أهله، فلما جاء المأمون أجازه ووصله.
ذكر عدة حوادثفي هذه السنة انكسفت الشمس لليلتين بقيتا من ذي الحجة، حتى ذهب ضوءهأن وغاب أكثر من ثلثيها. ووصل المأمون إلى همدان في آخر ذي الحجة؛ وحج بالناس سليمان بن عبد الله بن سليمان بن علي؛ وكانت بخراسان زلازل عظيمة، ودامت مقدرا سبعين يومأن وكان معظمها ببلخ، والجوزجان، والفارياب، والطالقان، وما وراء النهر، فخربت البلاد، وتهدمت الدور، وهلك فيها خلق كثير.
وفيها غلبت السوداء على الحسن بن سهل فتغير عقله حتى شد في الحديد وحبس، وكتب القواد إلى المأمون بذلك فجعل على عسكره دينار بن عبد الله، وأرسل إليهم يعرفهم أنه واصل.
وفيها ظهر بالأندلس رجل يعرف بالولد، وخالف على صاحبهأن فسير إليه جيشاً فحصروه بمدينة باجة، وكان استولى عليهأن فضيقوا عليه، فملكوها وقيد.
وفيها ولي أسد بن الفرات الفقيه القضاء بالقيروان.
وفيها توفي محمد بن جعفر الصادق بجرجان، وصلى على المأمون، وهوالذي بايعه الناس بالخلافة بالحجاز.
وفيها توفي خزيمة بن خازم التميمي في شعبان، وهومن القواد المشهورين وقد تقدم من أخباره ما يعرف به محله؛ ويحيى بن آدم بن سليمان؛ وأبوأحمد الزبيري؛ ومحمد بن بشير العبدي الفقيه بالكوفة؛ والنضر بن شميل اللغوي المحدث وكان ثقة.
حوادث سنة أربع ومائتين
ذكر قدوم المأمون بغدادفي هذه السنة قدم المأمون بغداد، وانقطعت الفتن، وكان قد أقام بجرجان شهرأن وجعل يقيم بالمنزل اليوم واليومين والثلاثة؛ وأقام بالنهروان ثمانية أيام، فخرج إليه أهل بيته والقواد، ووجوه الناس، وسلموا عليه.
وكان قد كتب إلى طاهر، وهوبالرقة، ليوافيه بالنهروان، فأتاه بهأن ودخل بغداد منتصف صفر، ولباسه ولباس أصحابه الخضرة، فلما قدم بغداد نزل الرصافة، ثم تحول ونزل قصره على شاطئ دجلة، وأمر القواد أن يقيموا في معسكرهم.
وكان الناس يدخلون عليه في الثياب الخضر، وكانوا يخرقون كل ملبوس يرونه من السواد على إنسان، فمكثوا بذلك ثمانية أيام، فتكلم بنوالعباس وقواد أهل خراسان، وقيل إنه أمر طاهر بن الحسين أن يسأله حوائجه، فكان أول حاجة سأله أن يلبس السواد، فأجابه إلى ذلك، وجلس للناس، وأحضر سواداً فلبسه، ودعا بخلعة سوداء فألبسها طاهرأن وخلع على قواده السواد، فعاد الناس إليه، وذلك لسبع بقين من صفر.
ولما كن سائراً قال له أحمد بن أبي خالد الأحول: يا أمير المؤمنين، فكرت في هجومنا على أهل بغداد وليس معنا إلا خمسون ألف درهم مع فتنة غلبت قلوب الناس، فكيف يكون حالنا إذا هاج هائج، أوتحرك متحرك؟ فقال: يا أحمد صدقت، ولكن أخبرك أن الناس على طبقات ثلاث في هذه المدينة: ظالم، ومظلوم، ولا ظالم ولا مظلوم، فأما الظالم فلا يتوقع إلا عفونا؛ وأما المظلوم فلا يتوقع إلا أن ينتصف بنا؛ وأما الذي ليس بظالم ولا مظلوم فبيته يسعه؛ وكان الأمر على ما قال.
ذكر عدة حوادثوفيها أمر المأمون بمقاسمة أهل السواد على الخمسين، وكانوا يقاسمون على النصف، واتخذ القفير الملحم، وهوعشرة مكاكيك بالمكوك الهاروني، كيلاً مرسلاً.
وفيها واقع يحيى بن معاذ بابك، فلم يظفر واحد منهما بصاحبه؛ وولى المأمون أبا عيسى أخاه الكوفة، وصالحاً أخاه البصرة، واستعمل عبيد الله ابن الحسين بن عبيد الله بن العباس بن أبي طالب على الحرمين؛ وحج بالناس عبيد الله بن الحسن.
وفيها انحدر السيد بن أنس الأزدي من الموصل إلى المأمون فتظلم منه محمد بن الحسن بن صالح الهمداني، وذكر أنه قتل إخوته وأهل بيته، فأحضره المأمون، فلما حضر قال: أنت السيد؟ قال: أنت السيد، يا أمير المؤمنين، وأنا ابن أنس، فاستحسن ذلك، فقال: أنت قتلت إخوة هذا؟ قال: نعم، ولوكان معهم لقتلته لأنهم أدخلوا الخارجي بلدك، وأعلوه على منبرك، وأبطلوا دعوتك، فعفا عنه، واستعمله على الموصل، وكان على القضاء بها الحسن بن موسى الأشيب.
وفي هذه السنة مات الإمام محمد بن إدريس الشافعي، رضي الله عنه، وكان مولده سنة خمسين ومائة؛ والحسن بن زياد اللؤلؤي الفقيه، أحد أصحاب أبي حنيفة، وأبوداود سليمان بن داود الطيالسي، صاحب المسند، ومولده سنة ثلاث وثلاثين ومائة، وهشام بن محمد السائب الكلبي النسابة، وقيل مات سنة ست ومائتين.
وفيها توفي محمد بن عبيد أبي أمية، المعروف بالطنافسي، وقيل سنة خمس ومائتين.
حوادث سنة خمس ومائتين
ذكر ولاية طاهر خراسانوفي هذه السنة استعمل المأمون طاهر بن الحسين على المشرق، من مدينة السلام إلى أقصى عمل المشرق، وكان قبل ذلك يتولى الشرط بجانبي بغداد ومعاون السواد.
وكان سبب ولايته خراسان أن طاهراً دخل على المأمون وهويشرب النبيذ، وحسين الخادم يسقيه، فلما دخل طاهر سقاه رطلين، وأمره بالجلوس، فقال: ليس لصاحب الشرطة أن يجلس عند سيده، فقال المأمون: ذلك في مجلس العامة، وأما في مجلس الخاصة فله ذلك؛ فبكى المأمون وتغرغرت عيناه بالدموع، فقال طاهر: يا أمير المؤمنين! لم تبكي، لا أبكى الله عينك؟ والله لقد دانت لكل البلاد، وأذعن لك العباد، وصرت إلى المحبة في كل أمرك! قال: أبكي لأمر ذكره ذل، وستره حزن، ولن يخلوأحد من شجن.
وانصرف طاهر، فدعا هارون بن جيعونة وقال له: إن أهل خراسان يتعصب بعضهم لبعض، فخذ معك ثلاثمائة ألف درهم، فأعط حسيناً الخادم مائتي ألف، وكاتبه محمد بن هارون مائة ألف، وسله أن يسأل المأمون لم بكى؟ ففعل ذلك، فلما تغدى المأمون قال: اسقني يا حسين، قال: لا والله، حتى تقول لي لم بكيت حين دخل عليك طاهر، قال: وكيف عنيت بهذا الأمر، حتى سألتني عنه؟ قال: لغمي لذلك. قال: هوأمر إن خرج من رأسك قتلتك، قال: يا سيدي ومتى أخرجت لك سراً؟ قال: إني ذكرت محمداً أخي، وما ناله من الذل، فخنقتني العبرة، فاسترحت إلى الإفاضة، ولن يفوت طاهراً مني ما يكره.
فأخبر حسين طاهراً بذلك، فركب طاهر إلى أحمد بن أبي خالد، فقال له: إن الثناء مني ليس برخيص، وإن المعروف عندي ليس بضائع، فغيبني عن عينه! فقال له: سأفعل ذلك. وركب أحمد إلى المأمون، فلما دخل عليه قال له: ما منت البارحة. قال: ولم؟ قال: لأنك وليت غسان خراسان، وهوومن معه أكلة رأس، وأخاف أن تخرج عليه خارجة من الترك فتهلكه؛ فقال: لقد فكرت فيما فكرت فيه، فمن ترى؟ قال: طاهر بن الحسين. قال: ويلك! هووالله خالع؛ قال: أنا الضامن له؛ قال: فوله، فدعا طاهراً من ساعته، فعقد له، فشخص في يومه، فنزل ظاهر البلد، فأقام شهرأن فحمل إليه عشرة آلاف ألف درهم التي تحمل لصاحب خراسان، وسار عن بغداد لليلة بقيت من ذي العقدة.
وقيل كان سبب ولايته أن عبد الرحمن المطوعي جمع جموعاً كثيرة بنيسابور ليقاتل بهم الحرورية بغير أمر والي خراسان، فتخوفوا أن يكون ذلك لأصل عمل عليه، وكان غسان بن عباد يتولى خراسان من قبل الحسن ين سهل، وسبب ذلك أن الحسن ندبه لمحاربة نصر بن شبث، قال: حاربت خليفة، وسقت الخلافة إلى خليفة، وأومر بمثل هذا؟ إمنا كان ينبغي أن يتوجه إليه قائد من قوادي، وصارمه.
ذكر عدة حوادثوفيها قدم عبد الله بن طاهر بن الحسين بغداد من الرقة، وكان أبوه استخلفه بهأن وأمره بقتال نصر بن شبث، فلما قدم إلى بغداد جعله المأمون على الشرطة بعد مسير أبيه، وولى المأمون يحيى بن معاذ الجزيرة، وولى عيسى بن محمد بن أبي خالد أرمينية وأذربيجان ومحاربة بابك.
وفيها مات السري بن الحكم بمصر، وكان واليها.
وفيها مات داود بن يزيد عامل السند، فولاها المأمون بشير بن داود على أن يحمل كل سنة ألف ألف درهم.
وفيها مات ولي المأمون عيسى بن يزيد الجلوذي محاربة الزط، وحج بالناس عبيد الله بن الحسن أمير مكة والمدينة.
وفيها زادت دجلة زيادة عظيمة، فتهدمت المنازل ببغداد، وكثر الخراب بها.
وفي هذه السنة توفي يزيد بن هارون الواسطي، ومولده سنة تسع عشرة ومائة؛ والحجاج بن محمد الأعور الفقيه؛ وشبابة بن سوار الفزاري الفقيه وعبد الله بن نافع الصائغ؛ ومحاضر بن الموزع؛ وأبويحيى إبراهيم بن موسى الزيات الموصلي، سمع هشام بن عروة وغيره.
حوادث سنة ست ومائتين
ذكر ولاية عبد الله بن طاهر الرقةوفي هذه السنة ولى المأمون عبد الله بن طاهر من الرقة إلى مصر، وأمره بحرب نصر بن شبث.
وكان سبب ذلك أن يحيى بن معاذ الذي كان المأمون ولاة الجزيرة مات في هذه السنة، واستخلف ابنه أحمد، فاستعمل المأمون عبد الله مكانه، فلما أراد توليته أحضره وقال له: يا عبد الله أستخير الله، تعالى، منذ شهر وأكثر، وأرجوأن يكون قد خار لي، ورأيت الرجل يصف ابنه لرأيه فيه، ورأيتك فوق ما قال أبوك فيك، وقد مات يحيى، واستخلف ابنه، وليس بشيء، وقد رأيت توليتك مصر ومحاربة نصر بن شبث.
فقال: السمع والطاعة، وأرجوأن يجعل الله لأمير المؤمنين الخيرة وللمسلمين؛ فعقد له، وقيل كانت ولايته سنة خمس ومائتين، وقيل سبع ومائتين.
ولما سار استخلف على الشرطة إسحاق بن إبراهيم بن الحسين بن مصعب، وهوابن عمه، ولما استعمله المأمون كتب إليه أبوه طاهر كتاباً فيه كل ما يحتاج إليه الأمراء من الآداب والسياسة وغير ذلك، وقد اثبت منه أحسنه لما فيه من الآداب والحث على مكارم الأخلاق ومحاسن الشيم، لأنه لا يستغني عنه أحد من ملك وسوقة، وهو: بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد، فعليك بتقوى الله وحده لا شريك له، وخشيته، ومراقبته، عز وجل، ومزايلة سخطه، وحفظ رعيتك في الليل والنهار، والزم ما ألبسك من العافية بالذكر لمعادك، وما أنت صائر إليه، وموقوف عليه، ومسؤول عنه، والعمل في ذلك كله بما يعصمك الله، عز وجل، وينجيك يوم القيامة من عقابه، وأليم عذابه، فإن الله سبحانه وتعالى، قد أحسن إليك وأوجب عليك الرأفة بمن استرعاك أمرهم من عباده، وألزمك العدل عليهم، والقيام بحقه وحدوده فيهم، والذب عنهم، والدفع عن حريمهم وبيضتهم، والحقن لدمائهم، والأمن لسبيلهم، وإدخال الراحة عليهم، ومؤاخذك بما فرض عليك، وموقفك عليه، ومسائلك عنه، ومثيبك عليه بما قدمت وأخرت، ففرغ لذلك فهمك، وعقلك، ونظرك، ولا يشغلك عنه شاغل، وإنه رأس أمرك، وملاك شأنك، وأول ما يوفقك الله، عز وجل، به لرشدك.
وليكن أول ما تلزم نفسك، وتنسب إليه أفعالك، المواظبة على ما افترض الله، عز وجل، عليك من الصلوات الخمس، والجماعة عليها بالناس، فأت بها في مواقيتها على سننها وفي إسباغ الوضوء لها وافتتاح ذكر الله، عز وجل، فيهأن وترتل في قراءتك، وتمكن في ركوعك وسجودك وتشهدك، وليصدق فيه رأيك، ونيتك، واحضض عليها جماعة من معك، وتحت يد، وادأب عليها فإنهأن كما قال الله، عز وجل: (إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر) العنكبوت: 45 ثم أتبع ذلك بالأخذ بسنن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، والمثابرة على خلافته، واقتفاء آثار السلف الصالح من بعده، وإذا ورد عليك أمر فاستعن عليه باستخاره الله، عز وجل، وتقواه، ولزوم ما أنزل الله، عز وجل، في كتابه من أمره ونهيه، وحلاله وحرامه، وإتمام ما جاءت به الآثار عن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ثم قم فيه بما يحق الله، عز وجل، عليك، ولا تمل من العدل في ما أحببت أوكرهت لقريب من الناس، أوبعيد.
وآثر الفقه وأهله والدين وحملته، وكتاب الله، عز وجل، والعاملين به، فإن أفضل ما تزين به المرء الفقه في الدين، والطلب له، والحث عليه، والمعرفة بما يتقرب به إلى الله عز وجل، فإنه الدليل على الخير كله، والقائد له، والآمر به، والناهي عن المعاصي والموبقات كلهأن ومع توفيق الله، عز وجل، يزداد العبد معرفة لله، عز وجل، وإجلالاً له، ذكراً للدرجات العلى في المعاد مع ما في ظهوره للناس من التوقير لأمرك، والهيبة لسلطانك، والأنسة بك، والثقة بعدلك.
وعليك بالاقتصاد في الأمور كلهأن فليس شيء أبين نفعأن ولا أخص أمنأن ولا أجمع فضلاً منه، والقصد داعية إلى الرشد، والرشد دليل على التوفيق، والتوفيق قائد إلى السعادة، وقوام الدين والسنن الهادية بالاقتصاد، وأثره في دنياك كلهأن ولا تقصر في طلب الآخرة، والأجر، والأعمال الصالحة، والسنن المعروفة، ومعالم الرشد، ولا غاية للاستكثار في البر والسعي له، إذا كان يطلب به وجه الله، تعالى، ومرضاته ومرافقة أوليائه في دار كرامته.
واعلم أن القصد في شأن الدنيا يورث العز، ويحصن من الذنوب، وأنه لن تحوط لنفسك ومن يليك، ولا تستصلح أمورك بأفضل منه، فأته واهتد به تتم أمورك، وتزد مقدرتك، وتصلح خاصتك وعامتك.
وأحسن الظن بالله، عز وجل، تستقم لك رعيتك، والتمس الوسيلة إليه في الأمور كلها تستدم النعمة عليك.
ولا تتهمن أحداً من الناس فيما توليه من عملك، قبل أن تكشف أمره، فإن إيقاع التهم بالبداء، والظنون السيئة بهم مأثم، فاجعل من شأنك حسن الظن بأصحابك، واطرد عنك سوء الظن بهم، وارفضه فيهم يغنك ذلك على اصطناعهم ورياضتهم، ولا يجدن عدوالله الشيطان في أمرك مغمزأن فإنه إمنا يكتفي بالقليل من وهنك، ويدخل عليك من الغم في سوء الظن ما ينغصك لذاذة عيشك.
واعلم أنك تجد بحسن الظن قوة وراحة، وتكتفي به ما أحببت كفايته من أمورك، وتدعوبه الناس إلى محبتك والاستقامة في الأمور كلها لك، ولا يمنعنك حسن الظن بأصحابك، والرأفة برعيتك، أن تستعمل المسألة والبحث عن أمورك، ولتكن المباشرة لأمور الأولياء، والحياطة للرعية، والنظر فيما يقيمها ويصلحهأن والنظر في حوائجهم، وحمل مؤوناتهم آثر عندك مما سوى ذلك، فإنه أقوم للدين وأحيا للسنة.
واخلص نيتك في جميع هذأن وتفرد بتقويم نفسك، تفرد من يعلم أنه مسؤول عما صنع، ومجزي بما أحسن، ومأخوذ بما أساء، فإن الله، عز وجل، جعل الدين حرزاً وعزأن ورفع من اتبعه وعززه، فاسلك بمن تسوسه وترعاه نهج الدين، وطريقة الهدى.
وأقم حدود الله، عز وجل، في أصحاب الجرائم على قدر منازلهم، وما استحقوه، ولا تعطل ذلك، ولا تهاون به، ولا تؤخر عقوبة أهل العقوبة، فإن في تريطك في ذلك ما يفسد عليك حسن ظنك، واعتزم على أمرك في ذلك بالسنن المعروفة، وجانب البدع والشبهات يسلم لك دينك وتقم لك مروءتك.
وإذا عاهدت عهداً فف به، وإذا وعدت خيراً فأنجزه، واقبل الحسنة، وادفع بهأن وأغمض عن عيب كل ذي عيب من رعيتك، واشدد لسانك عن قول الكذب والزور، وأبغض أهله، وأقص أهل المنيمة، فإن أول فساد أمورك، في عاجلها وآجلهأن تقريب الكذوب، والجرأة على الكذب، لأن الكذب رأس المآثم، والزور والمنيمة خاتمتهأن لأن المنيمة لا يسلم صاحبها وقائلهأن ولا يسلم له صاحب، ولا يستتم لمطيعها أمر.
وأحب أهل الصلاح والصدق، وأعن الإشراف بالحق، وآس الضعفاء، وصل الرحم، وابتغ بذلك وجه الله، تعالى، وإعزاز أمره، والتمس فيه ثوابه والدار الآخرة، واجتنب سوء الأهواء والجور، واصرف عنهما رأيك، وأظهر براءتك في ذلك رعيتك، وأنعم بالعدل سياستهم، وقم بالحق فيهم وبالمعرفة التي تنتهي بك إلى سبيل الهدى.
واملك نفسك عند الغضب، وآثر الوقار والحلم، وإياك والحدة، والطيرة، والغرور فيما أنت بسبيله، وإياك أن تقول: أنا مسلط أفعل ما أشاء، فإن ذلك سريع فيك إلى نقص الرأي وقلة اليقين بالله، عز وجل.
وأخلص لله وحده، لا شريك له، النية فيه، واليقين به، واعلم أن الملك لله، سبحانه وتعالى، يؤتيه من يشاء وينزعه ممن يشاء، ولن تجد تغير النعمة، وحلول النقمة إلى أحد أسرع منه إلى حملة النعمة من أصحاب السلطان، والمبسوط لهم في الدولة، إذا كفروا نعم الله، عز وجل، وإحسانه، واستطاعوا بما آتاهم الله، عز وجل، من فضله.
ودع عنك شره نفسك، ولتكن ذخائرك وكنوزك، التي تذخر وتكنز، البر، والتقوى، والمعدلة، واستصلاح الرعية، وعمارة بلدهم، والتفقد لأمورهم، والحفظ لدمائهم، والإغاثة لملهوفهم؛ واعلم أن الأموال إذا كنزت، وذخرت في الخزائن لا تمنو، وإذا كانت في صلاح الرعية، وإعطاء حقوقهم، وكف مؤونة عنهم، سمت، وزكت، ومنت، وصلحت به العامة، وتزينت به الولاية، وطاب به الزمان، واعتقد فيه العز والمنعة، فليكن كنز خزائنك تفريق الأموال في عمارة الإسلام وأهله، ووفر منه على أولياء أمير المؤمنين، فتلك حقوقهم، وأوف رعيتك من ذلك حصصهم، وتعهد ما يصلح أمورهم ومعاشهم، فإنك إن فعلت ذلك قرت النعمة عليك، واستوبت المزيد من الله، عز وجل، وكنت بذلك على جباية خراجك وجمع أموال رعيتك، وعملك أقدر، وكان الجميع لما شملهم من عدلك وإحسانك أسلس لطاعتك، وأطيب نفساً بكل ما أردت، واجهد نفسك فيما حددت لك في هذا الباب، ولتعظم حسنتك فيه، وإمنا يبقى من المال ما أنفق في سبيل الله، واعرف للشاكرين شكرهم، وأثبهم عليه.
وإياك أن تنسيك الدنيا وغرورها هول الآخرة، فتهاون بما يحق عليك، فإن التهاون بورث التفريط، والتفريط يورث البوار، وليكن عملك له، عز وجل، وارج الثواب فيه، فإن الله، سبحانه، قد أسبغ عليك نعمته، وأسبغ لديك فضله؛ واعتصم بالشكر، وعليه فاعتمد، يزدك الله خيراً وإحسانأن فغن الله، عز وجل، يثيب بقدر شكر الشاكرين وسيرة المحسنين.
ولا تحقرن دينأن ولا تمالئن حاسدأن ولا ترحمن فاجرأن ولا تصلن كفورأن ولا تدهنن عدواً. ولا تصدقن منامأن ولا تأمنن غدارأن ولا توالين فاسقأن ولا تبتغين عادياً، ولا تحمدن مرائيأن ولا تحقرن إنسانأن ولا تردن سائلاً فقيرأن ولا تحبن باطلأن ولا تلاحظن مضحكأن ولا تخلفن وعدأن ولا ترهقن فاجراً فجر، ولا تركبن سفهأن ولاتظهرن غضبأن ولا تمشين مرحأن ولا تفرطن في طلب الآخرة، ولا تدفع الأيام عتاباً، ولا تغمضن عن ظالم رهبة منه، أومحاباة، ولا تطلبن ثواب الآخرة في الدنيا.
وأكثر مشاورة الفقهاء، واستعمل نفسك بالحلم، وخذ عن أهل التجارب وذوي العقل، والرأي، والحكمة، ولاتدخلن في مشورتك أهل الذمة والنحل، ولاتسمعن لهم قولأن فإن ضررهم أكثر من منفعتهم، وليس شيء أسرع فساداً لما استقبلت فيه أمر رعيتك من الشح، واعلم أنك إذا كنت حريصاً كنت كثير الأخذ، قليل العطية، وإذا كنت كذلك لم يستقم لك أمرك إلا قليلأن فإن رعيتك إمنا تعقد على محبتك بالكف عن أموالهم، وترك الجور عليهم، ويدوم صفاء أوليائك بالإفضال عليهم، وحسن العطية لهم، واجتنب الشح، والعم أنه أول ما عصى الإنسان به ربه، وأن العاصي بمنزلة خزي، وهوقول الله، عز وجل: (ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون) الحشر: 9 واجعل للمسلمين كلهم من بينك حظاً ونصيبأن وأيقن أن الجود من أفضل أعمال العباد، فاعدده لنفسك خلقأن وسهل طريق الجود بالحق، وارض به عملاً ومذهبأن وتفقد أمور الجند في دواوينهم، ومكاتبهم، وأدرر عليهم أرزاقهم، ووسع عليهم في معايشهم يذهب الله، عز وجل، بذلك فاقتهم، فيقوي لك أمرهم، وتزيد به قلوبهم في طاعتك في أمرك خلوصاً وانشراحاً.
وحسب ذي السلطان من السعادة أن يكون على جنده ورعيته رحمة في عدله، وحيطته، وإنصافه، وعنايته، وشفقته، وبره، وتوسيعه، فزايل مكروه إحدى البليتين باستشعار فضيلة الباب الآخر، ولزوم العمل به تلق، إن شاء الله تعالى، نجاحاً وفلاحاً.
واعلم أن القضاء بالعدل من الله تعالى بالمكان الذي ليس يعدل به شيء من الأمور لأنه ميزان الله الذي يعدل عليه أحوال الناس في الأرض، وبإقامة العدل في القضاء والعمل، تصلح أحوال الرعية، وتأمن السبل، وينتصف المظلوم، ويأخذ الناس حقوقهم، وتحسن المعيشة، ويؤدي حق الطاعة، ويرزق الله العافية والسلامة، ويقوم الدين، وتجري السنن والشرائع على مجاريها.
واشتد في أمر الله، عز وجل، وتورع عن النطف، وامض لإقامة الحدود، وأقلل العجلة، وابعد عن الضجر والقلق، واقنع بالقسم، وانتفع بتجربتك، وانتبه في صمتك، من رعيتك محاباة، ولا محاماة، ولا لوم لائم، وتثبت، وتأن، وراقب، وانظر الحق على نفسك، فتدبر، وتفكر، واعتبر، وتواضع لربك، وارؤف بجميع الرعية، وسلط الحق على نفسك.
ولا تسرعن إلى سفك دم، فإن الدماء من الله، عز وجل، بمكان عظيم، انتهاكاً لها بغير حقها؛ وانظر هذا الخراج الذي استقامت عليه الرعية، وجعله الله للإسلام عزاً ورفعةً، ولأهله توسعةً ومنعةً، ولعدوه وعدوهم كبتاً وغيظأن ولأهل الكفر من معانديهم ذلاً وصغارأن فوزعه بين أصحابك بالحق، والعدل، والتسوية، والعموم فيه، ولا ترفعن منه شيئاً عن شريف لشرفه، ولا عن غني لغناه، ولا عن كاتب، ولا عن أحد من خاصتك وحاشيتك، ولا تأخذن منه فوق الاحتمال له، ولا تكلف أمراً فيه شطط، واحمل الناس كلهم على مر الحق، فإن ذلك أجمع لألفتهم وألزم لرضاء العامة.
واعلم أنك جعلت، بولايتك، خازنأن وحافظأن وراعيأن وإمنا سمي أهل عملك رعيتك لأنك راعيهم، وقيمهم، تأخذ منهم ما أعطوك من عفوهم ومقدرتهم وتنفذه في قوام أمرهم وصلاحهم، وتقويم أودهم، فاستعمل عليهم ذوي الرأي والتدبير، والتجربة والخبرة بالعمل، والعلم بالسياسة والعفاف، ووسع عليهم في الرزق، فإن ذلك من الحقوق اللازمة لك فيما تقلدت، وأسند إليك، ولا يشغلك عنه شاغل، ولا يصرفك عنه صارف، فإنك متى آثرته، وقمت فيه بالواجب، استدعيت به زيادة النعمة من ربك، وحسن الأحدوثة في عملك، وأحرزت به المحبة من رعيتك، وأعنت على الصلاح، ودرت الخيرات في بلدك، وفشت العمارة بناحيتك، وظهر الخصب في كورك، وكثر خراجك، وتوفرت أموالك، وقويت بذلك على ارتباط جندك، وإرضاء العامة، بإفاضة العطاء فيهم من نفسك، وكنت محمود السياسة مرضي العدل في ذلك عند عدوك، وكنت في أمورك كلها ذا عدل، وآلة، وقوة، وعدة، فنافس في ذلك ولا تقدم عليه شيئاً تحمد مغبة أمرك، إن شاء الله تعالى.
واجعل في كل كورة من عملك أميناً يخبرك أخبار عمالك، ويكتب إليك بسيرتهم وأعمالهم، حتى كأنك مع كل عامل في عمله معاين لأموره كلهأن فإن أردت أن تأمرهم بأمر فانظر في عواقب ما أردت من ذلك، فإن رأيت السلامة فيه، والعافية، ورجوت فيه حسن الدفاع والنصح، والصنع، فأمضه، وإلا فتوقف عنه، وراجع أهل البصر والعلم به، ثم خذ فيه عدته، فإنه ربما نظر الرجل في أمر من أموره قدره وأتاه على ما يهوى، فأغواه ذلك، وأعجبه، فإن لم ينظر في عواقبه أهلكه، ونقض عليه أمره، فاستعمل الحزم في كل ما أردت، وباشره بعد عون الله، عز وجل، بالقوة، وأكثر استخارة ربك في جميع أمورك، وافرغ من عمل يومك، ولا تؤخره لغدك، واكثر مباشرته بنفسك، فإن لغد أموراً وحوادث تلهيك عن عمل يومك الذي أخرت.
واعلم أن اليوم إذا مضى ذهب بما فيه، وإذا أخرت عمله اجتمع عليك أمور يومين، فيشغلك ذلك، حتى تعرض عنه، وإذا أمضيت لكل يوم عمله، أرحت نفسك وبدنك، وأحكمت أمور سلطانك.
وانظر أحرار الناس وذوي السن منهم ممن تستيقن صفاء طويتهم، وشهدت مودتهم لك، ومظاهرتهم بالنصح والمخالصة على أمرك، فاستخلصهم وأحسن إليهم.
وتعاهد أهل البيوتات ممن قد دخلت عليهم الحاجة، فاحتمل مؤونتهم، وأصلح حالهم حتى لا يجدوا لخلتهم مسأن وأفرد نفسك بالنظر في أمور الفقراء والمساكين، ومن لا يقدر على رفع مظلمة إليك، والمحتقر الذي لا علم له بطلب حقه، فسل عنه أحفى مسألة، ووكل بأمثاله أهل الصلاح من رعيتك، ومرهم برفع حوائجهم وحالاتهم إليك لتنظر فيها بما يصلح الله به أمرهم.
وتعاهد ذوي البأساء وأيتامهم، وأراملهم، وأجعل لهم أرزاقاً من بيت المال اقتداء بأمير المؤمنين، أعزه الله، في العطف عليهم، والصلة لهم، ليصلح الله بذلك عيشهم، ويرزقك به بركة وزيادة، وأجر للأضراب من بيت المال، وقدم حملة القرآن منهم، والحافظين لأكثره في الجرائد على غيرهم، وانصب لمرضى المسلمين دوراً تؤويهم، وقواماً يرفقن بهم، وأطباء يعالجون أسقامهم، وأسعفهم بشهواتهم ما لم يؤد ذلك إلى سرف في بيت المال.
واعلم أن الناس إذا أعطوا حقوقهم وأفضل أمانيهم لم يرضهم ذلك، ولم تطل أنفسهم دون رفع حوائجهم إلى ولاتهم، طمعاً في نيل الزيادة، وفضل الرفق منهم، وربما تبرم المتصفح لأمور الناس لكثرة ما يرد عليه، ويشغل فكره وذهنه منها ما يناله به من مؤونة ومشقة، وليس من يرغب في العدل، ويعرف محاسن أموره في العاجل وفضل ثواب الآجل كالذي يستثقل بما يقربه إلى اله تعالى ويلتمس رحمته.
وأكثر الإذن للناس عليك، وابرز لهم وجهك، وسكن لهم حواسك، واخفض لهم جناحك، وأظهر لهم بشرك، ولن لهم في المسألة والنطق، واعطف عليهم بجودك وفضلك.
وإذا أعطيت فأعط بسماحة، وطيب نفس، والتماس للصنيعة والأجر من غير تكدير ولا امتنان، فإن العطية على ذلك تجارة مربحة، إن شاء الله تعالى. واعتبر بما ترى من أمور الدنيأن ومن مضى قبلك من أهل السلطان والرئاسة في القرون الخالية، والأمم البائدة، ثم اعتصم في أحوالك كلها بأمر الله، والوقوف عند محبته والعمل بشريعته وسننه، وإقامة دينه، وكتابه، واجتنب ما فارق ذلك وخالف ما دعا إلى سخط الله، عز وجل.
واعرف ما يجمع عمالك من الأموال، وينفقون منهأن ولا تجمع حرامأن ولا تنفق إسرافاً.
وأكثر مجالسة العلماء، ومشاورتهم، ومخالطتهم، وليكن هواك أتباع السنن وإقامتهأن وإيثار مكارم الأمور، ومعاليهأن وليكن أكرم دخلائك وخاصتك عليك من إذا رأى عيباً لم تمنعه هيبتك من إنهاء ذلك إليك في سرك، وإعلامك ما فيه من النقص، فإن أولئك أنصح أوليائك ومظاهريك، وانظر عمالك الذين بحضرتك، وكتابك، فوقت لكل رجل منهم في كل يوم وقتاً يدخل فيه عليك بكتبه ومؤامرته، وما عنده من حوائج عمالك وأمور كورك ورعيتك، ثم فرغ لما يورده عليك من ذلك سمعك، وبصرك، وفهمك، وعقلك، وكرر النظر فيه والتدبر له، فما كان موافقاً للحق والحزم فأمضه، واستخر الله، عز وجل، فيه، وما كان مخالفاً لذلك فاصرفه إلى التثبت فيه والمسألة عنه.
ولا تمتن على رعيتك، ولا غيرهم، بمعروف تأتيه إليهم، ولا تقبل من أحد منهم إلا الوفاء والاستقامة، والعون في أمور أمير المؤمنين، ولا تضعن المعروف إلا على ذلك؛ وتفهم كتابي إليك، وأكثر النظر فيه والعمل به، واستعن بالله على جميع أمورك، وأسخره، فإن الله، عز وجل، مع الصلاح وأهله، وليكن أعظم سيرتك، وأفضل عيشك ما كان لله، عز وجل، رضىً، ولدينه نظامأن ولأهله عزاً وتمكينأن ولذمة وللملة عدلاً وصلاحاً؛ وأنا أسأل الله أن يحسن عونك، وتوفيقك، ورشدك، وكلاءتك، والسلام.
فلما رأى الناس هذا الكتاب تنازعوه، وكتبوه، وشاع أمره، وبلغ المأمون خبره فدعا به فقرئ عليه، فقال: ما بقى أبوالطيب يعني طاهراً شيئاً من أمر الدنيا والدين، والتدبير، والرأي، والسياسة، وإصلاح الملك والرعية، وحفظ السلطان وطاعة الخلفاء، وتقويم الخلافة، إلا وقد أحكمه وأوصى به. وأمر المأمون فكتب به إلى جميع العمال في النواحي؛ فسار عبد الله إلى عمله، فاتبع ما أمر به، وعهد إليه، وسار بسيرته.
ذكر موت الحكم بن هشام
وفي هذه السنة مات الحكم بن هشام بن عبد الرحمن، صاحب الأندلس، لأربع بقين من ذي الحجة، وكانت بيعته في صفر سنة ثمانين ومائة، وكان عمره اثنتين وخمسين سنة، وكنيته أبوالعاص، وهولأم ولد، وكان طويلاً أسمر، نحيفأن وكان له تسعة عشر ذكرأن وله شعر جيد، وهوأول من جند بالأندلس الأجناد المرتزقين، وجمع الأسلحة والعدد، واستكثر من الحشم والحواشي، وارتبط الخيول على بابه، وشابه الجبابرة في أحواله، واتخذ المماليك، وجعلهم في المرتزقة، فبلغت عدتهم خمسة آلاف مملوك، وكانوا يسمون الخرس لعجمة ألسنتهم، وكانوا يوماً على باب قصره.
وكان يطلع على الأمور بنفسه، ما قرب منها وبعد، وكان له نفر من ثقات أصحابه بطالعونه بأحوال الناس، فيرد عنهم المظالم، وينصف المظلوم، وكان شجاعأن مقدامأن مهيباً وهوالذي وطأ لعقبه الملك بالأندلس، وكان يقرب الفقهاء وأهل العلم.
ذكر ولاية ابنه عبد الرحمنلما مات الحكم بن هشام قام بالملك بعده ابنه عبد الرحمن ويكنى أبا المطرف، واسم أمه حلاوة، وكان بكن والده، ولد بطليطلة، أيام كان أبوه الحكم يتولاها لأبيه هشام، ولد لسبعة أشهر وجد ذلك بخط أبيه.
وكان جسيمأن وسيمأن حسن الوجه، فلما ولي خرج عليه عم أبيه عبد الله البلنسي، وطمع بموت الحكم، وخرج من بلنسية يريد قرطبة، فتجهز له عبد الرحمن، فلما بلغ ذلك عبد الله خاف، وضعفت نفسه، فرجع إلى بلنسية، ثم مات في أثناء ذلك سريعاً ووقى الله ذلك الطرف شره.
فلما مات نقل عبد الرحمن أولاده وأهله إليه بقرطبة، وخلصت الإمارة بالأندلس لولد هشام بن عبد الرحمن.
ذكر عدة حوادثوفيها عزل الحسن بن موسى الأشيب عن قضاء الموصل، فانحدر إلى بغداد، وتولى القضاء بها علي بن أبي طالب الموصلي.
وفيها ولى المأمون داود بن ماسحور محاربة الزط، وأعمال البصرة، وكور دجلة، واليمامة، والبحرين.
وفيها كان المد عظيماً غرق فيه السواد، وكسكر، وقطيعة أم جعفر، وهلك فيه من الغلات كثير.
وفيها نكب بابك الخرمي عيسى بن محمد بن أبي خالد؛ وحج بالناس هذه السنة عبيد الله بن الحسن العلوي، وهوأمير الحرمين.
وفيها غزا المسلمون من إفريقية جزيرة سردانية، فغمنوأن وأصابوا من الكفار، وأصيب منهم، ثم عادوا.
وفيها توفي الهيثم بن عدي الطائي الإخباري، وكان عابدأن ضعيفاً في الحديث؛ وعبد الله بن عمروبن عثمان بن أمية الموصلي، وهومن أصحاب سفيان الثوري.
وفيها توفي محمد بن المستنير، والمعروف بقطرب، النحوي، أخذ النحومن سيبويه. وفيها توفي أبوعمروإسحاق بن مرار الشيباني اللغوي.
مرار بكسر الميم وبراءين مخففتين.
حوادث سنة سبع ومائتين
ذكر خروج عبد الرحمن بن أحمد باليمنفي هذه السنة خرج عبد الرحمن بن أحمد بن عبد الله بن محمد بن عمر ابن علي بن أبي طالب، رضي الله عنهم، ببلاد عك، في اليمن، يدعوإلى الرضي من آل محمد، صلى الله عليه وسلم.
وكان سبب خروجه أن العمال باليمن أساؤوا السيرة فيهم، فبايعوا عبد الرحمن هذا؛ فلما بلغ المأمون ذلك وجه إليه دينار بن عبد الله في عسكر كثيف، وكتب معه بأمانه، فحضر دينار الموسم، وحج.
ثم سار إلى اليمن، فبعث إلى عبد الرحمن بأمانه، فقبله، ودخل في طاعة المأمون، ووضع يده في يد دينار، فخرج به إلى المأمون عند ذلك الطالبيين من الدخول عليه، وأمرهم بلبس السواد، وذلك لليلتين بقيتا من ذي العقدة.
ذكر وفاة طاهر بن الحسينوفي هذه السنة، في جمادى الأولى، مات طاهر بن الحسين من حمى أصابته، وإنه وجد في فراشه ميتاً.
وقال كلثوم بن ثابت بن أبي سعيد: كنت على بريد خراسان، فلما كان سنة سبع ومائتين حضرت الجمعة، فصعد طاهر المنبر، فخطب، فلما بلغ إلى ذكر الخليفة أمسك عن الدعاء له، وقال: اللهم أصلح أمة محمد بما أصلحت به أولياءك، واكفنا مؤونة من بغى علينأن وحشد فيهأن بلم الشعث، وحقن الدماء، وإصلاح ذات البين.
قال: فقلت في نفسي: أنا أول مقتول لأني لا أكتم الخبر. قال: فانصرفت، فاغتسلت غسل الموتى، وتكفنت، وكتبت إلى المأمون، فلما كان العصر دعاني، وحدث به حادث في جفن عينه، وسقط ميتأن فخرج إلي ابنه طلحة، قال: هل كتبت بما كان؟ قلت: نعم! قال: فاكتب بوفاته! فكتبت بوفاته، وبقيام طلحة بأمر الجيش، فوردت الخريطة على المأمون بخلعه، فدعا احمد بن أبي خالد، فقال: سر فأت بطاهر كما زعمت وضمنت، فقال: أبيت الليلة؟ فقال: لأن فلم يزل حتى أذن له في المبيت.
ووافت الخريطة الأخرى ليلاً بموته، فدعاه، فقال: قد مات طاهر، فمن ترى؟ قال: ابنه طلحة؛ قال: اكتب بتوليته! فكتب بذلك، فأقام طلحة والياً على خراسان في أيام المأمون سبع سنين، ثم توفي، وولى عبد الله خراسان.
ولما ورد موت طاهر على المأمون قال: لليدين وللفم؛ الحمد لله الذي قدمه وأخرنا! وكان طاهر أعور وفيه يقول بعضهم:
يا ذا اليمينين وعين واحدة ... نقصان عين ويمين زائدة
يعني أن لقبه كان ذا اليمينين، وكانت كنيته أبا الطيب، وقد قيل إن طاهراً لما مات انتهب الجند بعض خزائنه، فقام بأمرهم سلام الأبرش الخصي، وأعطاهم رزق ستة أشهر.
وقيل استعمل المأمون على عمله جميعه ابنه عبد اله بن طاهر، فسير إلى خراسان أخاه طلحة، وكان عبد الله بالرقة على حرب نصر بن شبث، فلما توجه طلحة إلى خراسان سير المأمون إليه أحمد بن أبي خالد ليقوم بأمره، فعبر أحمد إلى ما وراء النهر، وافتتح أشروسنة، واسر كاوس بن صارخره، وابنه الفضل، وبعث بهما إلى المأمون، وهب طلحة لأحمد ابن أبي خالد ثلاثة آلاف ألف درهم، وعروضاً بألفي ألف درهم، ووهب لإبراهيم بن العباس كاتب أحمد خمسمائة ألف درهم.
ذكر ما كان بالأندلس في هذه السنةوفي هذه السنة وقع عبد الرحمن بن الحكم، صاحب الأندلس، بجند البصراة وأهلهأن وهي الوقعة المعروفة بوقعة بالس.
وكان سببها أن الحكم كان قد بلغه عن عامل اسمه ربيع أنه ظلم الأبناء أهل الذمة، فقبض عليه، وصلبه قبل وفاته، فلما توفي وولي ابنه عبد الرحمن سمع الناس بصلب ربيع، فأقبلوا إلى قرطبة من النواحي يطلبون الأموال التي كان ظلمهم بهأن ظنا بهأن ظناً منهم أنها ترد إليهم، وكان أهل إلبيرة أكثرهم طلباً وإلحاحاً فيه، وتألبوأن فبعث إليهم عبد الرحمن من يفرقهم ويسكتهم، فلم يقبلوأن ودفعوا ن أتاهم، فخرج إليهم جمع من الجند، وأصحاب عبد الرحمن، فقاتلوهم، فانهزم جند إلبيرة ومن معهم، وقتلوا قتلاً ذريعأن ونجا الباقون منهزمين، ثم طلبوا بعد ذلك، فقتلوا كثيراً منهم.
وفيها ثارت بمدينة تدمير فتنة من المضرية واليمانية، فاقتتلوا بلورقة، وكان بينهم وقعة تعرف بيوم المضارة، قتل منهم ثلاثة آلاف رجل، ودامت الحرب بينهم سبع سنين، فوكل بكفهم، ومنعهم، يحيى بن عبد الله بن خالد، وسيره في جميع الجيش، فكانوا إذا أحسوا بقرب يحيى تفرقوا وتركوا القتال، وإذا عاد عنهم رجعوا إلى الفتنة والقتال حتى عيي أمرهم.
وفيها كان بالأندلس مجاعة شديدة ذهب فيها خلق كثير، وبلغ المد في بعض البلاد ثلاثين ديناراً.
تدمير بالتاء فوقها نقطتان والدال المهملة والياء تحتها نقطتان ثم راء.
ذكر عدة حوادثوفيها غلا السعر بالعراق، حتى بلغ القفيز من الحنطة بالهاروني أربعين درهماً إلى الخمسين.
وفيها ولي محمد بن حفص طبرستان، والرويان، ودنباوند؛ وحج بالناس أبوعيسى بن الرشيد.
وفيها أمر المأمون السيد بن أنس، والي الموصل، بقصد بني شيبان وغيرهم من العرب لإفسادهم في البلاد، فسار إليهم، وكبسهم بالدسكرة، فقتلهم ونهب أموالهم وعاد.
وفيها توفي وهب بن جرير الفقيه، وعمر بن حبيب العدوي القاضي، وعبد الصمد بن عبد الوارث بن سعيد، وعبد العزيز بن أبان القرشي، قاضي واسط، وجعفر بن عون بن جعفر بن عمروبن حريث المخزومي الفقيه، وبشر بن عمر الزاهد الفقيه، وكثير بن هشام، وأزهر بن سعيد السمان، وأبوالنضر هشام بن القاسم الكناني.
وفيها توفي محمد بن عمر بن واقد الواقدي، وكان عمره ثمانياً وسبعين سنة، وكان عالماً بالمغازي واختلاف العلماء، وكان يضعف في الحديث.
وفيها توفي محمد بن أبي رجاء القاضي، وهومن أصحاب أبي يوسف صاحب أبي حنيفة.
وفيها توفي محمد بن أبي عبد الله بن عبد الأعلى المعروف بابن كناسة، وهوابن أخت إبراهيم بن أدهم، وكان عالماً بالعربية والشعر وأيام الناس.
وفيها توفي يحيى بن زياد،أبوزكرياء الفراء النحوي الكوفي، وأبوغامن الموصلي، وزيد بن علي بن أبي خداش الموصلي، وهومن أصحاب المعافي، كثير الرواية عنه.
حوادث سنة ثمان ومائتينفي هذه السنة سار الحسن بن الحسين بن مصعب من خراسان إلى كرمان، فعصى بهأن فسار إليه أحمد بن أبي خالد، فأخذه، وأتى به المأمون فعفا عنه.
وفيها استقضي إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة، وفيها عزل محمد بن عبد الرحمن المخزومي عن قضاء عسكر المهدي، ووليه بشر بن الوليد الكندي، فقال بعضهم:
يا أيها الرجل الموحد ربه ... قاضيك بشر بن الوليد حمار
ينفي شهادة من يدين بما به ... نطق الكتاب وجاءت الآثار
ويعد عدلاً من يقول بأنه ... شيخ يحيط بجسمه الأقطار
وفيها مات موسى بن الأمين، والفضل بن الربيع في ذي العقدة، وحج بالناس صالح بن الرشيد.
وفيها هلك أليسع بن أبي القاسم، صاحب سجلماسة، فولى أهلها على أنفسهم أخاه المنتصر بن أبي القاسم واسول، المعروف بمدرار، وقد تقدم ذكرهم.
وفيها سير عبد الرحمن بن الحكم صاحب الأندلس جيشاً إلى بلاد المشركين، واستعمل عليه عبد الكريم بن عبد الواحد بن مغيث، فساروا إلى ألبة والقلاع، فنهبوا بلاد ألبة وأحرقوهأن وحصروا عدة من الحصون، ففتحوا بعضهأن وصالحه بعضها على مال وإطلاق الأسرى من المسلمين، فغمن أموالاً جليلة القدر، واستنفذوا من أسارى المسلمين وسبيهم كثيرأن فكان ذلك في جمادى الآخرة، وعادوا سالمين.
وفيها توفي عبد الله بن عبد الرحمن الأموي المعروف بالبلنسي صاحب بلنسية من الأندلس، وقد تقدم من أخباره مع أخبار أبن أخيه الحكم ابن هشام كثير.
وفيها توفي عبد الله بن أبي بكر بن حبيب السهمي الباهلي، ويونس ابن محمد المؤد، والقاسم ابن الرشيد، وسعيد بن تمام بالبصرة، وعبد الله بن جعفر بن سليمان بن علي، والحسن بن موسى الأشيب، وقد كان سار ليتولى قضاء طبرستان، فمات بالري.
وتوفي علي بن المبارك الأحمر النحوي، صاحب الكسائي، وقيل توفي في سنة ست وثمانين ومائة.
حوادث سنة تسع ومائتين
ذكر الصفر بنصر بن شبثوفي هذه السنة حصر عبد الله بن طاهر نصر بن شبث بكيسوم، وضيق عليه، حتى طلب الأمان، فقال محمد بن جعفر العامري: قال المأمون لثمامة بن أشرس: ألا تدلني على رجل من أهل الجزيرة له عقل وبيان يؤدي عني ما أوجبه إلى نصر؟ قال: بلى يا أمير المؤمنين، محمد بن جعفر العامري؛ فأمر بإحضاري، فحضرت فكلمني بكلام أمرني أن أبلغه نصرأن وهوبكفر عزون، بسروج، فأبلغته نصرأن فأذعن، وشرط شروطاً منها أن لا يطأ بساطه، فلم يجبه المأمون إلى ذلك، وقال: ما باله ينفر مني؟ قلت: لجرمه، وما تقدم من ذنبه.
قال: أفتراه أعظم جرماً من الفضل بن الربيع، ومن عيسى بن محمد ابن أبي خالد؟ أما الفضل فأخذ قوادي، وأموالي، وسلاحي، وجميع ما أوصى به الرشيد لي، فذهب به إلى محمد أخي، وتركني بمروفريداً وحيدأن وسلمني، وأفسد عليّ أخي حتى كان من أمره ما كان، فكان أشد عليّ من كل شيء. وأما عيسى بن أبي خالد فإنه طرد خليفتي من مدينتي ومدينة آبائي، وذهب بخراجي وفيئي، وأخرب داري، وأقعد إبراهيم خليفة دوني.
قال قلت: يا أمير المؤمنين! أتأذن لي في الكلام؟ قال: تكلم. قال قلت: أما الفضل بن الربيع فإنه صنيعكم ومولاكم، وحال سلفه حالهم، فترجع إليه بضروب كلها تردك إليه.
وأما عيسى فرجل من دولتك وسابقته من مضى من سلفه معروفة يرجع عليه بذلك.
وأما نصر فرجل لم يكن له يد قط فيحتمل كهؤلاء لمن مضى من سلفه وإمنا كانوا من جند بني أمية.
قال: إنه كما تقول، ولست أقلع عنه حتى يطأ بساطي.
قال: فأبلغت نصراً ذلك، فصاح بالخيل، فجالت إليه، فقال: ويلي عليه، هولم يقوعلى أربعمائة ضفدع تحت جناحه، يعني الزط، يقوي علي بحلبة العرب؟ فجاده عبد الله بن طاهر القتال، وضيق عليه، فطلب الأمان، فأجابه إليه، وتحول من معسكره إلى الرقة وصار إلى عبد الله، وكانت مدة حصاره ومحاربته خمس سنين، فلما خرج إليه أخرب عبد الله حصن كيسوم، وسير نصراً إلى المأمون وفصل إليه في صفر سنة عشر ومائتين.
ذكر عدة حوادثوفيها ولى المأمون علي بن صدقة المعروف بزريق، على أرمينية، وأذربيجان، وأمره بمحاربة بابك، وأقام بأمره أحمد بن الجنيد الإسكافي، فأسره بابك، فولى إبراهيم بن الليث بن الفضل أذربيجان.
وحج بالناس صالح بن العباس بن محمد بن علي.
وفيها مات ميخائيل بن جورجيس ملك الروم، وكان ملكه تسع سنين، وملك ابنه توفيل.
وفيها خرج منصور بن نصير بإفريقية عن طاعة الأمير زيادة الله. وكان منه ما ذكرناه سنة اثنتين ومائتين.
وفيها توفي أبوعبيدة معمر بن المثنى اللغوي، وقيل سنة عشر، وكان يميل إلى مقالة الخوارج، وكان عمره ثلاثاً وتسعين سنة، وقيل مات سنة ثلاث عشرة وعمره ثمان وتسعون سنة.
وفيها توفي يعلي بن عبيد الطيالسي أبويوسف، والفضل بن عبد الحميد الموصلي المحدث.
حوادث سنة عشر ومائتين
ذكر ظفر المأمون بابن عائشةوفيها ظفر المأمون بإبراهيم بن محمد بن عبد الوهاب بن إبراهيم، الإمام المعروف بابن عائشة، ومحمد بن إبراهيم الإفريقي، ومالك بن شاهي ومن كان معهم ممن كان يسعى في البيعة لإبراهيم بن المهدي.
وكان الذي أطلعه عليهم وعلى صنيعهم عمران القطربلي، وكانوا اتعدوا أن يقطعوا الجسر إذا خرج الجند يتلقون نصر بن شبث فمن عليهم عمران، فاخذوا في صفر، ودخل نصر بن شبث بغداد ولم يلقه أحد من الجند، فأخذ ابن عائشة، فأقيم على باب المأمون ثلاثة أيام في الشمس، ثم ضربه بالسياط، وحبسه وضرب مالك بن شاهي وأصحابه، فكتبوا للمأمون بأسماء من دخل معهم في هذا الأمر من سائر الناس فلم يعرض لهم المأمون، وقال: لا آمن أن يكون هؤلاء قذفوا قوماً برآء.
ثم إنه قتل ابن عائشة وابن شاهي ورجلين من أصحابهما، وكان سبب قتلهم أن المأمون بلغن أنهم يريدون أن ينقبوا السجن، وكانوا قبل ذلك بيوم قد سدوا باب السجن، فلم يدعوا أحداً يدخل عليهم، فلما بلغ المأمون خبرهم ركب إليهم بنفسه، فأخذهم، فقتلهم صبرأن وصلب ابن عائشة، وهوأول عباسي صلب في الإسلام؛ ثم أنزل وكفن وصلى عليه ودفن في مقابر قريش.
ذكر الظفر بإبراهيم بن المهديوفي هذه السنة، في ربيع الأول، أخذ إبراهيم بن المهدي، وهومتنقب مع امرأتين، وهوفي زي امرأة، أخذه حارس أسود ليلأن فقال: من أين أنتن، وأين تردن هذا الوقت؟ فأعطاه إبراهيم خاتم ياقوت كان في يده له قدر عظيم ليخليهن، ولا يسألهن، فلما نظر الحارس إلى الخاتم استرابهن، وقال: خاتم رجل له شأن، ورفعهن إلى صاحب المسلحة، فأمرهن أن يسفرن، فامتنع إبراهيم، فجذبه، فبدت لحيته، فدفعه إلى صاحب الجسر، فعرفه، فذهب به إلى باب المأمون وأعلمه به، فأمر بالاحتفاظ به إلى بكرة.
فلما كان الغد أقعد إبراهيم في دار المأمون والمقنعة التي تقنع بها في عنقه، والملحفة على صدره ليراه بنوهاشم والناس، ويعلموا كيف أخذ، ثم حوله إلى أحمد بن أبي خالد، فحبسه عنده؛ ثم أخرجه معه، لما سار إلى فم الصلح، إلى الحسن بن سهل، فشفع فيه الحسن، وقيل ابنته بوران.
وقيل إن إبراهيم لما أخذ حمل إلى دار أبي إسحاق المعتصم، وكان المعتصم عند المأمون، فحمل رديفاً لفرح التركي، فلما دخل على المأمون قال: هيه يا إبراهيم! فقال: يا أمير المؤمنين! ولي الثأر محكم في القصاص والعفوأقرب للتقوى، ومن تناوله الاغترار بما مد له من أسباب الشقاء، أمكن عادية الدهر من نفسه، وقد جعلك الله فوق كل ذي ذنب، كما جعل كل ذي ذنب دونك، فإن تعاقب فبحقك، وإن تعف فبفضلك.
قال: بل أعفو، يا إبراهيم، فكبر وسجد؛ وقيل بل كتب إبراهيم هذا الكلام إلى المأمون وهومتخف، فوقع المأمون في رقعته: القدرة تذهب الحفيظة، والندم توبة، وبينهما عفوالله، عز وجل، وهوأكبر ما يسأله، فقال إبراهيم يمدح المأمون:
يا خير من رقلت يمانية به ... بعد النبي آيس أوطامع
وأبر من عبد الإله على التقى ... غيباً وأقوله بحق صادع
عسل الفوارع ما أطعت فإن تهج ... فالصاب يمزج بالسمام الناقع
متيقظاً حذراً وما تخشى العدى ... نبهان من وسنان ليل الهاجع
ملئت قلوب الناس منك مخافة ... وتبيت تكلؤهم بقلب خاشع
بأبي وأمي فدية وأبيهما ... من كل معضلة وذنب واقع
ما ألين الكنف الذي بواتني ... وطناً وأمرع ربعه للراتع
للصالحات أخاً جعلت وللتقي ... وأباً رؤوفاً للفقير القانع
نفسي فداؤك إذ تضل معاذري ... وألوذ منك بفضل حلم واسع
أملاً لفضلك، والفواضل شيمة ... رفعت بناءك للمحل اليافع
فبذلت أفضل ما يضيق ببذله ... وسع النفوس من الفعال البارع
وعفوت عمن لم يكن عن مثله ... عفوولم يشفع إليك بشافع
إلا العلوعن العقوبة بعدما ... ظفرت يداك بمستكين خاضع
فرجمت أطفالاً كأفراخ القطا ... وعويل عانسة كقوس النازع
وعطفت آمرة علي كما وهى ... بعد انهياض الوثي عظم الظالع
الله يعلم ما أقول كأنها ... جهد الألية من حنيف راكع
ما إن عصيتك والغواة تقودني أسبابها إلا بنية طائع
حتى إذا علقت حبائل شقوتي ... بردى إلى حفر المهالك هائع
لم أدر أن المثل جرمي غافراً ... فوقفت أنظر أي حتف صارعي
رد الحياة علي بعد ذهابها ... ورع الإمام القادر المتواضع
أحياك من ولاك أفضل مدة ... ورمى عدوك في الوتين بقاطع
كم من يد لك لم تحدثني بها ... نفسي إذا آلت إلي مطامعي
أسديتها عفواً إلى هنيئة ... وشكرت مصطنعاً لأكرم صانع
إلا يسيراً عندما أوليتني ... وهوالكبير لدي غير الضائع
إن أنت جدت بها علي تكن لها ... أهلاً وإن تمنع فأكرم مانع
إن الذي قسم الخلافة حازها ... من صلب آدم للإمام السابع
جمع القلوب عليك جامع أمرها ... وحوى رداؤك كل خير جامع
فذكر أن المأمون قال، حين أنشده هذه القصيدة: أقول كما قال يوسف لإخوته: (لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهوأرحم الراحمين) يوسف: 92.
ذكر بناء المأمون ببورانوفي هذه السنة بنى المأمون ببوران ابنه الحسن بن سهل بن رمضان، وكان المأمون سار من بغداد إلى فم الصلح إلى معسكر الحسن بن سهل، فنزله، وزفت إليه بوران، فلما دخل إليه المأمون كان عندها حمدونة بنت الرشيد وأم جعفر زبيدة أم الأمين، وجدتها أم الفضل، والحسن بن سهل.
فلما دخل نثرت عليه جدتها ألف لؤلؤة من أنفس ما يكون، فأمر المأمون بجمعه، فجمع فأعطاه بوران وقال: سلي حوائجك، فأمسكت، فقالت جدتها: سلي سيدك، فقد أمرك، فسألته الرضى عن إبراهيم بن المهدي، فقال: قد فعلت؛ وسألته الإذن لأم جعفر في الحج، فأذن لهأن وألبستها أم جعفر البدلة اللؤلؤية الأموية، وابتنى بها في ليلته وأوقد في تلك الليلة شمعة عنبر فيها أربعون مناً.
وأقام المأمون عند الحسن سبعة عشر يوماً، يعد له كل يوم ولجميع من معه ما يحتاج إليه، وخلع الحسن على القواد على مراتبهم، وحملهم، ووصلهم، وكان مبلغ ما لزمه خمسين ألف ألف درهم، وكتب الحسن أسماء ضياعه في رقاع، ونثرها على القواد فمن وقعت بيده رقعة منها فيها اسم ضيعة بعث فتسلمها.
ذكر مسير عبد الله بن طاهر إلى مصرفي هذه السنة سار عبد الله بن طاهر إلى مصر، وافتتحهأن واستأمن إليه عبيد الله بن السري.
وكان سبب مسيره أن عبيد الله قد كان تغلب على مصر، وخلع الطاعة، وخرج من الأندلس، فتغلبوا على الاسكندرية، واشتغل عبد الله بن طاهر عنهم بمحاربة نصر بن شبث، فلما فرغ منه سار نحومصر، فلما قرب منها على مرحلة قدم قائداً من قواده إليها لينظر موضعاً يعسكر فيه، وكان ابن السري قد خندق على مصر خندقأن فاتصل الخبر به من وصول القائد إلى ما قرب منه، فخرج إليه في أصحابه، فالتقى هووالقائد، فاقتتلوا قتالاً شديدأن وكان القائد في قلة، فجال أصحابه، وسير بريداً إلى عبد الله بن طاهر بخبره، فحمل عبد الله الرجال على البغال، وجنبوا الخيل، وأسرعوا السير، فلحقوا بالقائد وهويقاتل ابن السري، فلما رأى ابن السري ذلك لم يصبر بين أيديهم، وانهزم عنهم، وتساقط أكثر أصحابه في الخندق، فمن هلك منهم بسقوط بعضهم على بعض كان أكثر من قتله الجند بالسيف.
ودخل ابن السري مصر، وأغلق الباب عليه وعلى أصحابه، وحاصره عبد الله، فلم يعد ابن الرسي يخرج غليه، وأنفذ إليه ألف وصيف ووصيفة مع كل واحد منهم ألف دينار، فسيرهم ليلأن فردهم ابن طاهر وكتب إليه: لوقبلت هديتك نهاراً لقبلتها ليلاً (بل أنتم بهديتكم تفرحون، ارجع إليهم فلنأتينهم بجنود لا قبل لهم بها ولنخرجنهم منها أذلة وهم صاغرون) النمل: 36 - 37. قال: فحينئذ طلب الأمان. وقيل: كان سنة إحدى عشرة.
وذكر أحمد بن حفص بن أبي الشماس قال: خرجنا مع عبد الله بن طاهر إلى مصر، حتى إذا كنا بين الرملة ودمشق إذ نحن بأعرابي قد اعترض، فإذا شيخ على بعير له، فسلم علينأن فرددنا عليه السلام، قال: وكنت أنأن وإسحاق بن إبراهيم الرافقي، وإسحاق بن أبي ربعي، ونحن نساير الأمير، وكنا أفره منه دابة، وأجود كسوة، قال: فجعل الأعرابي ينظر إلى وجوهنأن قال فقلت: يا شيخ قد ألححت في النظر، أعرفت شيئاً أنكرته؟ قال: لا والله، ما عرفتكم قبل يومي هذأن ولكني رجل حسن الفراسة في الناس، قال: فأشرت إلى إسحاق بن أبي ربعي، وقلت: ما تقول في هذا؟ فقال:
أرى كاتباً داهي الكتابة بين ... عليه، وتأديب العراق منير
له حركات قد يشاهدن أنه ... عليم بتسيط الخراج بصير
ونظر إلى إسحاق بن إبراهيم الرافقي، فقال:
ومظهر نسك ما عليه ضميره ... يحب الهدايا بالرجال مكور
إخال به جبناً وبخلاً وشيمة ... تخبر عنه أنه لوزير
ثم نظر إلي وقال:
وهذا نديم للأمير ومؤنس ... يكون له بالقرب منه سرور
وأحسبه للشعر والعلم راوياً ... فبعض نديم مرة وسمير
ثم نظر إلى الأمير، وقال:
وهذا الأمير المرتجى سيب كفه ... فما إن له في العالمين نظير
عليه رداء من جمال وهيبة ... ووجه بإدراك النجاح بشير
لقد عظم الإسلام منه يدي يد ... فقد عاش معروف ومات نكير
إلا إمنا عبد الإله ابن طاهر ... لنا والد بر بنأن وأمير
قال: فوقع ذلك من عبد الله أحسن موقع، وأعجبه، وأمر الشيخ بخمسمائة دينار، وأمره أن يصحبه.
ذكر فتح عبد الله الإسكندريةوفي هذه السنة أخرج عبد الله من كان تغلب على الإسكندرية من أهل الأندلس بأمان، وكانوا قد أقلوا في مراكب من الأندلس في جمع، والناس في فتنة بن السري وغيره، فأرسلوا بالإسكندرية، ورئيسهم يدعى أبا حفص، فلم يوالوا بها حتى قدم ابن طاهر، فأرسل يؤذنهم بالحرب إن هم لم يدخلوا في الطاعة، فأجابوه، وسألوه الأمان على أن يرتحلوا عنها إلى بعض أطراف الروم التي ليست من بلاد الإسلام، فأعطاهم الأمان على ذلك، فرحلوأن ونزلوا بجزيرة إقريطش، واستوطنوهأن وأقاموا بهأن فأعقبوا وتناسلوا.
قال يونس بن عبد الأعلى: أقبل إلينا فتى حدث من المشرق، يعني ابن طاهر، والدنيا عندنا مفتونة قد غلب على كل ناحية من بلادنا غالب، والناس في بلاء، فأصلح الدنيأن وأمن البرئ، وأخاف السقيم، واستوسقت له الرعية بالطاعة.
ذكر خلع أهل قم
في هذه السنة خلع أهل قم المأمون، ومنعوا الخراج؛ فكان سببه أن المأمون لما سار من خراسان إلى العراق أقام بالري عدة أيام واسقط عنهم شيئاً من خارجهم، فطمع أهل قم أن يصنع بهم كذلك، فكتبوا إليه يسألونه الحطيطة، وكان خراجهم ألفي ألف درهم، فلم يبهم المأمون إلى ما سألوأن فامتنعوا من أدائه، فوجه المأمون إليهم علي بن هشام، وعجيف بن عنبسة، فحارباهم فظفرا بهم، وقتل يحيى بن عمران، وهدم سور المدينة، وجباها على سبعة آلاف ألف ردهم، وكانوا يتظلمون من ألفي ألف.
ذكر ما كان بالأندلس من الحوادثوفي هذه السنة سير عبد الرحمن بن الحكم سرية كبيرة إلى بلاد الفرنج واستعمل عليها عبيد اله المعروف بابن البلنسي، فسار ودخل بلاد العدو، وتردد فيها بالغارات، والسبي، والقتل، والأسر، ولقي الجيوش الأعداء في ربيع الأول، فاقتتلوأن فانهزم المشركون، وكثر القتل فيهم، وكان فتحاً عظيماً.
وفيها افتتح عسكر، سيره عبد الرحمن أيضأن حصن القلعة من أرض العدو، وتردد فيها بالغارات منتصف شهر رمضان.
وفيها أمر عبد الرحمن ببناء المسجد الجامع بجيان.
وفيها أخذ عبد الرحمن رهائن أبي الشماخ محمد بن إبراهيم مقدم اليمانية بتدمير، ليسكن الفتنة بين المضرية واليمانية، فلم ينزجروأن ودامت الفتنة، فلما رأى عبد الرحمن ذلك أمر العامل بتدمير أن ينقل منها ويجعل مرسية منزلاً ينزله العمال، ففعل ذلك، وصارت مرسية هي قاعدة تلك البلاد من ذلك الوقت؛ ودامت الفتنة بينهم إلى سنة ثلاث عشرة ومائتين، فسير عبد الرحمن إليهم جيشأن فأذعن أبوالشماخ، وأطاع عبد الرحمن، وسار إليه، وصار من جملة قواده وأصحابه، وانقطعت الفتنة من ناحية تدمير.
ذكر عدة حوادثمات في هذه السنة شهريار بن شروين صاحب جبال طبرستان، وصار في موضعه ابنه سابور. فقاتله مازيار بن قارن، فأسره وقتله، وصارت الجبال في يد مازيار.
وحج بالناس في هذه السنة صالح بن العباس بن محمد، وهووالي مكة.
وفيها توفيت علية بنت المهدي، مولدها سنة ستين ومائة، وكان زوجها موسى بن عيسى بن موسى بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، فولدت منه.
حوادث سنة إحدى عشرة ومائتينفي هذه السنة أدخل عبيد الله بن السري بغداد، وأنزل مدينة المنصور، وأقام ابن طاهر بمصر والياً عليها وعلى الشام والجزيرة، وقال للمأمون بعض إخوته إن عبد الله بن طاهر يميل إلى ولد علي بن أبي طالب، وكذا كان أبوه قبله، فأنكر المأمون ذلك، فعاوده أخوه، فوضع المأمون رجلاً قال له: امش في هيئة القراء والنساك إلى مصر، فادع جماعة من كبرائها إلى القاسم بن إبراهيم بن طباطبأن ثم صار إلى عبد الله بن طاهر غادعه إليه، واذكر له مناقبه، ورغبه فيه وابحث عن باطنه وأتني بما تسمع.
ففعل الرجل ذلك فاستجاب له جماعة من أعيانه، فقعد بباب عبد الله بن طاهر، فلما ركب قام إليه فأعطاه رقعة، فلما عاد إلى منزله أحضره، قال: قد فهمت ما في رقعتك فهات ما عندك! فقال: ولي أمانك؟ قال: نعم! فدعاه إلى القاسم، وذكر فضله وزهده وعلمه.
فقال عبد الله: أتنصفني؟ قال: نعم! قال: هل يجب شكر الله على العباد؟ قال: نعم! قال: فتجيء إلي وأنا في هذه الحال لي خاتم في المشرق جائز، وخاتم في المغرب جائز، وفيما بينهما أمري مطاع، ثم ما ألتفت عن يميني ولا شمالي، وورائي وأمامي إلا رأيت نعمة لرجل أنعمها علي، ومنة ختم بها رقبتي، ويداً لائحة بيضاء ابتدأني بها تفضلاً وكرمأن تدعوني إلى أن أكفر بهذه النعم، وهذا الإحسان، وتقول: اغدر بمن كان أولى لهذا وأحرى، واسع في إزالة خيط عنقه، وسفك دمه، تراك لودعوتني إلى الجنة عياناً أكان الله يحب أن أغدر به، وأكفر إحسانه، وأنكث بيعته؟ فسكت الرجل، فقال له عبد الله: ما أخاف عليك إلا نفسك، فارحل عن هذا البلد، فإن السلطان الأعظم إن بلغه ذلك كنت الجاني على نفسك ونفس غيرك.
فلما أيس منه جاء إلى المأمون فأخبره، فاستبشر، وقال: ذلك غرس يدي، وألف أدبي، وترب تلقيحي، ولم يظهر ذلك، ولا علمه ابن طاهر إلا بعد موت المأمون، وكان هذا القائل للمأمون المعتصم، فإنه كان منحرفاً عن عبد الله.
ذكر قتل السيد بن أنس
وفيها قتل السيد بن أنس الأزدي أمير الموصل، وسبب قتله أن زريق ابن علي بن صدقة الإزدي الموصلي كان قد تغلب على الجبال ما بين الموصل وأذربيجان، وجرى بينه وبين السيد حروب كثيرة، فلما كان هذه السنة جمع زريق جمعاً كثيرأن قيل: كانوا أربعين ألفأن وسيرهم إلى الموصل لحرب السيد، فخرج إليهم في أربعة آلاف، فالتقوا بسوق الأحد، فحين رآهم السيد حمل عليهم وحده، وهذه كانت عادته أن يحمل وحده بنفسه، وحمل عليه رجل من أصحاب زريق، فاقتتلأن فقتل كل واحد منهما صاحبه لم يقتل غيرهما.
وكان هذا الرجل قد حلف بالطلاق إن رأى السيد أن يحمل عليه فيقتله أويقتل دونه، لأنه كان له على زريق كل سنة مائة ألف درهم، فقيل له: بأي سبب تأخذ هذا المال؟ فقال: لأنني متى رأيت السيد قتلته، وحلف على ذلك فوفى به.
فلما بلغ المأمون قتله غضب لذلك، وولى محمد بن حميد الطوسي حرب زريق وبابك الخرمي، واستعمله على الموصل.
ذكر الفتنة بين عامر ومنصور
وقتل منصور بإفريقيةوفي هذه السنة وقع الاختلاف بين عامر بن نافع وبين منصور بن نصر بإفريقية، وسبب ذلك أن منصوراً كان كثير الحسد... وسار بهم من تونس إلى منصور وهوبقصره بطنبذ، فحصره، حتى فني ما كان عنده من الماء، فراسله منصور، وطلب منه الأمان على أن يركب سفينة ويتوجه إلى المشرق، فأجابه إلى ذلك، فخرج منصور أول الليل مختفياً يريد الأربس، فلما أصبح عامر ولم ير لمنصور أثراً طلبه حتى أدركه، فاقتتلوا وانهزم منصور، ودخل الأربس فتحصن بهأن وحصره عامر، ونصب عليه منجنيقاً.
فلما اشتد الحصار على أهل الأربس قالوا لمنصور: إما أن تخرج عنأن وإلا سلمناك إلى عامر، فقد أضر بنا الحصار؛ فاستمهلهم حتى يصلح أمره، فأمهلوه، وأرسل إلى عبد السلام بن المفرج، وهومن قواد الجيش، يسأله الاجتماع به، فأتاه، فكلمه منصور من فوق السور، واعتذر، وطلب منه أن يأخذ له أماناً من عامر حتى يسير إلى المشرق، فأجابه عبد السلام إلى ذلك، واستعطف له عامرأن فأمنه على أن يسير إلى تونس، ويأخذ أهله وحاشيته ويسير بهم إلى الشرق.
فخرج إليه، فسيره مع خيل إلى تونس، وأرم رسوله سراً أن يسير به إلى مدينة جربة، ويسجنه بهأن ففعل ذلك، وسجن معه أخاه حمدون.
فلما علم عبد السلام ذلك عظم عليه، وكتب عامر إلى أخيه، وهوعامله على جربة، يأمره بقتل منصور وأخيه حمدون، ولا يراجع فيهمأن فحضر عندهمأن وأقرأهما الكتاب، فطلب منصور منه دواتة وقرطاساً ليكتب وصيته، فأمر له بذلك، فلم يقدر أن يكتب، وقال: فاز المقتول بخير الدنيا والآخرة، ثم قتلهمأن وبعث برأسيهما إلى أخيه، واستقامت الأمور لعامر بن نافع، ورجع عبد السلام بن المفرج إلى مدينة باجه، وبقي عامر بن نافع بمدينة تونس وتوفي سلخ ربيع الآخر سنة أربع عشرة ومائتين؛ فلما وصل خبره إلى زيادة اله قال: الآن وضعت الحرب أوزارهأن وأرسل بنوه إلى زيادة الله يطلبون الأمان، فأمنهم، وأحسن إليهم.
ذكر عدة حوادثوفيها قدم عبد الله بن طاهر مدينة السلام، فتلقاه العباس بن المأمون، والمعتصم، وسائر الناس.
وفيها مات موسى بن حفص فولي ابنه طبرستان، وولي حاجب ن صالح السند، فهزمه بشر بن داود، فانحاز إلى كرمان.
وفيها أمر المأمون مناديأن فنادى: برئت الذمة ممن ذكر معاوية بخير، أوفضله على أحد من أصحاب رسول الله، صلى الله عليه ولم.
وفيها مات أبوالعتاهية الشاعر، وحج بالناس صالح بن العباس وهووالي مكة.
وفيها خرج بأعمال تاكرنا من الأندلس طوريل، فقصد جماعة من الجند قد نزلوا ببعض قرى تاكرنا ممتازين، فقتلهم، واخذ دوابهم وسلاحهم وما معهم، فسار إليه عاملهأن وفيها مات الأخفش النحوي البصري.
وفيها مات طلق بن غنام النخعي، وأحمد بن إسحاق الحضرمي، وعبد الرحيم بن عبد الرحمن بن محمد المحاربي.
وفيها توفي عبد الرزاق بن همام الصنعاني المحدث، وهومن مشايخ أحمد بن حنبل، وكان يتشيع.
وفيها توفي عبد الله بن داود الخربي البصري، وكان يسكن الخريبة بالبصرة، فنسب إليها.
حوادث سنة اثنتي عشرة ومائتين
ذكر استيلاء محمد بن حميد على الموصل
في هذه السنة وجه المأمون محمد بن حميد الطوسي إلى بابك الخرمي لمحاربته، وأمره أن يجعل طريقه على الموصل ليصلح أمرهأن ويحارب زريق ابن علي، فسار محمد إلى الموصل، ومعه جيشه، وجمع ما فيها من الرجال من اليمن وربيعة، وسار لحرب زريق، ومعه محمد بن السيد بن أنس الأزدي، فبلغ الخبر إلى زريق، فسار نحوهم، فالتقوا في الزاب، فراسله محمد بن حميد يدعوه إلى الطاعة، فامتنع، فناجزه محمد، واقتتلوا واشتد قتال الأزدي مع محمد بن السيد طلباً بثأر السيد، فانهزم زريق وأصحابه، ثم أرسل يطلب الأمان، فأمنه محمد، فنزل إليه، فسيره إلى المأمون.
وكتب المأمون إلى محمد يأمره بأخذ جميع مال زريق من قرى ورستاق، ومال، وغيره، فأخذ ذلك لنفسه، فجمع محمد أولاد زريق وأخوته، وأخبرهم بما أمر به المأمون فأطاعوا لذلك فقال لهم: إن أمير المؤمنين قد أمرني به، وقد قبلت ما حباني منه، ورددته عليكم، فشكروه على ذلك.
ثم سار إلى أذربيجان، واستخلف على الموصل محمد بن السيد، وقصد المخالفين المتغلبين على أذربيجان فأخذهم، منهم يعلي بن مرة ونظراؤه، وسيرهم إلى المأمون وسار نحوبابك الخرمي لمحاربته.
ذكر عدة حوادثفي هذه السنة خلع أحمد بن محمد العمري، المعروف بالأحمر العين، المأمون باليمن، فاستعمل المأمون على اليمن محمد بن عبد الحميد المعروف بأبي الرازي وسيره إليها.
وفيها أظهر المأمون القول بخلق القرآن، وتفضيل علي بن أبي طالب على جميع الصحابة، وقال هوأفضل الناس، بعد رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وذلك في ربيع الأول.
وحج بالناس عبد الله بن عبيد الله بن العباس بن محمد.
وفيها كانت باليمن زلزلة شديدة، فكان أشدها بعدن، فتهدمت المنازل، وخربت القرى، وهلك فيها خلق كثير.
وفيها سير عبد الرحمن صاحب الأندلس جيشاً إلى بلد المشركين، فوصلوا إلى برشلونة، ثم ساروا إلى جرندة، وقاتل أهلها في ربيع الأول، فأقام الجيش شهرين ينهبون ويخربون.
وفيها كانت سيول عظيمة، وأمطار متتابعة بالأندلس، فخربت أكثر الأسوار بمدائن ثغر الأندلس، وخربت قنطرة سرقسطة، ثم جددت عمارتها وأحكمت.
برشلونة بالباء الموحدة والراء والشين المعجمة واللام والواووالنون والهاء.
وفيها توفي محمد بن يوسف بن واقد بن عبد اله الضبي، المعروف بالفريابي، وهومن مشايخ البخاري.
حوادث سنة ثلاث عشرة ومائتينوفيها ولى المأمون ابنه العباس الجزيرة، والثغور والعواصم؛ وولى أخاه أبا إسحاق المعتصم الشام ومصر، وأمر لكل واحد منهما ولعبد الله بن طاهر بخمسمائة ألف درهم، فقيل: لم يفرق في يوم من المال مثل ذلك.
وفي هذه السنة خلع عبد السلام وابن جليس المأمون بمصر في القيسية واليمانية، وظهرا بها، ثم وثبا بعامل المعتصم، وهوابن عميرة بن الوليد الباذغيسي، فقتلاه في ربيع الأول سنة أربع عشرة ومائتين، فسار المعتصم إلى مصر،وقاتلهمأن فقتلهما وافتتح مصر، فاستقامت أمورهأن واستعمل عليها عماله.
وفيها مات طلحة بن طاهر بخراسان.
وفيها استعمل المأمون غسان بن عباد على السند، وسبب ذلك أن بشر بن داود خالف المأمون، وجبى الخراج فلم يحمل منه شيئاً، فعزم على تولية غسان، فقال لأصحابه: أخبروني عن غسان، فإني أريده لأمر عظيم، فأطنبوا في مدحه، فنظر المأمون إلى أحمد بن يوسف، وهوساكت، فقال: ما تقول يا أحمد؟ فقال: يا أمير المؤمنين! ذلك رجل محاسنه أكثر من مساوئه لا يصرف به إلى طبقة إلا انتصف منهم، فمهما تخوفت عليه فإنه لن يأتي أمراً يعتذر منه، فأطني فيه، فقال: لقد مدحته على سوء رأيك فيه؛ قال: لأني كما قال الشاعر:
كفى شكراً لما أسديت أني ... صدقتك في الصديق وفي عداتي
قال: فأعجب المأمون من كلامه وأدبه.
وحج بالناس هذه السنة عبد الله بن عبيد الله بن العباس بن محمد بن علي.
وفيها قتل أهل ماردة من الأندلس عاملهم، فثارت الفتنة عندهم، فسير إليهم عبد الرحمن جيشأن فحصرهم، وفسد زرعهم وأشجارهم، فعاودوا الطاعة، وأخذت رهائنهم، وعاد الجيش بعد أن خربوا سور المدينة.
ثم أرسل عبد الرحمن إليهم بنقل حجارة السور إلى النهر لئلا يطمع أهلها في عمارته، فلما رأوا ذلك عادوا إلى العصيان، وأسروا العامل عليهم، وجددوا بناء السور وأتقنوه.
فلما دخلت سنة أربع عشرة سار عبد الرحمن، صاحب الأندلس، في جيوشه إلى ماردة، ومعه رهائن أهلهأن فلما بارزها راسله أهلهأن وافتكوا رهائنهم باعامل الذي أسروه وغيره، وحصرهم، وأفسد بلدهم ورحل عنهم.
ثم سير إليهم جيشاً سنة سبع عشرة ومائتين، فحصروهأن وضيقوا عليهأن ودام الحصار، ثم رحلوا عنهم.
فلما دخلت سنة ثماني عشرة سير إليها جيشأن ففتحهأن وفارقها أهل الشر والفساد، وكان من أهلها إنسان اسمه محمود بن عبد الجبار الماردي، فحصره عبد الرحمن بن الحكم في جمع كثير من الجند، وصدقوه القتال، فهزموه وقتلوا كثيراً من رجاله، وتبعتهم الخيل في الجبل، فأفنوهم قتلاً وأسراً وتشريداً.
ومضى محمود بن عبد الجبار الماردي فيمن سلم معه من أصحابه إلى منت سالوط، فسير إليه عبد الرحمن جيشاً سنة عشرين ومائتين، فمضوا هاربين عنه إلى حلقب في ربيع الآخر منهأن فأرسل سرية في طلبهم، فقاتلهم محمود، فهزمهم، وغمن ما معهم، ومضوا لوجهتهم، فلقيهم جمع من أصحاب عبد ارحمن مصادفة، فقاتلوهم ثم كف بعضهم عن بعض، وساروأن فلقيهم سرية أخرى، فقاتلوهم، فانهزمت السرية، وغمن محمود ما فيها.
وسار حتى أتى مدينة مينة، فهجم عليها وملكهأن وأخذ ما فيها من دواب، وطعام، وفارقوهأن فوصلوا إلى بلاد المشركين، فاستولوا على قلعة لهم، فأقاموا بها خمسة أعوام ثلاثة أشهر، فحصرهم أذفونس ملك الفرنج، فملك الحصن، وقتل محموداً ومن معه، وذلك سنة خمس وعشرين ومائتين في رجب، وانصرف من فيها.
وفيها توفي إبراهيم الموصلي المغني، وهوإبراهيم بن ماهان، والد إسحاق بن إبراهيم وكان كوفيأن وسار إلى الموصل، فلما عاد قيل له الموصلي، فلزمه؛ وعلي بن جبلة بن مسلم أبوالحسن الشاعر، وكان مولده سنة ستين ومائة، وكان قد أضر، ومحمد بن عرعرة بن البوند؛ وأبوعبد الرحمن المقرئ المحدث؛ وعبد الله بن موسى العبسي الفقيه، وكان شيعيأن وهومن مشايخ البخاري في صحيحه.
البوند بكسر الباء الموحدة والواووتسكين النون وآخره دال مهملة
حوادث سنة أربع عشرة ومائتين
ذكر قتل محمد الطوسيفيها قتل محمد بن حميد الطوسي، قتله بابك الخرمي، وسبب ذلك أنه لما فرغ من أمر المتغلبين على طريقه إلى بابك سار نحوه وقد جمع العساكر، والآلات، والميرة، فاجتمع معه عالم كثير من المتطوعة من سائر الأمصار، فسلك المضايق إلى بابك، وكان كلما جاوز مضيقاً أوعقبة ترك عليه من يحفظه من أصحابه إلى أن نزل بهشتادسر، وحفر خندقأن وشاور في دخول بلد بابك، فأشاروا عليه بدخوله من وجه ذكروه له، فقبل رأيهم، وعبى أصحابه، وجعل على القلب محمد بن يوسف بن عبد الرحمن الطائي، المعروف بأبي سعيد، وعلى الميمنة السعدي بن أسرم وعلى الميسرة العباس بن عبد الجبار اليقطيني، ووقف محمد ن حميد خلفهم في جماعة ينظر إليهم، ويأمرهم بسد خل إن رآه، فكان بابك يشرف عليهم من الجبل، وقد كمن لهم الرجال تحت كل صخرة.
فلما تقدم أصحاب محمد، وصعدوا في الجبل مقدار ثلاثة فراسخ، خرج عليهم الكمناء وانحدر بابك إليهم فيمن معه، وانهزم الناس، فأمرهم أبوسعيد ومحمد بن حميد بالصبر، فلم يفعلوأن ومروا على وجوههم، والقتل يأخذهم، وصبر محمد بن حميد مكانه، وفر من كان معه غير رجل واحد، وسارا يطلبان الخلاص، فرأى جماعة وقتالأن فقصدهم، فرأى الخرمية يقاتلون طائفة من أصحابه، فحين رآه الخرمية قصدوه لما رأوا من حسن هيئته، فقاتلهم، وقاتلوه، وضربوا فرسه بزراق، فسقط إلى الأرض، وأكبوا على محمد بن حميد فقتلوه.
وكان محمد ممدحاً جوادأن فرثاه الشعراء وأكثروأن منهم الطائي، فلما وصل خبر قتله إلى المأمون عظم ذلك عنده، واستعمل عبد الله بن طاهر على قتال بابك فسار نحوه.
ذكر حال أبي دلف مع المأمونكان أبودلف من أصحاب محمد الأمين، وسار علي مع بن عيسى ابن ماهان إلى حرب طاهر بن الحسين، فلما قتل علي عاد أبودلف إلى همذان، فراسله طاهر بستميله، ويدعوه إلى بيعة المأمون، فلم يفعل، وقال: إن في عنقي بيعة لا أجد إلى فسخها سبيلأن ولكني سأقيم مكاني لا أكون مع أحد الفريقين إن كففت عني، فأجابه إلى ذلك، فأقام بكرج.
فلما خرج المأمون إلى الري راسل أبا دلف يدعوه إليه، فسار نحوه مجداً. وهوخائف، شديد الوجل، فقال له أهله وقومه وأصحابه: أنت سيد العرب، وكلها تطيعك، فإن كنت خائفاً فأقم، ونحن مننعك، فلم يفعل، وسار وهويقول:
أجود بنفسي دون قومي دافعاً ... لما نابهم قدماً وأغشى الدواهيا
وأقتحم الأمر المخوف اقتحامه ... لأدرك مجداً أوأعاود ثاويا
وهي أبيات حسنة؛ فلما وصل إلى المأمون أكرمه، وأحسن إليه وأمنه، وأعلى منزلته.
ذكر استعمال عبد الله بن طاهر على خراسانفي هذه السنة استعمل المأمون عبد الله بن طاهر على خراسان فسار إليها.
وكان سبب مسيره إليها أن أخاه طلحة لما مات ولي خراسان علي بن طاهر، خليفة لأخيه عبد الله، وكان عبد الله بالدينور يجهز العساكر إلى بابك، وأوقع الخوارج بخراسان بأهل قرية الحمراء من نيسابور، فأكثروا فيهم القتل، واتصل ذلك المأمون، فأمر عبد الله بن طاهر بالمسير إلى خراسان، فسار إليهأن فلما قدم نيسابور كان أهلها قد قحطوأن فمطروا قبل وصوله إليها بيوم واحد، فلما دخلها قام إليه رجل بزبز فقال:
قد قحط الناس في زمانهم ... حتى إذا جئت جئت بالدرر
غيثان في ساعة لنا قدما ... فمرحباً بالأمير والمطر
فأحضره عبد اله وقال له: أشاعر أنت؟ قال: لا! ولكني سمعتها بالرقة فحفظتهأن فأحسن إليه، وجعل إليه أن لا يشتري له شيء من الثياب إلا بأمره.
ذكر عدة حوادثفي هذه السنة خرج بلال الغساني الشاري، فوجه إليه المأمون ابنه العباس في جماعة من القواد، فقتل بلال.
وفيها قتل أبوالرازي باليمن.
وفيها تحرك جعفر بن داود القمي، فظفر به عزيز مولى عبد الله بن طاهر، وكان هرب من مصر فرد إليها.
وفيها ولى علي بن هشام الجبل، وقم، وأصبهان، وأذربيجان.
وفيها توفي إدريس بن إدريس بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي ابن أبي طالب، عليه السلام، بالمغرب، وقام بعده ابنه محمد بأمر مدينة فاس، فولى أخاه القاسم البصرة وطنجة وما يليهما. واستعمل باقي إخوته على مدن البربرة.
وفيها سار عبد الرحمن الأموي صاحب الأندلس إلى مدينة باجة، وكانت عاصية عليه من حين فتنة منصور إلى الآن، فملكها عنوة.
وفيها خالف هاشم الضراب بمدينة طليطلة، من الأندلس، على صاحبها عبد الرحمن، وكان هاشم من خرج من طليطلة لما أوقع الحكم بأهلهأن فسار إلى قرطبة، فلما كان الآن سار إلى طليطلة، فاجتمع إليه أهل الشر وغيرهم فسار بهم إلى وادي نحوييه وأغار على البربر وغيرهم، فطار اسمه، واشتدت شوكته، واجتمع له جمع عظيم، وأوقع بأهل شنت برية.
وكان بينه وبين البربر وقعات كثيرة، فسير إليه عبد الرحمن هذه السنة جيشأن فقاتلوه، فلم تستظهر إحدى الطائفتين على الأخرى، وبقي هشام كذلك، وغلب على عدة مواضع، وجاوز بركة العجوز، وأخذت غارة خيله، فسير إليه عبد ارحمن جيشاً كثيفاً سنة ست عشرة ومائتين، فلقيهم هاشم بالقرب من حصن سمسطا بمجاورة رورية، فاشتدت الحرب بينهم، ودامت عدة أيام، ثم انهزم هاشم، وقتل هووكثير ممن معه من أهل الطمع والشر وطالبي الفتن، وكفى الله الناس شرهم.
وحج بالناس إسحاق بن العباس بن محمد.
وفيها توفي أبوهاشم النبيل واسمه الضحاك بن محمد الشيباني، وهوإمام في الحديث.
وفيها توفي أبوأحمد حسين بن محمد البغدادي.
حوادث سنة خمس عشرة ومائتين
ذكر غزوة المأمون إلى الرومفي هذه السنة سار المأمون إلى الوم في المحرم، فلما سار استخلف على بغداد إسحاق بن إبراهيم بن مصعب، وولاه مع ذلك السواد، وحلوان، وكور دجلة، فلما صار المأمون بتكريت قدم عليه محمد بن علي بن موسى ابن جعفر بن محمد بن علي بن الحسن بن علي بن أبي طالب، عليه السلام، فلقيه بهأن فأجاره، وأمره بالدخول بابنته أم الفضل، وكان زوجها منه، فأدخلت عليه، فلما كان أيام الحج سار بأهله إلى المدينة فأقام بها.
وسار المأمون على طريق الموصل، حتى صار إلى منبج، ثم إلى دابق، ثم إلى أنطاكية، ثم إلى المصيصة وطرسوس، ودخل منها إلى بلاد الروم في جمادى الأولى، ودخل ابنه العباس من ملطية، فأقام المأمون على حصن قرة حتى افتتحه عنوة، وهدمه لأربع بقين من جمادى الأولى، وقيل إن أهله طلبوا الأمان فأمنهم المأمون، وفتح قبله حصن ماجدة بالأمان، ووجه أشناس إلى حصن سندس، فأتاه برئيسه، ووجه عجيفأن وجعفراً الخياط إلى صاحب حصن سناذ، فسمع وأطاع.
وفيها عاد المعتصم من مصر، فلقي المأمون قبل دخوله الموصل، ولقيه منويل، وعباس بن المأمون برأس عين.
وفيها توجه المأمون بعد خروجه من بلاد الروم إلى دمشق؛ وحج بالناس عبد الله بن عبيد الله بن العباس بن محمد.
وفيها توفي قبيصة بن عقبة السوائي، وأبويعقوب إسحاق بن الطباخ الفقيه، وعلي بن الحسن بن شقيق صاحب ابن المبارك، وثابت بن محمد الكندي العابد المحدث، وهوذة بن خليفة بن عبد اله بن عبيد الله بن أبي بكرة أبوالأشهب، وأبوجعفر محمد بن الحارث الموصلي، وأبوسليمان الداراني الزاهد توفي بداريأن ومكي بن إبراهيم التيمي البلخي ببلخ، وهومن مشايخ البخاري في صحيحه، وقد قارب مائة سنة، وأبوزيد سعيد بن أوس بن ثابت الأنصاري اللغوي النحوي، وكان عمره ثلاثاً وتسعين سنة.
وفيها توفي عبد الملك بن قريب بن عبد الملك أبوسعيد الأصمعي اللغوي البصري، وقيل سنة ست عشرة، ومحمد بن عبد اله بن المثنى بن عبد الله بن أنس بن مالك الأنصاري قاضي البصرة
حوادث سنة ست عشرة ومائتين
ذكر فتح هرقلةفي هذه السنة عاد المأمون إلى بلاد الروم؛ وسبب ذلك أنه بلغه أن ملك الروم قتل ألفاً وستمائة من أهل طرسوس والمصيصة، فسار حتى دخل أرض الروم في جمادى الأولى، فأقام إلى منتصف شعبان.
وقيل كان سبب دخوله إليها أن ملك الروم كتب إليه وبدا بنفسه، فسار إليه، ولم يقرأ كتابه، فلما دخل أرض الروم أناخ على أنطيغوأن فخرجوا على صلح؛ ثم سار إلى هرقلة، فخرج أهلها على صلح، ووجه أخاه إبا إسحاق المعتصم، فافتتح ثلاثين حصنأن ومطمورة، ووجه يحيى بن أكثم من طوانة، فأغار، وقتل، وأحرق ، فأصاب سبيأن ورجع؛ ثم سار المأمون إلى كيسوم، فأقام بها يومين، ثم ارتحل إلى دمشق.
ذكر عدة حوادثوفيها ظهر عبدوس الفهري بمصر، فوثب على عمال المعتصم، فقتل بعضهم في شعبان، فسار المأمون من دمشق إلى مصر منتصف ذي الحجة.
وفيها قدم الأفشين من برقة، فأقام بمصر.
وفيها كتب المأمون إلى أسحاق بن إبراهيم يأمره بأخذ الجند بالتكبير إذا صلوأن فبدأ بذلك منتصف رمضان، فقاموا قيامأن وكبروا ثلاثأن ثم فعلوا ذلك في كل صلاة مكتوبة.
وفيها غضب المأمون على علي بن هاشم ووجه عجيفاً وأحمد بن هاشم، وأمر بقبض أمواله وسلاحه.
وفيها ماتت أم جعفر زبيدة أم الأمين ببغداد.
وفيها تقدم غسان بن عباد من السند، ومعه بشر بن داود، مستأمنأن وأصلح السند واستعمل عليها عمران بن موسى العتكي.
وفيها هرب جعفر بن داود القمي إلى قم وخلع الطاعة بهأن وحج بالناس، في قول بعضهم، سليمان بن عبد الله بن سليمان بن علي بن عبد الله ابن عباس؛ وقيل حج بهم عبد الله بن العباس بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، رضي الله عنهم، وكان المأمون ولاه اليمن، وجعل إليه ولاية كل بلد يدخله، فسار من دمشق، فقدم بغداد فصلى بالناس يوم الفطر، وسار عنهأن فحج بالناس.
وفيها توفي أبومسهر عبد الأعلى بن مسهر الغساني بغداد، ومحمد ابن عباد بن عباد بن حبيب بن المهلب المهلبي، أمير البصرة هأن ويحيى ابن يعلي المحاربي، وإسماعيل بن جعفر بن سليمان بن علي.
حوادث سنة سبع عشرة ومائتينفي هذه السنة ظفر الأفشين بالفرما من أرض مصر، ونزل أهلها بأمان على حكم المأمون، ووصل المأمون إلى مصر في المحرم من هذه السنة، فأتي بعبدوس الفهري، فضرب عنقه، وعاد إلى الشام.
وفيها قتل المأمون علي بن هشام، وكان سبب ذلك أن المأمون كان استعمله على أذربيجان وغيرهأن كما تقدم ذكره، فبلغه ظلمه، وأخذه الأموال، وقتله الرجال، فوجه إليه عجيف بن عنبسة، فثار به علي بن هشام، وأراد قتله وإلحاق ببابك، وظفر به عجيف، وقدم به على المأمون، فقتله، وقتل أخاه حبيباً في جمادى الأولى، وطيف برأس علي في العراق، وخراسان، والشام، ومصر، ثم ألقي في البحر.
وفيها عاد المأمون إلى بلاد الروم، فأناخ على لؤلؤة مائة يوم، ثم رحل عنهأن وترك عليها عجيفأن فخدعه أهلهأن وأسروه، فبقي عندهم ثمانية أيام، وأخرجوه، وجاء توفيل ملك الروم فأحاط بعجيف فيه، فبعث إليه الجنود، فارتحل توفيل قبل موافاتهم، وخرج أهل لؤلؤة إلى عجيف بأمان، وأرسل ملك الروم يطلب المهادنة فلم يتم ذلك.
وفيها سار المأمون إلى سلغوس.
وفيها بعث علي بن عيسى القمي إلى جعفر بن داود القمي، فقتل، وحج بالناس سليمان بن عبد الله بن سليمان بن علي.
وفيها توفي الحجاج بن المنهال بالبصرة، وسريج بن النعمان. سريج بالسين المهملة والجيم. وسعدان بن بشر الموصلي يروي عن الثوري.
وفيها توفي الخليل بن أبي رافع الموصلي، وكان عالماً عابدأن وأبوه جعفر بن محمد بن أبي يزيد الموصلي، وكان فاضلاً.
حوادث سنة ثماني عشرة ومائتين
ذكر المحنة بالقرآن المجيدوفي هذه السنة كتب المأمون إلى إسحاق بن إبراهيم في امتحان القضاة والشهود والمحدثين بالقرآن، فمن أقر أنه مخلوق محدث خلي سبيله، ومن أبى أعلمه به ليأمره فيه برأيه؛ وطول كتابه بإقامة الدليل على خلق القرآن وترك الاستعانة بمن امتنع عن القول بذلك، وكان الكتاب في ربيع الأول، وأمره بإنفاذ سبعة نفر منهم: محمد بن سعد كاتب الواقدي، وأبومسلم مستملي يزيد بن هارون، ويحيى بن معين، وأبوخيثمة زهير بن حرب، وإسماعيل بن داود، وإسماعيل بن أبي مسعود، وأحمد بن الدورقي، فأشخصوا إليه، فسألهم، وامتنحهم عن القرآن، فأجابوا جميعاً: إن القرآن مخلوق، فأعادهم إلى بغداد، فأحضرهم إسحاق بن إبراهيم داره، وشهر قولهم بحضرة المشايخ من أهل الحديث، فأقروا بذلك، فخلى سبيلهم.
وورد كتاب المأمون بعد ذلك إلى إسحاق بن إبراهيم بامتحان القضاة والفقهاء، فأحضر إسحاق بن إبراهيم أبا حسان الزيادي، وبشر بن الوليد الكندي، وعلي بن أبي مقاتل، والفضل بن غامن، والذيال بن الهيثم، وسجادة، والقواريري، وأحمد بن حنبل، وقتيبة، وسعدويه الواسطي، وعلي ابن جعد، وإسحاق بن أبي إسرائيل، وابن الهرش، وابن علية الأكبر، ويحيى بن عبد الرحمن العمري، وشيخاً آخر من ولد عمر بن الخطاب كان قاضي الرقة، وأبا نصر التمار، وأبا معمر القطيعي، وحمد بن حاتم ابن ميمون، ومحمد بن نوح المضروب، وابن الفرخان، وجماعة منهم: النضر بن شميل، وابن علي بن عاصم، وأبوالعوام البزار، وابن شجاع، وعبد الرحمن بن إسحاق، فأدخلوا جميعاً على إسحاق، فقرأ عليهم كتاب المأمون مرتين، حتى فهموه، ثم قال لبشر بن الوليد: مات تقول في القرآن؟ فقال: قد عرفت مقاتلي أمير المؤمنين غير مرة، قال: فقد تجدد من كتاب المؤمنين ما ترى؛ فقال: أقول القرآن كلام الله. قال: لم أسألك عن هذأن أمخلوق هو؟ قال: الله خالق كل شيء، قال: فالقرآن شيء؟ قال: نعم؛ قال: فمخلوق هو؟ قال: ليس بخالق. قال: ليس أسألك عن هذأن أمخلوق هو؟ قال: ما أحسن غير ما قلت لك، وقد استعهدت أمير المؤمنين ألا أتكلم فيه، وليس عندي غير ما قلت لك.
فأخذ إسحاق رقعة، فقرأها عليه، ووقفه عليهأن فقال: أشهد أن لا إله إلا الله أحداً فرداً لم يكن قبله شيء ولا بعده شيء ولا يشهه شيء من خلقه في معنى من المعاني، ووجه من الوجوه. قال: نعم؛ وقال للكاتب: أكتب ما قال.
ثم قال لعلي بن أبي مقاتل: ما تقول؟ قال: سمعت كلامي لأمير المؤمنين في هذا غير مرة، وما عندي غيره، فامتحنه بالرقعة، فأقر بما فيهأن ثم قال له: القرآن مخلوق؟ قال: القرآن كلام الله. قال: لم أسألك عن هذا قال: القرآن كلام الله، فإن أمرنا أمير المؤمنين بشيء سمعنا وأطعنا. فقال للكاتب: أكتب مقالته.
ثم قال للديال نحواً من مقالته لعلي بن أبي مقاتل، فقال مثل ذلك.
ثم قال لأبي حسان الزيادي: ما عندك؟ قال: سل عما شئت؛ فقرأ عليه الرقعة، فأقر بما فيهأن ثم قال: ومن لم يقل هذا الول فهوكافر، فقال: القرآن مخلوق هو؟ قال: القرآن كلام الله، والله خالق كل شيء، وأمير المؤمنين أمامنأن وبه سمعنا عامة العلم، وقد سمع ما لم نسمع، وعلم ما لم نعلم، وقد قلده الله أمرنأن فصار يقيم حجنأن وصلاتنأن ونؤدي إليه زكاة أموالنأن ونجاهد معه، ونرى إمامته فإن أمرنا ائتمرنا وإن نهانا انتهينا.
قال: فالقرآن مخلوق؟ فأعاد مقالته. قال إسحاق: فإن هذه مقالة أمير المؤمنين. قال: قد تكون مقالته ولا يأمر بها للناس، وإن خبرتني أن أمير المؤمنين أمرك أن أقول قلت ما أمرتني به. فإنك الثقة فيما أبلغتني عنه. قال: ما أمرني أن أبلغك شيئاً. قال أبوحسان: وما عندي إلا السمع والطاعة، فامرني أأتمر، قال: ما أمرني أن آمركم وإمنا أمرني أن أمتحنكم.
ثم قال لأحمد بن حنبل: ما تقول في القرآن؟ قال: كلام الله. قال: أمخلوق هو؟ قال: كلام الله ما أزيد عليهأن فامتحنه بما في الرقعة، لما أتى إلى ليس كمثله شيء قرأ: (وهوالسميع البصير) الشورى: 11، وأمسك عن: ولا يشبهه شيء من خلقه في معنى من المعاني ولا وجه من الوجوه، فاعترض عليه ابن البكاء الأصغر فقال: أصلحك الله! إنه يقول: سميع من أذن وبصير من عين، فقال إسحاق لأحمد: ما معنى قولك: سميع بصير؟ قال: هوكما وصف نفسه. قال: فما معناه؟ قال: لا أدري أهوكما وصف نفسه.
ثم دعا بهم رجلاً رجلاً كلهم يقول القرآن كلام الله إلا قتيبة وعبيد الله بن محمد بن الحسن وابن علية الأكبر وابن البكاء وعبد المنعم بن إدريس ابن بنت، ووهب بن منبه، والمظفر بن مرجي، ورجلاً من ولد عمر بن الخطاب قاضي الرقة، وابن الأحمر، فأما ابن البكاء الأكبر فإنه قال: القرآن مجعول لقول الله، عز وجل: (إنا جعلناه قرآناً عربياً) الزخرف: 3 والقرآن محدث لقوله تعالى: (ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث) الأنبياء: 2.
قال إسحاق: فالمجعول مخلوق، قال: نعم. قال: والقرآن مخلوق؟ قال: لا أقول مخلوق، ولكنه مجعول، فكتب مقالته، ومقالات القوم رجلاً رجلأن ووجهت إلى المأمون، فأجاب المأمون يذمهم، ويذكر كلاً منهم، ويعيبه ويقع فيه بشيء، وأمره أن يحضر بشر بن الوليد وإبراهيم بن المهدي ويمتحنهمأن فإن أجابأن وإلا فاضرب أعناقهمأن وأما من سواهمأن فإن أجاب إلى القول بخلق القرآن، وإلا حملهم موثقين بالحديد إلى عسكره مع نفر يحفظونهم.
فأحضرهم إسحاق، وأعلمهم بما أمر به المأمون، فأجاب القوم أجمعون إلا أربعة نفر، وهم أحمد بن حنبل، وسجادة، والقواريري، ومحمد ابن نوح المضروب، فأمر بهم إسحاق فشدوا في الحديد، فلما كان الغد دعاهم في الحديد، فأعاد عليهم المحنة، فأجابه سجادة والقواريري فأطلقهما وأصر أحمد بن حنبل، ومحمد بن نوح على قولهمأن فشدا في الحديد، ووجها إلى طرسوس، وكتب إلى المأمون بتأويل القوم فيما أجابوا إليه، فأجابه المأمون: إنني بلغني عن بشر بن الوليد بتأويل الآية التي أنزلها الله تعالى في عمار بن ياسر: (إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان) النحل: 106، وقد أخطأ التأويل إنما عنى الله سبحانه وتعالى هذه الآية من كان معتقداً للإيمان، مطهراً للشرك، فأما من كان معتقداً للشرك، مظهراً للإيمان، فليس هذا له.
فأشخصهم جميعاً إلى طرسوس ليقيموا بها إلى أن يخرج أمير المؤمنين من بلاد الروم، فأحضرهم إسحاق، وسيرهم جميعاً إلى العسكر، وهم: أبوحسان الزيادي، وبشر بن الوليد، والفضل بن غامن، وعلي بن مقاتل، والذيال بن الهيثم، ويحيى بن عبد الرحمن العمري، وعلي بن الجعد، وأبوالعوام، وسجادة، والقواريري، وابن الحسن بن علي بن عاصم، وإسحاق بن أبي إسرائيل، والنصر بن شميل، وأبونصر التمار، وسعدويه الواسطي، ومحمد بن حاتم بن ميمون، وأبومعمر بن الهرش، وابن الفرخان، وأحمد بن شجاع، وأبوهارون بن البكاء، فلما صاروا إلى الرقة بلغهم موت المأمون فرجعوا إلى بغداد.
ذكر مرض المأمون ووصيتهوفي هذه السنة مرض المأمون مرضه الذي مات فيه لثلاث عشرة خلت من جمادى الآخرة.
وكان سبب مرضه ا ذكره سعد بن العلاف القارئ قال: دعاني المأمون يومأن فوجدته جالساً على جانب البذندون، والمعتصم عن يمنينه، وهما قد دليا أرجلهما في الماء، فأمرني أن أضع رجلي في الماء، وقال: ذقه! فهل رأيت أعذب منه، أوأصفى صفاء، أوأشد برداً؟ ففعلت، وقلت: يا أمير المؤمنين! ما رأيت مثله قط، فقال: أي شيء يطيب أن يؤكل ويشرب عليه هذا الماء؟ فقلت: أمير المؤمنين أعلم؛ فقال: الرطب الأزاذ.
فبيمنا هويقول هذا إذ سمع وقع لجم البريد، فالتفت، فإذا بغال البريد عليها الحقائب فيها الألطاف، فقال لخادم له: انظر إن كان في هذه الألطاف رطب أزاذ فأت به! فمضى، ومعه سلتان فيهما آزاذ كأمنا جني تلك الساعة، فاظهر شكراً لله تعالى، وتعجبنا جميعأن وأكلنأن وشربنا من ذلك الماء، فما قام أحد منا إلا وهومحموم، وكانت منية المأمون من تلك العلة، ولم يزل المعتصم مريضاً حتى دخل العراق، وبقيت أنا مريضاً مدة.
فلما مرض المأمون أمر أن يكتب إلى البلاد الكتب من عبد الله المأمون أمير المؤمنين، وأخيه الخليفة من بعده أبي إسحاق بن هارون الرشيد؛ وأوصى إلى المعتصم بحضرة ابنه العباس، وبحضرة الفقهاء، والقضاة، والقواد، وكانت وصيته، بعد الشهادة، والإقرار بالوحدانية، والبعث، والجنة، والصلاة على النبي، صلى الله عليه وسلم، والأنبياء: إني مقر مذنب، أرجو، وأخاف إلا أني إذا ذكرت عفوالله رجوت، وإذا مت فوهوني، وغمضوني، وأسبغوا وضوئي وطهوري، وأجيدوا كفني، ثم أكثروا حمد الله على الإسلام، ومعرفة حقه عليكم في محمد، صلى الله عليه وسلم، إذ جعلنا من أمته المرحومة، ثم أضجعوني على سريري، ثم عجلوا بي، وليصل علي أقربكم نسباً وأكبركم سنأن وليكبر خمسأن ثم احملوني، وابلغوا بي حفرتي، ولينزل بي أقربكم قرابة، وأودكم محبة.
وأكثروا من حمد الله وذكره، ثم ضعوني على شقي الأيمن، واستقبلوا بي القبلة، ثم حلوا كفني عن رأسي ورجلي، ثم سدوا الحد باللبن، وأحثوا تراباً عليّ واخرجوا عني، وخلوني وعملي، وكلكم لا يغني عني شيئأن ولا يدفع عني مكروهأن ثم قفوا بأجمعكم، فقولوا خيراً إن علمتم، وأمسكوا عن ذكر شر إن كنتم عرفتم، فإني مأخوذ من بينكم بما تقولون، ولا تدعوا باكية عندي فإن المعول عليه يعذب، رحم الله عبداً اتعظ، وفكر فيما حتم الله على خلقه من الفناء، وقضى عليهم من الموت الذي لا بد منه، فالحمد لله الذي توحد بالبقاء، وقضى على جميع خلقه الفناء.
ثم لينظر فيه ما كنت من عز الخلافة، هل عني ذلك شيئاً إذ جاء أمر الله؟ لا والله، ولكن أضعف علي به الحساب، قيا ليت عبد الله بن هارون لم يكن بشرأن بل ليته لم يكن خلقاً.
يا أبا إسحاق ادن منين واتعظ بما ترى، وخذ بسيرة أخيك في القرآن والإسلام، واعمل في الخلافة، إذا طوقكها الله، عمل المريد لله الخائف من عقابه وعذابه، ولا تغتر بالله ومهلته وكأن قد نزل بك الموت، ولا تغفل أمر الرعية والعوام، فإن الملك بهم ويتعهدك لهم، الله الله فيهم، وفي غيرهم من المسلمين، ولا ينتهين إليك أمر فيه صلاح للمسلمين ومنفعة إلا قدمته، وآثرته على غيره من هواك.
وخذ من أقويائهم لضعفائهم، ولا تحمل عليهم في شيء، وأنصف بعضهم من بعض بالحق بينهم، وقربهم، وتأن بهم، وعجل الرحلة عني، والقدوم إلى دار ملكك بالعراق، وأنظر هؤلاء القوم الذين أنت بساحتهم، فلا تغفل عنهم في كل وقت، والخرمية فأغرهم ذا حزامة، وصرامة وجلد، وأمنه بالأموال والجنود، فإن طالت مدتهم فتجرد لهم بمن معك من أنصارك وأوليائك، واعمل في ذلك عمل مقدم النية فيه، راجياً ثواب الله عليه.
ثم دعا المعتصم، بعد ساعة، حين اشتد الوجع، وأحس بمجيء أمر الله، فقال: يا أبا إسحاق! عليك عهد الله وميثاقه، وذمة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، لتقومن بحق الله في عباده، ولتؤثرن طاعة الله على معصيته، إذ أنا نقلتها من غيرك إليك، قال: اللهم نعم! قال: هؤلاء بن عمك من ولد أمير المؤمنين علي، لوات الله عليه، فأحسن صحبتهم، وتجاوز عن مسيئهم، واقبل من محسبنهم، ولا تغفل صلاتهم في كل سنة عند محلهأن فغن حقوقهم تجب من وجوه شتى، اتقوا الله ربكم حق تقاته، ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون، اتقوا الله، واعملوا له، اتقوا الله في أموركم كلهأن أستودعكم الله ونفسي، وأستغفر الله ما سلف مني إنه كان غفاراً فإنه ليعلم كيف ندمي على ذنوبي، فعليه توكلت من عظيمهأن وإليه أنيب، ولا قوة إلا بالله، حسبي الله ونعم الوكيل. وصلى الله على محمد نبي الهدى والرحمة.
ذكر وفاة المأمون وعمره وصفتهوفي هذه السنة توفي المأمون لاثنتي عشرة ليلة بقيت من رجب، فلما اشتد مرضه، وحضره الموت، كان عنده من يلقنه، فعرض عليه الشهادة، وعنده ابن ماسويه الطبيب، فقال لذلك الرجل: دعه، فإنه لا يفرق في هذه الحال بين ربه وماني؛ ففتح المأمون عينيه، وأراد أن يبطش به، فعجز عن ذلك، وأراد الكلام، فعجز عنه، ثم إنه تكلم فقال: يا من لا يموت ارحم من يموت، ثم توفي من ساعته.
ولما توفي حمله ابنه العباس، وأخوه المعتصم إلى طرسوس، فدفناه بدار خاقان خادم الرشيد، وصلى عليه المعتصم ووكلوا به حرساً من أبناء أهل طرسوس، وغيرهم، مائة رجل، وأجري على كل رجل منهم تسعون درهماً.
وكانت خلافته عشرين سنة وخمسة أشهر وثلاثة وعشرين يوماً ، سمى سنين كان دعي له فيها بمكة، وأخوه الأمين محصور ببغداد، وكان مولده للنصف من ربيع الأول سنة سبعين ومائة، وكانت كنيته أبا العباس، وكان ربعة، أبيض، جميلأن طويل اللحية رقيقهأن قد وخطها الشيب؛ وقيل كان أسمر تعلوه صفرة، أجنى، أعين، ضيق البلجة، بخده خال أسود.
ذكر بعض سيرته وأخبارهوقال محمد بن صالح السرخسي: تعرض رجل للمأمون، بالشام مرارأن وقال: يا أمير المؤمنين! انظر لعرب الشام كما نظرت لعجم خراسان! فقال له: أكثرت عليّ؛ والله ما أنزلت قيساً من ظهور خيولها إلا وأنا أرى أنه لم يبق في بيت مالي درهم واحد، يعني فتنة ابن شبث العامري؛ وأما اليمن فوالله ما أحببتهأن ولا أحبتني قط؛ وأما قضاعة فساداتها تنتظر السفياني، حتى تكون من أشياعه، وأما ربيعة فساخطة على ربها مذ بعث الله نبيه من مضر، ولم يخرج اثنان إلا وخرج أحدهما شارياً، أعزب فعل الله بك.
وذكر سعيد بن زياد أنه لما دخل على المأمون بدمشق قال له: أرني الكتاب الذي كتبه رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال: فأريته، قال فقال: إني لأشتهي أن أدري ايش هذا الغشاء على هذا الخاتم؟ قال: فقال له المعتصم: حل العقد حتى تدري ما هو! وقال: ما أشك أن النبي، صلى الله عليه وسلم، عقد هذا العقد، وما كنت لأحل عقدة عقدها رسول الله، صلى اله عليه وسلم، ثم قال للواثق: خذه وضعه على عينيك، لعل الله أن يشفيك! وجعل المأمون يضعه على عينيه ويبكي.
وقال العيشي صاحب إسحاق بن إبراهيم: كنت مع المأمون بدمشق، وكان قد قل المال عنده، حتى أضاق، وشكا ذلك إلى المعتصم، فقال له: يا أمير المؤمنين! كأنك بالمال وقد وافاك بعد جمعه، وكان قد حمل إليه ثلاثون ألف ألف درهم من خراج ما يتولاه له، فلما ورد عليه المال قال المأمون ليحيى بن أكثم: اخرج بنا ننظر هذا المال، فخرجا ينظرانه، وكان قد هيئ بأحسن هيئة، وحليت أباعره، فنظر المأمون إلى شيء حسن، واستكثر ذلك واستبشر به، والناس ينظرون ويعجبون، فقال المأمون: يا أبا محمد، ننصرف بالمال، وأصحابنا يرجعون خائبين، إن هذا للؤم! ثم دعا محمد بن يزداد، فقال له: وقع لآل فلان بألف ألف، ولآل فلان بمثلهأن ولآل فلان بمثلهأن فما زال كذلك حتى فرق أربعة وعشرين ألف ألف، ورجله في الركاب، ثم قال: ادفع الباقي إلى المعلي يعطيه جندنا.
قال العيشي: فقمت نصب عينيه أنظر إليهمأن فلما رآني كذلك قال: وقع لهذا بخمسين ألفاً ، فقبضتها.
وذكر عن محمد بن أيوب بن جعفر بن سليمان أنه كان بالبصرة رجل من بني تميم بن سعد، وكان شاعراً ظريفاً خبيثاً منكرأن وكنت آنس به، واستحليه، فقالت له: أنت شاعر وأنت ظريف، والمأمون أجود من السحاب الحافل، فما يمنعك منه؟ فقال: ما عندي ما يحملني. فقلت: أنا أعطيك راحلة ونفقة، فأعطيته راحلة نجيبة، وثلاثمائة درهم، فعمل أرجوزة ليست بالطويلة، ثم سار إلى المأمون.
قال: فجئت إليه وهوبسلغوس، قال: فلبست ثيابي، وأنا أروم بالعسكر، وإذا بكهل على بغل فاره، فتلقاني مواجهة، وأنا أردد نشيد أرجوزتي، فقال: السلام عليك. فقلت: عليكم السلام ورحمة الله وبركاته، قال: قف، إن شئت! فوقفت فتضوعت منه رائحة المسك والعنبر، فقال: ما أولك؟ قلت: رجل من مضر. قال: ونحن من مضر، ثم قال: ماذا؟ قلت: من بني تميم، قال: وما بعد تميم؟ قلت: من بني سعد، قال: وما أقدمك؟ قلت: قصدت هذا الملك الذي ما سمعت بمثله أندى رائحة، ولا أوسع راحة، قال: فما الذي قصدته به؟ قلت: شعر طيب يلذ على الأفواه ويحلوفي آذان السامعين، قال: فأنشدنيه! فغضبت: وقلت: يا ركيك، أخبرتك أني قصدت الخليفة بمديح تقول: أنشدنيه؟ فتغافل عنها وألغى عن جوابهأن فقال: فما الذي تأمل منه؟ قلت: إن كان على ما ذكر لي، فألف دينار، قال: أنا أعطيك ألف دينار، إن رأيت الشعر جيدأن والكلام عذبأن وأضع عنك العناء، وطول الترداد حتى تصل إلى الخليفة، وبينك عشرة آلاف رامح ونابل، قلت: فلي عليك الله أن تفعل! قال: نعم، لك الله علي أن أفعل، فأنشدته:
مأمون يا ذا المنزلة الشريفة ... وصاحب المرتبة المنيفة
وقائد الكتيبة الكثيفة ... هل لك في أرجوزة ظريفه
أظرف من فقه أبي حنيفة ... لا والذي أنت له خليفة
ما ظلمت في أرضنا ضعيفه ... أميرنا مؤنته خفيفه
وما اجتبى سوى الوظيفه ... فالذئب والنعجة في سقيفه
واللص والتاجر في قطيفه قال: فوالله ما عدا أن بلغت ها هنأن فإذا زهاء عشرة آلاف فارس، قد سدوا الأفق، يقولون: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته. قال: فأخذتني رعدة، فنظر إلي بتلك الحال، فقال: لا بأس عليك أي أخي، قلت: يا أمير المؤمنين، جعلني الله فداك، من جعل الكاف مكان القاف من العرب؟ قال: جمير؛ قلت: لعن الله حمير، ولعن من استعمل هذه اللغة بعد اليوم.
وضحك المأمون، وقال لخادم معه: أعطه ما معك، فأخرج كيساً فيه ثلاثة آلاف دينار، فأخذتها ومضيت.
ومعنى سؤاله عن وضع الكاف موضع القاف أنه أراد أن يقول يا رقيق، فقال: يا ركيك.
وقال عمارة بن عقيل: أنشدت المأمون قصيدة مائة بيت، فأبتدئ بصدر البيت، فيبادرني إلى قافيته كما قفيته، قلت: والله، يا أمير المؤمنين، ما سمعها مني أحد قط؛ فقال: هكذا ينبغي أن يكون، ثم قال لي: أما أبلغك أن عمر بن أبي ربيعة أنشد عبد الله بن عباس قصيدته التي يقول فيها: يشط عداذاً وجيراننا، فقال ابن عباس: وللدار بعد غد أبعد حتى انشده القصيدة يقفيها ابن عباس، ثم قال: أنا ابن ذاك. وذكر أن المأمون قال:
بعثتك مرتاداً ففزت بنظرة ... وأغفلتني حتى أسأت بك الظنا
فناجيت من أهوى وكنت مباعداً ... فيا ليت شعري عن دنوك ما أغنى
أرى أثراً منه بعينيك بيناً ... لقد أخذت عيناك من عينه حسنا
قيل: وإمنا أخذ المأمون هذا المعنى من العباس بن الأحنف، فإنه أخرج هذا المعنى، فقال:
إن تشق عيني بها فقد سعدت ... عين رسولي وفزت بالخبر
وكلما جاءني الرسول لها ... رددت عمداً في عينه نظري
خذ مقلتي يا رسول عارية ... فانظر بها واحتكم على بصري
قيل: وشكا اليزيدي يوماً إلى المأمون ديناً لحقه، فقال: ما عندي في هذه الأيام ما إن أعطيناك بلغت به ما تريد، فقال: يا أمير المؤمنين، إن غرمائي قد أرهقوني؛ قال: انظر لنفسك أمراً تنال به نفعأن قال: إن لك ندماء، فيهم من حركته نلت به نفعاً. قال: أفعل، قال: إذا حضروا عندك فمر فلاناً الخادم يوصل رقعتي إليك، فإذا قرأتها فأرسل إلي: دخولك في هذا الوقت متعذر، ولكن اختر لنفسك من أحببت؛ قال: أفعل، فلما علم اليزيدي جلوس المأمون مع ندمائه، وتيقن أنهم قد أخذ الشراب منهم، أتى الباب، فدخل، فدفع إلى الخادم رقعته، فإذا فيها:
يا خير إخواني وأصحابي! ... هذا الطفيلي على الباب
خبر أن القوم في لذة ... يصبوإليها كل أواب
فصيروني واحداً منكم ... أواخرجوا لي بعض أترابي
فقرأها المأمون عليهم، وقالوا: ما ينبغي أن يدخل علينا على مثل هذه الحال، فأرسل إليه المأمون: دخولك في هذا الوقت متعذر، فاختر لنفسك من أحببت! فقال: ما أريد إلا عبد الله بن طاهر، فقال له المأمون: قد اختارك فصر إليه! قال: يا أمير المؤمنين، وأكون شريك الطفيلي؟ فقال: ما يمكن رد أبي محمد عن أمرين، فإن أحببت أن تخرج إليه، وإلا فافتد نفسك منه! فقال: علي عشرة آلاف، قال: لا يقنعه، فما زال يزيد عشرة عشرة، والمأمون يقول لا يقنعه، حتى بلغ مائة ألف، فقال له المأمون: فعجله، فكتب بها إلى وكيله، ووجه معه رسولأن وأرسل إلي المأمون: قبض هذه الدراهم في هذه الساعة أصلح من منادمته، وأنفع لك.
وقال عمارة بن عقيل: قال لي عبد اله بن أبي السمط: أعلمت أن المأمون لا يبصر الشعر؟ قلت: ومن يكون أعلم منه؟ فوالله إنا لننشده أول البيت فيسبقنا إلى آخره. قال: إني أنشدته بيتاً أجدت فيه، فلم يتحرك له، قلت: وما هو؟ قال:
أضحى إمام الهدى المأمون مشتغلاً ... بالدين والناس بالدنيا مشاغيل
قال فقلت: والله ما صنعت شيئأن وهل زدت على أن جعلته عجوزاً في محرابهأن فمن الذي يقوم بأمر الدنيأن إذا تشاغل عنهأن وهوالمطوق بها؟ هلا قلت كما قال جدي جرير في عبد العزيز بن الوليد:
فلا هوفي الدنيا يضيع نصيبه ... ولا عرض الدنيا عن الدين شاغله
فقال: الآن علمت أني قد أخطأت. قال أبوالعباس أحمد بن عبد الله ابن عمار: كان المأمون شديد الميل إلى العلويين والإحسان إليهم، وخبره مشهور معهم، وكان يفعل ذلك طبعاً لا تكلفأن فمن ذلك أنه توفي في أيامه يحيى بن الحسين بن زيد بن علي بن الحسين العلوي، فحضر الصلاة عليه بنفسه، ورأى الناس عليه من الحزن والكآبة ما تعجبوا منه، ثم إن ولداً لزينب بنت سليمان بن علي بن عبد الله بن عباس، وهي ابنة عم المنصور، توفي بعده، فأرسل له المأمون كفنأن وسيره صالحاً ليصلي عليه، ويعزي أمه، فإنها كانت عند العباسيين بمنزلة عظيمة، فأتاهأن وعزاها عنه، واعتذر عن تخلفه عن الصلاة عليه، فظهر غضبهأن وقالت لابن ابنها: تقدم فصل علي أبيك، وتمثلت:
سبكناه ونحسبه لجيناً ... فأبدى الكير عن خبث الحديد
ثم قالت لصالح: قل له، يابن مراجل: أما لوكان يحيى بن الحسين ابن زيد لوضعت ذيلك على فيك وعدوت خلف جنازته.
ذكر خلافة المعتصمهوأبوإسحاق محمد بن هارون الرشيد، بويع له بالخلافة بعد موت المأمون، ولما بويع له شغب الجند، ونادوا باسم العباس بن المأمون، فأرسل إليه المعتصم، فأحضره، فبايعه، ثم خرج إلى الجند، فقال: ما هذا الحب البارد؟ قد بايعت عمي، فسكتوأن وأمر المعتصم بخراب ما كان المأمون أمر ببنائه من طوانة مما نذكره في عدة حوادث، وحمل ما أطاق من السلاح والآلة التي بهأن وأحرق الباقي، وأعاد الناس الذين بها إلى البلاد التي لهم، وانصرف إلى بغداد، ومعه العباس بن المأمون، فقدمها مستهل شهر رمضان.
ذكر خلاف فضل على زيادة الله
وفي هذه السنة وجه زيادة الله بن الأغلب، صاحب إفريقية، جيشاً لمحاربة فضل بن أبي العنبر بالجزيرة، وكان مخالفاً لزيادة الله، فاستمد فضل بعد السلام بن المفرج الربعي، وكان أيضاً مخالفاً من عهد منصور، كما ذكرنأن فسار إليه، فالتقوا مع عسكر زيادة الله، وجرى بين الطائفتين قتال شديد عند مدينة اليهود بالجزيرة، فقتل عبد السلام، وحمل رأسه إلى زيادة الله.
وسار فضل بن أبي العنبر إلى مدينة تونس، فدخلهأن وامتنع بهأن فسير زيادة الله إليه جيشأن فحصروا فضلاً بهأن وضيقوا عليه حتى فتحوها منه، وقتل وقت دخول العسكر كثير من أهلهأن منهم: عباس بن الوليد، الفقيه، وكان دخل في بيته لم يقاتل، فدخل عليه بعض الجند، فأخذ سيفه وخرج وهويصيح: الجهاد، فقتل، وبقي ملقى في خربة سبعة أيام لم يقربه ذوناب ولا مخلب، وكان قد سمع الحديث من ابن عيينة وغيره، وكان من الصالحين، وهرب كثير من أهل تونس لما ملكت، ثم آمنهم زيادة الله، فعادوا إليها.
ذكر عدة حوادثفي هذه السنة عاد المأمون إلى سلغوس، ووجه ابنه العباس إلى طوانة، وأمره ببنائهأن وكان قد وجه الفعلة، فابتدأوا في بنائها ميلاً بعد ميل، وجعل سورها على ثلاثة فراسخ، وجعل لها أربعة أبواب، وجعل على كل باب حصنأن وكتب إلى البلدان ليفرضوا على كل بلد جماعة ينتقلون إلى طوانة، وأجرى لهم لكل فارس مائة درهم، ولكل راجل أربعين درهم.
وفيها توفي بشر بن غياث المريسي، وكان يقول بخلق القرآن والإرجاء وغيرهما من البدع.
وفيها دخل كثير من أهل الجبال، وهمذان، وأصبهان، وماسبذان، وغيرهأن في دين الخرمية، وتجمعوأن فعسكروا في عمل همذان، فوجه إليهم المعتصم العساكر، وكان فيهم إسحاق بن إبراهيم بن مصعب، وعقد له على الجبال في شوال، فسار إليهم، فأوقع بهم في أعمال همذان، فقتل منهم ستين ألفأن وهرب الباقون إلى بلد الروم، وقرئ كتابه بالفتح يوم التروية، وحج بالناس هذه السنة صالح بن العباس بن محمد.
حوادث سنة تسع عشرة ومائتين
ذكر خلاف محمد بن القاسم العلويفي هذه السنة ظهر محمد بن القاسم بن عمر بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، عليه السلام، بالطالقان من خراسان، يدعوإلى الرضي من آل محمد، صلى الله عليه وسلم.
وكان ابتداء أمره أنه كان ملازماً مسجد النبي، صلى الله عليه وسلم، حسن السيرة، فأتاه إنسان من خراسان اسمه أبومحمد كان مجاورأن فلما رآه أعجبه طريقه، فقال له: أنت أحق بالإمامة من كل أحد، وحسن له ذلك، وبايعه، وصار الخراساني يأتيه بالنفر بعد النفر من حجاج خراسان يبايعونه، فعل ذلك مدة.
فلما رأى كثرة من بايعه من خراسان سارا جميعاً إلى الجوزجان، واختفى هناك، وجعل أبومحمد يدعوالناس إليه، فعظم أصحابه، وحمله أبومحمد على إظهار أمره، فأظهره بالطالقان، فاجتمع إليه بها ناس كثير، وكانت بينه وبين قواد عبد الله بن طاهر وقعات بناحية الطالقان وجبالهأن فانهزم هووأصحابه، وخرج هارباً يريد بعض كور خراسان، وكان أهلها كاتبوه.
فلما صار بنسأن وبها والد بعض من معه فلما بصر به سأله عن الخبر فأخبره، فمضى الأب إلى عامل نسأن فأخبره بأمر محمد بن القاسم، فأعطاه العامل عشرة آلاف درهم على دلالته، وجاء العامل إلى محمد، فأخذه واستوثق منه، وبعثه إلى عبد الله بن طاهر، فسيره إلى المعتصم، فورد إليه منتصف شهر ربيع الأول، فحبس عند مسرور الخادم الكبير، وأجرى عليه الطعام، ووكل به قوماً يحفظونه، فلما كان ليلة الفطر اشتغل الناس بالعيد، فهرب من الحبس، دلي إليه حبل من كوة كانت في أعلى البيت يدخل عليه منها الضوء، فلما أصبحوا أتوه بالطعام، فلم يروه، فجعلوا لمن دل عليه مائة ألف، فلم يعرف له خبر.
ذكر محاربة الزط
وفيها وجه المعتصم عجيف بن عنبسة في جمادى الآخرة لحرب الزط الذين كانوا غلبوا على طريق البصرة، وعاثوأن وأخذوا الغلات من البيادر بكسكر وما يليها من البصرة، وأخافوا السبيل، ورتب عجيف الخيل في كل سكة من سكك البريد، تركض بالأخبار، فكان يأتي بالأخبار من عجيف في يوم، فسار حتى نزل تحت واسط، وأقام على نهر يقال له بردودأن حتى سدة وأنهاراً أخر كانوا يخرجون منها ويدخلون، وأخذ عليهم الطرق، ثم حاربهم، فأسر منهم في معركة واحدة خمسمائة رجل، وقتل في المعركة ثلاثمائة رجل، فضرب أعناق الأسرى، وبعث الرؤوس إلى باب المعتصم.
ثم أقام عجيف بإزاء الزط خمسة عشر يومأن فظفر منهم فيها بخلق كثير، وكان رئيس الزط رجل يقال له محمد بن عثمان، وكان صاحب أمره إنسان يقال له سماق، ثم استوطن عجيف وأقام بإزائهم سبعة أشهر.
ذكر محاصرة طليطلةفي هذه السنة سير عبد الرحمن بن الحكم الأموي، صاحب الأندلس، جيشاً مع أمية بن الحكم إلى مدينة طليطلة، فحصرهأن وكانوا قد خالفوا الحكم، وخرجوا عن الطاعة، واشتد في حصرهم، وقطع أشجارهم، وأهلك زروعهم، فلم يذعنوا إلى الطاعة، فرحل عنهم، وأنزل بقلعة رباح جيشاً عليهم ميسرة، المعروف بفتى أبي أيوب، فلما أبعدوا منه خرج جمع كثير من أهل طليطلة، لعلهم يجدون فرصة وغفلة من ميسرة فينالوا منه ومن أصحابه غرضأن وكان ميسرة قد بلغه الخبر، فجعل الكمين في مواضع، فلما وصل أهل طليطلة إلى قلعة رباح، للغارة خرج الكمين عليهم من جوانبهم، ووضعوا السيف فيهم، وأكثروا القتل، وعاد من سلم منهم منهزماً إلى طليطلة، وجمعت رؤوس القتلى، وحملت إلى ميسرة، فلما رأى كثرتها عظمت عليه، وارتاع لذلك، ووجد في نفسه غماً شديدأن فمات بعد أيام يسيرة.
وفيها أيضاً كان بطليطلة فتنة كبيرة، تعرف بملحمة العراس، قتل من أهلها كثير.
ذكر عدة حوادثوفيها أحضر المعتصم أحمد بن حنبل، وامتحنه بالقرآن، فلم يجب إلى القول بخلقه، فأمر به، فجلد جلداً عظيماً حتى غاب عقله، وتقطع جلده، وحبس مقيداً.
وفيها قدم إسحاق بن إبراهيم إلى بغداد في جمادى الأولى، ومعه من أسرى الخرمية خلق كثير، وقيل إنه قتل منهم نحومائة ألف سوى النساء والصبيان.
وفيها توفي أبونعيم الفضل بن دكين الملائي، مولى طلحة، بن عبد الله التيمي، في شعبان، وهومن مشايخ البخاري ومسلم، كان مولده سنة ثلاثين ومائة، وكان شيعياً؛ وله طائفة تنسب إليه يقال لها الدكينية.
حوادث سنة عشرين ومائتين
ذكر ظفر عجيف بالزطوفي هذه السنة دخل عجيف بالزط بغداد، بعد أن ضيق عليهم، وقاتلهم، وطلبوا منه الأمان، فأمنهم، فخرجوا إليه في ذي الحجة سنة تسع عشرة ومائتين، وكانت عدتهم مع النساء والصبيان سبعة وعشرين ألفأن والمقاتلة منهم اثنا عشر ألفأن فلما خرجوا إليه جعلهم في السفن، وعبأهم في سفنهم على هيئتهم في الحرب معهم البوقات، حتى دخل بهم بغداد يوم عاشوراء من هذه السنة.
وخرج المعتصم إلى الشماسية في سفينة يقال لها الزو، حتى يمر به الزط على تعبئتهم وهم ينفخون في البوقات، وأعطى عجيف أصحابه كل رجل دينارين دينارين، وأقام الزط في سفنهم ثلاثة أيام، ثم نقلوا إلى الجانب الشرقي، وسلموا إلى بشر بن السميدع، فذهب بهم إلى خانقين، ثم نقلوا إلى الثغر، إلى عبن زربة و، فأغارت الروم عليهم، فاجتاحوهم، فلم يفلت منهم أحد.
ذكر مسير الأفشين لحرب بابك الخرميوفي هذه السنة عقد المعتصم للأفشين حيدر بن كاوس على الجبال، ووجهه لحرب بابك فسار إلي.
وكان ابتداء خروج بابك سنة إحدى ومائتين، فكانت مدينته البذ، وهزم من جيوش السلطان عدة، وقتل من قواده جماعة، فلما أفضى الأمر إلى المعتصم، وجه أبا سعيد محمد بن يوسف إلى أردبيل، وأمره أن يبني الحصون التي أخربها بابك فيما بين زنجان وأردبيل، ويجعل فيها الرجال تحفظ الطرق لمن يجلب الميرة إلى أردبيل، فتوجه أبوسعيد لذلك، وبنى الحصون.
ووجه بابك سرية في بعض غزاته، فأغارت على بعض النواحي ورجعت منصرفة؛ وبلغ ذلك أبا سعيد، فجمع الناس، وخرج في طلب السرية، فاعترضها في بعض الطرق، فاقتتلوا قتالاً شديدأن فقتل أبوسعيد من أصحاب بابك جماعة، وأسر جماعة، واستذ ما كانوا أخذوه، وسير الرؤوس والأسرى إلى المعتصم، فكانت هذه أول هزيمة على أصحاب بابك.
ثم كانت الأخرى لمحمد بن البعيث، وذلك أن محمداً كان في قلعة له حصينة تسمى الشاهي، كان ابن البعيث قد أخذها من ابن الرواد، وهي من كورة أذربيجان، وله حصن آخر من أذربيجان يسمى تبريز، وكان مصالحاً لبابك، تنزل سراياته عنده، فيضيفهم حتى أنسوا به؛ ثم إن بابك وجه قائداً اسمه عصمة من أصبهبذيته في سرية، فنزل بابن البعيث، فأنزل له الضيافة على عادتهأن واستدعاه له في خاصته ووجوه أصحابه، فصعد فغذاهم، وسقاهم الخمر حتى سكروأن ثم وثب على عصمة، فاستوثق منه، وقتل من كان معه من أصحابه، وأمره أن يسمي رجلاً رجلاً من أصحابه، فكان يدعوالرجل باسمه، فيصعد، فيضرب عنقه، حتى علموا بذلك بهربوأن وسير عصمة إلى المعتصم، فسأل المعتصم عصمة عن بلاد بابك، فأعلمه طرقه ووجوه القتال فيهأن ثم ترك عصمة محبوسأن فبقي إلى أيام الواثق.
ثم أن الأفشين سار إلى بلاد بابك، فنزل برزند، وعسكر بهأن وضبط الطرق والحصون فيما بينه وبين أردبيل، وأنزل محمد بن يوسف بموضع يقال له خش، فحفر خندقاً وأنزل الهيثم الغنوي برستاق أرشق، فأصلح حصنه، وحفر خندقه؛ وأنزل علويه الأعور، من قواد الأبناء، في حصن النهر مما يلي أردبيل، فكانت والقوافل تخرج من أردبيل ومعها من يحيمها، حتى تنزل بحصن النهر، ثم يسيرها صاحب حصن النهر إلى الهيثم الغنوي، فيلقاه الهيثم بمن جاء إليه من ناحية في موضع معروف لا يتعداه أحدهم إذا وصل إليه، فإذا لقيه أخذ ما معه، وسلم إليه ما معه، ثم يسير الهيثم بمن معه إلى أصحاب أبي سعيد، فيلقونه بمنتصف الطريق، ومعهم من خرج من العسكر، فيتسلمون ما مع الهيثم ويسلمون إليه ما معهم، وإذا سبق أحدهم إلى المنتصف لا يتعداه، ويسير أبوسعيد بمن معه إلى عسكر الأفشين فيلقاه صاحب سيارة الأفشين، فيتسلمهم منه، ويسلم إليه من صحبه من العسكر، فلم يزل الأمر على هذا.
وكانوا إذا ظفروا بأحد من الجواسيس حملوه إلى الأفشين، فكان يحسن إليهم، ويهب لهم، ويسألهم عن الذي يعطيهم بابك، فيضعفه لهم، ويقول لهم: كونوا جواسيس لنأن فكان ينتفع بهم.
ذكر وقعة الأفشين مع بابكوفيها كانت وقعة الأفشين مع بابك، قتل من أصحاب بابك خلق كثير.
وكان سببها أن المعتصم وجه بغا الكبير إلى الأفشين، ومعه مال للجند، والنفقات، فوصل أردبيل، فبلغ بابك الخبر، فتهيأ هووأصحابه ليقطعوا عليه قبل وصوله إلى الأفشين، فجاء جاسوس إلى الأفشين، فأخبره بذلك، فلما صح الخبر عند الأفشين كتب بغا أن يظهر أنه يريد الرحيل، ويحمل المال على الإبل، ويسير نحوه، حتى يبلغ حصن النهر، فيحبس الذي معه، حتى يجوز من صحبه من القافلة، فإذا جازوا رجع بالمال إلى أردبيل.
ففعل بغا ذلك، وسارت القافلة، وجاءت جواسيس بابك إليه، فأخبروه أن المال قد سار فبلغ النهر، وركب الأفشين في اليوم الذي واعد فيه بغأن عند العصر، من برزند، فوافى خش مع غروب الشمس، فنزل خارج خندق أبي سعيد، فلما أصبح ركب سرأن ولم يضرب طبلأن ولم ينشر غلمأن وأمر الناس بالسكوت وجد في السير، ورحلت القافلة التي كانت توجهت ذلك اليوم من النهر إلى ناحية الهيثم، وتعبى بابك في أصحابه، وسار على طريق النهر، وهويظن أن المال يصادفه، فخرجت خيل بابك على القافلة، ومعها صاحب النهر، فقاتلهم صاحب النهر، فقتلوه، وقتلوا من كان معه من الجند، وأخذوا جميع ما كان معهم، وعلموا أن المال قد فاتهم، وأخذوا علمه ولباس أصحابه، فلبسوها وتنكروا ليأخذوا الهيثم الغنوي ومن معه أيضأن ولا يعلمون بخروج الأفشين، وجاؤوا كأنهم أصحاب النهر، فلم يعرفوا الموضع الذي يقف فيه علم صاحب النهر، فلم يعرفوا الموضع الذي يقف فيه علم صاحب النهر، فوقفوا في غيره.
وجاء الهيثم فوقف في موضعه وأنكر ما رأى، فوجه ابن عم له، فقال له: اذهب إلى هذا البغيض فقل له لأي شيء وقوفك، فجاء إليهم فأنكرهم، فرجع إليه فأخبره، فأنفذ جماعة غيره، فأنكروهم أيضأن وأخبروه أن بابك قد قتل علويه، صاحب النهر، وأصحابه، وأخذ أعلامهم ولباسهم، فرحل الهيثم راجعأن ونجى القافلة التي كانت معه، وبقي هووأصحابه في أعقابهم حامية لهم حتى وصلت القافلة إلى الحصن، وهوأرشق، وسير رجلين من أصحابه إلى الأفشين وإلى أبي سعيد يعرفهما الخبر، فخرجا يركضان، ودخل الهيثم الحصن، ونزل بابك عليه، ووضع له كرسي بحيال الحصن، وأرسل إلى الهيثم أن خل الحصن وانصرف، فأبى الهيثم ذلك، فحاربه بابك وهويشرب الخمر على عادته والحرب مشتبكة.
وسار الفارسان، فلقيا الأفشين على أقل من فرسخ، فقال لصاحب مقدمته: أرى فارسين يركضان ركضاً شديدأن ثم قال: اضربوا الطبل، وانشروا الأعلام، واركضوا نحوهما وصيحوا لبيكما لبيكما! ففعلوا ذلك، وأجرى الناس خيلهم طلقاً واحدأن حتى لحقوا بابك وهوجالس، فلم يطق أن يركب، حتى وافته الخيل، فاشتبكت الحرب، فلم يفلت من رجاله بابك أحد، وأفلت هوفي نفر يسير من خيالته، ودخل موقان وقد تقطع عنه أصحابه، ورجع عنه الأفشين إلى برزند.
وأقام بابك بموقان، وأرسل إلى البذ، فجاءه عسكر، فرحل بهم من موقان، حتى دخل البذ، ولم يزل الأفشين معسكراً ببرزند، فلما كان في بعض الأيام مرت قافلة، فخرج عليها أصبهنذ بابك، فأخذها وقتل من فيهأن فقحط عسكر الأفشين لذلك، فكتب الأفشين إلى صاحب مراغة بحمل الميرة وتعجيلهأن فوجه إليه قافلة عظيمة، فيها قريب من ألف ثور، سوى غيرها من الدواب، تحمل الميرة، ومعها جند يسيرون بهأن فخرج عليهم سرية لبابك، فأخذوها عن آخرهأن وأصاب العسكر ضيق شديد، فكتب الأفشين إلى صاحب شيروان يأمره أن يحمل إليه طعامأن فحمل إليه طعاماً كثيرأن وأغاث الناس، وقدم بغا على الأفشين بما معه.
ذكر بناء سامراوفي هذه السنة خرج المعتصم إلى سامرا لبنائهأن وكان سبب ذلك أنه قال: إني أتخوف هؤلاء الحربية أن يصيحوا صيحة فيقتلوا غلماني، فأريد أن أكون فوقهم، فإن رابني منهم شيء أتيتهم في البر والماء، حتى آتي عليهم، فخرج إليهأن فأعجبه مكانها.
وقيل كان سبب ذلك أن المعتصم كان قد أكثر من الغلمان الأتراك، فكانوا لا يزالون يرون الواحد بعد الواحد قتيلأن وذلك أنهم كانوا جفاة، يركبون الدواب، فيركضونها إلى الشوارع، فيصدمون الرجل والمرأة والصبي، فيأخذهم الأبناء عن دوابهم، ويضربونهم، وربما هلك أحدهم فتأذى بهم الناس.
ثم إن المعتصم ركب يوم عيد، فقام إليه شيخ فقال له: يا أبا إسحاق! فأراد الجند ضربه، فمنعهم وقال: يا شيخ ما لك، ما لك؟ قال: لا جزاك الله عن الجوار خيرأن جاورتنا وجئت بهؤلاء العلوج من غلمانك الأتراك، فأسكنتهم بيننأن فأيتمت صبياننأن وأرملت بهم نسواننأن وقتلت رجالنا؛ والمعتصم يسمع ذلك، فدخل منزله، ولم ير راكباً إلى مثل ذلك اليوم، فخرج، فصلى بالناس العيد، ولم يدخل بغداد، بل سار إلى ناحية القاطول، ولم يرجع بغداد.
قال مسرور الكبير: سألني المعتصم أين كان الرشيد يتنزه إذا ضجر ببغداد، قلت: بالقاطول، وكان قد بنى هناك مدينة آثارها وسورها قائم، وكان قد خاف من الجند ما خاف المعتصم، فلما وثب أهل الشام بالشام وعصوا خرج إلى الرقة فأقام بهأن وبقيت مدينة القاطول لم تستتم.
ولما خرج المعتصم إلى القاطول استخلف ببغداد ابنه الواثق، وكان المعتصم قد اصطنع قوماً من أهل الحوف بمصر، واستخدمهم، وسماهم المغاربة، وجمع قوماً من أهل الخوف بمصر، واستخدمهم، وسماهم المغاربة، وجمع خلقاً من سمرقند، وأشروسنة، وفرغانة، وسماهم الفراغنة، فكانوا من أصحابه، وبقوا بعده. وكان ابتداء العمارة بسامرا سنة إحدى وعشرين ومائتين.
ذكر قبض الفضل بن مروانوكان الفضل بن مروان من البردان، وكان حسن الخط، فاتصل بيحيى الجرمقاني، كاتب المعتصم، قبل خلافته، فكان يكتب بين يديه، فلما هلك الجرمقاني، صار موضعه، وسار مع المعتصم إلى الشام، ومصر، فأخذ من الأموال الكثير، فلما صار المعتصم خليفة كان اسمها له، وكان معناها لفضل، واستولى على الدواوين كلهأن وكنز الأموال.
وكان المعتصم يأمره بإعطاء المغني والنديم، فلا ينفذ الفضل ذلك، فثقل على المعتصم، وكان له مضحك اسمه إبراهيم، يعرف بالهفتي، فأمر له المعتصم بمال، وتقدم إلى الفضل بإعطائه، فلم يعطه شيئأن فبينا الهفتي يوماً عند المعتصم، يمشي معه في بستان له، وكان الهفتي يصحبه قبل الخلافة، ويقول له فيما يداعيه: والله لا تفلح أبداً؛ وكان مربوعاً بدينأن وكان المعتصم خفيف اللحم، فكان يسبقه، ويلتفت إليه ويقول: ما لك لا تسرع المشي؟ فلما أكثر عليه من ذلك قال الهفتي مداعباً له: كنت أراني أماشي خليفة، واليوم أراني أماشي فيجاً، والله لا أفلحت أبداً! فضحك المعتصم وقل: وهل بقي من الفلاح شيء لم أدركه بعد الخلافة؟ فقال: أتظن أنك أفلحت؟ لا والله، ما لك من الخلافة إلا اسمهأن ما يتجاوز أمرك أذنيك، إمنا الخليفة الفضل؛ فقال: وأي أمر لي لم ينفذ؟ فقال الهفتي: أمرت لي بكذا وكذا منذ شهرين، فما أعطيت حبه، فحقدها على الفضل.
فقيل أول ما أحدثه في أمره زماماً في نفقات الخاصة، وفي الخراج، وجميع الأعمال، ثم نكبه وأهل بيته في صفر، وأمرهم بعمل حسابهم، وصير مكانه محمد بن عبد الملك الزيات، فنفى الفضل إلى قرية في طريق الموصل تعرف بالسن، وصار محمد وزيراً وكاتباً.
وكان الفضل شرس الأخلاق، ضيق العطن، كريه اللقاء، بخيلأن مستطيلاً، فلما نكب ثشمت به الناس، حتى قال بعضهم فيه:
لبيك على الفضل بن مروان نفسه ... فليس له باك من الناس يعرف
لقد صحب الدنيا منوعاً لخيرها ... وفارقها وهوالظلوم المعنف
إلى النار فليذهب، ومن كان مثله ... على أي شيء فاتنا منه نأسف؟
ذكر عدة حوادثفي هذه السنة سير عبد الرحمن ملك الأندلس جيشاً إلى طليطلة، فقاتلوهأن فلم يظفروا بها. وحج بالناس صالح بن العباس بن محمد.
وفيها توفي سليمان بن داود بن علي بن عبد الله بن عباس أبوأيوب الهاشمي، وعفان بن مسلم أبوعثمان الصفار البصري، وكان موته ببغداد وله خمس وثمانون سنة، وهومن مشايخ البخاري؛ وتوفي فتح الموصلي الزاهد، وكان من الأولياء والأجواد؛ ومحمد بن علي بن موسى بن جعفر ابن محمد بن علي بن الحسين بن علي، عليه السلام، توفي ببغداد، وكان قدمها ومعه امرأته أم الفضل ابنة المأمون، فدفن بها عند جده موسى بن جعفر، وهوأحد الأئمة عند الإمامية، وصلى على الواثق، وكان عمره خمساً وعشرين سنة، وكانت وفاته في ذي الحجة، وقيل في سبب موته غير ذلك.
حوادث سنة إحدى وعشرين ومائتين
ذكر محاربة بابك في هذه السنةفي هذه السنة واقه بابك بغا الكبير، فهزمه، وواقعه الافشين، فهزم بابك.
وكان سبب ذلك أن بغا الكبير كان قد قدم بالمال الذي كان معه إلى الأفشين، ففرقه في أصحابه، وتجهز بعد النيروز، ووجه إلى بغا في عسكر ليدور حول هشتادسر، وينزل في خندق محمد بن حميد، ويحفره، ويحكمه، فسار بغا إلى الخندق، ورحل الأفشين من برزند، ورحل أبوسعيد من خش يريدان بابك، فتوافوا بمكان يقال له: دروذ، فحفر الأفشين خندقأن وبنى عليه سورأن وكان بينه وبين البذ ستة أميال.
ثم أن بغا تجهز بغير أمر الأفشين، وجمل معه الزاد، ودار حول هشتادسر، حتى دخل قرية البذ، فنزلها فأقام بها؛ ثم وجه ألف رجل في علاقة له، فخرج عليهم بعض عساكر بابك، فأخذ العلافة، وقتل كل من كان قاتله، وأسر من قدر عليه وأخذ بعضهم، فأرسل منهم رجلين إلى الأفشين يعلمانه ما نزل بهم.
ورجع بغا إلى خندق محمد بن حميد تشبيهاً بالمنهزم، وكتب إلى الأفشين يعلمه ذلك، ويسأله المدد، فوجه إليه الأفشين أخاه الفضل، وأحمد بنالخليل بن هشام، وابن جوشن، وجناحاً الأعور، صاحب شرطة الحسن ابن سهل، وأحد الأخوين قرابة الفضل بن سهل، فأتوا بغأن وكتب الأفشين إلى بغا يعلمه أن يغزوبابك في يوم عينة له، ويأمره أن يغزوفي ذلك اليوم بعينه فيحاربه من الوجهين، فخرج الأفشين ذلك اليوم من دروذ يريد بابك، وخرج بغا من خندقه، فخرج إلى هشتادسر، فلم يكن للناس صبر لشدة البرد والريح، فانصرف إلى عسكره، فعسكر على دعوة، وهاجت ريح باردة ومطر شديد، فرجع بغا إلى عسكره، وواقعهم الافشين من الغد، بعد رجوع بغأن فهزم أصحاب بابك، وأخذ عسكره وخيمته وامرأة كانت معه، ونزل الأفشين في معسكر بابك.
ثم تجهز بغا من الغد، وصعد إلى هشتادسر، فأصاب العسكر الذي كان مقيماً بإزائه قد انصرف إلى بابك، فأصاب من أثاثهم ورحلهم شيئاً، وانحدر من هشتادسر يريد البذ، وعلى مقدمته داود سياه، فأرسل إليه بغا: إن المساء قد أدركنأن وقد تعب الرجالة، وتوسطنا المكان الذي قد نعرفه، فانظر جبلاً حصيناً حتى نعسكر فيه ليلتنا هذه؛ فصعد بهم إلى جبل أشرفوا منه على عسكر الأفشين، فقال: نبيت ها هنا إلى غدوة، وننحدر إلى الكافر إنه شاء الله تعالى.
فجاءهم تلك الليلة سحب وبرد، وثلج كثير، فأصبحوا ولا يقدر أحد منهم أن ينزل فيأخذ ماء، ولا يسقي دابته من شدة البرد، واشتد عليه الثلج والضباب، فلما كان اليوم الثالث قال الناس لبغا: قد فني ما معنا من الزاد، وقد أضر بنا البرد، فانزل على أي حالة إما راجعين وإما إلى الكافر.
وكان بابك في أيام الضباب والثلج قد بيت الأفشين وبعض عساكره، وانصرف الأفشين إلى عسكره، فضرب بغا الطبل، وانحدر يريد البذ، ولا يعلم بما تم على الأفشين بل يظنه في موضع عسكره، فلما نزل إلى بطن الوادي رأى السماء منجلية، والدنيا طيبة، غير رأس الجيل الذي كان عليه، فعبأ أصحابه، وتقدم إلى البذ، حتى صار بحيث يلزق جبل البذ، ولم يبق بينه وبين أن يشرف على أبيات البذ إلا صعود نصف ميل.
وكان على مقدمته جماعة فيهم غلام لابن البعيث، له قرابة بالبذ، فلقيهم طلائع بابك، فعرف بعضهم الغلام، فسأله عم له عمن معه من أهله، فأخبره، فقال له: ارجع وقل لمن تعنى به يتنح، فإنا قد هزمنا الأفشين، ومضى إلى خندقه، وتهيأنا لكم عسكرين، فعجل الانصراف لعلك تفلت.
فرجع الغلام فأخبر ابن البعيث، فأخبر بغا بذلك، فشاور أصحابه، فقال بعضهم: هذا باطل، هذه خدعة. وقال بعضهم: هذا رأس جبل ينظر إلى عسكر الأفشين، فصعد بغأن ومعه نفر، إلى راس الجبل، فلم يروا عسكر الأفشين، فتيقن أنه مضى، وتشاوروأن فرأوا أن ينصرف الناس قبل أن يجيئهم الليل، فانصرفوأن وجدوا في السير، ولم يقصد الطريق الذي دخل منه لكثرة مضايقه، بل أخذ طريقاً يدور حول هشتادسر ليس فيه غير مضيق واحد، فطرح الرجالة سلاحهم في الطريق، وخافوأن وصار بغا وجماعة القواد في الساقة، وطلائع بابك تتبعهم، وهم قدر عشرة فرسان، فشاور بغا أصحابه، وقال: لا آمن أن يكون هؤلاء مشغلة لنا عن المسير، وتقدم أصحابهم ليأخذوا المضيق علينأن فقال له الفضل: إن هؤلاء أصحاب الليل، فأسرع السير، ولا تنزل حتى تجاوز المضيق. وقال غيره: إن العسكر قد تقطع، وقد رموا سلاحهم، وقد بقي المال والسلاح على البغال ليس معه أحد، ولا نأمن أن يؤخذ، ويؤخذ الأسير الذي معهم.
وكان ابن جويدان معهم أسيراً يريدون أن يفادوا به، فعسكر على رأس جبل حصين، ونزل الناس وقد كلوا وتعبوأن وفنيت أزوادهم، فباتوا يتحارسون من ناحية المصعد، فأتاهم بابك من الناحية الأخرى، فكبسوا بغا والعسكر، وخرج بغا راجلأن فرأى دابة فركبهأن وجرح الفضل بن كاوس، وقتل جناح السكري وابن جوشن، واخذ الأخوين قرابة الفضل بن سهل ونجا بغا والناس ولم تتبعهم الخرمية، وأخذوا المال والسلاح والأسير، فوصل الناس معسكرهم منقطعين إلى خندقهم، فأقام بغا به خمسة عشر يومأن وكتب إليه الأفشين يأمره بالرجوع إلى مراغة، وأن يرسل إليه المدد، فمضى بغا إلى مراغة، وفرق الأفشين الناس في مشاتيهم تلك السنة، حتى جاء الربيع.
وفيها قتل طرخان، وهومن أكبر قواد بابك، وكان سبب قتله أنه طلب من بابك إذناً حتى يشتي في قريته، وهي بناحية مراغة، وكان الأفشين يرصده، فلما علم خبره أرسل إلى ترك مولى إسحاق بن إبراهيم، وهوبمراغة، يأمره أن يسري إليه في قريته حتى يقتله، أويأخذه أسيرأن ففعل ترك ذلك وأسرى إليه وقتله، وأخذ رأسه فبعثه إلى الأفشين.
ذكر عدة حوادثوفي هذه السنة قدم صول أرتكين وأهل بلاده في القيود، فنزعت فسودهم، وحمل الدواب نحومائتين.
وفيها غضب الأفشين على رجاء الحضاري، وبعث به مقيدأن وحج بالناس هذه السنة محمد بن داود بن عيسى بن موسى بن محمد بن علي ابن عبد الله، وهووالي مكة.
الحضاري بكسر الحاء المهملة وبالضاد المعجمة وبعد الألف راء وياء.
وفيها توفي القاضي أحمد بن محرز، قاضي القيروان، وكان من العلماء العاملين، الزاهدين في الدنيا.
وفيها توفي آدم بن أبي إلياس العسقلاني، وهومن مشايخ البخاري في صحيحه، وعيسى بن أبان بن صدقة أبوموسى، قاضي البصرة، وهومن أصحاب أبي الحسن الشيباني، صاحب أبي حنيفة، وعبد الله بن مسلمة بن قعنب الحارثي صاحب مالك، وعبد الكبير بن المعافى بن عمران وكان فاضلأن والعباس بن سليم بن جميل الأزدي الموصلي.
حوادث سنة اثنتين وعشرين ومائتين
ذكر محاربة بابك أيضاً
في هذه السنة وجه المعتصم إلى الأفشين جعفراً الخياط مدداً له، ووجه إليه إيتاخ ومعه ثلاثون ألف ألف درهم للجند ولنفقات، فأوصل ذلك إلى الأفشين وعاد.
وفيها كانت وقعة بين أصحاب الأفشين وقائد لبابك اسمه آذين، وكان سببها أن الشتاء لما انقضى سنة إحدى وعشرين ومائتين، وجاء الربيع، ودخلت سنة اثنتين وعشرين، رحل الأفشين عند إمكان الزمان، فصار إلى موضع يقال له كلان روذ وتفسيره نهر كبير فاحتفر عنده خندقأن وكتب إلى أبي سعيد ليرحل من برزند إلى طرف رستاق كلان روذ، وبينهما قدر ثلاثة أميال، فأقام الأفشين بكلان روذ خمسة أيام، فأتاه من أخبره أن قائداً لبابك اسمه آذين قد عسكر بإزائه، وأنه قد صير عياله في خيل، فقال له بابك: ليجعلهم في الحصن، فقال: لا أتحصن من اليهود، يعني المسلمين، والله لا أدخلتهم حصناً أبداً.
فوجه الأفشين ظفر بن العلاء السعدي في جماعة من الفرسان والرجالة، فساروا ليلتهم، فوصلوا إلى مضيق لا يسلكه إلا الواحد بعد الواحد، وأكثر الناس قادوا دوابهم، وتسلقوا في الحبل، وأخذوا عيال آذين وبعض ولده.
وبلغ الخبر آذين، وكان الأفشين قد خاف أن يؤخذ عليهم الطريق، فأمرهم أن يجعلوا على رأس كل جبل رجالاً معهم الأعلام السود، فإن رأوا شيئاً يخافونه حركوا الأعلام، ففعلوا ذلك، فلما أخذوا عيال آذين ورجعوا إلى بعض الطريق قبل المضيق، أتاهم آذين في أصحابه، فحاربوهم فقتل منهم قتلى، واستنقذوا بعض النساء، فنظر الرجال المرتبون برؤوس الجبال، فحركوا الأعلام، وكان آذين قد أنفذ من يمسك عليهم المضيق، فلما رأى الافشين تحريك العلم الذي بإزائه سير جماعة من الجند مع مظفر بن كيذر، فأسرع نحوهم، ووجه أبا سعيد بعدهم وبخارااخذاه، فلما نظر إليهم رجالة آذين الذين على المضيق تركوه، وقصدوا أصحابهم، فنجا ظفر ابن العلاء ومن معه، ومعهم بعض عيال آذين.
ذكر فتح البذ وأسر بابكوفي هذه السنة فتحت البذ، مدينة بابك، ودخلها المسلمون وخربوهأن واستباحوهأن وذلك لعشر بقين من شهر رمضان.
وكان سبب ذلك أن الأفشين لما عزم على الدنومن البذ، والرحيل من كلان روذ، جعل يتقدم قليلاً قليلاً خلاف ما تقدم، وكتب إليه المعتصم يأمره أن يجعل الناس نوائب، يقفون على ظهور الخيل نوباً في الليل، مخافة البيات، فضج الناس من التعب، وقالوا: بيننا وبين العدوأربعة فراسخ، ونحن نفعل أفعالاً كأن العدوبإزائنأن قد استحيينا من الناس، اقدم بنأن فإما لنا وإما علينا.
فقال: أعلم أن قولكم حق. ولكن أمير المؤمنين أمرني بهذا. فلم يلبث أن جاءه كتاب المعتصم يأمره أن يفعل كما كان يفعل، فلم يزل كذلك أيامأن ثم انحدر حتى نزل روذ الروذ، وتقدم حتى شارف الموضع الذي كانت به الوقعة في العام الماضي، فوجد عليه كردوساً من الخرمية، فلم يحاربهم، ولم يزل إلى الظهر، ثم رجع إلى معسكره فمكث يومين، ثم عاد في أكثر من الذين كانوا معهم، ولم يقاتلهم، وأقام الأفشين بروذ الروذ، وأمر الكوهبانية وهم أصحاب الأخبار أن ينظروا له في رؤوس الجبال مواضع يتحصن فيها الرجالة.
فاختاروا له ثلاثة أجبل كان عليها حصون فخربت، فاخذ معه الفعلة، وسار نحوهذه الجبال، وأخذ معه الكعك والسويق، وأمر الفعلة بنقل الحجارة، وسد الطريق إلى تلك الجبال، حتى صارت كالحصون، وأمر بحفر خندق على كل طريق وراء تلك الحجارة، ولم يترك مسلكاً إلى الجبال منها إلا مسلكاً واحدأن ففرغ من الذي أراد من حفر الخنادق في عشرة أيام، وهووالناس يحرسون الفعلة والرجالة ليلاً ونهاراً.
فلما فرغ منها ادخل الرجالة إليهأن وأنفذ إليه بابك رسولاً ومعه قثاء، وبطيخ، وخيار، ويعلمه أنه قد تعب وشقي من أكل الكعك، وأننا في عيش رغد. فقبل ذلك منه، وقال: قد عرفت ما أراد أخي، وأصعد الرسول، فأراه ما عمل، وأطاف به خنادقه كلهأن وقال اذهب فعرفه ما رأيت.
وكان جماعة من الخرمية يأتون إلى قرب خندق الأفشين فيصيحون، فلم يترك الأفشين أحداً يخرج إليهم، فعلوا ذلك ثلاثة أيام؛ ثم إن الأفشين كمن لهم كمينأن فلما جاؤوا ثاروا عليهم، فهربوا ولم يعودوا.
وعبأ الأفشين أصحابه، وأمر كلاً منهم بلزوم موضعه، وكان يركب، والناس في مواقفهم، فكان يصلي الصبح بغلس، ثم يضرب ويسير زحفأن وكانت علامته في المسير والوقوف ضرب الطبول لكثرة الناس، ومسيرهم في الجبال والأودية على مصافهم، فإذا سار ضربهأن وإذا وقف أمسك عن ضربهأن فيقف الناس جميعأن ويسيرون جميعاً.
وكان يسير قليلاً قليلاً كلما جاءه كوهباني بخبر سار، أووقف؛ وكان إذا أراد أن يتقدم إلى المكان الذي كانت به الوقعة عام أول، خلف بخارااخذاه على رأس العقبة في ألف فارس، وستمائة راجل، يحفظون الطريق لئلا يأخذه الخرمية عليهم.
وكان بابك إذا أحس بمجيئهم وجه جمعاً من أصحابه، فيكمنون في واد تحت تلك العقبة، تحت بخارااخذاه، واجتهد الأفشين أن يعرف مكان كمين بابك، فلم يعلم بهم، وكان يأمر أبا سعيد أن يعر الوادي في كردوس، ويأمر جعفراً الخياط أن يعبر في كردوس، ويأمر أحمد بن الخليل بن هشام أن يعبر في كردوس آخر، فيصير في ذلك الجانب ثلاثة كراديس في طرف أبياتهم؛ وكان بابك يخرج عسكره فيقف بإزاء هذه الكراديس، لئلا يتقدم منهم أحد إلى باب البذ. وكان يفرق عساكره كمينأن ولم يبق إلا في نفر يسير.
وكان الأفشين يجلس على تل مشرف ينظر إلى قصر بابك، والناس كراديس، فمن كان معه من هذا الجانب من الوادي نزل عن دابته، ومن كان من ذلك الجانب مع أبي سعيد وجعفر وأحمد بن الخليل لم ينزل القرية من العدو؛ وكان بابك وأصحابه يشربون الخمر، ويضربون بالسرنائي، فإذا صلى الأفشين الظهر رجع إلى خندقه بروذ الروذ، فكان يرجع أولاً أقربهم إلى العدو، ثم الذي يليه، ثم الذي يليه، فكان آخر من يرجع بخاراخذاه لأنه كان أبعدهم عن العدو، فإذا رجعوا صاح بهم الخرمية.
فلما كان في بعض الأيام الخرمية من المطاولة، وانصرف الأفشين كعادته، وعادت الكراديس التي بذلك الجانب من الوادي؛ ولم يبق إلا جعفر الخياط، ففتح الخرمية باب البذ، وخرج منهم جماعة على أصحاب جعفر، وارتفعت الصيحة فتقدم جعفر بنفسه، فرد أولئك الخرمية إلى باب البذ، ووقعت الصيحة في العسكر، فرجع الأفشين فرأى جعفراً وأصحابه يقاتلون، وخرج من الفريقين جماعة، وجلس الأفشين في مكانه، وهويتلظى على جعفر، ويقول: أفسد عليّ تعبيتي.
وارتفعت الصيحة، فكان مع أبي دلف قوم من المتطوعة، فعبروا إلى جعفر بغير أمر الأفشين، وتعلقوا بالبذ، وأثروا فيه أثرأن وكادوا يصعدونه فيدخلون البذ، ووجه جعفر إلى الأفشين أن أمدني بخمس مائة راجل من الناشبة، فإني أرجوأن أدخل البذ إن شاء الله تعالى؛ فبعث إليه الأفشين: إنك أفسدت عليّ أمري، فتخلص قليلاً قليلأن وخلص أصحابك وانصرف؛ وارتفعت الصيحة من المتطوعة، حتى تعلقوا بالبذ، وظن الكمناء الذين لبابك أن الحرب قد اشتبكت، فوثب بعضهم من تحت بخاراخذاه، ووثب بعضهم من ناحية أخرى، فتحركت الكمناء من الخرمية، والناس على رؤوسهم، فلم يزل منهم أحد، فقال الأفشين: الحمد لله الذي بين مواضع هؤلاء.
ورجع جعفر وأصحابه والمتطوعة، فجاء جعفر إلى الأفشين، فأنكر عليه حيث لم يمده، وجرى بينهما نفرة شديدة، وجاء رجل من المتطوعة، ومعه صخرة، فقال للأفشين: أتردنا وهذا الحجر أخذته من السور؟ فقال: إذا انصرفت عرفت من على طريقك، يعني الكمين الذي عند بخارااخذاه. وقال لجعفر: لوثار هذا الكمين الذي تحتك كيف كنت ترى هؤلاء المتطوعة؟
ثم رجع هووأصحابه على عادتهم، فلما رأى هؤلاء الكمين الذي عند بخاراخذاه علموا ما كان وراءهم، فإن بخاراخذاه لوتحرك نحوالقتال، لملكوا ذلك الموضع، وهلك المسلمون عن آخرهم؛ فأقام الأفشين بخندقه أيامأن فشكا المتطوعة إليه ضيق العلوفة، والزاد، والنفقة، فقال: من صبر فليصبر، ومن لا فالطريق واسع فلينصرف، وفي جند أمير المؤمنين كفاية. فانصرف المتطوعة يقولون: لوترك الأفشين جعفراً وتركنا لأخذنا البذ، لكنه يشتهي المطاولة، فبلغه ذلك وما تتناوله المتطوعة بألسنتهم حتى قال بعضهم: إني رأيت رسول الله في المنام قال لي: قل للإفشين إن أنت حاربت هذا وجددت في أمره وإلا أمرت الجبال أن ترجمك بالحجارة، فتحدث الناس بذلك فبلغ الأفشين، فأحضره وسأله عن المنام، فقصه عليه فقال: الله يعلم نيتي وما أريد بهذا الخلق، وإن الله لوأمر الجبال برجم أحد لرجم هذا الكافر فكفانا مؤونته. فقال رجل من المتطوعة: أيها الأمير لا تحرمنا شهادة إن كانت حضرت، وإمنا قصدنا ثواب الله ووجهه، فدعنا وحدنا حتى نتقدم بعد أن يكون بإذنك لعل اله أن يفتح علينا.
فقال الأفشين: إني أرى نياتكم حاضرة، وأحسب هذا الأمر يريده الله تعالى، وهوخير إن شاء الله، وقد نشطتم ونشط الناس، وكان هذا رأيي وقد حدث الساعة لما سمعت من كلامكم، اعزموا على بركة الله أي يوم أردتم حتى نناهضه، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
فخرجوا مستبشرين فتأخر من أراد الانصراف ووعد الأفشين الناس ليوم ذكره لهم، وأمر الناس بالتجهز وحمل المال والزاد والماء، وجعل المحامل على البغال تحمل الجرحى، وزحف بالناس ذلك اليوم وجعل بخاراخذاه بمكانه على العقبة، وجلس الأفشين بالمكان الذي كان يجلس فيه، وقال لأبي دلف: قل للمتطوعة أي ناحية أسهل عليكم فاقتصروا عليها. فقال لجعفر: العسكر كله بين يديك والنشابة والنفاطون، فإن أردت فخذ منهم ما تريد واعزم على بركة الله، وتقدم من أي موضع تريد.
فسار إلى الموضع الذي كان به ذلك اليوم، وقال لأبي سعيد: قف عندي أنت وأصحابك، وقال لجعفر: قف أنت ها هنأن لمكان عينه له، فإن أراد جعفر رجالاً أوفرساناً أمددناه.
وتقدم جعفر والمتطوعة فقاتلوا وتعلقوا بسور البذ، وضرب جعفر باب البذ ووقف عنده يقاتل عليه، ووجه الأفشين غليه وإلى المتطوعة بالأموال لتفرق فيهم ويعطي من تقدم، وأمدهم بالفعلة معهم الفؤوس، وبعث إليهم بالمياه لئلا يعطشوا وبالكعك والسويق، فاشتبكت الحرب على الباب طويلاً ففتحت الخرمية الباب وخرجوا على أصحاب جعفر فنحوهم عن الباب وشدوا على المتطوعة من الناحية الأخرى، فطرحوهم عن السور، ورموهم بالصخر، وأثروا فيهم، وضعفوا عن الحرب، وأخذ جعفر من أصحابه نحومائة رجل، فوقفوا خلف تراسهم متحاجزين لا يقدم أحد على الآخر، فلم يزالوا كذلك حتى صليب الظهر فتحاجزوا.
وبعث الأفشين الرجالة الذين كانوا عنده نحوالمطوعة، وبعث إلى جعفر بعضهم، خوفاً أن يطمع العدو، فقال جعفر: لست أوتي من قلة ولكني لا أرى للحرب موضعاً يتقدمون فيه، فأمره بالانصراف فانصرف.
وحمل الأفشين الجرحى ومن به من الحجارة فحملوا في المحامل على البغال وانصرفوا عنهم، وأيس الناس من الفتح تلك السنة وانصرف أكثر المطوعة.
ثم إن الأفشين تجهز بعد جمعتين، فلما كان جوف الليل بعث الرجالة الناشبة، وهم ألف رجل، وأعطى كل واحد منهم شكوة وكعكأن وأعطاهم أعلاماً غير مركبة وبعث معهم أدلاء، فساروا في جبال منكرة صعبة في غير طريق، حتى صاروا خلف التل الذي يقف آذين عليه وهوجبل شاهق وأمرهم أن لا يعلم بهم أحد، حتى إذا رأوا أعلام الأفشين وصلوا الغداة ورأوا الوقعة ركبوا تلك الأعلام في الرماح وضربوا الطبول وانحدروا من فوق الجبل، ورموا بالنشاب والصخر على الخرمية، وإن هم لم يروا الأعلام لم يتحركوا حتى يأتيهم خبره. ففعلوا ذلك فوصلوا إلى رأس الجييل عند السحر، فلما كان في بعض الليل وجه الأفشين إلى الجند، وأمرهم بالتجهز للحرب.
فلما كان في بعض الليل وجه بشيراً التركي وقواداً من الفراعنه كانوا معه، فأمرهم أن يسيروا حتى يصيروا تحت التل الذي عليه آذين، وكان يعلم أن بابك يكمن تحت ذلك الجبل، فساروا ليلأن ولا يعلم بهم أكثر أهل العسكر، ثم ركب هووالعسكر مع السحر، فصلى الغداة، وضرب الطبل، وركب فأتى الموضع الذي كان يقف فيه، فقعد على عادته، وأمر بخاراخذاه أن يقف مع جعفر الخياط وأبي سعيد وأحمد بن الخليل بن هشام، ونزل الموضع الذي كان يقف فيه، فأنكر الناس ذلك، وأمرهم أن يقربوا من التل الذي عليه آذين فيحدقوا به، وكان قبل ينهاهم عنه.
ومضى الناس مع هؤلاء القواد الأربعة، فكان جعفر مما يلي الباب، وإلى جانبه أبوسعيد، وإلى جانب أبي سعيد بخاراخذاه وكان أحمد مما يلي بخاراخذاه، فصاروا جميعاً حول التل وارتفعت الضجة من أسفل الوادي، فوثب كمين بابك ببشير التركي والفراعنة، فحاربوهم، وسمع أهل العسكر صيحتهم، فأرادوا الحركة، فأمر الأفشين منادياً ينادي فيهم أن بشيراً قد أثار كمينأن فلا يتحركن أحد، فسكنوأن ولما سمع الرجال الذين كان سيرهم حتى صاروا في أعلى الجيل ضجة العسكر ركبوا الأعلام على الرماح، فنظر الناس إلى الأعلام تنحدر من الجبل على خيل آذين، فوجه آذين إليهم بعض أصحابه.
وحمل جعفر وأصحابه على آذين وأصحابه، حتى صعدوا إليه، فحملوا عليه حملة منكرة، فانحدر إلى الوادي، وحمل عليه جماعة من أصحاب أبي سعيد، فإذا تحت دوابهم آبار محفورة، فتساقطت الفرسان فيهأن فوجه الأفشين الفعلة يطمون تلك الآبار، ففعلوأن وحمل الناس عليهم حملة شديدة.
وكان آذين قد جعل فوق الجبل عجلاً عليها صخر، فلما حمل الناس عليه دفعتلك العجل عليهم، فأفرج الناس منها حتى تدحرجت، ثم حمل الناس من كل وجه، فلما نظر بابك إلى أصحابه قد أحدق بهم خرج من طرف البذ، ممايلي الأفشين، فأقبل نحوه، فقيل للأفشين: إن هذا بابك يريدك، فتقدم إليه، حتى سمع كلامه، وكلام أصحابه، والحرب مشتبكة في ناحية آذين، فقال: أريد الأمان من أمير المؤمنين، فقال له الأفشين: قد عرضت هذا عليك، وهولك مبذول متى شئت، فقال: قد شئت الآن على أن تؤخرني حتى أحمل عيالي وأتجهز، فقال له الأفشين: أنا أنصحك، خروجك اليوم خير من غد، قال: قد قبلت هذا، قال الأفشين: فابعث بالرهائن! فقال: نعم، أما فلان وفلان فهم على ذلك التل، فمر أصحابك بالتوقف.
فجاء رسول الأفشين ليرد الناس، فقيل له إن أعلام الفراغنة قد دخلت البذ، وصعدوا بها القصور، فركب وصاح بالناس، فدخل، ودخلوا وصعد الناس بالأعلام فوق قصور بابك، وكان قد كمن في قصوره، وهي أربعة، ستمائة رجل، فخرجوا على الناس، فقاتلوهم، ومر بابك، حتى دخل الوادي الذي يلي هشتادسر، واشتغل الأفشين ومن معه بالحرب على أبواب القصور، فأحضر النفاطين فأحرقوهأن وهدم الناس القصور، فقتلوا الخرمية عن آخرهم، وأخذ الأفشين أولاد بابك وعيالاته، وبقي هناك حي أدركه المساء، فأمر الناس بالانصراف، فرجعوا إلى الخندق بروذ الروذ.
وأما بابك فإنه سار فيمن معه، وكانوا قد عادوا إلى البذ، بعد رجوع الأفشين، فأخذوا ما أمكنهم من الطعام والأموال، ولما كان الغد رجع الأفشين إلى البذ، وأمر بهدم القصور وإحراقهأن ففعلوأن فلم يدع منها بيتأن وكتب إلى ملوك أرمينية وبطارقتهم، يعلمهم ان بابك قد هرب وعدة معه، وهومار بكم، وأمرهم بحفظ نواحيهم، ولا يمر بهم أحد إلا أخذوه، حتى يعرفوه.
وجاءت جواسيس الأفشين إليه فأعلموه بموضع بابك، وكان في واد كثير الشجر والعشب، طرفه بأذربيجان، وطرفه الآخر بأرمينية، ولم يمكن الخيل نزوله، ولا يرى من يستخفي فيه لكثرة شجره ومياهه، ويسمى هذا الوادي عيضة؛ فوجه الأفشين إلى كل موضع فيه طريق إلى الوادي جماعة من أصحابه يحفظونه، وكانوا خمس عشرة جماعة.
وورد كتاب المعتصم فيه أمان بابك، فدعا الأفشين من كان استأمن إليه من أصحابه، فأعلمهم ذلك، وأمرهم بالمسير إليه بالكتاب، وفيهم ابنه، فلم يجسر أحد منهم خوفاً منه، فقال إنه يفرح بهذا الأمان، فقالوا: نحن أعرف به منك، فقام رجلان فقالا: اضمن لنا أنك تجري على عيالاتنأن فضمن لهمأن فسارا بالكتاب، فلما رأياه أعلماه ما قدما له، فقتل أحدهما وأمر الآخر أن يعود بالكتاب إلى الأفشين.
وكان ابنه قد كتب إليه معهما كتابأن فقال لذلك الرجل: قل لابن الفاعلة: لوكنت ابني للحقت بي ولكنك لست ابني ولأن تعيش يوماً واحداً وأنت رئيس خير من أن تعيش أربعين سنة عبداً ذليلاً! وقعد في موضعه فلم يزل في تلك الغيضة حتى فني زادهن وخرج من بعض تلك الطرق، وكان من عليه من الجند قد تنحوا قريباً منه، وتركوا عليه أربعة نفر يحرسونه.
فبيمنا هم ذات يوم، نصف النهار، إذ خرج بابك وأصحابه، فلم ير العسكر، ولا أولئك الذيم يحرسون المكان، فطن أن ليس هناك أحد، فخرج هووعبد الله أخوه، ومعاوية، وأمه، وامرأة أخرى، وساروا يريدون أرمينية، فرآهم الحراس، فأرسلوا إلى أصحابهم: إننا قد رأينا فرساناً لا ندري من هم، وكان أبوالساج هوالمقدم عليهم، فركب الناس وساروا نحوهم، فرأوا بابك وأصحابه قد نزلوا على ماء يتغذون، فلما رأى العساكر ركب هوومن معه، فنجا هو، وأخذ معاوية، وأم بابك والمرأة الأخرى، فأرسلهم أبوالساج إلى الأفشين.
وسار بابك في جبال أرمينية مستخفيأن فاحتاج إلى طعام، وكان بطارقة أرمينية قد تحفظوا بنواحيهم، وأوصوا أن لا يجتاز بهم أحد إلا أخذوه حتى يعرفوه، وأصاب بابك الجوع، فرأى حراثاً في بعض الأودية، فقال لغلامه: انزل إلى هذا الحراث، وخذ معك دنانير ودراهم، فغ، كان خبز فاشتر منه.
وكان للحراث شريك قد ذهب لحاجة، فنزل الغلام إلى الحراث ليأخذ منه الطعام، فرآه رفيق الحراث، فظن أنه يأخذ ما معه غصبأن فعدا إلى المسلحة، وأعلمهم أن رجلاً عليه سيف وسلاح قد أخذ خبز شريكه، فركب صاحب المسلحة، وكان في جبال ابن سنباط، فوجه إلى سهل بن سنباط بالخبر، فركب في جماعة فوافى الحراث والغلام عنده، فسأل عنه فأخبره الحراث خبره، فأخبره الغلام عن مولاه، ودله عليه، فلما رأى وجه بابك عرفه فترجل له، واخذ يده فقبلهأن وقال: أين تريد؟ قال: بلاد الروم، قال: لا تجد أحداً أعرف بحقك مني، وليس بيني وبين السلطان عمل، وكل من ها هنا من البطارقة إمنا هم أهل بيتك، قد صار لك منهم أولاد، وذلك أن بابك كان إذا علم أن عند بعضهم من النساء امرأة جميلة طلبهأن فإن بعث بها إليه، وإلا أسرى إليه فأخذها ونهب ماله وعاد، فخدعه ابن سنباط، حتى صار إلى حصنه.
وأرسل بابك أخاه عبد الله إلى حصن اصطفانوس، فأرسل ابن سنباط إلى الأفشين يعلمه بذلك، فكتب إليه الأفشين يعده ويمنيه، ووجه إليه أبا سعيد وبورماره، وأمرهما بطاعته، وأمرهما ابن سنباط بالمقام في مكان سماه، وقال: لا تبرحا حتى يأتيكما رسولي، فيكون العمل بما يقول لكما.
ثم إنه قال لبابك: قد ضجرت من هذا الحصن، فلونزلت إلى لاصيد، ففعل، فلما نزل من الحصن أرسل ابن سنباط إلى أبي سعيد وبورماره، فأمرهما أن يوافياه: أحدهما من جانب واد هناك، والثاني من الجانب الآخر، ففعلأن فلم يحب أن يدفعه إليهما.
فبيمنا بابك وابن سنباط يتصيدان إذ خرج عليهما أبوسعيد وبورماره في أصحابهمأن وعلى بابك دراعة بيضاء، فأخذوهمأن وأمروا بابك بالنزول، فقال: من أنتم؟ فقال: أنا أبوسعيد، وهذا فلان، فنزل ثم قال لابن سنباط القبيح، وشتمه، وقال: إمنا بعتني لليهود بشيء يسير، لوأردت المال لأعطيتك أكثر مما يعطيك هؤلاء؛ فأركبه أبوسعيد، وساروا به إلى الأفشين، فلما قرب من العسكر صعد الأفشين وجلس ينظر إليه، وصف عسكره صفين، وأمر بإنزال بابك عن دابته، ومشى بين الصفين، وأدخله الأفشين بيتأن ووكل به من يحفظه، وسير معه سهل بن سنباط ابنه معاوية، فأمر له الأفشين بمائة ألف درهم، وأمر لسهل بألف ألف درهم، ومنطقة مغرقة بالجواهر وتاج البطرقة.
وأرسل الأفشين إلى عيسى بن يونس بن اصطفانوس يطلب منه عبد الله أخا بابك، فأنفذه إليه، فحبسه مع أخيه، وكتب إلى المعتصم بذلك، فأمره بالقدوم بهما عليه.
وكان وصول بابك إلى الأفشين ببرزند لعشر خلون من شوال، وكان الافشين قد أخذ نساء كثيرة وصبياناً كثيراً ذكروا أن بابك أسرهم، وأنهم أحراراً من العرب والدهاقين، فأمر بهم فجعلوا في حظيرة كبيرة، وأمرهم أن يكتبوا إلى أوليائكم، فكل من جاء يعرف امرأة، أوصبيأن أوجارية، وأقام شاهدين أخذه، فأخذ الناس منهم خلقاً كثيرأن وبقي كثير منهم.
ذكر استيلاء عبد الرحمن على طليطلة
قد ذكرنا عصيان أهل طليطلة على عبد الرحمن بن الحكم بن هشام الأموي، صاحب الأندلس، وإنفاذ الجيوش إلى محاصرتها مرة بعد مرة، فلما كان سنة إحدى وعشرين وائتين خرج جماعة من أهلها إلى قلعة رباح، وبها عسكر لعبد الرحمن، فاجتمعوا كلهم على حصر كليكلة، وضيقوا عليهأن وعلى أهلهأن وقطعوا عنهم باقي مرافقهم واشتدوا في محاصرتهم، فبقوا كذلك إلى أن دخلت سنة اثنتين وعشرين.
فسير عبد الرحمن أخاه الوليد بن الحكم إليها أيضأن فرأى أهلها وقد بلغ بهم الجهد كل مبلغ، واشتد عليهم طول الحصار، وضعفوا عن القتال والدفع، فافتتحها قهراً وعنوةً يوم السبت لثمان خلون من رجب، وأمر بتجديد القصر على باب الحصن الذي كان هدم أيام الحكم، وأقام بها إلى آخر شعبان من سنة ثلاث وعشرين ومائتين، حتى استقرت قواعد أهلها وسكنوا.
ذكر عدة حوادثوحج بالناس هذه السنة محمد بن داود.
وفيها ظهر عن يسار القبلة كوكب، فبقي يرى نحواً من أربعين ليلة، وله شبه الذنب، وكان أول ما طلع نحوالمغرب، ثم رثي بعد ذلك نحوالمشرق، وكان طويلاً جدأن فهال الناس ذلك، وعظم عليهم. ذكره ابن أبي أسامة في تاريخه وهومن الثقات الأثبات.
وفيها توفي يحيى بن صالح أبوزكرياء الوحاظي، وهودمشقي، وقيل حمصي.
وفيها توفي أبوهشام محمد بن علي بن أبي خداش الموصلي؛ وكان كثير الرواية من المعافى بن عمران.
حوادث سنة ثلاث وعشرين ومائتين
ذكر قدوم الأفشين ببابكفي هذه السنة قدم الأفشين إلى سامرأن ومعه بابك الخرمي وأخوه عبد الله، في صفر سنة ثلاث وعشرين ومائتين، وكان المعتصم يوجه إلى الأفشين في كل يوم، من حين سار من برزند إلى أن وافى سامرأن خلعةً وفرسأن فلما صار الأفشين بقناطر حذيفة تلقاه هارون الواثق بن المعتصم، وأهل بيت المعتصم، وأنزل الأفشين بابك عنده في قصره بالمطيرة، فأتاه أحمد بن أبي دؤاد متنكرأن فنظر إلى بابك وكلمه، ورجع إلى المعتصم فوصفه له، فأتاه المعتصم أيضاً متنكراً فرآه.
فلما كان الغد قعد المعتصم واصطف الناس من باب العامة إلى المطيرة، فشهره المعتصم، وأمر أن يركب على الفيل، فركب عليه، واستشرفه الناس إلى باب العامة، فقال محمد بن عبد الملك الزيات:
قد خضب الفيل كعاداته ... يحمل شيطان خراسان
والفيل لا تخضب أعضاؤه ... إلا لذي شأن من الشأن
ثم أدخل دار المعتصم، فأمر بإحضار سياف بابك، فحضر، فأمره المعتصم أن يقطع يديه ورجليه، فقطعهأن فسقط، فأمره بذبحه، ففعل، وشق بطنه، وأنفذ رأسه إلى خراسان، وصلب بدنه بسامرأن وأمر بحمل أخيه عبد الله إلى أسحاق بن إبراهيم ببغداد، وأمره أن يفعل به ما فعل بأخيه بابك، فعمل به ذلك، وضرب عنقه، وصلبه في الجانب الشرقي بين الجسرين.
قيل فكان الذي أخرج الأفشين من المال مدة مقامه بإزاء بابك، سوى الأرزاق والأنزال والمعارف، في كل يوم يركب فيه عشرة آلاف درهم، وفي كل يوم لا يركب فيه خمسة آلاف، فكان جميع من قتل بابك في عشرين سنة مائتي ألف وخمسة وخمسين ألفاً وخمس مائة إنسان، وغلب من القواد يحيى بن معاذ، وعيسى بن محمد بن أبي خالد، وأحمد بن الجنيد فأسره، وزريق بن علي بن صدقة، ومحمد بن حميد الطوسي، وإبراهيم بن الليث.
وكان الذين أسروا مع بابك ثلاثة آلاف وثلاثمائة وتسعة أناسي، واستنقذ ممن كان في يده من المسلمات وأولادهن سبعة آلاف وستمائة إنسان، وصار في يد الأفشين من بني بابك سبعة عشر رجلأن ومن البنات والنساء ثلاث وعشرون امرأة.
ولما وصل الأفشين توجه المعتصم وألبسه وشاحين بالجوهر، ووصله بعشرين ألف ألف درهم وعشرة آلاف ألف يفرقها في عسكره، وعقد له على السند، وأدخل عليه الشعراء يمدحونه.
ذكر خروج الروم إلى زبطرةوفي هذه السنة خرج توفيل بن ميخائيل ملك الروم إلى بلاد الإسلام، وأوقع بأهل زبطرة وغيرها.
وكان سبب ذلك أن بابك لما ضيق الأفشين عليه، وأشرف على الهلاك، كتب إلى ملك الروم توفيل يعلمه أن المعتصم قد وجه عساكره ومقاتليه إليه، حتى وجه خياطه، يعني جعفر بن دينار الخياط، وطباخة، يعني إيتاخ، ولم يبق على بابه أحد، فإن أردت الخروج إليه فليس في وجهك أحد يمنعك.
وظن بابك أن ملك الروم إن تحرك يكشف عنه بعض ما هوفيه بإنفاذ العساكر إلى مقاتلة الروم، فخرج توفيل في مائة ألف، وقيل أكثر، منهم من الجند نيف وسبعون ألفأن وبقيتهم أتباع، ومعهم من المحمرة الذين كانوا خرجوا بالجبال فلحقوا بالروم حين قاتلهم إسحاق بن إبراهيم بن مصعب جماعة، فبلغ زبطرة، فقتل من بها من الرجال، وسبى الذؤية والنساء، وأغار على أهل ملطية وغيرها من حصون المسلمين، وسبى المسلمات، ومثل بمن صار في يده من المسلمين وسمل أعينهم، وقطع أنوفهم وآذانهم، فخرج إليهم أهل الثغور من الشام والجزيرة، إلا من لم يكن له دابة ولا سلاح.
ذكر فتح عموريةلما خرج ملك الروم، وفعل في بلاد الإسلام ما فعل، بلغ الخبر إلى المعتصم، فلما بلغه ذلك استعظمه، وكبر لديه، وبلغه أن امرأة هاشمية صاحت، وهي أسيرة في أيدي الروم: وامعتصماه! فأجابها وهوجالس على سريره: لبيك لبيك! ونهض من ساعته، وصاح في قصره: النفير النفير، ثم ركب دابته، وسمط خلفه شكالأن وسكة حديد، وحقيبة فيها زاده، فلم يمكنه المسير إلا بعد التعبئة، وجمع العساكر، فجلس في دار العامة، وأحضر قاضي بغداد وهوعبد الرحمن بن إسحاق، وشعبه بن سهل، ومعهما ثلاثمائة وثمانية وعشرون رجلاً من أهل العدالة، فأشهدهم على ما وقف من الضياع، فجعل ثلثاً لولده، وثلثاً لله تعالى، وثلثاً لمواليه.
ثم سار فعسكر بغربي دجلة لليلتين خلتا من جمادى الأولى، ووجه عجيف بن عنبسة، وعمر الفرغاني، ومحمد كوتاه، وجماعة من القواد إلى زبطرة معونة لأهلهأن فوجدوا ملك الروم قد انصرف عنها إلى بلاده، بعدما فعل ما ذكرناه، فوقفوا حتى تراجع الناس إلى قراهم واطمأنوا.
فلما ظفر المعتصم ببابك قال: أي بلاد الروم أمنع وأحصن؟ فقيل: عمورية لم يعرض لها أحد منذ كان الإسلام، وهي عين النصرانية، وهي أشرف عندهم من القسطنطينية. فسار المعتصم من سر من رأى، وقيل كان مسيره سنة اثنتين وعشرين، وقيل سنة أربع وعشرين، وتجهز جهازاً لم يتجهزه خليفة قبله قط من السلاح، والعدد، والآلة، وحياض الأدم، والروايأن والقرب، وغير ذلك، وجعل على مقدمته أشناس، ويتلوه محمد ابن إبراهيم بن مصعب، وعلى ميمنته إيتاخ، وعلى ميسرته جعفر بن دينار ابن عبد الله الخياط، وعلى القلب عجيف بن عنبسة، فلما دخل بلاد الروم نزل على نهر السن، وهوعلى سلوقية، قريباً من البحر، وبينه وبين طرسوس مسيرة يوم، وعليه يكون الفداء.
وأمضى المعتصم الأفشين إلى سروج، وأمره بالدخول من درب الحدث، وسمى له يوماً يكون دخوله فيه، ويماً يكون اجتماعهم فيه، وسير أشناس من درب طرسوس، وأمره بانتظاره بالصفصاف، فكان مسير أشناس لثمان بقين من رجب، وقدم المعتصم وصيفاً في أثر أشناس ورحل المعتصم لست بقين من رجب.
فلما صار أشناس بمرج أسقف ورد عليه كتاب المعتصم من المطامير يعلمه أن ملك الروم بين يديه، وأنه يريد أن يكسبهم، ويأمر بالمقام إلى أن يصل إليه، فأقام ثلاثة أيام، فورد عليه كتاب المعتصم يأمره أن يوجه قائداً من قواده في سرية يلتمسون رجلاً من الروم يسألونه عن خبر الملك، فوجه أشناس عمر الفرغاني في مائتي فارس، فدخل حتى بلغ أنقرة، وفرق أصحابه في طلب رجل رومي، فأتوه بجماعة بعضهم من عسكر املك، وبعضهم من السواد، فأحضرهم عند أشناس، فسألهم عن الخبر، فأخبروه أن الملك مقيم أكثر من ثلاثين يوماً ينتظر مقدمة المعتصم ليواقعهم، فأتاه الخبر أن عسكراً عظيماً قد دخل بالدهم من ناحية الأرمنياق، يعني عسكر الأفشين؛ قالوا: فلما أخبر استخلف ابن خاله على عسكره، وسار يريد ناحية الأفشين، فوجه أشناس بهم إلى المعتصم، فأخبروه الخبر، فكتب المعتصم كتاباً إلى الأفشين يعلمه أن ملك الروم قد توجه إليه، ويأمره أن يقيم مكانه، خوفاً عليه من الروم، إلى أن يرد عليه كتابه، وضمن لمن يوصل كتابه إلى الأفشين عشرة آلاف درهم.
فسارت الرسل بالكتاب إلى الأفشين، فلم يروه لأنه أوغل في بلاد الروم، وكتب المعتصم إلى أشناس يأمره بالتقدم، فتقدم المعتصم من ورائه، فلما رحل أشناس نزل المعتصم مكانه، حتى صار بينه وبين أنقرة ثلاث مراحل، فضاق عسكر المعتصم ضيقاً شديداً من الماء والعلف.
وكان أشناس قد أسر في طريقه عدة أسرى، فضرب أعناقهم، حتى بقي منهم شيخ كبير، فقال له: ما تنتفع لقتلي، وأنت وعسكرك في ضيق، وها هنا قوم قد هربوا من أنقرة خوفاً منكم، وهم بالقرب منأن معهم الطعام والشير وغيرهمأن فوجه معي قوماً لأسلمهم إليهم، وخل سبيلي! فسير معه خمسمائة فارس، ودفع الشيخ إلى مالك بن كيدر، وقال له: متى أراك هذا الشيخ سبياً كثيرأن أوغنيمة كثيرة، فخل سبيله.
فسار بهم الشيخ فأوردهم على واد وحشيش، فأمرجوا دوابهم، وشربوأن وأكلوأن وساروا حتى خرجوا من الغيضة، وسار بهم الشيخ حتى أتى جبالً، فنزله ليلأن فلما أصبحوا قال الشيخ: وجهوا رجلين يصعدان هذا الجبل، فينظران ما فوق، فيأخذان من أدركا! فصعد أربعة، فاخذوا رجلاً وامرأة، فسألهما الشيخ عن أهل أنقرة، وهم في طرف ملاحة، فلما رأوا العسكر أدخلوا النساء والصبيان الملاحة، وقاتلوهم على طرفهأن وغمن المسلمون منهم وأخذوا من الروم عدة أسرى وفيهم من فيه جراحات عتق متقدمة، فسألوهم عن تلك الجراحات، فقالوا: كنا في وقعة الملك مع الأفشين، وذلك أن الملك لما كان معسكراً أتاه الخبر بوصول الأفشين في عسكر ضخم من ناحية الأرمنياق، واستخلف على عسكره بعض أقربائه، وسار إليهم، فواقعناهم صلاة الغداة، فهزمناهم وقتلنا رجالتهم كلهم، وتقطعت عساكرنا في طلبهم. فلما كان الظهر رجع فرسانهم فقالتونا قتالاً شديداً حتى فرقوا عسكرنا واختلطوا بنأن فلم ندر أين الملك، وانهزمنا منهم، ورجعنا إلى معسكر الملك الذي خلقه، فوجدنا العسكر قد انتقض، وأصروا عن قرابة الملك.
فلما كان الغد جاء الملك في جماعة يسيرة فرأى عسكره قد اختل، وأخذ الذي كان استخلفه عليهم، فضرب عنقه، وكتب إلى المدن والحصون أن لا يأخذوا أحداً انصرف من العسكر إلا ضربوه بالسياط، وردوه إلى مكان سماه لهم الملك، ليجتمع إليه الناس، يلقى المسلمين، وإن الملك وجه خصياً له إلى أنقرة ليحفظ أهلهأن فرآهم قد أجلوا عنهأن فكتب إلى الملك بذلك، فأمره بالمسير إلى عمورية، فرجع مالك بن كيدر بما معهم من الغنيمة والأسرى إلى عسكر أشناس، وغمنوا في طريقهم بقرأن وغمناً كثيرأن وأطلق الشيخ، فلما بلغ مالك بن كيدر عسكر أشناس أخبره بما سمع، فأعلم المعتصم بذلك، فسر به.
فلما كان بعد ثلاثة أيام جاء البشير من ناحية الأفشين بخبر السلامة، وكانت الوقعة لخمس بقين من شعبان، فلما كان الغد قدم الأفشين على المعتصم وهوبأنقرة، فأقاموا ثلاثة أيام، ثم جعل المعتصم العسكر ثلاثة عساكر: عسكر فيه أشناس في الميسرة، والمعتصم في القلب، وعسكر الأفشين في الميمنة، وبين كل عسكر وعسكر فرسخان، وأمر كل عسكر أن يكون له ميمنة وميسرة، وأمرهم أن يحرقوا القرى، ويخربوهأن ويأخذوا من لحقوا فيهأن ثم ترجع كل طائفة إلى صاحبهأن يفعلون ذلك في ما بين أنقرة وعمورية، وبينهما سبع مرحل، ففعلوا ذلك حتى وافوا عمورية.
وكان أول من وردها أشناس، ثم المعتصم، ثم الأفشين، فداروا حولهأن وقسمها بين القواد، وجعل لكل واحد منهم أبراجاً منها على قدر أصحابه، وكان رجل من المسلمين قد أسره الروم بعمورية فتنصر، فلما رأى المسلمين خرج عليهم، فأخبر المعتصم أن موضعاً من المدينة وقع سوره في سيل أتاه، فكتب الملك إلى عامل عمورية ليعمره، فتوانى، فلما خرج الملك من القسطنطينية خاف العامل أن يرى السور خرابأن فبنى وجهه حجراً حجرأن وعمل الشرف على جسر خشب، فرأى المعتصم ذلك المكان، فأمر بضرب خيمته هناك، ونصب المجانيق على ذلك الموضع، فانفرج السور من ذلك الموضع.
فلما رأى الروم ذلك جعلوا عليه خشباً كباراً كل عود يلزق الآخر، وكان المنجنيق يكسر الخشب، فجعلوا عليه براذع، فلما ألحت المجانيق على ذلك الموضع تصدع السور، وكتب الخصي، وبطريق عمورية، واسمه ناطس، كتاباً إلى ملك الروم يعلمه أمر السور، وسيره مع رجلين، فأخذهما المسلمون، وسألهما المعتصم، وفتشهمأن فرأى الكتاب وفيه أن العسكر قد أحاط بالمدينة، وقد كان دخوله إليها خطأن وأن ناطس عازم على أن يركب في خاصته ليلأن ويحمل على العسكر كائناً ما كان، حتى يخلص ويسير إلى الملك؛ فلما قرأ المعتصم الكتاب أمر لهما ببدرة، وهي عشرة آلاف درهم، وخلع، فأسلمأن فأمر بهمأن فطافا حول عمورية، وأن يقفا مقابل البرج الذي فيه ناطس، فوقفا وعليهما الخلع، والأموال بين أيديهمأن فعرفهما ناطس ومن معه من الروم، فشتموهما.
وأمر المعتصم بالاحتياط في الحراسة ليلاً ونهارأن فلم يزالوا كذلك حتى انهدم السور ما بين برجين من ذلك الموضع، وكان المعتصم أمر أن يطم خندق عمورية بجلود الغمن المملوءة تراباً فطموه، وعمل دبابات كباراً تسع كل دبابة عشرة رجال ليدحرجوها على الجلود إلى السور، فدحرجوا واحدة منهأن فلما صارت في نصف الخندق تعلقت بتلك الجلود، فما تخلص من فيها إلا بعد شدة وجهد، وعمل سلاليم ومنجنيقات.
فلما كان الغد من يوم انهدم السور قاتلهم على الثلمة، فكان أول من بدأ بالحرب أشناس وأصحابه، وكان الموضع ضيقأن فلم يمكنهم الحرب فيه، فأمدهم المعتصم بالمنجنيقات التي حول السور، فجمع بعضها إلى بعض حول الثلمنة، وأمر أن يرمي ذلك الموضع.
وكانت الحرب في اليوم الثاني على الأفشين وأصحابه، وأجادوا الحرب، وتقدموأن والمعتصم على دابته بإزاء الثلمة، وأشناس، والأفشين، وخواص القواد معه، فقال المعتصم: ما أحسن ما كان الحرب اليوم! وقال عمر الفرغاني: الحرب اليوم أجود منها أمس، فأمسك أشناس.
فلما انتصف النهار، وانصرف المعتصم والناس، وقرب أشناس من مضربه، ترجل له القواد، كما مانوا يفعلون، وفيهم الفرغاني، وأحمد ابن الخليل بن هشام، فقال لهم أشناس: يا أولاد الزنا! ايش تمشون بين يدي، كان ينبغي أن تقاتلوا أمس حيث تقفون بين يدي أمير المؤمنين، فتقلون الحرب اليوم أجود منها أمس؛ كان يقاتل أمس غيركم، انصرفوا إلى مضاربكم، فلما انصرف الفرغاني، وأحمد بن الخليل، قال أحدهما للأخر: إلا ترى إلى هذا العبد ابن الفاعلة، يعني أشناس، ما صنع اليوم؟ أليس الدخول إلى الروم أهون من هذا؟ فقال الفرغاني لأحمد، وكان عنده علم من العباس بن المأمون: سيكفيك الله أمره عن قريب، فألح أحمد عليه، فأخبره، فأشار عليه أن يأتي العباس فيكون في أصحابه، فقال أحمد: هذا أمر أظنه لا يتم، قال الفرغاني: قد تم، وأرشده إلى الحارث السمرقندي فأتاه، فرفع الحارث خبره إلى العباس، فكره العباس أن يعلم بشيء من أمره، فأمسكوه عنه.
فلما كان اليوم الثالث كان الحرب على أصحاب المعتصم، ومعهم المغاربة والأتراك، وكان القيم بذلك إيتاخ، فقاتلوأن وأحسنوأن واستع لهم هدم السور، فلم تزل الحرب كذلك حتى كثرت الجراحات في الروم.
وكان بطارقة الروم قد اقتسموا أبراج السور، وكان البطريق الموكل بهذه الناحية وندوأن وتفسيره ثور، فقاتل ذلك اليوم قتالاً شديدأن وفي الأيام قبله، ولم يمده ناطس، ولا غيره بأحد، فلما كان الليل مشى وندوا إلى الروم فقال: إن الحرب علي وعلى أصحابي، ولم يبق معي أحد إلا جرح، فصيروا أصحابكم على الثلمة يرمون قليلأن وإلا ذهبت المدينة؛ فلم يمدوه بأحد وقالوا: لا مندك ولا تمدنأن فعزم هووأصحابه على الخروج إلى المعتصم يسألونه الأمان على الذرية، ويسلمون إليه الحصن بما فيه.
فلما أصبح وكل أصحابه بجانبي الثلمة وأمرهم أن لا يحاربوأن وقال: أريد الخروج إلى المعتصم، فخرج إليه فصار بين يديه، والناس يتقدمون إلى الثلمة، وقد أمسك الروم عن القتال، حتى وصلوا إلى السور، والروم يقولون: لا تخشوأن وهم يتقدمون، ووندوا جالس عند المعتصم، فأركبه فرسأن وتقدم الناس حتى صاروا في الثلمة وعبد الوهاب بن علي بين يدي المعتصم يومئ إلى المسلمين بالدخول، فدخل الناس المدينة، فالتفت وندوا وضرب بيده على لحيته، فقال له المعتصم: ما لك؟ قال: جئت أسمع كلامك، فغدرت بي، قال المعتصم: كل شيء تريده فهولك، ولست أخالفك؛ قال: ايش تخالفني، وقد دخل الناس المدينة.
وصار طائفة كبيرة ن الروم إلى كنيسة كبيرة لهم، فأحرقها المسلمون عليهم، فهلكوا كلهم؛ وكان ناطس فر برجه، حوله أصحابه، فركب المعتصم ووقف مقابل ناطس، فقيل له: يا ناطس! هذا أمير المؤمنين، وظهر من البرج وعليه سيف، فنحاه عنه، ونزل حتى وقف بين يديه، فضربه سوطأن وسار المعتصم إلى مضربه، وقال: هاتوه! فمشى قليلأن فأمر المعتصم بحمله، وأخذ السيف الروم، وأقبل الناس بالأسرى والسبي من كل وجه، فأمر المعتصم أن يعزل منهم أهل اشرف، ونقل من سواهم، وأمر ببيع المغامن في عدة مواضع، فبيع منها في أكثر من خمسة أيام، وأمر الباقي فأحرق.
وكان لا ينادي على شيء أكثر من ثلاثة أصوات ثم يوجب بيعه، طلباً للسرعة؛ وكان ينادي على الرقيق خمسة خمسة وعشرة عشرة، طلباً للسرعة، ولما كان، في بعض الأيام، بيع المغامن، وهوالذي كان عجيف وعد الناس أن يثور فيه بالمعتصم على ما نذكره، وثب الناس على المغامن، فركب المعتصم، والسيف في يده، وسار ركضاً نحوهم، فتنحوا عنهأن وكفوا عن النهب، فرجع إلى مضربه، وأمر بعمورية فهدمت وأحرقت، وكان نزوله عليها لست خلون من شهر رمضان، وأقام عليها خمسة وخمسين يوماً، وفرق الأسرى على القواد، وسار نحوطرسوس.
ذكر حبس العباس بن المأمونفي هذه السنة حبس المعتصم العباس بن المأمون، وأمر بلعنه.
وكان سبب ذلك أن عجيف بن عنبسة لما وجهه المعتصم إلى بلاد الروم لما كان ملك الروم بزبطرة، مع عمر الفرغاني ومحمد كوتاه، لم يطلق يد عجيف في النفقات، كما أطلقت يد الأفشين، واستقصر المعتصم أمر عجيف وأفعاله، وظهر ذلك لعجيف. فوبخ العباس بن المأمون على ما تقدم من فعله عند وفاة المامون، حتى بايع المعتصم، وشجعه على أن يتلافى ما كان منه.
فقبل العباس قوله، ودس رجلاً يقال له الحراث السمرقندي، قرابة عبيد الله بن الوضاح، وكان العباس يأنس به، وكان الحارث أديباً له عقل ومداراة، فجعله العباس رسوله، وسفره إلى القواد، وكان يدور في العسكر، حتى استمال له جماعة من القواد، وبايعوه، وجماعة من خواص المعتصم، وقال لكل من بايعه: إذا أظهرنا أمرنا فليثب كل منكم بالقائد الذي هومعه، فوكل من بايعه من خواص المعتصم بقتله. ومن بايعه من خاصة الأفشين بقتله، ومن بايعه من خاصة أشناس بقتله، وكذلك غيرهم، فضمنوا له ذلك.
فلما دخل الردب، وهم يريدون أنقرة وعمورية، دخل الأفشين من ناحية ملطية، فأشار عجيف على العباس أن يثب بالمعتصم في الدرب، وهوفي قلة من الناس، فيقتله ويرجع إلى بغداد، فإن الناس يفرحون بانصرافهم إلى بغداد من الغزو، فأبى العباس ذلك، وقال: لا أفسد هذه الغزاة، حتى دخلوا بلاد الروم، وافتتحوا عمورية، فقال عجيف للعباس: يا نائم! قد فتحت عمورية، والرجل مكن، تضع قوماً ينهبون بعض الغنائم، فإذا بلغه ذلك ركب في سرعة، فتأمر بقتله هناك؛ فأبى عليه، وقال: انتظر حتى يصير إلى الدروب، ويخلوكما كان أول مرة، وهوأمر ممكن منه ها هنا.
وكان عجيف قد أمر من ينهب المتاع، ففعلوأن وركب المعتصم، وجاء ركضأن وسكن الناس، ولم يطلق العباس أحداً من أولئك الذين واعدهم، وكرهوا قتله بغير أمر العباس.
وكان الفرغاني قد بلغه الخبر ذلك اليوم، وله قرابة غلام أمرد من خاصة المعتصم، فجاء الغلام إلى ولد عمر الفرغاني، وشرب عندهم تلك الليلة، فأخبرهم خبر ركوب المعتصم، وأنه كان معه، وأمره أن يسل سيفه ويضرب كل من لقيه، فسمع عمر ذلك من الغلام، فأشفق عليه من أن يصاب، فقال: يا بني! أقلل من المقام عند أمير المؤمنين، والزم خيمتك، وإن سمعت صيحة وشغباً فلا تبرح فإنك غلام غر، ولا تعرف العساكر، فعرف مقالة عمر.
وارتحل المعتصم إلى الثغور، ووجه الأفشين ابن الأقطع، وأمره أن يغير على بعض المواضع، ويوافيه في الطريق، فمضى وأغار، وعاد إلى العسكر في بعض المنازل ومعه الغنائم، فنزل بعسكر الأفشين، وكان كل عسكر على حدة، فتوجه عمر الفرغاني، وأحمد بن الخليل من عسكر أشناس إلى عسكر الأفشين ليشتريا من السبي شيئأن فلقيهما الأفشين فترجلأن وسلما عليه، وتوجها إلى الغنيمة، فرآهما صاحب أشناس، فأعلمه بهمأن فأرسل أشناس إليهما بعض أصحابه لينظر ما يصنعان، فجاء فرآهما وهما ينتظران بيع السبي، فرجع فأخبر أشناس الخبر، فقال أشناس لحاجبه: قل لهما يلزما العسكر، وهوخير لهمأن فاغتما لذلك، واتفقا على أن يذهبا إلى صاحب خبر العسكر، فيستعفياه من أشناس، فأتياه وقالا: نحن عبيد أمير المؤمنين، فضمنا إلى من شاء، فإن هذا الرجل يستخف بنأن قد شتمنأن وتوعدنأن نحن نخاف أن يقدم علينا فليضمنا أمير المؤمنين إلى من أراد.
فأنهى ذلك إلى المعتصم، واتفق الرحيل، وسار أشناس والأفشين مع المعتصم، فقال لأشناس: أحسن أدب عمر وأحمد، فإنهما قد حمقا أنفسهما! فجاء أشناس إلى عسكره، فأخذهمأن وحبسهمأن وحملهما على بغل، حتى صارا بالصفصاف، فجاء ذلك الغلام، وحكى للمعتصم ما سمع من عمر الفرغاني في تلك الليلة، فأنفذ المعتصم بغأن وأخذ عمر من عند أشناس، وسأله عن الذي قاله لغلام، فأنكر ذلك، وقال: إنه كان سكران، ولم يعلم ما قلت، فدفعه إلى إيتاخ؛ وسار المعتصم، فأنفذ أحمد بن الخليل إلى أشناس يقول له: إن عندي نصيحة لأمير المؤمنين، فبعث إليه يسأله عنهأن فقال: لا أخبر بها إلا أمير المؤمنين، فحلف أشناس: إن هولم يخبرني بهذه النصيحة لأضربنه بالسياط حتى يموت.
فلما سمع ذلك أحمد حضر عند أشناس، وأخبره خبر العباس بن المأمون، والقواد، والحارث السمرقندي، فأنفذ أشناس، وأخذ الحارث وقيده وسيره إلى المعتصم، وكان قد تقدم، فلما دخل على المعتصم أخبره بالحال جميعه، وبجميع من بايعهم من القواد وغيرهم، فأطلقه المعتصم، وخلع عليه، ولم يصدق على أولئك القواد لكثرتهم.
وأحضر المعتصم العباس بن المأمون وسقاه حتى سكر، وحلفه أن لا يكتمه من أمره شيئأن فشرح له أمره كله مثل ما شرح الحارث، فأخذه وقيده وسلمه إلى الأفشين، فحبسه عنده.
وتتبع المعتصم أولئك القواد، وكانوا يحملون في الطريق على بغال بلا وطاء، وأخذ أيضاً الشاه بن سهل، وهومن أهل خراسان، فقال له المعتصم: يابن الزاني! أحسنت إليك فلم تشكر؛ فقال: ابن الزانية هذأن وأومأ إلى العباس، وكان حاضرأن لوتركني ما كنت الساعة تقدر أن تجلس هذا المجلس، وتقول هذا الكلام! فأمر به فضربت عنقه، وهوأول من قتل منهم، ودفع العباس إلى الأفشين.
فلما نزل منبج طلب العباس بن المأمون الطعام، فقدم إليه طعام كثير، فأكل ومنع الماء، وأدرج في مسح، فمات بمنبج، وصلى عليه بعض إخوته.
وأما عمر الفرغاني فلما وصل المعتصم إلى نصيبين حفر له بئرأن وألقاه فيها وطمها عليه.
وأما عجيف فمات بباعيناثا من بلد الموصل، وقيل بل أطعم طعاماً كثيرأن ومنع الماء، حتى مات بباعيناثا.
وتتبع جميعهم، فلم يمض عليهم إلا أيام قلائل حتى ماتوا جميعاً، ووصل المعتصم إلى سامرا سالمأن فسمى العباس يومئذ اللعين، وأخذ أولاد المأمون من سندس، فحبسهم في داره حتى ماتوا بعد. ومن أحسن ما يذكر أن محمد بن علي الإسكافي كان يتولى إقطاع عجيف، فرفع أهله عليه إلى عجيف، فأخذه، وأراد قتله، فبال في ثيابه خوفاً من عجيف، ثم شفع فيه، فقيده وحبسه، ثم سار إلى الروم، وأخذه المعتصم، كما ذكرنأن وأطلق من كان في حبسه، وكانوا جماعة نهم الإسكافي، ثم استعلم على نواح بالجزيرة، ومن جملتها باعيناثا. قال: فخرجت يوماً إلى تل باعيناثأن فاحتجت إلى الوضوء، فجئت إلى تل فلبت عليه، ثم توضأت ونزلت، وشيخ باعيناثا ينتظرني، فقال لي: في هذا التل قبر عجيف، وأرانيه، فإذا أنا قد بلت عليه، وكان بين الأمرين سنة لا تزيد يوماً ولا تنقص يوماً.
ذكر وفاة زيادة الله بن الأغلب وابتداء ولاية أخيه الأغلب
في هذه السنة رابع عشر رجب توفي زيادة الله بن إبراهيم بن الأغلب، أمير إفريقية، وكان عمره إحدى وخمسين سنة وتسعة أشهر وثمانية أيام، وكانت إمارته إحدى وعشرين سنة وسبعة أشهر، وولي بعده أخوه أبوعفان الأغلب بن إبراهيم بن الأغلب، فأحسن إلى الجند، وأزال مظالم كثيرة، وزاد العمال في أرزاقهم، وكف أيديهم عن الرعية، وقطع النبيذ والخمر عن القيروان، وسير سرية سنة أربع وعشرين ومائتين إلى صقلية فغمنت وسلمت.
وفي سنة خمس وعشرين ومائتين استأمن عدة حصون من جزيرة صقلية إلى المسلمين، منها: حصن البلوط، وابلاطنو، وقرلون، ومرو، وسار أسطول المسلمين إلى قلورية ففتحهأن ولقوا أسطول صاحب القسطنطيية، فهزموه بعد قتال، فعاد الأسطول إلى القسطنطينية مهزومأن فكان فتحاً عظيماً.
وفي سنة ست وعشرين ومائتين سارت سرية للمسلمين بصقلية إلى قصر يانة، فغمنت، وأحرقت وسبت، فلم يخرج إليها أحد، فسارت إلى حصن الغيران، وهوأربعون غارأن فغمنت جميعهأن وتوفي الأمير أبوعفان فيها على ما نذكره إن شاء الله تعالى.
ذكر عدة حوادثورح في هذه السنة، في شوال، إسحاق بن إبراهيم، جرحه خادم له، وحج بالناس هذه السنة محمد بن داود.
وفي هذه السنة سير عبد الرحمن بن الحكم صاحب الأندلس جيشاً إلى ألبة، والقلاع، فنزلوا حصن الغرات، وحصوره، وغمنوا ما فيه، وقتلوا أهله، وسبوا النساء والذؤية وعادوا.
حوادث سنة أربع وعشرين ومائتين
ذكر مخالفة مازيار بطبرستانفي هذه السنة أظهر مازيار بن قارن بن هرمز الخلاف على المعتصم بطبرستان، وعصى وقاتل عساكره.
وكان سببه أن مازيار كان منافراً عبد الله بن طاهر لا يحمل إليه خراجه، وكان المعتصم يأمره بحمله إلى عبد الله، فيقول: لا أحمله إلا إليك، وكان المعتصم ينفذ من يقبضه من أصحاب مازيار بهمذان، ويسلمه إلى وكيل عبد الله بن طاهر يرده إلى خراسان.
وعظم الشر بين مازيار وعبد الله، وكان عبد الله يكتب إلى المعتصم، حتى استوحش من مازيار، فلما ظفر الأفشين ببابك، وعظم محله عند المعتصم، طمع في ولاية خراسان، فكتب إلى مزيار يستميله، ويظهر له المودة، ويعلمه أن المعتصم قد وعده ولاية خراسان، ورجا أنه إذا خالف مازيار سيره المعتصم إلى حربه، وولاه خراسان، فحمل ذلك مازيار على الخلاف، وترك الطاعة، ومنع جبال طبرستان، فكتب المعتصم إلى عبد الله بن طاهر يأمره بمحاربته، وكتب الأفشين إلى مازيار يأمره بمحاربة عبد الله، وأعمله أنه يكون له عند المعتصم كما يجب، ولا يشك الأفشين أن مازيار يقوم في مقابلة ابن طاهر، وأن المعتصم يحتاج إلى إنفاذه وإنفاذ عساكر غيره.
فلما خالف دعا الناس إلى البيعة، فبايعوه كرهأن واخذ الرهائن فحبسهم، وأمر أكرة الضياع بانتهاب أربابها.
وكان مازيار أيضاً يكاتب بابك، واهتم مازيار بجمع الأموال من تعجيل الخراج وغيره، وفجبى في شهرين ما كان يؤخذ في سنة، ثم أمر قائداً له يقال له سرخاستان، فأخذ أهل آمل، وأهل سارية جميعهم، فنقلهم إلى جبل على النصف ما بين سارية وآمل، يقال له هرمزاباذ، فحبسهم فيه، وكانت عدتهم عشرين ألفأن فلما فعل ذلك تمكن من أمره، وأمر بتخريب سور آمل، وسور سارية، وسور طميس، فخربت الأسوار.
وبني سرخاستان سوراً من طميس إلى البحر، مقدار ثلاثة أميال، كانت الأكاسرة بنته لتمنع الترك من الغارة على طبرستان، وجعل له خندقأن ففزع أهل جرجان، وخافوأن فهرب بعضهم إلى نيسابور، فأنفذ عبد الله ابن طاهر عمه الحسن بن الحسين بن مصعب في جيش كثيف لحفظ جرجان، وأمره أن ينزل على الخندق الذي عمله سرخاستان، فسار حتى نزله، وصار بينه وبين سرخاستان صاحب الخندق، ووجه أيضاً ابن طاهر حيان بن جبلة في أربعة آلاف إلى قومس، فعسكر على حد جبال شروين، ووجه المعتصم من عنده محمد بن إبراهيم بن مصعب أخا إسحاق بن إبراهيم، ومعه الحسن ابن قارن الطبري، ومن كان عنده من الطبرية، ووجه المنصور بن الحسن صاحب دنباوند إلى الري ليدخل طبرستان من ناحية الري، ووجه أبا الساج إلى اللارز ودنباوند.
فلما أحدقت الخيل بمازيار من كل جانب كان أصحاب سرخاستان يتحدثون مع أصحاب الحسن بن الحسين، حتى استأنس بعضهم ببعض، فتوامر بعض أصحاب الحسن في دخول السور، فدخلوه إلى أصحاب سرخاستان على غفلة من الحسن، ونظر الناس بعضهم إلى بعض، فثاروأن وبلغ الخبر إلى الحسن، فجعل يصيح بالقوم، ويمنعهم خوفاً عليهم، فلم يقفوأن ونصبوا علمه على معسكر سرخاستان؛ وانتهى الخبر إلى سرخاستان، وهوفي الحمام، فهرب في غلالة، وحيث رأى الحسن أن أصحابه قد دخلوا السور قال: اللهم إنهم عصوني وأطاعوك، فانصرهم.
وتبعهم أصحابه حتى دخلوا إلى الدرب من غير مانع، واستولوا على عسكر سرخاستان، وأسر أخوه شهريار، ورجع الناس عن الطلب لما أدركهم الليل، فقتل الحسن شهريار، وسار سرخاستان حافياً فجهده العطش، فنزل عن دابته، وشدهأن فبصر به رجل من أصحابه، وغلام اسمه جعفر، وقال سرخاستان: يا جعفر! تسقني ماء، فقد هلكت عطشاً؛ فقال: ليس عندي ما أسقيك فيه.
قال جعف: واجتمع إلي عدة من أصحابي، فقلت لهم: هذا الشيطان قد أهلكنأن فلم لا نتقرب إلى السلطان به، ونأخذ لأنفسنا الأمان؟ فثاورناه، وكتفناه، فقال لهم: خذوا مني مائة ألف درهم واتركوني، فإن العرب لا تعطيكم شيئاً؛ فقالوا: أحضرها! فقال: سيروا معي إلى المنزل لتقبضوهأن وأعطيكم المواثيق على الوفاء، فلم يفعلوأن وساروا به نحوعسكر المعتصم، ولقيتهم خيل الحسن بن الحسين، فضربوهم، وأخذوه منهم، وأتوا به الحسن، فأمر به فقتل.
وكان عند سرخاستان رجل من أهل العراق يقال له أبوشاس يقول الشعر، وهوملازم له ليتعلم منه أخلاق العرب، فلما هجم عسكر العرب على سرخاستان انتهبوا جميع ما لأبي شاس، وخرج، واخذ جرة فيها ماء، واخذ قدحأن وصاح: الماء للسبيل، وهرب، فمر بمضرب كاتب الحسن، فعرفه أصحابه، فادخلوه إليه، فأكرمه وأحسن إليه، وقال له: قل شعراً تمدح به الأمير، فقال: والله ما بقي في صدري شيء من كتاب الله من الخوف، فكيف أحسن الشعر؟ ووجه الحسن برأس سرخاستان إلى عبد الله بن طاهر؛ وكان حيان بن جبلة مولى عبد الله بن طاهر قد أقبل مع الحسن، كما ذكرنأن وهوبناحية طميس، وكاتب قارن بن شهريار، وهوابن أخي مازيار، ورغبه في المملكة، وضمن له أن يملكه على جبال أبيه وجده، وكان قارن من قواد مازيار، وقد أنفذه مازيار مع أخيه عبد الله بن قارن، ومعه عدة من قواده، فلما استماله حيان ضمن له قارن أن يسلم إليه الجبال ومدينة سارية إلى حدود جرجان، على هذا الشرط، وكتب بذلك حيان إلى عبد الله بن طاهر، فأجابه إلى كل ما سأل، وأمر حيان أن لا يوغل حتى يستدل على صدق قارن، وهوأخومازيار، ودعا جميع قواده إلى طعامه، فلما وضعوا سلاحهم واطمأنوا أحدق بهم أصحابه في السلاح، وكتفهم ووجه بهم إلى حيان، فلما صاروا إليه استوثق منهم، وركب في اصحبه حتى دخل جبال قارن.
وبلغ الخبر مازيار فاغتم لذلك، فقال له القوهيار: في حبسك عشرون ألفاً من بين حائك، وإسكاف، وحداد، وقد شغلت نفسك بهم، وإمنا أتيت من مأمنك وأهل بيتك، فما تصنع بهؤلاء المحبسين عندك؟ قال: فأطلق مازيار جميع من في حبسه، ودعا جماعة من أعيان أصحابه، وقال لهم: إن بيوتكم في السهل، وأخاف أن يؤخذ حرمكم وأموالكم، فانطلقوا وخذوا لأنفسكم أماناً ففعلوا ذلك.
ولما بلغ أهل سارية أخذ سرخاستان ودخول حيان جبل شروين وثبوا على عامل مازيار بسارية، فهرب منهمن وفتح الناس السجن، وأخرجوا من فيه؛ وأتى حيان إلى مدينة سارية، وبلغ قوهيار أخا مازيار الخبر، فأرسل إلى حيان مع محمد بن موسى بن حفص يطلب الأمان، وأن يملك على جبال أبيه وجده ليسلم إليه مازيار، فحضر عند حيان ومعه أحمد ابن الصقر، وأبلغاه الرسالة، فأجاب إلى ذلك.
فلما رجعا رأى حيان تحت أحمد فرساً حسنأن فأرسل إليه وأخذه منه، فغضب أحمد من ذلك وقال: هذا الحائك العبد يفعل بشيخ مثلي ما فعل! ثم كتب إلى قوهيار: ويحك! لم تغلط في أمرك وتترك مثل الحسن ابن الحسين عم الأمير عبد الله بن طاهر، وتدخل في أمان هذا العبد الحائك، وتدفع إليه أخاك، وتضع قدرك، وتحقد عليك الحسن بتركك إياه، وبميلك إلى عبد من عبيده؟
فكتب إليه قوهيار: أراني قد غلطت في أول الأمر، وعدت الرجل أن أصير إليه بعد غد، ولا آمن إن خالفته أن يناهضني ويستبيح دمي ومنزلي وأموالي، وإن قاتلته، فقتلت من أصحابه، وجرت الدماء فسد كل ما عملناه، ووقعت الشحناء.
فكتب إليه أحمد: إذا كان يوم الميعاد فابعث إليه رجلاً من أهلك، وأكتب إليه أنه قد عرضت علة منعتني عن الحركة، وأنك تتعالج ثلاثة أيام، فإن عوفيت، وإلا سرت إليك في محمل، وسنحمله نحن على قبول ذلك، فأجابه إليه، وكتب أحمد بن الصقر، ومحمد بن موسى بن حفص إلى الحسن بن الحسين وهوبطميس: أن اقدم علينا لندفع إليك مازيار والخيل، وإلا فاتك؛ ووجها الكتاب إليه مع من يستحثه.
فلما وصل الكتاب ركب من ساعته، وسار مسيرة ثلاثة أيام في ليلة، وانتهى إلى سارية، فلما أصبح تقدم إلى خرماباذ، وهوالموعد بين قوهيار وحيان، وسمع حيان وقع طبول الحسن، وفتلقاه على فرسخ، فقال له الحسن: ما تصنع ها هنا؟ ولم توجه إلى هذا الموضع؟ وقد فتحت جبال شروين وتركتهأن فما يؤمنك أن يغدر أهلهأن فينتقض جميع مات عملنا؟ ارجع إليهم حتى لا يمكنهم الغدر إن هموا به. فقال حيان: أريد أن أحمل أثقالي وآخذ أصحابي؛ فقال له الحسن: سر أنت، فأنا باعث بأثقالك وأصحابك.
فخرج حيان من فوره، كما أمره، وأتاه كتاب عبد الله بن طاهر أن يعسكر بكور، وهي من جبال وندادهرمز، وهي أحصنهأن وكانت أموال مازيار بهأن فأمر عبد الله أن لا يمنع قارن مما يريد من الأموال والجبال، فاحتمل قارن مما كان بها وبغيرها من أموال مازيار وسرخستان، وانتقض على حيان ما كان عمله بسبب شرهه إلى ذلك الفرس، وتوفي بعد ذلك حيان، فوجه عبد الله مكانه عمه محمد بن الحسين ين مصعب، وسار الحسن بن الحسين إلى خرماباذ، فأتاه محمد بن موسى بن حفص، وأحمد بن الصقر، فشكرهما وكتب إلى قوهيار، فأتاه، فأحسن إليه الحسن، وأكرمه، وأجابه إلى جميع ما طلب إليه منه لنفسه وتواعدوا يوماً يحضر مازيار عنده.
ورجع قوهيار إلى مازيار، فأعلمه أنه قد أخذ له الأمان، واستوثق له. وركب الحسن يوم الميعاد وقت الظهر، ومعه ثلاثة غلمان أتراك، وأخذ إبراهيم بن مهران يدله على الطريق إلى أرم، فلما قاربها خاف إبراهيم، وقال: هذا موضع لا يسلكه إلا ألف فارس، فصاح به: امض! قال: فمضيت وأنا طائش العقل، حتى وافينا ارم، فقال: أين طريق هرمزباذ قلت: على هذا الجيل في هذا الطريق، فقال: سر إليهاّ فقلت: الله الله في نفسك وفينأن وفي هذا الخلق الذين معك، فصاح: امض يا ابن اللخناء! فقلت: اضرب عنقي أحب إلي من أن يقبلني مازيار، ويلزمني الأمير عبد الله الذني. فانتهرني حتى ظننت أنه يبطش بي، فسرت وأنا خائف فأتينا هرمزباذ مع اصفرار الشمس، فنزل فجلس ونحن صيام.
وكانت الخيل قد تقطعت لأنه ركب بغير علم الناس، فعلموا بعد مسيره. قال: وصلينا المغرب، وأقبل الليل، وإذ بفرسان بين أيديهم الشمع مشتعلأن مقبلين من طريق لبورة، فقال الحسن: أين طريق لبورة؟ فقلت: أرى عليه فرساناً ونيرانأن وأنا داهش لا أقف على حقيقة الأمر، حتى قربت النيران، فنظرت، فإذا المازيار مع القوهيار، فنزلأن وتقدم مازيار فسلم على الحسن، فلم يرد عليه السلام، وقال لرجلين من أصحابه: خذاه إليكمأن فأخذاه، فلما كان السحر وجه السن مازيار معهما إلى سارية، وسار الحسن إلى هرمزاباذ، فأحرق قصر مازيار، وانهب ماله وسار إلى خرماباذ، وأخذ إخوة مازيار فحبسوا هنالك، ووكلوا بهم، وسار إلى مدينة سارية، فأقام بهأن وحبس ماززيا.
ووصل محمد بن إبراهيم بن مصعب إلى الحسن بن الحسين، فسار به ليناظره في معنى المال الذي لمازيار وأهله، فكتب إلى عبد الله بن طاهر، فأمر الحسن بتسليم مازيار وأهله إلى محمد بن إبراهيم ليسير بهم إلى المعتصم، وأمره أن يستقصي على أموالهم ويحرزهأن فاحضر مازيار وسأله عن أمواله، فذكر أنها عند خزانة، وضمن قوهيار ذلك، وأشهد على نفسه، وقال مازيار: اشهدوا علي أن جميع ما أخذت من أموالي ستة وتسعون ألف دينار، وسبع عشرة قطعة زمرد، وست عشرة قطعة ياقوت، وثمانية أحمال من ألوان الثياب، وتاج، وسيف مذهب مجوهر، وخنجر من ذهب مكلل بالجوهر، وحق كبير مملوء جوهرً، قيمته ثمانية عشر ألف ألف ردهم، وقد سلمت ذلك إلى خازن عبد الله بن طاهر، وصاحب خبره على العسكر.
وكان مازيار قد استخلف هذا ليوصله إلى الحسن بن الحسين ليظهر للناس والمعتصم أنه أمنه على نفسه، وماله، وولده، وأنه جعل له جبال أبيه، فامتنع الحسن من قبوله، وكان أعف الناس.
فلما كان الغد أنفذ الحسن مازيار إلى المعتصم مع يعقوب بن المنصور، ثم أمر الحسن قوهيار أن يأخذ بغاله ليحمل عليها مال مازيار، فأخذهأن وأراد الحسن أن ينفذ معه جيشأن فقال: لا حاجة لي بهم.
وسار هووغلمانه، فلما فتح الخزائن، وأخرج الأموال وعبأها ليحملهأن وثب عليها مماليك المرزبان، وكانوا ديالمة، وقالوا: غدرت بصاحبنأن وأسلمته إلى العرب، وجئت لتحمل أمواله! وكانوا ألفاً ومائتين، فأخذوه، وقيدوه، فلما جنهم الليل قتلوه، وانتهبوا الأموال والبغال؛ فانتهى الخبر إلى الحسن ابن الحسين، فوجه جيشأن ووجه قارن جيشأن فأخذ أصحاب قارن منهم عدة منهم ابن عم مازيار يقال له: شهريار بن المصمغان، وكان هويحرضهم، فوجهه قارن إلى عبد الله بن طاهر فمات بقومس.
وعلم محمد بن إبراهيم خبرهم، فأرسل في أثرهم، فاخذوأن وبعث بهم إلى مدينة سارية.
وقيل: إن السبب في أخذ مازيار كان ابن عم له اسمه قوهيار كان له جبال طبرستان وكان لمازيار السهل؛ وجبال طبرستان ثلاثة أجبل: جبل وندادهرمز، وجبل أخيه ونداسنجان، والثالجبل شروين بن سرخاب، فقوي مازيار، وبعث إلى ابن عمه قوهيار، وقيل هوأخوه فألومه بابه، وإلى الجيل والياً من قبله له دري، فلما خالف مازيار واحتاج إلى الرجال دعا قوهيار، وقال له: أنت أعرف بجبلك من غيرك، وأظهره على أمر الأفشين، ومكاتبته، وأمره بالعود إلى جبله، وحفظه، وأمر الدري بالمجيء إليه، فأتاه فضم إليه العساكر، ووجهه إلى محاربة الحسن بن الحسين، عم عبد الله بن طاهر.
وظن مازيار أنه قد استوثق من الجبل بقوهيار، وتوثق من المواضع المخوفة بدري وعساكره، واجتمعت العساكر عليه، كما تقدم ذكره، وقربت منه.
وكان مازيار، في مدينته، في نفر يسير، فدعا قوهيار الحقد الذي في قلبه على مازيار وما صنع به إلى أن كاتب الحسن بن الحسين، وأعلمه جميع ما في عسكره ومكاتبه الافشين، فأنفذ الحسن كتاب قوهيار إلى عبد الله بن طاهر، فأنفذه عبد الله إلى المعتصم، وكاتب عبد الله والحسن قوهيار، وضمنا له جميع ما يريد، وأن يعيد إليه جبله، وما كان بيده لا ينازعه فيه أحد، فرضي بذلك، وواعدهم يوماً يسلم فيه الجبل.
فلما جاء الميعاد تقدم الحسن فحارب دري، وأرسل عبد الله بن طاهر جيشاً كثيفأن فوافوا قوهيار، فسلم إليهم الجبل، فدخلوه، ودري يحارب الحسن ومازيار في قصره، فلم يشعر مازيار إلا والخيل على باب قصره، فأخذوه أسيراً.
وقيل إن مازيار كان يتصيد، فأخذوه وقصدوا به نحودري وهويقاتل، فلم يشعر هووأصحابه إلا وعسكر عبد الله من ورائهم، ومعهم مازيار، فاندفع دري وعسكره، واتبعوه، وقتلوه، وأخذوا رأسه وحملوه إلى عبد الله بن طاهر، وحملوا إليه مازيار، فوعده عبد الله بن طاهر إن هوأظهره على كتب الأفشين أن يسأل فيه المعتصم ليصفح عنه، فأقر مازيار بذلك، وأظهر الكتب عند عبد الله بن طاهر، فسيرها إلى إسحاق بن إبراهيم، وسير مازيار، وأمره أن لا يسلمها إلا من يده إلى يد المعتصم، ففعل إسحاق ذلك، فسأل المعتصم مازيار عن الكتب، فأنكرهأن فضربه حتى مات، وصلبه إلى جانب بابك.
وقيل إن مخالفة مازيار كانت سنة خمس وعشرين، والأول أصح، لأن قتله كان في سنة خمس وعشرين، وقيل إنه اعترف بالكتب على ما نذكره إن شاء الله تعالى.
ذكر عصيان منكجور قرابة الأفشينلما فرغ الأفشين من بابك وعاد إلى سامرأن استعمل على أذربيجان، وكان في عمله منكجور، وهومن أقاربه، فوجد في بعض قرى بابك مالاً عظيمأن ولم يعلم به المعتصم، ولا الأفشين، فكتب صاحب البريد إلى المعتصم، وكتب منكجور يكذبه، فتناظرأن فهم منكجور ليقتله، فمنعه أهل أردبيل، فقاتلهم منكجور.
وبلغ ذلك المعتصم، فأمر الأفشين بعزل منكجور، فوجه قائداً في عسكر ضخم، فلما بلغ منكجور الخبر خلع الطاعة، وجمع الصعاليك، وخرج من أردبيل، فواقعه القائد، فهزمه، وسار إلى حصن من حصون أذربيجان التي كان بابك خربهأن فبناه، وأصلحه، وتحصن فيه، فبقي به شهراً.
ثم وثب به أصحابه، فأسلمه إلى ذلك القائد، فقدم به إلى سامرأن فحبسه المعتصم، واتهم الأفشين في أمره؛ وكان قدومه سنة خمس وعشرين ومائتين؛ وقيل إن ذلك القائد الذي أنفذ إلى منكجور كان بغا الكبير، وإن منكجور خرج إليه بأمان.
ذكر ولاية عبد الله الموصل وقتلهفي هذه السنة عصى بأعمال الموصل إنسان من مقدمي الأكراد اسمه جعفر ابن فهرجس، وتبعه خلق كثير من الأكراد وغيرهم ممن يريد الفساد، فاستعمل المعتصم عبد الله بن السيد بن أنس الأزدي على الموصل، وأمره بقتال جعفر، فسار عبد الله إلى الموصل، وكان جعفر بما نعيس قد استولى عليهأن فتوجه عبد الله إليه، وقاتله وأخرجه ما نعيس.
فقصد جبل داسن، وامتنع بموضع عال فيه لا يرام، والطريق إليه ضيق، فقصد عبد الله إلى هناك، وتوغل في تلك المضايق، حتى وصل إليه وقاتله، فاستظهر جعفر ومن معه من الأكراد على عبد الله لمعرفتهم بتلك المواضع وقوتهم على القتال بها رجالة، فانهزم عبد الله وقتل أكثر من معه.
وممن ظهر منهم إنسان اسمه رباح حمل على الأكراد، فخرق صفهم، وطعن فيهم، وقتل، وصار وراء ظهورهم، وشغلهم عن أصحابه، حتى نجا منهم من أمكنه النجاة، فتكاثر الأكراد عليه، ألقى نفسه من رأس الجبل على فرسه، وكان تحته نهر، فسقط الفرس في الماء وجاء رباح.
وكان فيمن أسره جعفر رجلان أحدهما اسمه إسماعيل والآخر إسحاق ابن أنس، وهم عم عبد الله بن السيد، وكان إسحاق صهر جعفر، فقدمهما جعفر إليه، فظن إسماعيل أنه يقتله، ولا يقتل إسحاق للصهر الذي بينهمأن فقال: يا إسحاق أوصيك بأولادي؛ فقال له إسحاق: أتظن أنك تقتل وأبقى بعدك؟ ثم التفت إلى جعفر فقال: أسألك أن تقتلني قبله لتطيب نفسه؛ فبدأ به فقتله، وقتل إسماعيل بعده.
فلما بلغ ذلك المعتصم أمر إيتاخ بالمسير إلى جعفر وقتاله، فتجهز، وسار إلى الموصل سنة خمس وعشرين، وقصد جبل داسن، وجعل طريقه على سوق الأحد، فالتقاه جعفر، فقاتله قتالاً شديدأن فقتل جعفر، وتفرق أصحابه، فانكشف شره وأذاه عن الناس.
وقيل إن جعفراً شرب سماً كان معه فمات، وأوقع إيتاخ بالأكراد، فأكثر القتل فيهم، واستباح أموالهم، وحشر الأسرى والنساء والأموال إلى تكريت.
وقيل: إن إيقاع إيتاخ بجعفر كان سنة ست وعشرين، والله أعلم.
ذكر غزاة المسلمين بالأندلسوفي هذه السنة سير عبد الرحمن عبد الله المعروف ابن البلنسي إلا بلاد العدو، فوصلوا إلى ألبة والقلاع، فخرج المشركون إليه في جمعهم، وكان بينهم حرب شديدة، وقتال عظيم، فانهزم المشركون وقتل منهم ما لا يحصى، وجمعت الرؤوس أكداسأن حتى كان الفارس لا يرى من يقابله.
وفيها خرج لذريق في عسكره، وأراد الغارة على مدينة سالم من الأندلس، فسار إليه فوتون بن موسى في عسكر رار، فلقيه وقاتله، فانهزم لذريق وكثر القتل في عسكره، وسار فرتون إلى الحصن الذي كان بناه أهل ألبة بإزاء ثغور المسلمين، فحصره، وافتتحه وهدمه.
ذكر عدة حوادثفي هذه السنة تولى جعفر بن دينار اليمن.
وفيها تزوج الحسين بن الأفشين أتراجة ابنة أشناس، ودخل بها في قصر المعتصم في جمادى الآخرة، وأحضر عرسها عامة أهل سامرأن وكانوا يغلفون العامة بالغالية، وهي في تيغار من فضة.
وفيها امتنع محمد بن عبد الله الورثاني بورثان، ثم عاود الطاعة، وقدم على المعتصم بأمان سنة خمس وعشرين ومائتين.
وفيها مات ناطس الرومي وصلب بسامرا.
وفيها مات إبراهيم بن المهدي في رمضان، وصلى عليه المعتصم؛ وحج بالناس محمد بن داود.
وفيها وقع بإفريقية فتنة كان فيها حرب بين عيسى بن ريعان الأزدي وبين لواتة وزواغة ومكناسة، فكانت الحرب بين قفصة وقسطيلية، فقتلهم عيسى عن آخرهم.
وفيها اجتمع أهل سجلماسة مع مدرار بن أليسع على تقديم ميمون بن مدرار في الإمارة على سجلماسة وإخراج أخيه المعروف بابن تقية، فلما استقر الأمر لميمون أخرج أباه وأمه إلى بعض قرى سجلماسة.
وفيها فتح نوح بن أسد كاسان وأورشت، بما وراء النهر، وكانتا قد نقضتا الصلح، وافتتح أيضاً اسبيجاب، وبنى حوله سوراً يحيط بكروم أهله ومزارعهم.
وفيها مات أبوعبيد القاسم بن سلام الإمام اللغوي، وكان عمره سبعاً وستين سنة كانت وفاته بمكة.
سلام بتشديد اللام.
حوادث سنة خمس وعشرين ومائتين
ذكر وصول مازيار إلى سامرا
في هذه السنة كان وصول مازيار إلى سامرأن فخرج إسحاق بن إبراهيم فأخذه من الدسكرة، وأدخله سامرا على بغل بأكاف، لانه امتنع من ركوب الفيل، فأمر المعتصم أن يجمع بينه وبين الأفشين.
وكان الأفشين قد حبس قبل ذلك بيوم، فأقر مازيار أن الأفشين كان يكاتبه، ويحسن له الخلاف والمعصية، فأمر برد الأفشين إلى محبسه وضرب مازيار أربعمائة وخمسين سوطأن وطلب ماء للشرب، فسقي، فمات من ساعته.
وقيل ما تقدم ذكره، وقد تقدم من اعتراف مازيار بكتب الأفشين في غير موضع ما يخالف هذأن وسببه اختلاف الناقلين.
ذكر غضب المعتصم على الأفشين وحبسهوفي هذه السنة غضب المعتصم على الأفشين وحبسه.
وكان سبب ذلك أن الأفشين كان أيام محاربة بابك لا تأتيه هدية من أهل أرمينية وأذربيجان إلا وجه بها إلى اشروسنة، فيجتاز بذلك بعبد الله بن طاهر، فيكتب عبد الله إلى المعتصم يعرفه الخبر، فكتب إليه المعتصم يأمره بإعلامه بجميع ما يوجه به الأفشين، ففعل ذلك عبد الله ذلك، فكان الأفشين كلما اجتمع عنده مال يجعله على أوساط أصحابه في الهمايين ويسيره إلى أشروسنة.
فأنفذ مرة مالاً كثيرأن فبلغ أصحابه إلى نيسابور، فوجه عبد الله بن طاهر، ففتشهم، فوجد المال في أوساطهم، فقال: من أين لكم هذا المال؟ فقالوا: للأفشين؛ فقال: كذبتم، لوأراد أخي الأفشين أن يرسل مثل هذه الهدايا والأموال لكتب يعلمني ذلك الأمر بتسييره، وإمنا أنتم لصوص.
وأخذ عبد الله المال فأعطاه الجند، وكتب إلى الأفشين يذكره له ما قال القوم، وقال: أنا أنكر أن تكون وجهت بمثل هذا المال ولم تعلمني، وقد أعطيته الجند عوض المال الذي يوجهه أمير المؤمنين، فغن كان المال لك كما زعموا فإذا جاء المال من عند أمير المؤمنين رددته عليك، وإن يكن غير هذأن فأمير المؤمنين أحق بهذا المال، وإمنا دفعته إلى الجند لأني أريد أن أوجههم إلى بلاد الترك.
فكتب إليه الأفشين: إن مالي ومال أمير المؤمنين واحد، وسأله إطلاق القوم، فأطلقهم، فكان ذلك سبب الوحشة بينهما.
وجعل عبد الله يتتبعه، وكان الأفشين يسمع من المعتصم ما يدل على أنه يريد عزل عبد الله عن خراسان، فطمع في ولايتهأن فكاتب مازيار يحسن له الخلاف ظناً منه أنه إذا خالف عزل المعتصم عبد الله عن خراسان واستعمله عليهأن وأمره بمحاربة مازيار، فكان من أمر مازيار ما تقدم؛ وكان من عصيان منكجور ما ذكرناه أيضأن فتحقق المعتصم أمر الأفشين، فتغير عليه.
وأحس الأفشين بذلك، فلم يدر ما يصنع، فعزم على أن يهيئ أطوافاً في قصره، ويحتال في يوم شغل المعتصم وقواده أن يأخذ طريق الموصل، ويعبر الزاب على تلك الأطواف، ويصير إلى أرمينية، وكانت ولاية أرمينية إليه، ثم يصير إلى بلاد الخزر، ثم يدور في بلاد الترك، ويرجع إلى أشروسنة، أويستميل الخزر على المسلمين، فلم يمكنه ذلك، فعزم على أن يعمل طعاماً كثيرأن ويدعوالمعتصم والقواد، ويعمل فيه سمأن فإن لم يجيء المعتصم عمل ذلك بالقواد مثل أشناس وإيتاخ وغيرهمأن يوم تشاغل المعتصم، فإذا خرجوا من عنده سار في أول الليل، فكان في تهيئة ذلك.
فكان قواده ينوبون في دار المعتصم، كما يفعل القواد، فكان أواجن الأشروسني قد جرى بينه وبين من قد اطلع على أمر الأفشين حديث، فقال أواجن: لا يتم هذا الأمر، فذهب ذلك الرجل إلى الأفشين فأعلمه، فتهدد أواجن، فسمعه بعض من يميل إلى أواجن من خدم الأفشين، فأتاه ذلك الخادم فأعلمه الحال بعد عوده من النوبة، فخاف على نفسه، فخرج إلى دار المعتصم، فقال لإيتاخ: إن لأمير المؤمنين عندي نصيحة؛ قال قد نام أمير المؤمنين، فقال أواجن: لا يمكنني أن أصبر إلى غد، فدق إيتاخ الباب على بعض من يخبر المعتصم بذلك، فقال المعتصم: قل له ينصرف الليلة إلى غد! فقال: إن انصرفت ذهبت نفسي، فأرسل المعتصم إلى إيتاخ: بيته عندك الليلة.
فبيته عنده، فلما أصبح الصباح بكر به على باب المعصم، فأخبره بجميع ما كان عنده، فأمر المعتصم بإحضار الأفشين، فجاء في سواده، فأمر بأخذ سواده وحبسه في الجوسق، وكتب المعتصم إلى عبد الله بن طاهر في الاحتيال على الحسين بن الأفشين، وكان الحسين قد كثرت كتبه إلى عبد الله، فشكا من ونوح بن الأسد الأمير بما وراء النهر، وتحامله على ضياعه، وناحيته، فكتب عبد الله إلى نوح يعلمه ما كتب به المعتصم في أمر الحسين، ويأمره أن يجمع أصحابه ويتأهب، فإذا قدم عليه الحسين بكتاب ولايته فخذه، واستوثق منه، واحمله إليّ.
وكتب عبد الله إلى الحسين يعلمه أنه قد عزل نوحأن وأنه قد ولاه ناحيته، ووجه إليه بكتاب عزل نوح وولايته، فخرج ابن الأفشين في قله من أصحابه وسلاحه، حتى ورد على نوح، وهويظن أنه والي الناحية، فأخذ نوح وقيده، ووجهه إلى عبد الله بن طاهر، فوجه به عبد الله إلى المعتصم، فأمر المعتصم بإحضار الأفشين ليقابل على ما قيل عنه، فاحضر عند محمد بن عبد الملك الزيات، وزير المعتصم، وعنده ابن أبي دؤاد وإسحاق بن إبراهيم، وغيرهما من الأعيان، وكان المناظر له ابن الزيات، فأمر بإحضار مازيار، والموبذ، والمرزبان بن بركش، وهوأحد ملوك السغد، ورجلين من أهل السغد، فدعا محمد بن عبد الملك بالرجلين، وعليهما ثياب رثة، فقال لهما: ما شأنكمأن فكشفا عن ظهورهمأن وهي عارية من اللحم، فقال للأفشين: أتعرف هؤلاء؟ قال: نعم، هذا مؤذن وهذا إمام بنيا مسجداً بأشروسنة، فضربت كل واحد منهما ألف سوط، وذلك أن بيني وبين ملك السغد عهداً وشرطاً أن أترك كل قوم على دينهم، فوثب هذان على بيت كان فيه أصنام أهل أشروسنة، فأخرجا الأصنام وجعلاه مسجدأن فضربتهما على هذا.
قال ابن الزيات: ما كتاب عندك قد حليته بالذهب والجوهر فيه الكفر بالله تعالى؟ قال: كتاب ورثته عن أبي فيه من آداب العجم وكفرهم فكنت آخذ الآداب وأترك الكفر، ووجدته محلى، فلم أحتج إلى أخذ الحلية منه، وما ظننت أن هذا يخرج من الإسلام.
ثم تقدم الموبذ فقال: إن هذا يأكل لحم المخنوقة، ويحملني على أكلهأن ويزعم أنها رطب من المذبوحة. وقال لي يوماً: قد دخلت لهؤلاء القوم في كل شيء أكرهه، حتى أكلت الزيت، وركبت الجمل، والبغل، غير أني هذه الغاية لم تسقط عني شعرة، يعني أخذ شعر العانة، ولم أختتن.
فقال الأفشين: أخبروني عن هذه أثقة هوفي دينه؟ وكان مجوسيأن وإمنا أسلم أيام المتوكل، فقالوا: لا! فقال: فما معنى قبول شهادته؟ ثم قال لموبذ: أليس كنت أدخلك علي وأطلعك على سري؟ قال: بلى! قال: لست بالثقة في دينك، ولا بالكريم في عهدك، إذا أفشيت سراً أسررته إليك.
ثم تقدم المرزبان فقال: كيف يكتب إليك أهل بلدك؟ قال: لا أقول! قال: أليس يكتبون بكذا بالاشروسنية؟ قال: بلى! قال: أليس تفسيره بالعربية: إلى إله الآلهة من عبده فلان بن فلان؟ قال: بلى! قال: محمد بن عبد الملك الزيات: المسلمون لا يحتملون هذأن فما أبقيت لفرعون قال: هذه كانت عادتهم لأبي وجدي ولي قبل أن أدخل في الإسلام، فكرهت أن أضع نفسي دونهم فتفسد علي طاعتهم.
ثم تقدم مازيار قالوا للأفشين: هل كاتبت هذا؟ قال: لا! قالوا لمازيار: هل كتب إليك؟ قال: نعم، كتب أخوه إلى أخي قوهيار أنه لم يكن ينصر هذا الدين الأبيض غيري وغيرك، فأما بابك فإنه لمقته قتل نفسه، ولقد جهدت أن أصرف عنه الموت، فأبى لحمقه إلا أن أوقعه، فإن خالفت لم يكن للقوم من يرمونك به غيري، ومعي الفرسان، وأهل النجدة، فإن وجهت إليك لم يبق أحد يحاربنا إلا ثلاثة: العرب، والمغاربة، والأتراك والعربي بمنزلة الكلب اطرح له كسرة واضرب رأسه، والمغاربة أكلة راس، والأتراك، فإمنا هي ساعة حتى تنفد سهامهم، ثم تجول الخيل عليهم جولة فتأتي على آخرهم، ويعود الدين إلى ما يزل عليه أيام العجم.
فقال الأفشين: هذا يدعي أن أخي كتب إلى أخيه: لا يجب عليّ، ولوكتبت هذا الكتاب إليه لأستميله إليّ ويثق بي، ثم آخذه بقفاه، وأحظى به عند الخليفة، كما حظي عبد الله بن طاهر، فزجره ابن أبي دؤاد، فقال الأفشين: يا أبا عبد الله أنت ترفع طيلسانك فلا تضعه حتى يقاتل جماعة.
فقال له ابن أبي دؤاد: أمطهر أنت؟ قال: لا! قال: فما منعك من ذلك وبه تمام الإسلام، والطهور من النجاسة؟ فقال: أوليس في الإسلام استعمال التقية؟ قال: بلى! قال: خفت أن أقطع ذلك العضومن جسدي فأموت؛ فقال: أنت تطعن بالرمح، وتضرب بالسيف، فلا يمنعك ذلك أن يكون ذلك في الحرب، وتجزع من قطع قلفة؟ قال: تلك ضرورة تصيبني فأصبر عليهأن وهذا شيء استجلبه.
فقال ابن أبي دؤاد: قد بان لكم أمره، فقال لبغا الكبير: عليك به! فضرب بيده على منطقته، فجذبهأن واخذ بمجامع القباء عند عنقه، ورده إلى محبسه.
ذكر عدة حوادثفي هذه السنة غضب المعتصم على جعفر بن دينار لأجل وثوبه على من كان معه من الأصحاب، وحبسه عند أشناس خمسة عشر يومأن ثم رضي عنه، وعزله عن اليمن، واستعمل عليها إيتاخ.
وفيها عزل الأفشين عن الحرس، وولاه إسحاق بن يحيى بن معاذ.
وفيها سار عبد الرحمن صاحب الأندلس في جيش كثير إلى بلاد المشركين في شعبان، فدخل بلاد جليقية، فافتتح منها عدة حصون، وجال في أرضهم يخرب، ويغمن، ويقتل، ويسبي، وأطال المقام في هذه الغزاة، ثم عاد إلى قرطبة. وحج بالناس في هذه السنة محمد بن داود.
وفيها توفي أبودلف العجلي، واسمه القاسم بن عيسى، وأبوعمرو الجرمي النحوي، واسمه صالح بن إسحاق، وكان من الصالحين.
وفيها توفي أبوالحسن علي بن محمد بن عبد الله المدائني وله ثلاث وتسعون سنة، وله كتب في المغازي وأيام العرب، وكان بصريأن فأقام بالمدائن فنسب إليها.
حوادث سنة ست وعشرين ومائتينفيها وثب علي بن إسحاق بن يحيى بن معاذ وكان على المعونة بدمشق من قبل صول أرتكين عليّ بن رجاء، وكان على الخراج، فقتله وأظهر الوسواس، ثم تكلم فيه أحمد بن أبي دؤاد، فأطلق من محبسه.
وفيها مات محمد بن عبد الله بن طاهر فصلى عليه المعتصم.
ذكر موت الأفشينوفيها مات الأفشين، وكان قد أنفذ إلى المعتصم يطلب أن ينفذ إليه من يثق به، وأنفذ إليه حمدون بن إسماعيل، فأخذ يعتذر عما قيل فيه، وقال: قل لأمير المؤمنين إمنا مثلي ومثلك كرجل ربي عجلاً حتى أسمنه، وكبر، وكان له أصحاب يشتهون أن يأكلوا من لحمه، فعرضوا بذبحه، فلم يجبهم، فاتفقوا جميعاً على أن قالوا: لم تربي هذا الأسد، فإنه إذا كبر رجع إلى جنسه! فقال لهم: إمنا هوعجل؛ فقالوا: هذا أسد، فسل من شئت. وتقدموا إلى جميع من يعرفونه، وقالوا لهم: إن سألكم عن العجل فقولوا له: إنه أسد، وكلما سأل إنساناً قال: هوسبع، فأمر بالعجل فذبح، ولكني أنا ذلك العجل كيف أقدر أن أكون أسداً؟ الله الله في أمري.
قال حمدون: فقمت عنه، وبين يديه طبق فيه فاكهة قد أرسله المعتصم مع ابنه الواثق، وهوعلى حاله، فلم ألبث إلا قليلاً حتى قيل إنه يموت، أوقد مات، فحمل إلى دار أيتاخ، فمات بها وأخرجوه، وصلبوه على باب العامة ليراه الناس، ثم ألقي وأحرق بالنار، وكان موته في شعبان.
قال حمدون: وسألته هل هومطهر أم لا؟ فقال: إلى مثل هذا الموضع إمنا قال لي هذأن والناس مجتمعون، ليفضحني إن قلت نعم، قال: تكشف؛ والموت كان احب إليّ من أن أتكشف بين يدي الناس، ولكن إن شئت أتكشف بين يديك حتى تراني؛ فقلت عنه، إلا القليل، حتى مات.
قال: ولما أخذ ماله رأى في داره بيت تمثال إنسان من خشب عليه حلية كثيرة وجوهر، وفي أذنيه حجران مشتبكان، عليهما ذهب، فاخذ بعض من كان مع سليمان أحد الحجرين وظنه جوهرأن وكان ذلك ليلأن فلما أصبح نزع عنه الذهب، ووجده شيئاً شبيهاً بالصدف يسمى الحبرون، ووجدوا أصناماً وغير ذلك، والأطواف الخشب التي كان أعدهأن ووجدوا له كتاباً كتب المجوس، وكتباً غيره فيها ديانته.
ذكر وفاة الأغلب
وولاية أبي العباس محمد بن الأغلب إفريقية وما كان منه.في هذه السنة، في ربيع الآخر، توفي الأغلب بن إبراهيم يوم الخميس لسبع بقين من ربيع الآخر من هذه السنة، وكانت ولايته سنتين وسبعة أشهر وسبعة أيام.
ولما توفي ولي أبوالعباس محمد بن الأغلب بن إبراهيم بن الأغلب بلاد إفريقية بعد وفاة والده، ودانت له إفريقية، وابتنى مدينة بقرب تاهرت سماها العباسية في سنة تسع وثلاثين ومائتين، فاحرقها أفلح بن عبد الوهاب الإباضي، وكتب إلى الأموي، صاحب الأندلس، يعلمه ذلك، فبعث إليه الأموي مائة ألف درهم جزاء له على فعله.
=========

===========
مجلد 18. كتاب : الكامل في التاريخ ابن الأثير
وتوفي محمد بن الأغلب يوم الاثنين غرة المحرم من سنة اثنتين وأربعين ومائتين، وكانت ولايته خمس عشرة سنة وثمانية أشهر وعشرة أيام.
ذكر ولاية ابنه أبي إبراهيم أحمدلما توفي أبوالعباس محمد بن الأغلب ولي الأمر بعده أبو إبراهيم أحمد، وأحسن السيرة مع الرعية، واكثر العطاء للجند، وبنى بأرض إفريقية عشرة آلاف حصن بالحجارة والكلس، وأبواب الحديد، واشترى العبيد، ولم يكن في أيامه تأثر يزعجه؛ ثم توفي، رحمه الله، يوم الثلاثاء لثلاث عشرة بقيت من ذي القعدة سنة تسع وأربعين ومائتين، وكانت ولايته سبع سنين وعشرة أشهر واثني عشر يوماُ، وكان عمره ثمانياً وعشرين سنة.
ذكر ولاية أخيه أبي محمد زيادة اللهولما توفي أحمد ولي أخوه زيادة الله وجرى على سنن سلفه، ولم تطل أيامه، فتوفي يوم السبت لإحدى عشرة بقيت من ذي القعدة سنة خمسين ومائتين، وكانت ولايته سنة واحدة وستة أيام.
ذكر ولاية محمد بن أحمد بن الأغلبولما توفي زيادة الله ولي بعده أبوعبد الله محمد بن أحمد بن محمد بن الأغلب، وجرى على سنن أسلافه، وكان أدبيأن عاقلأن حسن السيرة، غير أن جزيرة صقلية تغلب الروم على مواضع منها؛ وبنى أيضاً حصوناً ومحارس على ساحل البحر.
وبالمغرب أرض تعرف بالأرض الكبيرة بينها وبين برقة مسيرة خمسة عشر يومأن وبها مدينة على ساحل البحر تدعى بارة، وكان أهلها نصارى ليسوبروم، فغزاها حياة مولى الأغلب، فلم يقدر عليهأن ثم غزاها خلفون البربري، ويقال إنه مولى لربيعة، ففتحها في خلافة المتوكل، وقام بعده رجل يسمى المفرج بن سالم، ففتح أربعة وعشرين حصنأن واستولى عليهأن فكتب إلى والي مصر يعلمه خبره، وأنه لا يرى لنفسه ومن معه من المسلمين صالة إلا بأن يعقد له الإمام على ناحيته، ويوليه إياهأن ليخرج من حد المتغلبين، وبنى مسجداً جامعاً.
ثم إن أصحابه شغبوا عليه، ثم قتلوه، ثم توفي أبوعبد الله محمد، رحمه الله، سنة إحدى وستين ومائتين، إنما ذكرنا ولاية هؤلاء متتابعة لقلة ما لكل واحد منهم.
ذكر عدة حوادثفي هذه السنة زلزلت الأهواز زلزلة شديدة، خمسة أيام، وكان مع الزلزلة ريح شديدة، فخرج الناس عن منازلهم، وخرب كثير منها.
وفيها حج بالناس محمد بن داود، أمره أشناس بذلك، وكان أشناس حاجأن وقد جعل إليه ولاية كل بلد يدخله، وخطب له على منابر مكة والمدينة وغيرهما من البلاد التي اجتاز بها بالإمرة إلى أن عاد إلى سامرا.
وفيها توفي أبوالهذيل محمد بن الهذيل بن عبد الله بن العلاف البصري، شيخ المعتزلة في زمانه، وزاد عمره على مائة سنة، وله مسائل في الأصول قبيحة تفرد بها؛ ويحيى بن يحيى بن بكر بن عبد الرحمن التميمي الحنظلي النيسابوري أبوزكرياء، وتوفي في صفر بنيسابور؛ وسليمان بن حرب الواشجي القاضي، وأبوالهيثم الرازي النحوي، وكان عالماً بنحوالكوفيين.
حوادث سنة سبع وعشرين مائتين
ذكر خروج المبرقعفي هذه السنة خرج أبوحرب المبرقع اليماني بفلسطين، وخالف على المعتصم.
وكان سبب خروجه أن بعض الجند أراد النزول في داره وهوغائب، فمنعه بعض نسائه، فضربها الجندي بسوط، فأصاب ذراعهأن فأثر فيهأن فلما رجع إلى نزله شكت إليه ما فعل لها الجندي، فأخذ سيفه وسار نحوه فقتله، ثم هرب، وألبس وجهه برقعأن وقصد بعض جبال الأردن، فأقام به، وكان يظهر بالنهار متبرقعأن فإذا جاءه أحد ذكره، وأمره بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويذكر الخليفة وما يأتي، ويعيبه، فاستجاب له قوم من فلاحي تلك الناحية.
وكان يزعم أنه أموي، فقال أصحابه: هذا السفياني، فلما كثر أتباعه من هذه الصفة دعا أهل البيوتات، فاستجاب له جماعة من رؤساء اليمانية، منهم رجل يقال له ابن بيهس كان مطاعاً في أهل اليمن، ورجلان من أهل دمشق.
واتصل الخبر بالمعتصم في مرضه الذي مات فيه، فسير إليه رجاء بن أيوب الحضاري في زهاء ألف رجل من الجند، فرآه في عالم كثير يبلغون مائة ألف، فكره رجاء مواقعته، وعسكر في مقابلته، حتى كان أوان الزراعة وعمل الأرض، فانصرف من كان مع المبرقع إلى عملهم، وبقي في زهاء ألف أوألفين.
وتوفي المعتصم وولي الوارثق، وثارت الفتنة بدمشق على ما نذكره، فأمر الواثق رجاء بقتال من أراد الفتنة والعود إلى المبرقع، ففعل ذلك، وعاد إلى المبرقع، فناجزه رجاء، فالتقى العسكران، فقال رجاء لأصحابه: ما أرى في عسكره رجلاً له شجاعة غيره، وإنه سيظهر لأصحابه ما عنده، فإذا حمل عليكم فأفرجوا له، فما لبث أن حمل المبرقع، فأفرج له أصحاب رجاء، حتى جاوزهم، ثم رجع فأفرجوا له، حتى أتى أصحابه، ثم حمل مرة أخرى، فلما أراد الرجوع أحاطوا به وأخذوه أسيراً.
وقيل: كان خروجه سنة ست وعشرين ومائتين، وإنه خرج بنواحي الرملة، وصار في خمسين ألفأن فوجه المعتصم رجاء الحضاري، فقاتله، وأخذ ابن بيهس أسيرأن وقتل من أصحاب المبرقع نحواً من عشرين ألفأن وأسر المبرقع وحمله إلى سامرا.
ذكر وفاة المعتصموفي هذه السنة توفي المعتصم أبوإسحاق محمد بن هارون الرشيد بن محمد المهدي بن عبد الله المنصور بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس، يوم الخميس لثماني عشرة مضت من ربيع الأول، وكان بدء عليته أنه احتجم أول يوم في المحرم، واعتل عندها.
قال زنام الزامر: أفاق المعتصم في علته التي مات فيهأن فركب في الزلال في دجلة، وأنا معه، فمر بإزاء منازله، فقال: يا زنام ازمر لي:
يا منزلاً لم تبل أطلاله ... حاشاً لأطلالك أن تبلى
لم أبك أطلالك لكنني ... بكيت عيشي فيك إذ ولى
والعيش أولى ما بكاه الفتى ... لا بد للمخزون أن يسلى
قال: فما زلت أزمر له هذا الصوت، وأكرره، وقد تناول منديلاً بين يديه، فما زال يبكي فيه، وينتحب، حتى رجع إلى منزله.
ولما احتضر المعتصم جعل يقول: ذهبت الحيل، ليست حيلة، حتى صمت، ثم مات ودفن بسامرا.
وكانت خلافته ثماني سنين وثمانية أشهر ويومين، وكان مولده سنة تسع وسبعين ومائة، وقيل: سنة ثمانين ومائة، في الشهر الثامن، وهوثامن الخلفاء والثامن من ولد العباس، ومات عن ثمانية بنين وثماني بنات وملك ثماني سنينوثمانية أشهر، فعلى القول الأول يكون عمره سبعاً وأربعين سنة وشهرين وثمانية عشر يومأن وعلى القول الثاني يكون عمره سبعاً وأربعين سنة وسبعة أشهر.
وكان أبيض، أصهب الحية، طويلهأن مربوعأن مشرب اللون حمرة، حسن العينين، وكان مولده بالخلدقار؛ وقال محمد بن عبد الملك الزيات يرثيه:
قد قلت إذ غيبوك واصطفقت ... عليك أيد بالترب والطين
اذهب فنعم الحفيظ كنت على ال ... دنيا ونعم المعين لدين
لا يخبر الله أمة فقدت ... مثلك إلا بمثل هارون
وكانت أمه ماردة من مولدات الكوفة، وكانت أمها صغدية، وكان أبوها نشأ بالبندنيجين.
ذكر بعض سيرتهذكر عن أحمد بن أبي دؤاد أنه ذكر المعتصم فأسهب في ذكره، وأكثر في وصفه، وذكر من طيب أعراقه، وسعة أخلاقه، وكريم عشرته، قال: وقال يومأن ونحن بعمورية: ما تقول في البسريا عبد الله؟ فقلت: يا أمير المؤمنين نحن ببلاد الروم، والبسر بالعراق؛ فقال: قد جاؤوا منه بشيء من بغداد، وعلمت أنك تشتهيه؛ ثم أحضره، فمد يده، فأخذ العذق فارغأن قال: وكنت أزامله كثيراً في سفره ذلك.
ذكر باقي الخبر قال: وأخذت لأهل الشاش منه ألفي درهم لعمل بهر كان لهم اندفن في صدر الإسلام، فأضر بهم.
وقال غيره: إنه كان لا يبالي إذا غضب من قتل، وما فعل، ولم يكن له لذة في تزيين البناء، ولم يكن بالنفقة أسمح منه بها في الحرب.
قال أحمد بن سليمان بن أبي شيخ: قدم الزبير بن بكار العراق هارباً من العلويين، لأنه كان ينال منهم، فتهددوه، فهرب منهم، وقدم على عمه مصعب بن عبد الله بن الزبير، وشكا إليه حاله، وخوفه من العلويين، وسأله إنهاء حاله إلى المعتصم، فلم يجد عنده ما أراد، وأنكر عليه حاله ولامه.
قال أحمد: فشكا ذلك إلي وسألني مخاطبة عمه في أمره، فقلت له في ذلك، وأنكرت عليه إعراضه عنه، فقال لي: إن الزبير فيه جهل وتسرع فأشر عليه أن يستعطف العلويين، ويزيل ما في نفوسهم منه، أما رأيت المأمون ورفقه بهم، وعفوه عنهم، وميله إليهم؟ قلت: بلى؛ فهذا أمير المؤمنين، والله، على مثل ذلك، أوفوقه، ولا أقدر أذكرهم عنده بقبيح، فقل له ذلك حتى يرجع عن الذي هوعليه من ذمهم.
قال إسحاق بن إبراهيم المصعبي، دعاني المعتصم يومأن فدخلت عليه، فقال: أحببت أن أضرب معك بالصوالجة، فلعبنا بها ساعة، ثم نزل وأخذ بيدي منشي إلى أن صار إلى حجرة الحمام، فقال: خذ ثيابي، فأخذتهأن ثم أمرني بنزع ثيابي، ففعلت: ودخلت، وليس معنا غلام، فقمت إليه فخدمته، ودلكته، وتولى المعتصم مني مثل ذلك فاستعفيته، فأبى علي، ثم خرجنأن ومشى وأنا معه، حتى صار إلى مجلسه، فنام، وأمرني فمنت حذاءه بعد الامتناع، ثم قال لي: يا إسحاق إن في قلبي أمراً أنا مفكر فيه منذ مدة طويلة، وإمنا بسطتك في هذا الوقت لأفشيه إليك؛ فقلت: قل يا أمير المؤمنين، فإمنا أنا عبدك وابن عبدك.
قال: نظرت إلى أخي المأمون وقد اصطنع أربعة، فلم يفلح أحد منهم، قلت: ومن الذين اصطنعهم المأمون؟ قال: طاهر بن الحسين، فقد رأيت وسمعت، وابنه عبد الله بن طاهر، فهوالرجل الذي لم ير مثله، وأنت، فأنت والله الرجل الذي لا يعتاض السلطان عنك أبداًن وأخوك محمد بن إبراهيم؟ وأنا فاصطنعت الأفشين، فقد رأيت إلى ما صار أمره، وأشناس ففشل، وإيتاخ فلا شيء، ووصيفاً فلا معنى فيه.
فقلت: أجيب على أمان من غضبك؟ قال: نعم! قلت له: يا أمير المؤمنين، نظر أخوك إلى الأصول فاستعملهأن فأنجبت، واستعمل أمير المؤمنين فروعأن فلم تنجب إذ لا أصول لها.
فقال: يا أبا إسحاق، لمقاساة ما مر بي طول هذه المدة أيسر علي من هذا الجواب.
وقال ابن دؤاد: تصدق المعتصم، ووهب على ديد مائة ألف ألف درهم.
وحكي أن المعتصم قد انقطع عن أصحابه في يوم مطر، فبيمنا هويسير رحله إذ رأى شيخاً معه حمار عليه حمل شوك، وقد زلق الحمار، وسقط، والشيخ قائم ينتظر من يمر به فعينه على حمله، فسأله المعتصم عن حاله، فأخبره، فنزل عن دابته ليخلص الحمار عن الوحل، ويرفع عليه حمله، فقال له الشيخ: بأبي أنت وأمي لا تبلل ثيابك وطيبك! فقال: لا عليك، ثم إنه خلص الحمار، وجعل الشوك عليه، وغسل يديه ثم ركب، فقال الشيخ: غفر الله لك يا شاب! ثم لحقه أصحابه، فأمر له بأربعة آلاف درهم، ووكل معه من يسير إلى بيته.
ذكر خلافة الواثق باللهوفيها بويع الواثق بالله هارون بن المعتصم في اليوم الذي توفي فيه أبوه، وذلك يوم الخميس لثماني عشرة مضت من ربيع الأول سنة سبع وعشرين ومائتين، وكان يكنى أبا جعفر، وأمه أم ولد رومية، تسى قراطيس.
وفيها هلك توفيل ملك الروم، وكان ملكه اثنتي عشرة سنة، وملكت بعده امرأته تدورة، وابنها ميخائيل بن توفيل صبي، وحج بالناس جعفر ابن المعتصم، وحجت معه أم الواثق، فماتت بالحيرة في ذي الحجة، ودفنت بالكوفة.
ذكر الفتنة بدمشقلما مات المعتصم ثارت القيسية بدمشق وعاثوأن وأفسدوأن وحصروا أميرهم، فبعث الواثق إليهم رجاء بن أيوب الحضاري، وكانوا معسكرين بمرج راهط، فنزل رجاء بدير مران، ودعاهم إلى الطاعة، فلم يرجعوأن فواعدهم الحرب بدومة يوم الاثنين.
فلما كان يوم الأحد، وقد تفرقت، سار رجاء إليهم، فوافاهم وقد سار بعضهم إلى دومة، وعضهم في جوائجه، فقاتلهم، وقتل منهم نحوألف وخمسمائة، وقتل من أصحابه نحوثلاثمائة وهرب مقدمهم ابن بيهس وصلح أمر دمشق.
وسار رجاء إلى فلسطين إلى قتال أبي حرب المبرقع الخارج بهأن فقاتله، فانهزم المبرقع واخذ أسيراً على ما ذكرناه.
ذكر عدة حوادثوفيها توفي بشر بن الحارث الزاهد المعروف بالحافي في ربيع الأول، وعبد الرحمن بن عبيد الله بن محمد بن عمر بن موسى بن عبيد الله ابن معمر التيمي، المعروف بابن عائشة البصري، وإمنا قيل له ابن عائشة لأنه من ولد عائشة بنت طلحة، وتوفي أبوه عبيد الله بعده لسنة؛ وإسماعيل ابن أبي أويس، ومولده سنة تسع وثلاثين ومائة؛ واحمد بن عبد الله بن يونس، وأبوالوليد الطيالسي، والهيثم بن خارجة.
وفيها سير عبد الرحمن صاحب الأندلس جيشاً إلى أرض العدو، فلما كان بين أربونة وشرطانية تجمعت الروم عليهم، وأحاطوا بالعسكر، وقاتلوهم الليل كله، فلما أصبحوا أنزل الله تعالى نصره على المسلمين وهزم عدوهم، وأبلى موسى بن موسى في هذه العدوة بالء عظيمأن وكان على مقدمة العسكر، وجرى بينه وبين جرير بن موفق، وهومن أكابر الدولة أيضأن شر فكان سبباً لخروج موسى عن طاعة عبد الرحمن.
وفيها توفي أذفونس ملك الروم بالأندلس، وكانت إمارته اثنتين وستين سنة.
وفيها توفي محمد بن عبد الله بن حسان اليحصبي الفقيه المالكي، وهومن أهل إفريقية.
شرطانية بفتح الشين المعجمة وسكون الراء وفتح الطاء المهملة وبعدها نون ثم ياء تحتانية ثم هاء.
حوادث سنة ثمان وعشرين ومائتين
ذكر غزوات المسلمين في جزيرة صقليةفي هذه السنة سار الفضل بن جعفر الهمداني في البحر، فنزل مرسي مسيني، وبث السرايأن فغمنوا غنايم كثيرة، واستأمن إليه أهل نابل وصاروا معه، وقاتل الفضل مدة سنتين واشتد القتال، فلم يقدر على أخذهأن فمضى طايفة من العسكر، واستداروا خلف جبل مطل على المدينة فصعدوا إليه، ونزلوا إلى المدينة وأهل البلد مشغولون بقتال جعفر ومن معه، فلما رأى أهل البلد أن المسلمين دخلوا عليهم من خلفهم، انهزموا وفتح البلد.
وفيها فتحت مدينة مسكان.
وفي سنة تسع وعشرين ومائتين خرج أبوالأغلب العباس بن الفضل في سرية، فبلغ شرة فقاتله أهلها قتالاَ شديدأن فانهزمت الروم، وقتل منها ما يزيد على عشرة آلاف رجل، واستشهد من المسلمين ثلاثة نفر، ولم يكن بصقلية قبلها مثلها.
وفي سنة اثنتين وثلاثين ومائتين حصر الفضل بن جعفر مدينة لنتيني فأخبر الفضل أن أهل لنتيني كاتبوا البطريق الذي بصقلية لينصرهم، فأجابهم، وقال لهم: إن العلامة عند وصولي أن توقد النار ثلاث ليال على الجبل الفلاني، فإذا رأيتم ذلك، ففي اليوم الرابع أصل إليكم، فنجتمع أنا وأنتم على المسلمين بغتة.
فأرسل الفضل من أوقد النار على ذلك الجبل ثلاث ليال، فلما رأى أهل لنتيني الار أخذوا في أمرهم، وأعد الفضل ما ينبغي أن يستعد به وكمن الكمناء، وأمر الذين يحاصرون المدينة أن ينهزموا إلى جهة الكمين، فإذا خرج أهلها عليهم قاتلوهم، فإذا جاوزوا الكمين عطفوا عليهم.
فلما كان اليوم الرابع خرج أهل لنتيني، وقاتلوا المسلمين وهم ينتظرون وصول البطريق، فانهزم المسلمون، واستجروا الروم حتى جاوزوا الكمين، ولم يبق بالبلد أحد إلا خرج؛ فلما جاوزوا الكمين عاد المسلمون عليهم، وخرج الكمين من خلفهم، ووضعوا فيهم السيف، فلم ينج منهم إلا لقليل، فسألوا الأمان على أنفسهم وأموالهم ليسلموا المدينة، فأجابهم المسلمون إلى ذلك وأمنوهم فسلموا المدينة.
وفيها أقام المسلمون بمدينة طارنت من أرض أنكبردة وسكنوها.
وفي سنة ثلاث وثلاثين ومائتين وصل عشر شلنديات من الروم، فأرسوا بمرسى الطين، وخرجوا ليغيروأن فضلوا الطريق، فرجعوا خائبين، وركبوا البحر راجعين، فغرق منها سبع قطع.
وفي سنة أربع وثلاثين صالح أهل رغوس، وسلموا المدينة إلى المسلمين بما فيهأن فهدمها المسلمون، واخذوا منها ما أمكن حمله.
وفي سنة خمس وثلاثين سار طائفة من المسلمين إلى مدينة قصريانة، فغمنوا وسلبوا ونهبوا واحرقوا وقتلوا في أهلهأن وكان الأمير على صقلية للمسلمين محمد بن عبد الله بن الأغلب، فتوفي في رجب من سنة ست وثلاثين ومائتين، فكان مقيماً بمدينة بلرم لم يخرج منهأن وإمنا كان يخرج الجيوش والسرايا فتفتح، فتغمن، فكانت إمارته عليها تسع عشرة سنة، والله سبحانه أعلم.
ذكر الحرب بين موسى بن موسى والحارث بن يزيغفي هذه السنة كانت حرب بين موسى بن موسى عامل تطيلة وبين عسكر عبد الرحمن أمير الأندلس، والمقدم عليهم الحارث بن يزيغ.
وسبب ذلك أن موسى بن موسى كان من أعيان قواد عبد الرحمن، وهوالعامل على مدينة تطيلة، فجرى بينه وبين القواد تحاسد سنة سبع وعشرين، وقد ذكرناه، فعصى موسى بن موسى على عبد الرحمن، فسير إليه جيشأن واستعمل عليهم الحارث بن يزيغ والقواد، فاقتتلوا عند برجة، فقتل كثير من أصحاب موسى، وقتل ابن عم له، وعاد الحارث إلى سرقسطة، فسير موسى ابنه ألب بن موسى إلى برجة، فعاد الحارث إليهأن وحصرها فملكهأن وقتل ابن موسى، وتقدم إلى أبيه فطلبه، فحضر، فصالحه موسى على أن يخرج عنهأن فانتقل موسى إلى أزبيط.
وبقي الحارث يتطلبه أيامأن ثم سار إلى أزبيط، فحصر موسى بهأن فأرسل موسى إلى غرسية، وهومن ملوك الأندلسيين المشركين، واتفقا على الحارث، واجتمعا وجعلا له كماين في طريقه، واتخذ له الخيل والرجال بموضع يقال له بلمسة على نهر هناك، فلما جاء الحارث النهر خرج الكمناء عليه، وأحدقوا به، وجرى معه قتال شديد، وكانت وقعة عظيمة، وأصابه ضربة في وجهه فلقت عينه، ثم أسر في هذه الوقعة.
فلما سمع عبد الرحمن خبر هذه الوقعة عظم عليه، فجهز عسكراً كبيرأن واستعمل عليه ابنه محمد، وسيره إلى موسى في شهر رمضان من سنة تسع وعشرين ومائتين، وتقدم محمد إلى بنبلونة، فأوقع عندها بجمع كثير من المشركين، وقتل فيها غرسية وكثير من المشركين.
ثم عاد موسى إلى الخلاف على عبد الرحمن، فجهز جيشاً كبيراً وسيرهم إلى موسى، فلما رأى ذلك طلب المسالمة، فأجيب إليهأن وأعطى ابنه إسماعيل رهينة، وولاه عبد الرحمن مدينة تطيلة، فسار موسى إليها فوصلهأن وأخرج كل من يخافه، واستقر فيها.
ذكر عدة حوادثفي هذه السنة أعطى الواثق أشناس تاجاً ووشاحين.
وفيها مات أبوتمام حبيب بن أوس الطائي الشاعر.
وفيها غلا السعر بطريق مكة، فبلغ الخبز كل رطل بدرهم، وراوية الماء بأربعين درهمأن وأصاب الناس في الموقف حر شديد، ثم أصابهم مطر فيه برد، واشتد البرد عليهم بعد ساعة من ذلك الحر وسقطت قطعة من الجبل عند جمرة العقبة، فقتلت عدة ن الحجاج.
وحج بالناس محمد بن داود.
وفيها توفي عبد الملك بن مالك بن عبد العزيز أبونصر التمار الزاهد، وكان عمره إحدى وتسعين سنة، وكان قد أضر، ومحمد بن عبد الله بن عمر ابن معاوية بن عمروبن عتبة بن أبي سفيان العتبي الأموي البصري أبوعبد الرحمن، وكان عالماً بالأخبار والآداب، وأبوسليمان داود الأشقر السمسار المحدث.
حوادث سنة تسع وعشرين ومائتينفي هذه السنة حبس الواثق الكتاب، وألزمهم أموالاً عظيمة، وأخذ من أحمد بن إسرائيل ثمانين ألف دينار بعد أن ضربه، ومن سليمان بن وهب كاتب إيتاخ أربع مائة ألف دينار، ومن الحسن بن وهب أربعة عشر ألف دينار، ومن إبراهيم بن رياح وكتابه مائة ألف دينار، ومن أحمد بن الخصيب وكتابه ألف ألف دينار، ومن نجاح ستين ألف دينار، ومن أبي الوزير مائة ألف وأربعين ألف دينار.
وكان سبب ذلك أنه جلس ليلة مع أصحابه، فسألهم عن سبب نكبة البرامكة، فحكى له عرود بن عبد العزيز الأنصاري أن جارية لعدول الخياط أراد الرشيد شراءهأن فاشتراها بمائة ألف دينار، وأرسل إلى يحيى ابن خالد أن يعطيه ذلك، فقال يحيى: هذا مفتاح سوء، إذا أخذ ثمن جارية بمائة ألف دينار، فهوأحرى أن يطلب المال على قدر ذلك، فأرسل يحيى إليه: إنني لا أقدر على هذا المال؛ فغضب الرشيد، وأعاد: لا بد منهأن فأرسل يحيى قيمتها دراهم، فأمر أن تجعل على طريق الرشيد ليستكثرهأن ففعل ذلك، فاجتاز الرشيد بهأن فسأل عنهأن فقيل: هذا ثمن الجارية، فاستكثرها فأمر برد الجارية، وقال لخادم له: اضمم إليك هذا المال، واجعل لي بيت مال لأضم إليه ما أريد، وسماه بيت مال العروس، واخذ في التفتيش عن الأموال، فوجد البرامكة قد فرطوا فيها.
وكان يحضر عنده مع سماره رجل يعرف بأبي العود له أدب، فأمر ليلة له بثلاثين ألف درهم، فمطله بها يحيى، فاحتال أبوالعود في تحريض الرشيد على البرامكة وكان قد شاع تغير الرشيد عليهم، فبيمنا هوليلة عند الرشيد يحدثه، وساق الحديث إلى أن أنشده قول عمر بن أبي ربيعة:
وعدت هند، وما كانت تعد ... ليت هنداً أنجزتنا ما تعد
واستبدت مرة واحدة ... إمنا العاجز من لا يستبد
فقال الرشيد: أجل إمنا العاجز من لا يستبد.
وكان يحيى قد اتخذ من خدام الرشيد خادماً يأتيه بأخباره، فعرفه ذلك، فأحضر أبا العود، وأعطاه ثلاثين ألف درهم، ومن عنده عشرين ألف درهم، وأرسل إلى ابنيه الفضل وجعفر، فأعطاه كل واحد منهما عشرين ألفاً؛ وجد الرشيد في أمرهم حتى أخذهم، فقال الواثق: صدق والله جدي، إمنا العاجز من لا يستبد، وأخذ في ذكر الخيانة وما يستحق أهلهأن فلم يمض غير أسبوع حتى نكبهم.
وفيها ولي شيرياسبان لإيتاخ اليمن، وسار إليها.
وفيها تولى محمد بن صالح بن العباس المدينة، وحج بالناس محمد بن داود.
وفيها توفي خلف بن هشام البزار المقرئ في جمادى الأولى. البزار بالزاي المعجمة والراء المهملة.
حوادث سنة ثلاثين ومائتين
ذكر مسير بغا إلى الأعرابوفي هذه السنة وجه الواثق بغا الكبير إلى الأعراب الذين أغاروا بنواحي المدينة.
وكان سبب ذلك أن بني سليم كانت تفسد حول المدينة بالشر، ويأخذون مهما أرادوا من الأسواق بالحجاز بأي سعر أرادوأن وزاد الأمر بهم إلى أن وقعوا بناس من بني كنانة وباهلة، فأصاوهم، وقتلوا بعضهم في جمادى الآخرة من سنة ثلاثين ومائتين، فوجه محمد بن صالح عامل المدينة إليهم حماد بن جرير الطبري، وكان مسلحة لأهل المدينة، في مائتي فارس، وأضاف إليهم جنداً غيرهم، وتبعهم متطوعة، فسار إليهم حماد، فلقيهم بالرويثة، فاقتتلوا قتالاً شديدأن فانهزمت سودان المدينة بالناس، وثبت حماد وأصحابه، وقريش والأنصار، وقاتلوا قتالاً عظيمأن فقتل حماد وعامة أصحابه وعدد صالح من قريش والأنصار، وأخذ بنوسليم الكراع، والسلاح، والثياب، فطعموأن ونهبوا القرى والمناهل ما بين مكة والمدينة، وانقطع الطريق.
فوجه إليهم الواثق بغا الكبير أبا موسى في جمع من الجند، فقدم المدينة في شعبان، فلقيهم ببعض مياه الحرة من رواء السوارقية قريتهم التي يأوون إليهأن وبها حصون، فقتل بغا منهم نحواً من خمسين رجلأن وأسر مثلهم، وانهزم الباقون، وأقام بغا بالسوارقية، ودعاهم إلى الأمان على حكم الواثق، فأتوه متفرقين، فجمعهم، وترك من يعرف بالفساد، وهم زهاء ألف رجل، وخلى سبيل الباقين، وعاد بالأسرى إلى المدينة في ذي العقدة سنة ثلاثين، فحبسهم ثم سار إلى مكة.
فلما قضى حجه سار إلى ذات عرق بعد انقضاء الموسم ،وعرض على بني هلال مثل الذي عرض على بني سليم، فأقبلوأن وأخذ من المفسدين نحواً من ثلاثمائة رجل، وأطلق الباقين، ورجع إلى المدينة، فحبسهم.
ذكر وفاة عبد الله بن طاهروفيها مات عبد الله بن طاهر بنيسابور في ربيع الأول، وهوأمير خراسان، وكان إليه الحرب، والشرطة، والسواد، والري، وطبرستان، وكرمان، وخراسان، وما يتصل بها؛ وكان خراج هذه الأعمال، يوم مات، ثمانية وأربعين ألف ألف درهم، وكان عمره ثمانياً وأربعين سنة، وكذلك عمر والده طاهر، واستعمل الواثق على أعماله كلها ابنه طاهر بن عبد الله.
ذكر شيء من سيرة عبد الله بن طاهرلما ولي عبد الله خراسان استناب بنيسابور محمد بن حميد الطاهري، فبنى داراً وخرج بحائطها في الطريق، فلما قدمها عبد الله جمع الناس، وسألهم عن سيرة محمد، فسكتوأن فقال بعض الحاضرين: سكوتهم يدل على سوء سيرته، فعزله عنهم، وأمره بهدم ما بنى في الطريق.
وكان يقول: ينبغي أن يبذل العلم لأهله وغير أهله، فإن العلم أمنع لنفسه من أن يصير إلى غير أهله.
وكان يقول: سمن الكيس، ونيل الذكر لا يجتمعان أبداً.
وكان له جلساء منهم الفضل بن محمد بن منصور، فاستحضرهم يومأن فحضروأن وتأخر الفضل، ثم حضر، فقال له: أبطأت عني، فقال: كان عندي أصحاب حوائج وأردت دخول الحمام، فأمره عبد الله بدخول حمامه، وأحضر عبد الله الرقاع التي في حقه، فوقع فيها كلها بالإجابة، وأعادهأن ولم يعلم الفضل.
وخرج من الحمام، واشتغلوا يومهم، وبكر أصحاب رقاع إليه، فاعتذر إليهم، فقال بعضهم: أريد رقعتي، فأخرجها ونظر فيهأن فرأى خط عبد الله فيهأن فنظر في الجميع، فرأى خطه فيهأن فقال لأصحابه: خذوا رقاعكم، فقد قضيت حاجاتكم، واشكروا الأمير دوني، فما كان لي فيها سبب. وكان عبد الله أديباً شاعرأن فمن شعره:
إسم من أهواه اسم حسن ... فإذا صحفته فهوحسن
فإذا أسقطت منه فاءه، ... كان نعتاً لهواه المختزن
فإذا أسقطت منه ياءه، ... صار فيه بعض أسباب الفتن
فإذا أسقطت منه راءه، ... صار شيئاً يعتري عند الوسن
فإذا أسقطت منه طاءه، ... صار منه عيش سكان المدين
فسروا هذا فلن يعرفه ... غير من يسبح في بحر الفطن
وهذا الاسم هواسم طريف غلامه.
وكان من أكثر الناس بذلاً للمال مع علم، ومعرفة، وتجربة، واكثر الشعراء في مراثيه، فمن أحسن ما قيل فيه، في ولاية أبيه طاهر، قول أبي الغمر الطبري:
فأيامك الأعياد صارت مآتماً ... وساعاتك الغضبات صارت خواشعا
على أننا لم نفتقدك بطاهر ... وإن كان خطباً يقلق القلب راتعاً
وما كنت إلا الشمس غابت وأطلعت ... على إثرها بدراً على الناس طالعاً
وما كنت إلا الطود زال مكانه ... وأثبت في مثواه ركناً مدافعاً
فلولا التقى قلنا تناسختما معاً ... بديعي معان يفضلان البدائعا
ذكر خروج المشركين إلى بلاد المسلمين بالأندلسفي هذه السنة خرج المجوس من أقاصي بلاد الأندلس في البحر إلى بلاد المسلمين، وكان ظهورهم في ذي الحجة سنة تسع وعشرين، عند أشبونة، فأقاموا ثلاثة عشر يومأن بينهم وبين المسلمين بها وقائع، ثم ساروا إلى قادس ثم إلى شدونة، فكان بينهم وبين المسلمين بها وقائع.
ثم ساروا إلى إشبيلية ثامن المحرم، فنزلوا على اثني عشر فرسخاً منهأن فخرج إليهم كثير من المسلمين، فالتقوأن فانهزم المسلمون ثاني عشر المحرم، وقتل كثير منهم، ثم نزلوا على ميلين من إشبيلية، فخرج أهلها إليهم، وقاتلوهم، فانهزم المسلمون رابع عشر المحرم، وكثر القتل والأسر فيهم، ولم ترفع المجوس السيف عن أحد، ولا عن دابة، ودخلوا حاجز إشبيلية وأقاموا به يوماً وليلة وعادوا إلى مراكبهم.
وأقام عسكر عبد الرحمن؛ صاحب البلاد، مع عدة من القواد، فتبادر إليهم المجوس، فثبت المسلمون، وقاتلوهم، فقتل من المشركين سبعون رجلاً وانهزموأن حتى دخلوا مراكبهم، وأحجم المسلمون عنهم؛ فسمع عبد الرحمن، فسير جيشاً آخر غيرهم، فقاتلوا المجوس قتالاً شديدأن فرجع المجوس عنهم، فتبعهم العسكر ثاني ربيع الأول، وقاتلوهم، وأتاهم المدد من كل ناحية، ونهضوا لقتال المجوس من كل جانب، فخرج إليهم المجوس وقاتلوهم، فكاد المسلمون ينهزمون، ثم ثبتوأن فترجل كثير منهم فانهزم المجوس، وقتل نحوخمس مائة رجل، وأخذوا منهم أربعة مراكب، فأخذوا ما فيهأن واحرقوهأن وبقوا أياماً لا يصلون إلى المجوس، لأنهم في مراكبهم.
ثم خرج المجوس إلى لبلة، فأصابوا سبياً؛ ثم نزل المجوس إلى جزيرة قريب قوريس، فنزلوهان وقسموا ما كان معهم من الغنيمة، فحمي المسلمون، ودخلوا إليهم في النهر، فقتلوا من المجوس رجلين، ثم رحل المجوس، فطرقوا شدونة فغمنوا طعمة وسبيأن وأقاموا يومين.
ثم وصلت مراكب لعبد الرحمن، صاحب الأندلس، إلى إشبيلية، فلما أحس بها المجوس لحقوا بلبلة، فأغاروأن وسبوأن ثم لحقوا بأكشونية. ثم مضوا إلى باجة، ثم انتقلوا إلى مدينة أشبونة، ثم ساروأن فانقطع خبرهم عن البلاد فسكن الناس.
وقد ذكر بعض مؤرخي العرب سنة ست وأربعين خروج المجوس إلى إشبيلية أيضأن وهي شبيهة بهذه ثم فلا أعلمه أهي هذه وقد اختلفوا في وقتها أم هي غيرهأن وما أقرب أن تكون هي هي، وقد ذكرتها هناك لان في كل واحدة منهما شيئاً ليس في الأخرى.
ذكر عدة حوادثفي هذه السنة مات محمد بن سعد بن منيع أبوعبد الله، كاتب الواقدي، صاحب الطبقات، ومحمد بن يزداد بن سويد المروزي، كاتب المأمون، وعلي بن الجعد أبوالحسن الجوهري، وكان عمره ستاً وتسعين سنة، وهومن مشايخ البخاري، وكان يتشيع.
وفيها مات أشناس التركي، بعد موت عبد الله بن طاهر بتسعة أيام، وحج هذه السنة إسحاق بن إبراهيم بن مصعب، وإليه أحداث الموسم، وحج بالناس هذه السنة محمد بن داود.
حوادث سنة إحدى وثلاثين ومائتين
ذكر ما فعله بغا بالأعرابفي هذه السنة قتل أهل المدينة من كان في حبس بغا من بني سليم وبني هلال.
وكان سبب ذلك أن بغا لما حبس من أخذه من بني سليم وبني سليم وبني هلال بالمدينة، وهم ألف وثلاثمائة، وكان سار عن المدينة إلى بني مرة، فنقبت الأسرى الحبس ليخرجوأن فرأت امراة النقب، فصرخت بأهل المدينة، فجاؤوأن فوجدوهم قد قتلوا المتوكلين، وأخذوا سلاحهم، فاجتمع عليهم أهل المدينة، ومنعوهم الخروج، وباتوا حول الدار، فقاتلوهم، فلما كان الغد قتلهم أهل المدينة، وقتل سودان المدينة كل من لقوه بها من الأعراب ممن يريد المبرة، فلما قدم بغا وعلم بقتلهم شق ذلك عليه.
وقيل إن السجان كان قد ارتشي منهم ليفتح لهم الباب، فجعلوا قبل ميعاده، وكانوا يرتجزون:
الموت خير للفتى من العار ... قد اخذ البواب ألف دينار
وكان سبب غيبة بغا عنهم أن فزارة ومرة تغلبوا على فدك، فلما قاربهم أرسل إليهم رجلاً من قواده يعرض عليهم الأمان، ويأتيه بأخبارهم، فلما أتاهم الفزاري حذرهم سطوته، فهربوأن وخلوا فدك، وقصدوا الشام.
وأقام بغا بحيفا، وهي من حد عمل الشام مما يلي الحجاز، نحواً من أربعين ليلة، ثم رجع إلى المدينة بمن ظفر به من بني مرة وفزارة.
وفيها سار إلى بغا من بطون غطفان، وفزارة، وأشجع، وثعلبة، جماعة، وكان أرسل إليهم، فلما أتوه استحلفهم الأيمان المؤكدة أن لا يتخلفوا عنه متى دعاهم، فحلفوأن ثم سار إلى ضرية لطلب بني كلاب، فأتاه منهم نحومن ثلاثة آلاف رجل، فحبس من أهل الفساد نحواً من ألف رجل، وخلى سائرهم، ثم قدم بهم المدينة في شهر روضان سنة إحدى وثلاثين ومائتين، فحبسهم، ثم سار إلى مكة فحج، ثم رجع إلى المدينة.
ذكر أحمد بن نصر بن مالك الخزاعيوفي هذه السنة تحرك ببغداد قوم مع احمد بن نصر بن مالك بن الهيثم الخزاعي، وجده مالك أحد نقباء بني العباس، وقد تقدم ذكره.
وكان سبب هذه الحركة أن أحمد بن نصر كان يغشاه أصحاب الحديث كابن معين، وابن الدورقي، وأبي زهير، وكان يخالف من يقول القرآن مخلوق، ويطلق لسانه فيه، مع غلظة بالواثق، وكان يقول، إذا ذكر الواثق: فعل هذا الخنزير، وقال هذا الكافر، وفشا ذلك؛ فكان يغشاه رجل يعرف بأبي هارون الشداخ وآخر يقال له طالب، وغيرهمأن ودعوا الناس إليه، فبايعوه على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفرق أبوهارون وطالب في الناس مالاً فأعطيا كل رجل دينارأن واتعدوا ليلة الخميس لثلاث خلت من شعبان ليضربوا الطبل فيهأن ويثوروا على السلطان.
وكان أحدهما في الجانب الشرقي من بغداد والآخر في الجانب الغربي، فاتفق أن ممن بايعهم رجلين من بني الأشرس شربا نبيذاً ليلة الأربعاء، قبل الموعد بليلة، فلما اخذ منهم ضربوا الطبل فلم يجبهم أحد.
وكان إسحاق بن إبراهيم صاحب الشرطة غائباً عن بغداد، وخليفته أخوه محمد بن إبراهيم، فأرسل إليهم محمد يسألهم عن قصتهم، فلم يظهر أحد، فدل على رجل يكون في الحمام مصاب العين، يعرف بعيسى الأعور، فأحضره وقرره، فأقر على بني الأشرس، وعلى أحمد بن نصر، وغيرهمأن فأخذ بعض من سمي، وفيهم طالب، وأبوهارون، ورأى في منزل بني الأشرس علمين أخضرين، ثم أخذ خادماً لأحمد بن نصر، فقرره، فأقر بمثل ما قال عيسى، فأرسل إلى أحمد بن نصر فأخذه وهوفي الحمام، وحمل إليه، وفتش بيته، فلم يوجد فيه سلاح، ولا شيء من الآلات، فسيرهم محمد بن إبراهيم إلى الواثق مقيدين على أكف بغال ليس تحتهم وطاء إلى سامرا.
فلما علم الواثق بوصولهم جلس لهم مجلساً عاماً فيه أحمد بن أبي دؤاد، وكان كارهاً لقتل احمد بن نصر، فلما حضر أحمد عند الواثق، لم يذكر له شيئاً من فعله والخروج عليه، ولكنه قال له: ما تقول في القرآن؟ قال: كلام الله، وكان أحمد قد استقتل، فتطيب، وتنور؛ وقال الواثق: أمخلوق هو؟ قال: كلام الله. قال: فما تقول في ربك أتراه يوم القيامة؟ قال: يا أمير المؤمنين! قد جاءت الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنه قال: ترون ربكم يوم القيامة كما ترون القمر، قال: لا تضامون في رؤيته، فنحن على الخبر، وحدثني سفيان بحديث رفعه: أن قبل ابن آدم المؤمن بين أصبعين من أصابع الرحمن، يقلبه، وكان النبي صلى الله عليه وسلم، يدعو: يا مقلب القلوب والأبصار ثبت قلبي على دينك.
قال إسحاق بن إبراهيم: انظر ما يقول. قال: أنت أمرتني بذلك، فخاف إسحاق وقال: أنا أمرتك؟ قال: نعم، أمرتني أن أنصح له، ونصيحتي له أن لا يخالف حديث رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقال الواثق لمن حوله: ما تقولون فيه؟ فقال عبد الرحمن بن إسحاق، وكان قاضياً على الجانب الغربي: وعزك يا أمير المؤمنين هوحلال الدم.
وقال بعض أصحاب ابن أبي دؤاد: اسقني دمه، وقال ابن أبي دؤاد: هوكافر يستتاب لعل به عاهة ونقص عقل، كأنه كره أن يقتل بسببه، فقال الواثق: إذا رأيتموني قد قمت إليه فلا يقومن أحد، فإني أحتسب خطاي إليه.
ودعا بالصمصامة سيف عمروبن معدي كرب الزبيدي، ومشى إليه، وهوفي وسط الدار على نطع، فضربه على حبل عاتقه، ثم ضربه خر على رأسه، ثم ضرب سيما الدمشقي رقبته، وحز رأسه، وطعنه الواثق بطرف الصمصامة في بطنه، وحمل حتى صلب عند بابك، وحمل رأسه إلى بغداد فنصب بهأن وأقيم عليه الحرس، وكتب في أذنه رقعة: هذا رأس الكافر، المشرك الضال، احمد بن نصر؛ وتتبع أصحابه، فجعلوا في الحبوس.
ذكر عدة حوادث
في هذه السنة أراد الواثق الحج، فوجه عمر بن فرج لإصلاح الطريق، فرجع وأخبره بقلة الماء فبدا له.
وفيها ولى جعفر بن دينار اليمن، فسار في شعبان، وحج في طريقه، وكان معه أربعة آلاف فارس وألفا رجل.
وفيها نقب اللصوص بيت المال الذي في دار العامة، وأخذوا اثنين وأربعين ألف درهم وشيئاً يسيراً من الدنانير، ثم تتبعوا وأخذوا بعد ذلك.
وفيها خرج محمد بن عبد الله الخارجي التغلبي في ثلاثة عشر رجلاً في ديار ربيعة، فخرج إليه غامن بن أبي مسلم بن أحمد الطوسي، وكان على حرب الموصل، في مثل عدته، فقتل من الخوارج أربعة، وأخذ محمد بن عبد الله أسيرأن فبعث به إلى سامرا فحبس.
وفيها قدم وصيف التركي من ناحية أصبهان، والجبال، وفارس، وكان قد سار في طلب الأكراد لأنهم كانوا قد أفسدوا بهذه النواحي، وقدم معه نحومن خمس مائة نفس فيهم غلمان صغار، فحبسوأن وأجيز بخمسة وسبعين ألف دينار وقلد سيفاً.
وفيها سار جيش للمسلمين إلى بلاد المشركين، فقصدوا جليقية وقتلوأن وأسروأن وسبوأن وغمنوأن ووصلوا إلى مدينة ليون، فحصروها ورموها بالمجانيق، فخاف أهلهأن فتركوها بما فيها وخرجوا هاربين، فغمن المسلمون منهم ما أرادوأن وأخربوا الباقي، ولم يقدروا على هدم سورهأن فتركوها ومضوأن لأن عرضه سبعة عشر ذراعأن وقد ثلموا فيه ثلماً كثيرة.
وفيها كان الفداء بين المسلمين والروم، واجتمع المسلمون فيها على نهر اللامس، على مسيرة يوم من طرسوس، واشترى الواثق من بغداد وغيرها من الروم، وعقد الواثق لأحمد بن سعيد بن سلم بن قتيبة الباهلي على الثغور والعواصم، وأمره بحضور الفداء هووخاقان الخادم، وأمرهما أن يمتحنا أسرى المسلمين، فمن قال: القرآن مخلوق، وإن الله لا يرى في الآخرة، فودي به، وأعطي دينارأن ومن لم يقل ذلك ترك في أيدي الروم.
فلما كان في عاشوراء سنة إحدى وثلاثين اجتمع المسلمون ومن معهم من الأسرى على النهر، وأتت الروم ومن معهم من الأسرى، وكان النهر بين الطائفتين، فكان المسلمون يطلقون الأسير فيطلق الروم من المسلمين فيلتقيان في وسط النهر، ويأتي هذا أصحابه، فإذا وصل الأسير إلى المسلمين كبروأن وإذا وصل الأسير إلى الروم صاحوأن حتى فرغوأن وكان عدة أسرى المسلمين أربعة آلاف وأربع مائة وستين نفسأن والنساء والصبيان ثماني مائة، وأهل ذمة المسلمين مائة نفس، وكان النهر مخاضة تعبره الأسرى، وقيل بل كان عليه جسر.
ولما فرغوا من الفداء غزا أحمد بن سعيد بن سلم الباهلي شاتيأن فأصاب الناس ثلج ومطر، فمات منهم مائتا نفس، وأسر نحوهم، وغرق بالبدندون خلق كثير، فوجد الواثق على أحمد، وكان قد جاء إلى أحمد بطريق من الروم، فقال وجوه الناس لأحمد: إن عسكراً فيه سبعة آلاف لا تتخوف عليه، فإن كنت كذلك فواجه القوم واطرق بلادهم، ففعل، وغمن نحواً من ألف بقرة وعشرة آلاف شاة وخرج، فعزله الواثق، واستعمل مكانه نصر بن حمزة الخزاعي في جمادى الأولى.
وفيها مات الحسن بن الحسين بطبرستان.
وفيها كان بإفريقية حرب بين أحمد بن الأغلب وأخيه محمد بن الأغلب، وكان مع أحمد جماعة، فهجموا على محمد في قصره، وأغلق أصحاب محمد ابن الأغلب الباب، واقتتلوا ثم كفوا عن القتال، واصطلحوأن وعظم أمر محمد، ونقل الدواوين إليه، ولم يبق لمحمد من الإمارة إلا اسمهأن ومعناها لأحمد أخيه، فبقي كذلك إلى سنة اثنتين وثلاثين ومائتين، فاتفق مع محمد من بني عمه ومواليه جماعة، قاتل أخاه أحمد فظفر به ونفاه إلى الشرق، واستقام أمر محمد بإفريقية، وما ت أخوه أحمد بالعراق.
وفيها مات أبوعبد الله محمد بن زياد المعروف بابن الأعرابي الرواية في شعبان وهوابن ثمانين سنة.
وفيها ماتت أم أبيها بنت موسى بن جعفر، أخت علي الرضأن عليه السلام.
وفيها مات مخارق المغني، وأبونصر أحمد بن حاتم رواية الأصمعي، وعمروبن أبي عمروالشيباني، ومحمد بن سعدان النحوي الضرير توفي في ذي الحجة.
وفيها توفي إبراهيم بن عرعرة، وعاصم بن علي بن عصم بن صهيب الواسطي، ومحمد بن سلام بن عبد الله الجمحي البصري، وكان عالماً بالأخبار وأيام الناس، سلام بالتشديد؛ وعاصم بن عمروبن علي بن مقدم أبوبشر المقدمي، وأبويعقوب يوسف بن يحيى البويطي الفقيه، صاحب الشافعي، وكان قد حبس في محنة الناس بخلق القرآن، فلم يجب، وكان من الصالحين، وهارون بن معروف البغدادي وكان حافظاً للحديث.
حوادث سنة اثنتين وثلاثين ومائتين
ذكر الحرب مع بني نميرفي هذه السنة سار بغا الكبير إلى بني نمير، فأوقع بهم.
وكان سبب ذلك أن عمارة بن عقيل بن بلال بن جرير الخطفي امتدح الواثق بقصيدة، فدخل عليه، وأنشده، فأمر له بثلاثين ألف درهم، فأخبر الواثق بإفساد بني منير في الراض، وإغارتهم على الأنس وعلى اليمامة وما قرب منها؛ وكتب الواثق إلى بغا يأمره بحربهم وهوبالمدينة، فسار نحواليمامة، فلقي من بني منير جماعة بالريف فحاربهم، فقتل منهم نيفاً وخمسين رجلأن وأسر أربعين رجلاً.
ثم سار حتى نزل مرأة، وأرسل إليهم يدعوهم إلى السمع والطاعة، فامتنعوأن وسار بعضهم إلى نحوجبال السود، وهي خلف اليمامة، وبث بغا سراياه فيهم، فأصابت منهم، ثم سار بجماعة من معه، وهم نحومن ألف رجل، سوى من تخلف في العسكر من الضعفاء والأتباع، فلقيهم وقد جمعوا لهم وهم نحومن ثلاثة آلاف بموضع يقال له روضة الأمان على مرحلة من أضاخ، فهزموا مقدمته، وكشفوا ميسرته، وقتلوا من أصحابه نحواً من مائة رجل وعشرين رجلاً وعقروا من إبل عسكره نحوسبع مائة بعير، ومائة دابة، وانتهبوا الأثقال، وبعض الأموال، ثم أدركهم الليل، وجعل بغا يدعوهم إلى الطاعة.
فلما طلع الصبح ورأوا قلة من مع بغا عبأوأن وجعلوا رجالتهم أمامهم، ونعمهم ومواشيهم وراءهم، وحملوا على بغأن فهزموه، حتى بلغ معسكره، وأيقن من معه بالهلكة.
وكان بغا قد أرسل من أصحابه مائتي فارس إلى طائفة منهم، فبينا هوقد أشرف على العطب، إذ وصل أصحابه إليه منصرفين من وجوههم، فلما نظر بنومنير ورأوهم قد أقبلوا من خلفهم ولوا هاربين، وأسلموا رجالتهم، وأموالهم، فلم يفلت من الرجالة إلا اليسير، وأما الفرسان فنجوا على خيلهم.
وقيل إن الهزيمة كانت على بغا مذ غدوة إلى انتصاف النهار، ثم تشاغلوا بالنهب، فرجع إلى بغا من كان انهزم من أصحابه، فرجع بهم، فهزم بني منير، وقتل فيهم من زوال الشمس إلى آخر وت العصر زهاء ألف وخمس مائة راجل، وأقام بوقع الوقعة، فأرسل أمراء العرب يطلبون الأمان، فأمنهم، فأتوه فقيدهم، وأخذهم معه إلى البصرة، وكانت الوقعة في جمادى الآخرة. ثم قدم واجب الأشروسني على بغا في سبع مائة مقاتل، مدداً له، فسيره بغا في آثارهم، حتى بلغ تبالة من أعمال اليمن، ورجع، وكان بغا قد كتب إلى صالح أمير المدينة ليوافيه ببغداد بمن عنده من فزارة، ومرة، وثعلبة، وكلاب، ففعل، فلقيه ببغداد، فسارا جميعأن وقدم بغا سامرا بمن بقي معه منهم، سوى من هرب وقتل في الحروب يزيدون على ألفي رجل، ومائتي رجل من منير، وكلاب، ومرة، وفزارة، وثعلبة، وطيء.
ذكر موت أبي جعفر الواثقفي هذه السنة توفي الواثق بالله أبوجعفر هارون بن محمد المعتصم في ذي الحجة لست بقين منه، وكانت علته الاستسقاء، وعولج بالإقعاد في تنور مسخن، فوجد لذلك خفة، فأمرهم من الغد بالزيادة في إسخانه، ففعل ذلك، وقعد فيه اكثر من اليوم الأول، فحمي عليه، فأخرج منه في محفة، وحضر عنده احمد بن أبي دؤاد، ومحمد بن عبد الملك الزيات، وعمر بن فرج، فمات فيهأن فلم يشعروا بموته، حتى ضرب بوجهه المحفة، فعلموا.
وقيل إن أحمد بن أبي دؤاد حضره عند موته، وغمضه، وقيل إنه لما حضر الوفاة جعل يردد هذين البيتين:
الموت فيه جميع الناس مشترك ... لا سوقة منهم تبقى ولا ملك
ما ضر أهل قليل في تفاقرهم ... وليس يغني عن الأملاك ما ملكوا
وأمر بالبسط فطويت، وألصق خده بالأرض، وجعل يقول: يا من لا يزول ملكه، ارحم من زال ملكه.
وقال احمد بن محمد الواثقي: كنت فيمن يمرض الواثق، فلحقه غشية، وأنا وجماعة من أصحابه قيام، فقلنا: لوعرفنا خبره، فتقدمت إليه، فلما صرت عند رأسه فتح عينيه فكدت أموت من الخوف، فرجعت إلى خلف، وتعلقت قنبعة سيفي في عتبة المجلس، فاندقت، وسلمت من جراحه، ووقفت في موقفي.
ثم إن الواثق مات، وسجيناه، وجاء الفراشون وأخذوا ما تحته في المجلس، ورفعوه لأنه مكتوب عليهم، واشتغلوا بأخذ البيعة، وجلست على باب المجلس لحفظ الميت وورددت الباب، فسمعت حسأن ففتحت الباب، وإذا جرذ قد دخل من بستان هناك، فأكل إحدى عيني الواثق، فقلت: لا إله إلا الله، هذه العين التي فتحها من ساعة، فاندق سيفي هيبة لها صارت طعمة لدابة ضعيفة.
وجاؤوا فغسلوه، فسألني أحمد بن أبي دؤاد عن عينه، فأخرته بالقصة من أولها إلى آخرها فعجب منها.
ولما مات صلى عليه أحمد، وأنزله في قبره، وقيل صلى عليه أخوه المتوكل، ودفن بالهاروني بطريق مكة.
وكان مولده بطريق مكة، وأمه أم ولد اسمها قراطيس، ولما اشتد مرضه أحضر المنجمين منهم الحسن بن سهل، فنظروا في مولده، فقدروا له أن يعيش خمسين سنة، مستأنفة من ذلك اليوم، فلم يعش بعد قولهم إلا عشرة أيام ومات.
وكان أبيض، مشرباً بحمرة، جميلأن ربعة، حسن الجسم، قائم العين اليسرى، فيها نكتة بياض، وكانت خلافته خمس سنين وتسعة أشهر وخمسة أيام، وكان عمره اثنتين وثلاثين سنة، وقيل ستاً وثلاثين سنة.
ذكر بعض سيرة الواثق باللهلما توفي المعتصم، وجلس الواثق في الخلافة أحسن إلى الناس، واشتمل على العلويين، وبالغ في إكرامهم والإحسان إليهم، والتعهد لهم بالأموال، وفرق في أهل الحرمين أموالاً لا تحصى، حتى إنه لم يوجد في أيامه بالحرمين سائل.
ولما توفي الواثق كان أهل المدينة تخرج من نسائهم كل ليلة إلى البقيع، فيبكين عليه، ويندبنه، ففعلوا ذلك بينهم مناوبة حزناً عليه، لما كان يكثر من الإحسان إليهم؛ وأطلق في خلافته أعشار سفن البحر، وكان مالاً عظيماً.
قال الحسين بن الضحاك: شهدت الواثق بعد أن مات المعتصم بأيام، أول مجلس جلسه، فغنته جارية إبراهيم بن المهدي:
ما درى الحاملون، يوم استقلوا ... نعشه، للثواء أم للبقاء
فليقل فيك باكياتك ما شئ ... ن صباحأن وعند كل مساء
فبكى، وبكينا معه حتى شغلنا البكاء عن جميع ما كنا فيه، قال: ثم تغنى بعضهم فقال:
ودع هريرة إن الركب مرتحل، ... وهل تطيق وداعاً أيها الرجل
فازداد الواثق بكاء، وقال: ما سمعت كاليوم تعزية بأب وتغنى نفسي؛ ثم تفرق أهل المجلس. قال: وقال أحمد بن عبد الوهاب في الواثق:
أبت دار الأحبة أن تبينا ... أجدك ما رأيت بها معينا
تقطع حسرة من حب ليلى ... نفوس ما أثبن ولا جزينا
فصنعت فيه علم جارية صالح بن عبد الوهاب، فغناه زرزر الكبير للواثق، فسأله: لمن هذا؟ فقال: لعلم، فأحضر صالحاً وطلب منه شراءهأن فأهداها له، فعوضه خمسة آلاف دينار، فمطله بها ابن الزيات، فأعادت الصوت، فقال الواثق: بارك الله عليك، وعلى من رباك! فقالت: وما ينفع من رباني؟ أمرت له بشيء فلم يصل إليه! فكتب إلى ابن الزيات يأمره بإيصال المال إليه، وأضعفه له، فدفع إليه عشرة آلاف دينار، وترك صالح عمل السلطان، واتجر في المال.
وقال أبوعثمان المازني النحوي: استحضرني الواثق من البصرة، فلما حضرت عنده قال: من خلفت بالبصرة؟ قلت: أختاً لي صغيرة. قال: فما قالت المسكينة؟ قلت: ما قالت ابنة الأعشى:
تقول ابنتي، حين جد الرحيل ... أرانا سواء ومن قد يتم
فيا أبتا لا تزل عندنا ... فإنا نخاف بأن تخترم
أرانا إذا أضمرتك البلا ... د نجفى وتقطع منا الرحم
قال: فما رددت عليها؟ قلت: ما قال جرير لابنته:
ثقي بالله ليس له شريك ... ومن عند الخليفة بالنجاح
فضحك، وأمر له بجائزة سنية.
ذكر خلافة المتوكلوفي هذه السنة بويع المتوكل على الله جعفر بن المعتصم، بعد موت الواثق.
وسب خلافته أنه مات الواثق حضر الدار أحمد بن أبي دؤاد وإيتاخ ووصيف وعمر بن فرج وابن الزيات وأبوالوزير أحمد بن خالد، وعزموا على البيعة لمحمد بن الواثق، وهوغلام أمرد، قصير، فألبسوه دراعة سوداء وقلنسوة، فإذا هوقصير، فقال وصيف: أما تتقون الله؟ تولون هذا الخلافة! فتناظروا فيمن تولونه. فذكروا عدة، ثم أحضر المتوكل، فلما حضر ألبسه أحمد بن أبي دؤاد الطويلة، وعممه وقبل بين عينيه، وقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين، ورحمة الله وبركاته! ثم غسل الواثق، وصلي عليه ودفن.
وكان عمر المتوكل، يوم بويع، ستاً وعشرين سنة، ووضع العطاء للجند لثمانية أشهر، وأراد ابن الزيات أن يلقبه المنتصر، فقال أحمد بن أبي دؤاد: قد رأيت لقباً أرجوأن يكون موافقأن وهوالمتوكل على الله، فأمر بإمضائه، فكتب به إلى الآفاق.
وقيل بل رأى المتوكل في منامه، قبل أن يستخلف، كأن سكراً ينزل عليه من السماء، مكتوب عليه المتوكل على الله، فقصها على أصحابه، فقالوا: هي والله الخلافة؛ فبلغ ذلك الواثق، فحبسه وضيق عليه، وحج بالناس محمد ابن داود.
ذكر عدة حوادثفي هذه السنة أصاب الحجاج في العود عطش عظيم، فبلغت الشربة عدة دنانير، ومات منهم خلق كثير.
وفيها غدر موسى بالأندلس، وخالف على عبد الرحمن بن الحكم أمير الأندلس، بعد أن كان قد وافقه، وأطاعه؛ وسير إليه عبد الرحمن جيشاً مع ابنه محمد.
وفيها كان بالأندلس مجاعة شديدة، وقحط عظيم، وكان ابتداؤه سنة اثنتين وثلاثين، فهلك فيه خلق كثير من الآدميين والدواب، ويبست الأشجار، ولم يزرع الناس شيئأن فخرج الناس هذه السنة يستسقون، فسقوأن وزرعوا وزال عن الناس القحط.
وفيها ولي إبراهيم بن محمد بن مصعب بلاد فارس.
وفيها غرق كثير من الموصل وهلك فيها خلق قيل كانوا نحومائة ألف إنسان، وكان سبب ذلك أن المطر جاء بها عظيماً لم يسمع بمثله بحيث أن بعض أهلها جعل سطلاً عمقه ذراع في سعة ذراع، فامتلأ ثلاث دفعات في نحوساعة، وزادت دجلة زيادة عظيمة فركب الماء الربض الأسفل، وشاطئ نهر سوق الأربعاء، فدخل كثيراً من الأسواق، فقيل إن أمير الموصل، وهوغامن بن حميد الطوسي، كفن ثلاثين ألفأن وبقي تحت الهدم خلق كثير لم يحملوا سوى من حمله الماء.
وفيها أمر الواثق بترك أعشار سفن البحر.
وفيها توفي الحكم بن موسى، ومحمد بن عامر القرشي مصنف الصوانيف وغيرهأن ويحيى بن يحيى الغساني الدمشقي، وقيل سنة ثلاث وثلاثين، وقيل غير ذلك، وأبوالحسن علي بن المغيرة الأثرم النحوي اللغوي، وأخذ العلم عن أبي عبيدة والأصمعي.
وفيها توفي عمروالناقد.
حوادث سنة ثلاث وثلاثين ومائتين
ذكر القبض على محمد بن عبد الملكوفي هذه السنة قبض المتوكل على محمد بن عبد الملك الزيات وحبسه لسبع خلون من صفر.
وكان سببه أن الواثق استوزر محمد بن عبد الملك، وفوض الأمور كلها إليه، وكان الواثق قد غضب على أخيه جعفر المتوكل، ووكل عليه من يحفظه ويأتيه بأخباره، فأتى المتوكل إلى محمد بن عبد الملك يسأله أن يكلم الواثق ليرضى عنه، فوقف بين يديه لا يكلمه، ثم أشار عليه بالقعود فقعد، فلما فرغ من الكتب التي بين يديه التفت إليه كالمتهدد وقال: ما جاء بك؟ قال: جئت أسأل أمير المؤمنين الرضى عني، فقال لمن حوله: انظروأن يغضب أخيه ثم يسألني أن أسترضيه له! اذهب، فإذا صلحت رضي عنك.
فقام من عنده حزينأن فأتى أحمد بن أبي دؤاد، فقام إليه أحمد، واستقبله على باب البيت، وقبله، وقال: ما حاجتك؟ جعلت فداك! قال: جئت لتسترضي أمير المؤمنين لي؛ قال: أفعل، ونعمة عين وكرامة! فكلم أحمد الواثق به، فوعده ولم يرض عنه، ثم كلمه فيه ثانية فرضى عنه وكساه.
ولما خرج المتوكل من عند ابن الزيات كتب إلى الواثق: إن جعفراً أتاني في زي المخنثين، له شعر بقفاه، يسألني أن أسأل أمير المؤمنين الرضى عنه؛ فكتب إليه الواثق: ابعث إليه فأحضره ومر من يجز شعر قفاه فيضرب به وجهه.
قال المتوكل: لما أتاني رسوله لبست سواداً جديدأن وأتيته رجاء أن يكون قد أتاه الرضى عني، فاستدعى حجامأن فأخذ شعري على السواد الجديد ثم ضرب به وجهي؛ فلما ولي الخلافة المتوكل أمهل حتى كان صفر، فأمر إيتاخ بأخذ الزيات وتعذيبه، فاستحضر، فركب يظن أن الخليفة يستدعيه، فلما حاذى منزل إيتاخ عدل به إليه، فخاف، فأدخله حجرة، ووكل عليه، وأرسل إلى منازله من أصحابه من هجم عليهأن وأخذ كل ما فيهأن واستضفى أمواله وأملاكه في جميع البلاد.
وكان شديد الجزع، كثير البكاء والفكر، ثم سوهر، وكان ينخس بمسلة لئلا ينام، ثم ترك فنام يوماً وليلة، ثم جعل في تنور عمله هو، وعذب ه ابن أسماط المصري، وأخذ ماله، فكان من خشب فيه مسامير من حديد أطرافها إلى داخل التنور، وتمنع من يكون فيه من الحركة، وكان ضيقاً بحيث أن الإنسان كان يمد يديه إلى فوق رأسه ليقدر على دخوله لضيقه، ولا يقدر من يكون فيه يجلس، فبقي أيامأن فمات.
وكان حبسه لسبع خلون من صفر وموته لإحدى عشرة بقيت من ربيع الأول، واختلف في سبب موته، فقيل كما ذكرناه، وقيل بل ضرب فمات وهويضرب، وقيل مات بغر ضرب، وهوأصح.
فلما مات حضره ابناه سليمان وعبيد الله، وكانا محبوسين، وطرح على الباب في قميصه الذي حبس فيه، فقالا: الحمد لله الذي أراح من هذا الفاسق! وغسلاه على الباب ودفناه، فقيل إن الكلاب نبشته وأكلت لحمه.
قال: وسمع قبلموته يقول لنفسه: يا محمد لم تقنعك النعمة، والدواب، والدار النظيفة، والكسوة الفاخرة، وأنت في عافية، حتى طلبت الوزارة، ذق ما عملت بنفسك. ثم سكت عن ذلك، وكان لا يزيد على التشهد، وذكر الله عز وجل.
وكان ابن الزيات صديقاً لإبراهيم الصولي، فلما ولي الوزارة صادره بألف ألف وخمس مائة ألف درهم، فقال الصولي:
وكنت أخي برخاء الزمان ... فلما نبا صرت حرباً عواناً
وكنت أذم إليك الزمان ... فأصبحت منك أذم الزمانا
وكنت أعدك للنائبات ... فها أنا أطلب منك الأمانا
وقال أيضاً:
أصبحت من رأي أبي جعفر ... في هيئة تنذر بالصيلم
من غير ما ذنب ولكنها ... عداوة الزنديق للمسلم
ذكر عدة حوادثفي هذه السنة حبس عمر بن الفرج الرخجي، وكان سبب ذلك أن المتوكل أتاه لما كان أخوه الواثق ساخطاً عليه، ومعه صك ليختمه عمر له ليقبض أرزاقه من بيت المال، فلقيه عمر بالخيبة، وأخذ صكه فرمى به إلى صحن المسجد، وكان حبسه في شهر رمضان، وأخذ ماله، وأثاث بيته، وأصحابه، ثم صولح على أحد عشر ألف ألف على أن يرد عليه ما حيز من ضياع الأهواز حسب، فكان قد ألبس في حبسه حبة صوف. قال علي بن الجهم يهجوه:
جمعت أمرين ضاع الحزم بينهما ... تيه الملوك وأفعال الصعاليك
أردت شكراً بلا بر ومرزئة ... لقد سلكت سبيلاً غير مسلوك
وفيها غضب المتوكل على سليمان بن إبراهيم بن الجنيد النصراني كاتب سمانه، وضربه، وأخذ ماله، وغضب أيضاً على أبي الوزير، وأخذ ماله ومال أخيه وكتبه.
وفيها أيضاً عزل الفضل بن مروان عن ديوان الخراج، وولاه يحيى بن خاقان الخراساني مولى الأزد، وولى إبراهيم بن العباس بن محمد بن صول ديوان زمام النفقات.
وفيها ولى المتوكل ابنه المنتصر الحرمين واليمن والطائف في رمضان.
وفيها فلج أحمد بن دؤاد في جمادى الآخرة.
وفيها وثق ميخائيل بن توفيل بأمه تدورة، فألزمها الدير، وقتل اللقط لأنه كان اتهمها به، فكان ملكها ست سنين، وحج بالناس في هذه السنة محمد بن داود.
وفيها عزل محمد بن الأغلب أمير إفريقية عامله على الزاب، واسمه سالم ابن غلبون، فأقبل يريد القيروان، فلما صار بقلعة يلبسير أضمر الخلاف وسار إلى الأربس، فمنعه أهلها من الدخول إليهأن فسار إلى باجة، فدخلهأن واحتمى بهأن فسير إليه ابن الأغلب جيشاً عليهم خفاجة بن سفيان، فنزل عليه وقاتله، فهرب سالم ليلأن فاتبعه خفاجة، فلحقه وقتله، وحمل رأسه إلى ابن الأغلب؛ وكان أزهر بن سالم عند ابن الأغلب محبوساً فقتله.
وفيها توفي يحيى بن معين البغدادي بالمدينة، وكان مولده سنة ثمان وخمسين ومائة، وهوصاحب الجرح والتعديل؛ ومحمد بن سماعة القاضي، صاحب محمد بن الحسن، وقد بلغ مائة سنة وهوصحيح الحواس.
حوادث سنة أربع وثلاثين ومائتين
ذكر هرب محمد بن البعيثفي هذه السنة هرب محمد بن البعيث بن الجليس؛ وكان سبب هربه أنه جيء به أسيراً من أذربيجان إلى سامرأن وكان له رجل يخدمه يسمى خليفة، وكان المتوكل مريضأن فاخبر خليفة ابن البعيث أن المتوكل مات، فهربا إلى موضعه من أذربيجان، وهومرند، وقيل كان له قلعة شاهي، وقلعة يكدر.
وقيل إن ابن البعيث كان في حبس إسحاق بن إبراهيم بن مصعب، فتكلم فيه بغا الشرابي، فاخذ منه الكفلاء نحواً من ثلاثين كفيلاً منهم محمد بن خالد بن يزيد بن مزيد الشيباني فكان يتردد بسامرأن فهرب إلى مرند، وجمع بها الطعام، وهي مدينة حصينة، وفيها عيون ماء ولها بساتين كثيرة داخل البلد.
وأتاه من أراد الفتنة من ربيعة وغيرهم، فصار في نحومن ألفين ومائتي رجل، وكان الوالي بأذربيجان محمد بن حاتم بن هرثمة، فقصر في طلبه فولى المتوكل حمدويه بن علي بن الفضل السعدي أذربيجان وسيره على البريد، وجمع الناس، وسار إلى ابن البعيث، فحصره في مرند، فلما طالت مدة الحصار بعث المتوكل التركي في مائتي فارس من الأتراك، فلم يصنع شيئأن فوجه إليه المتوكل عمر بن سيسيل بن كال في تسع مائة فارس، فلم يغن شيئاً؛ فوجه بغا الشرابي في ألفي فارس.
وكان حمدويه وابن سيسيل وزيرك قد قطعوا من الشجر الذي حول مرند نحومائة ألف شجرة، ونصبوا عليها عشرين منجنيقأن ونصب ابن البعيث عليهم مثل ذلك، فلم يقدروا على الدنومن سور المدينة، فقتل من أصحاب المتوكل في حربه، في ثمانية أشهر، نحومن مائة رجل، وجرح نحوأربع مائة، وأصاب أصحابه مثل ذلك، وكان حمدريه وعمر وزيرك يغادونه القتال ويراوحونه، وكان أصحابه يتدلون بالحبال من السور معهم الرماح، فيقاتلون، فإذا حمل عليهم أصحاب الخليفة تجاروا إلى السور، وحموا نفوسهم، فكانوا يفتحون الباب، فيخرجون فيقاتلون، ثم يرجعون.
ولما قرب بغا الشرابي من مرند بعث عيسى بن الشيخ بن الشليل، ومعه أمان لوجوه أصحاب ابن البعيث أن ينزلوأن وأمان للابن البعيث أن ينزل على حكم المتوكل، فنزل من أصحابه خلق كثير بالأمان، ثم فتحوا باب المدينة، فدخل أصحاب المتوكل، وخرج ابن البعيث هاربأن فلحقه قوم من الجند، فأخذوه أسيرأن وانتهب الجند منزله ومنازل أصحابه، وبعض منازل أهل المدينة، ثم نودي بالأمان، وأخذوا لابن البعيث أختين وثلاث بنات وعدة من السراري، ثم وافاهم بغا الشرابي من غد، فأمر فنودي بالمنع من النهب، وكتب بالفتح لنفسه، وأخ ابن البعيث إليه.
ذكر إيتاخ وما صار إليه أمرهكان إيتاخ غلاماً حورياً، طباخاً لسلام الأبرش، فاشتراه منه المعتصم في سنة تسع وتسعين ومائة، وكان فيه شجاعة، فرفعه المعتصم والواثق وضم إليه أعمالاً كثيرة منها المعونة بسامرا مع إسحاق بن إبراهيم.
وكان المعتصم، إذا أراد قتل أحد، فعند إيتاخ يقتل، وبيده، فحبس منهم أولاً المأمون بن سندس، وابن الزيات، وصالح بن عجيف وغيرهم؛ وكان مع المتوكل في مرتبته، وإليه الجيش، والمغاربة، والأتراك، والأموال، والبريد، والحجابة، ودار الخلافة.
فلما تمكن المتوكل من الخلافة شرب فعربد على إيتاخ، فهم إيتاخ بقتله، فلما أصبح المتوكل قيل له، فاعتذر إليه، وقال: أنت أبي، وأنت ربيتني؛ ثم وضع عليه من يحسن له الحج، فاستأذن فيه المتوكل، فأذن له، وصيره أمير كل بلد يدله، وخلع عليه، وسار العسكر جميعه بين يديه، فلما فارق جعلت الحجابة إلى وصيف في ذي العقدة، وقيل إن هذه القصة كانت سنة ثلاث وثلاثين ومائتين.
ذكر الخلف بإفريقيةفي هذه السنة خرج عمروبن سليم التجيبي المعروف بالقويع على محمد ابن الأغلب أمير إفريقية، فسير إليه جيشاً، فحصره بمدينة تونس هذه السنة، فلم يبلغوا منه غرضأن فعادوا عنه.
فلما دخلت سنة خمس وثلاثين سير إليه ابن الأغلب جيشاً، فالتقوا بالقرب من تونس، ففارق جيش ابن الإلب جمع كثير، وقصدوا القويع فصاروا معه، فانهزم جيش ابن الأغلب وقوي القويع؛ فلما دخلت سنة ست وثلاثين سير محمد بن الأغلب إليه جيشأن فاقتتلوأن فانهزم القويع، وقتل من أصحابه مقتلة عظيمة، وأدرك القويع إنسان، فضرب عنقه، ودخل جيش ابن الأغلب مدينة تونس بالسيف في جمادى الأولى.
ذكر عدة حوادث
حج بالناس هذه السنة محمد بن داود بن موسى بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس.
وفيها توفي جعفر بن مبشر بن أحمد الثقفي المتكلم، أحد المعتزلة البغداديين، وله مقالة يتفرد بها.
وفيها توفي أبوخيثمة زهير بن حرب في شعبان، وكان حافظاً للحديث؛ وأبوأيوب سليمان بن داود بن بشر المقرئ البصري المعروف بالشاذكوني بأصبهان.
وفيها توفي علي بن عبد الله بن جعفر المعروف المديني الحافظ، وقيل سنة خمس وثلاثين ومائتين، وهوإمام ثقة، وكان والده ضعيفاً في الحديث؛ وإسحاق ابن إسماعيل الطالقاني، ويحيى بن أيوب المقابري، وأبوبكر بن أبي شيبة، وأبوالربيع الزهراني.
حوادث سنة خمس وثلاثين ومائتين
ذكر قتل إيتاخقد ذكرنا ما كان منه مع المتوكل وسبب حجه؛ فلما عاد من مكة كتب المتوكل إلى إسحاق بن إبراهيم ببغداد يأمره بحبسه، وأنفذ المتوكل كسوة وهدايا إلى طريق إيتاخ، فلما قرب إيتاخ من بغداد خرج إسحاق بن إبراهيم إلى لقائه، وكان إيتاخ أراد المسير على الأنبار إلى سامرأن فكتب إليه إسحاق: إن أمير المؤمنين قد أمر أن تدخل بغداد، وأن يلقاك بنوهاشم، ووجوه الناس، وأن تقعد لهم في دار خزيمة بن خازم، وتأمر لهم بالجوائز. فجاء إلى بغداد، فلقيه إسحاق بن إبراهيم، فلما رآه إسحاق أراد النزول له، فحلف عليه إيتاخ أن لا يفعل، وكان في ثلاثمائة من غلمانه وأصحابه، فلما صار بباب دار خزيمة وقف إسحاق، وقال له: أصلح الله الأمير؛ ليدخل! فدخل إيتاخ، ووقف إسحاق على الباب، فمنع أصحابه من الدخول عليه، ووكل بالأبواب، وأقام عليه الحرس، فحين رأى إيتاخ ذلك قال: قد فعلوهأن ولولم يفعلوا ذلك ببغداد ما قدروا عليه؛ وأخذوا معه ولديه منصورأن ومظفرأن وكاتبيه سليمان بن وهب وقدامة بن زياد، فحبسوا ببغداد أيضاً.
وأرسل إيتاخ إلى إسحاق: قد علمت ما أمرني به المعتصم والواثق في أمرك، وكنت أدافع عنك، فليشفعني ذلك عندك في ولدي، فأما أنا فقد مر بي شدة ورخاء، فما أبالي ما أكلت وما شربت، وأما هذان الغلامان فلم يعرفا البؤس، فاجعل لهما طعاماً يصلحهما.
ففعل إسحاق ذلك، وقيد إيتاخ، وجعل في عنقه ثمانين رطلأن فمات في جمادى الآخرة سنة خمس وثلاثين ومائتين، وأشهد إسحاق جماعة من الأعيان أنه لا ضرب به ولا اثر.
وقيل كان سبب موته أنهم أطعموه ومنعوه الماء حتى مات عطشاً؛ وأما ولداه فإنهما بقيا محبوسين حياة المتوكل، فلما ولي المنتصر أخرجهمأن فأما مظفر فبقي بعد أن خرج من السجن ثلاثة أشهر ومات، وأما منصور فعاش بعده.
ذكر أسر ابن البعيث وموتهفي هذه السنة قدم بغا الشرابي بابن البعيث في شوال، وبخليفته أبي الأغر، وبأخويه صقر وخالد، وكاتبه العلاء، وجماعة من أصحابه، فلما قربوا من سامرا حملوا على الجمال ليراهم الناس، فلما أحضر ابن البعيث بين يدي المتوكل أمر بضرب عنقه، فجاء السياف، وسبه المتوكل، وقال: ما دعاك إلى ما صنعت؟ قال: الشقوة، وأنت الحبل الممدود بين الله وبين خلقه، وإن لي فيك لظنين أسبقهما إلى قلبي أولاهما بك، وهوالعفو؛ ثم قال بلا فصل:
أبى الناس إلا أنك اليوم قاتلي ... إمام الهدى والصفح بالمرء أجمل
وهل أنا إلا جبلة من خطيئة ... وعفوك من نور النبوة يجبل
فإنك خير السابقين إلى العلى ... ولا شك أن خير الفعالين تفعل
فقال المتوكل لبعض أصحابه: إن عنده لأدبأن فقال: بل يفعل أمير المؤمنين ويمن عليه، فأمر برده، فحبس مقيدأن وقيل إن المعتز شفع فيه إلى أبيه فأطلقه، وكان ابن البعيث قد قال حين هرب:
كم قد قضيت أموراً كان أهملها ... غيري وقد أخذ الإفلاس بالكظم
لا تعذليني فما لي ليس ينفعني ... إليك عني جرى المقدار بالقلم
سأتلف المال في عسر وفي يسر ... إن الجواد الذي يعطي على العدم
ومات ابن البعيث بعد دخوله سامرا بشهر، قيل كان قد جعل في عنقه مائة رطل، لم يزل على وجهه حتى مات، وجعل بنوه: جليس، وصقر، والبعيث، في عداد الشاكرية مع عبيد الله بن يحيى بن خاقان.
ذكر البيعة لأولاد المتوكل بولاية العهد
في هذه السنة عقد المتوكل البيعة لبنيه الثلاثة بولاية العهد وهم: محمد، ولقبه المنتصر بالله، وأبوعبد اله محمد؛ وقيل طلحة، وقيل الزبير، ولقبه المعتز بالله، وإبراهيم، ولقبه المؤيد بالله، وعقد لكل واحد منهم لواءين: أحدهما أسود ووهولواء العهد، والآخر أبيض وهولواء العمل، فأعطى كل واحد منهم ما نذكره.
فأما المنتصر فأقطعه إفريقية والمغرب كله، والعواصم، وقنسرين، والثغور جميعهأن الشامية والجزرية، وديار مضر، وديار ربيعة، والموصل، وهيت، وعانة، والأنبار، والخابور، وكور باجرمى، وكور دجلة، وطساسيج السواد جميعهأن والحرمين، واليمن، وحضر موت، واليمامة، والبحرين، والسند، ومكران، وقندابيل، وفرج بيت الذهب، وكور الأهواز، والمستغلات سامرأن وماه الكوفة، وماه البصرة، وماسبذان، ومهرجانقذق، وشهرزور، والصامغان، وأصبهان، وقم، وققاشان، والجبل جميعه، وصدقات العرب بالبصرة.
وأما المعتز فأقطعه خراسان وما يضاف إليهأن وطبرستان، والري، وأرمينية، وأذربيجان، وكور فارس، ثم أضاف إليه في سنة أربعين خزن الأموال في جميع الآفاق، ودور الضرب، وأمر أن يضرب اسمه على الدراهم.
وأما المؤيد فأقطعه جند حمص وجند دمشق، وجند فلسطين.
ذكر ظهور رجل ادعى النبوةوفيها ظهر بسامرا رجل يقال له محمود بن الفرج النيسابوري، فزعم أنه نبي، وأنه ذوالقرنين، وتبعه سبعة وعشرون رجلأن وخرج من أصحابه من بغداد رجلان بباب العامة، وآخران بالجانب الغربي، فأتي به وبأصحابه المتوكل، فأمر به فضرب ضرباً شديدأن وحمل إلى باب العامة، فأكذب نفسه، وأمر أصحابه أن يضربه كل رجل منهم عشر صفعات، ففعلوأن واخذوا له مصحفاً فيخ كلام قد جمعه، وذكر أنه قرآن، وأن جبرائيل نزل له، ثم مات من الضرب في ذي الحجة وحبس أصحابه، وكان فيهم شيخ يزعم أنه نبي، وأن الوحي يأتيه.
ذكر ما كان بالأندلس من الحوادثوفي هذه السنة خرج عباس بن وليد المعروف بالطبلي، بنواحي تدمير، لمحاربة جمع اجتمعوا وقدموا على أنفسهم رجلاً اسمه محمد بن عيسى بن سابق، فوطئ عباس بلدهم، وأوقع بهم، وأصلحهم وعاد.
وفيها ثار أهل تاكرنا ومن يليهم من البربر، فسار إليهم جيش عبد الرحمن، صاحب الأندلس، فقاتلهم؛ وأوقع بهم، وأعظم النكاية فيهم.
وفيها سير عبد ارحمن ابنه المنذر في جيش كثيف لغزوالروم، فبلغوا ألبه.
وفيها كان سيل عظيم في رجب، في بلاد الأندلس، فخرب جسر استجبة، وخرب الأرحاء، وغرق نهر إشبيلية ست عشرة قرية، وخرب نهر تاجة ثماني عشرة قرية، وصار عرضه ثلاثين ميلأن وكان هذا حدثاً عظيماً وقع في جميع البلاد في شهر واحد.
وفيها هلك ردمير بن أذفونس في رجب، وكانت ولايته ثمانية أعوام.
وفيها هلك أبوالسول الشاعر سعيد بن يعمر بن علي بسرقسطة.
ذكر عدة حوادثوفي هذه السنة أمر المتوكل أهل الذمة بلبس الطيالسة العسلية، وشد الزنانير، وركوب السروج بالركب الخشب، وعمل كرتين في مخر السروج، وعمل رقعتين على لباس مماليكهم مخالفتين لون الثوب، كل واحدة منهما قدر أربع أصابع، ولون كل واحدة منهما غير لون الأخرى، ومن خرج من نسائهم تلبس إزاراً عسليأن ومنعهم من لباس المناطق، وأمر بهدم بيعهم المحدثة، وبأخذ العشر من منازلهم، وأن يجعل على أبواب دورهم صور شياطين من خشب، ونهى أن يستعان بهم في أعمال السلطان، ولا يعلمهم مسلم، وأن يظهروا في شعانينهم صليبأن وأن يستعملوه في الطريق، وأمر بتسوية قبورهم مع الأرض، وكتب في ذلك إلى الآفاق. وفيها توفي إسحاق بن إبراهيم بن الحسين بن مصعب المصعبي، وهوابن أخي طاهر بن الحسين، وكان صاحب الشرطة ببغداد أيام المأمون، والمعتصم والواثق، والمتوكل، ولما مرض أرسل إليه المتوكل ابنه المعتز مع جماعة من القواد يعودونه، وجزع المتوكل لموته.
وفيها مات الحسن بن سهل، كان شرب دواء، فأفرط عليه، فحبس الطبع، فمات، وكان موته، وموت إسحاق بن إبراهيم في ذي الحجة في يوم واحد؛ وقيل مات الحسن في سنة ست وثلاثين.
ة فيها في ذي الحجة تغير ماء دجلة إلى الصفرة ثلاثة أيام، ففزع الناس، ثم صار في لون ماء المدود.
وفيها أتى المتوكل يحيى بن عمر بن يحيى بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، عليه السلام. وكان قد جمع ببعض النواحي، فاخذ، وحبس، وضرب، وحج بالناس هذه السنة محمد بن داود.
وفيها مات إسحاق بن إبراهيم الموصلي، صاحب الألحان والغناء، وكان فيه علم وأدب، وله شعر جيد؛ وعبيد اله بن عمر بن ميسرة الجشمي القواريري في ذي الحجة؛ وإسماعيل بن علية ومنصور بن أبي مزاحم؛ وسريج بن يونس أبوالحرث.
سريج بالسين المهملة والجيم.
حوادث سنة ست وثلاثين ومائتين
ذكر مقتل محمد بن إبراهيمفي هذه السنة قتل محمد بن إبراهيم بن مصعب أخوإسحاق بن إبراهيم.
وكان سبب ذلك أن إسحاق أرسل ولده محمد بن إسحاق بن إبراهيم إلى باب الخليفة ليكون نائباً عنه ببابه، فلما مات إسحاق عقد المعتز لابنه محمد بن إسحاق على فارس، وعقد له المنتصر على اليمامة والبحرين وطريق مكة في المحرم من هذه السنة، وضم إليه المتوكل أعمال أبيه كلهأن وحمل إلى المتوكل وأولاده من الجواهر التي كانت لأبيه، والأشياء النفسية، كثيراً.
وكان عمه محمد بن إبراهيم على فارس، فلما بلغه ما صنع المتوكل وأولاده بابن أخيه ساءه ذلك، وتنكر للخليفة ولابن أخيه؛ فشكا محمد بن إسحاق ذلك إلى المتوكل، فأطلقه في عمه ليفعل به ما يشاء، فعزله عن فارس، واستعمل مكانه ابن عمه الحسين بن إسماعيل بن إبراهيم بن مصعب، وأمره بقتل عمه محمد بن إبراهيم.
فلما سار الحسين إلى فارس أهدى إلى عمه يوم النيروز هدايأن وفيها حلوى فأكل محمد منهأن وأدخله الحسين بيتأن ووكل عليه، فطلب الماء ليشرب فمنع منه، فمات بعد يومين.
ذكر ما فعله المتوكل بمشهد الحسين
ابن علي بن أبي طالب عليه السلامفي هذه السنة أمر المتوكل بهدم قبر الحسين بن علي، عليه السلام، وهدم ما حوله من المنازل والدور، وأن يبذر ويسقى موضع قبره، وأن يمنع الناس من إتيانه، فنادى عامل صاحب الشرطة بالناس في تلك الناحية: من وجدناه عند قبره، بعد ثلاثة، حبسناه في المطبق! فهرب الناس، وتركوا زيارته، وحرث وزرع.
وكان المتوكل شديد البغض لعلي بن أبي طالب، عليه السلام، ولأهل بيته، وكان يقصد من يبلغه عنه أنه يتولى علياً وأهله بأخذ المال والدم؛ وكان من جملة ندمائه عبادة المخنث، وكان يشد على بطنه، تحت ثيابه، مخدة، ويكشف رأسه، وهوأصلع، ويرقص بين يدي المتوكل، والمغنون يغنون: قد أقبل الأصلع البطين، خليفة المسلمين.
يحكي بذلك عليأن عليه السلام، والتوكل يشرب، ويضحك، ففعل ذلك يومأن والمنتصر حاضر، فأومأ إلى عبادة يتهدده، فسكت خوفاً منه، فقال المتوكل: ما حالك؟ فقام واخبره، فقال المنتصر: يا أمير المؤمنين إن الذي يحكيه هذا الكاتب، ويضحك منه الناس، هوابن عمك، وشيخ أهل بيتك، وبه فخرك، فكل أنت لحمه، إذا شئت، ولا تطعم هذا الكلب وأمثاله منه! فقال المتوكل للمغنين: غنوا جميعا:
غار الفتى لابن عمه ... رأس الفتى في حر أمه
فكان هذا من الأسباب التي استحل بها المنتصر قتل المتوكل.
وقيل إن المتوكل كان يبغض من تقدمه من الخلفاء: المأمون، والمعتصم، والواثق في محبة علي وأهل بيته؛ وإمنا كان ينادمه ويجالسه جماعة ن اشتهروا بالنصب، والبغض لعلي، منهم: علي بن الجهم، الشاعر الشامي، من بني شامة ابن لؤي؛ وعمر بن فرح الرخجي؛ وأبوالسمط من ولد مروان بن أبي حفصة، من موالي بني أمية؛ وعبد الله بن محمد بن داود الهاشمي المعروف بابن أترجة.
وكانوا يخوفونه من العلويين، ويشيرون عليه بإبعادهم، والإعراض عنهم، والإساءة إليهم، ثم حسنوا له الوقيعة في أسلافهم الذين يعتقد الناس علومنزلتهم في الدين، ولم يبرحوا به حتى ظهر منه ما كان، فغطت هذه السيئة جميع حسناته، وكان من أحسن الناس سيرة، ومنع الناس من القول بخلق القرآن إلى غير ذلك من المحاسن.
ذكر عدة حوادثفي هذه السنة استكتب المتوكل عبيد الله بن يحيى بن خاقان.
وفيها حج المنتصر بالله، وحجت معه جدته أم المتوكل.
وفيها هلك أبوسعيد محمد بن يوسف الروزي فجأة، وكان عقد له على أرمينية، وأذربيجان، فلبس أحد خفيه، ومد الآخر ليلبسه، فمات، فولى المتوكل ابنه يوسف ما كان إلى أبيه من الحرب؛ وولاه خراج الناحية، فسار إليها وضبطها، وحج بالناس هذه السنة المنتصر.
وفيها خرج حبيبة البربري بالأندلس بجبال الجزيرة، واجتمع إليه جمع كثير، فأغاروأن واستطالوأن فسار إليهم جيش من عبد الرحمن، فقاتلهم، فهزمهم، فتفرقوا.
وفيها غزا جيش بالأندلس بلاد برشلونة، فقتلوا من أهلهأن فأكثروأن وأسروا جماً غفيرأن وغمنوأن وعادوا سالمين.
وفيها توفي هدبة بن خالد، وسنان الأبلي، وإبراهيم بن محمد الشافعي.
وفيها توفي مصعب بن عبد اله بن مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير ابن العوام أبوعبد الله المدني، وكان عمره ثمانين سنة، وهوعم الزبير بن بكار، وكان عالماً فقيهأن إلا أنه كان منحرفاً عن علي، عليه السلام.
وفيها أيضاً توفي منصور بن المهدي، ومحمد بن إسحاق بن محمد المخزومي المسيبي البغدادي، وكان ثقة.
وفيها توفي جعفر بن حرب الهمذاني أحد أئمة المعتزلة البغداديين، وعمره تسع وخمسون سنة، وأخذ الكلام عن ابن أبي الهذيل العلاف البصري.
حوادث سنة سبع وثلاثين ومائتين
ذكر وثوب أهل أرمينية بعاملهمفي هذه السنة وثب أهل أرمينية بعاملهم يوسف بن محمد فقتلوه.
وكان سبب ذلك أن يوسف لما سار إلى أرمينية خرج إليه بطريق له بقراط بن أشوط، ويقال له بطريق البطارقة، يطلب الأمان، فأخذه يوسف وابنه نعمة، فسيرهما إلى باب الخليفة، فاجتمع بطارقة أرمينية مع ابن أخي بقراط بن أشوط، وتحالفوا عن قتل يوسف، ووافقهم على ذلك موسى بن زرارة، وهوصهر بقراط على ابنته، فأتى الخبر يوسف، ونهاه أصحابه عن المقام بمكانه، فلم يقبل، فلما جاء الشتاء، ونزل الثلج، مكثوا حتى سكن الثلج، ثم أتوه وهوبمدينة طرون، فحصروه بهأن فخرج إليهم من المدينة فقاتلهم، فقتلوه وكل من قاتل معه، وأما من لم يقاتل معه فقالوا له: انزع ثيابك، وانج بنفسك عريانأن ففعلوأن ومشوا حفاة عراة، فهلك أكثرهم من البرد، وسقطت أصابع كثير منهم، ونجوأن وكان ذلك في رمضان.
وكان يوسف قبل ذلك قد فرق أصحابه في رساتيق عمله، فوجه إلى كل طائفة منهم طائفة من البطارقة، فقتلوهم في يوم واحد.
فلما بلغ المتوكل وجه بغا الكبير إليهم، طالباً بدم يوسف، فسار إليهم على الموصل والجزيرة، فبدأ بأرزن، وبها موسى بن زرارة، وله إخوة: إسماعيل، وسليمان، وحمد، وعيسى، ومحمد، وهارون، فحمل بغا موسى بن زرارة إلى المتوكل، وأباح قتلة يوسف، فقتل منهم زهاء ثلاثين ألفأن وسبى منهم خلقاً كثيرأن فباعهم وسار إلى بلاد الباق، فأسر أشوط بن حمزة أبا العباس، صاحب الباق، والباق من كورة البسفرجان، ثم سار إلى مدينة دبيل من أرمينية فأقام بها شهرأن ثم سار إلى تفليس فحصرها.
ذكر غضب المتوكل على ابن أبي دؤاد وولاية ابن أكثم القضاءوفيها غضب المتوكل على احمد بن أبي دؤاد، وقبض ضياعه وأملاكه، وحبس ابنه أبا الوليد، وسائر أولاده، فحمل أبوالوليد مائة ألف وعشرين ألف دينار، وجواهر قيمتها عشرون ألف دينار، ثم صولح بعد ذلك على ستة عشر ألف ألف درهم، وأشهد عليهم جميعاً ببيع أملاكهم.
وكان أبوهم أحمد بن أبي دؤاد قد فلج، وأحضر المتوكل يحيى بن أكثم من بغداد إلى سامرأن ورضي عنه، وولاه قضاء القضاة، ثم ولاه المظالم، فولى يحيى بن أكثم قضاء الشرقية حيان بن بشر، وولى سوار بن عبد الله العنبري قضاء الجانب الغربي، وكلاهما أعور، فقال الجماز:
رأيت من الكبائر قاضيين ... هما أحدوثة في الخافقين
هما اقتسما العمى نصفين قدراً ... كما اقتسما قضاء الجانبين
وتحسب منهما من هز رأساً ... لينظر في مواريث ودين
كأنك قد وضعت عليه دناً ... فتحت بزالة من فرد عين
هما فأل الزمان بهلك يحيى ... إذا افتتح القضاء بأعورين
ذكر ولاية العباس بن الفضل صقلية
وما فتح فيهاقد ذكرنا سنة ثمان وعشرين ومائتين أن محمد بن عبد الله، أمير صقلية، توفي سنة ست وثلاثين ومائتين، فلما مات اجتمع المسلمون بها على ولاية العباس بن الفضل بن يعقوب، فولوه أمرهم، فكتبوا بذلك إلى محمد بن الأغلب أمير إفريقية فأرسل إليه عهداً بولايته، فكان العباس إلى أن وصل عهده يغير، ويرسل السرايأن وتأتيه الغنائم.
فلما قدم إليه عهده بولايته خرج بنفسه وعلى مقدمته عمه رباح، فأرسل في سرية إلى قلعة أبي ثور، فغمن، وأسر وعاد، فقتل الأسرى، وتوجه إلى مدينة قصريانة، فنهب، وأحرق، وخرب ليخرج إليه البطريق، فلم يفعل، فعاد العباس.
وفي سنة ثمان وثلاثين ومائتين خرج حتى بلغ قصريانة ومعه جمع عظيم، فغمن، وخرب، وأتى قطانية، وسرقوسة، ونوطس، ورغوس، فغمن من جميع هذه البلاد، وخرب وأحرق، ونزل على بثيرة، وحصرها خمسة أشهر، فصالحه أهلها على خمسة آلاف رأس.
وفي سنة اثنتين وأربعين سار العباس في جيش كثيف، ففتح حصوناً خمسة؛ وفي سنة ثلاث وأربعين سار إلى قصريانة، فخرج أهلهأن فلقوه، فهزمهم، وقتل فيهم فأكثر، وقصد سرقوسة وطبرمين وغيرهمأن فنهب، وخرب، واحرق، ونزل على القصر الجديد وحصره، وضيق على من به من الروم، فبذلوا له خمسة عشر ألف دينار، فلم يقبل منهم، وأطال الحصر، فسلموا إليه الحصن على شرط أن يطلق مائتي نفس، فأجابهم إلى ذلك، وملكه، وباع كل من فيه سوى مائتي نفس، وهدم الحصن.
ذكر فتح قصريانةفي سنة أربع وأربعين ومائتين فتح المسلمون مدينة قصريانة، وهي المدينة التي بها دار الملك بصقلية، وكان الملك قبلها يسكن سرقوسة، فلما ملك المسلمون بعض الجزيرة نقل دار الملك إلى قصريانة لحصانتها.
وسبب فتحها أن العباس سار في جيوش المسلمين إلى مدينة قصريانة، وسرقوسة، وسير جيشاً في البحر، فلقيهم أربعون شلندي للروم، فاقتتلوا أشد قتال، فانهزم الروم، واخذ منهم المسلمون عشر شلنديات برجالهأن وعاد العباس إلى مدينته.
فلما كان الشتاء سير سرية، فبلغت قصريانة، فنهبوأن وخربوأن وعادوا ومعهم رجل كان له عند الروم قد ومنزلة، فأمر العباس بقتله، فقال: استبقني، ولك عندي نصيحة! قال: وما هي؟ قال: أملكك قصريانة، والطريق في ذلك أن القوم في هذا الشتاء وهذه الثلوج آمنون من قصدكم إليهم، فهم غير محترسين، ترسل معي طائفة من عسكركم حتى أدخلكم المدينة.
فانتخب العباس ألفي فارس أنجاد أبطال، وسار إلى أن قاربهأن وكمن هناك مستترأن وسير عمه رباحاً في شجعانهم، فساروا مستخفين في الليل، والرومي معهم مقيد بين يدي رباح، فأراهم الموضع الذي ينبغي أن يملك منه، فنصبوا السلاليم، وصعدوا الجبل، ثم وصلوا إلى سور المدينة، قريباً من الصبح، والحرس نيام، فدخلوا من نحوباب صغير فيه، يدخل منه الماء وتلقى فيه الأقذار، فدخل المسلمون كلهم، فوضعوا السيف في الروم، وفتحوا الأبواب.
وجاء العباس في باقي العسكر، فدخلوا المدينة وصلوا الصبح يوم الخميس منتصف شوال، وبنى فيها في الحال مسجدأن ونصب فيه منبرأن وخطب فيه يوم الجمعة، وقتل من وجد فيها ن المقاتلة، وأخذوا ما فيها من بنات البطارقة بحليهن، وأبناء الملوك، وأصابوا فيها ما يعجز الوصف عنه، وذل الشرك يومئذ بصقلية ذلاً عظيماً.
ولما سمع الروم أرسل ملكهم بطريقاً من القسطنطينية في ثلاثمائة شلندي وعسكر كثير، فوصلوا إلى سرقوسة، فخرج إليهم العباس من المدينة، ولقي الروم، وقاتلهم، فهزمهم، فركبوا في مراكبهم هاربين، وغمن المسلمون منهم مائة شلندي، وكثر القتل فيهم، ولم يصب من المسلمين ذلك اليوم غير ثلاثة نفر بالنشاب.
وفي سنة ست وأربعين ومائتين نكث كثير من قالع صقلية وهي: وسطر، وابلأن وابلاطنوأن وقلعة عبد المؤمن، وقلعة البلوط، وقلعة أبي ثور، وغيرها من القالع، فخرج العباس إليهم، فلقيهم عساكر الروم، فاقتتلوأن فانهزم الروم، وقتل منهم كثير.
وسار إلى قلعة عبد المؤمن وقلعة ابلاطنوأن فحصرهأن فأتاه الخبر بأن كثيراً من عساكر الروم قد وصلت، فرحل إليهم، فالتقوا بجفلودى، وجرى بينهم قتال شديد، فانهزمت الروم، وعادوا إلى سرقوسة، وعاد العباس إلى المدينة، وعمر قصريانة، وحصنهأن وشحنها بالعساكر.
وفي سنك سبع وأربعين ومائتين سار العباس إلى سرقوسة، فغمن وسار إلى غيران قرقنة، فاعتل ذلك اليوم، ومات بعد ثلاثة أيام، ثالث جمادى الآخرة، فدفن هناك فنبشه الروم، وأحرقوه، وكانت ولايته إحدى عشرة سنة، وأدام الجهاد شتاء وصيفأن وغزا أرض قلورية وانكبردة وأسكنها المسلمين.
ذكر ابتداء أمر يعقوب بن الليثوفيها تغلب إنسان من أهل بست، اسمه صالح بن النضر الكناني، على سجستان، ومعه يعقوب بن الليث، فعاد طاهر بن عبد الله بن طاهر أمير خراسان واستنقذها من يده.
ثم ظهر بها إنسان اسمه درهم بن الحسين، من المتطوعة، فتغلب عليهأن وكان غير ضابط لعسكره، وكان يعقوب بن الليث هوقائد عسكره، فلما رأى أصحاب درهم ضعفه وعجزه، اجتمعوا على يعقوب بن الليث، وملكوه أمرهم، لما رأوا من تدبيره، وحسن سياسته، وقيامه بأمورهم، فلما تبين ذلك لدرهم لم ينازعه في الأمر، وسلمه إليه، واعتزل عنه، فاستبد يعقوب بالأمر، وضبط البلاد، وقويت شوكته وقصدته العساكر من كل ناحية، وكان من أمره ما نذكره إن شاء الله تعالى.
ذكر عدة حوادثفي هذه السنة ولي عبيد بن إسحاق بن إبراهيم بغداد ومعاون السواد.
وفيها قدم محمد بن عبد الله بن طاهر من خراسان في ربيع الأول فولي الحربة، والشرطة، وخلافة المتوكل ببغداد، وأعمال السواد وأقام بها.
وفيها عزل أبوالوليد محمد بن أحمد بن أبي دؤاد عن المظالم، وولاها محمد بن يعقوب المعروف بابن الربيع.
وفيها أمر المتوكل جثة أحمد بن نصر الخزاعي، ودفعه إلى أوليائه، فحمل إلى بغداد، وضم رأسه إلى بدنه، وغسل، وكفن، ودفن، واجتمع عليه من العامة ما لا يحصى يتمسحون به؛ وكان المتوكل لما ولي نهى عن الجدال في القرآن وغيره، وكتب إلى الآفاق بذلك.
وغزا الصائفة في هذه السنة علي بن يحيى ارمني، وحج بالناس فيها علي بن عيسى بن جعفر بن المنصور وكن والي مكة.
وفيها قام رجل بالأندلس بناحية الثغور وادعى النبوة، وتأول القرآن على غير تأويله، فتبعه قوم من الغوغاء، فكان من شرائعه أنه كان ينهى عن قص الشعر وتقليم الأظافر، فبعث إليه عامل ذلك البلد، فأتي به، وكان أول ما خاطبه به من دعاه إلى أتباعه، فأمره العامل بالتوبة، فامتنع فصلبه.
وفيها سارت جيوش المسلمين إلى بلاد المشركين، فكانت بينهم وقعة عظيمة كان الظفر فيها للمسلمين، وهي الوقعة المعروفة بوقعة البيضاء، وهي مشهورة بالأندلس.
وفيها توفي العباس بن الوليد المديني بالبصرة، وعبد الأعلى بن حماد النرسي وعبيد الله بن معاذ العنبري.
النرسي بالنون والراء والسين المهملة.
حوادث سنة ثمان وثلاثين ومائتين
ذكر ما فعله بغا بتفليسقد ذكرنا مسير بغا إلى تفليس ومحاصرتها؛ وكان بغا لما سار إليها وجه زيرك التركي، فجاز نهر الكر، وهونهر كبير، ومدينة تفليس على حافته، وصغدبيل على جانبه الشرقي، فلما عبر النهر نزل بميدان تفليس، ووجه بغا أيضاً أبا العباس الوارثي النصراني إلى أهل أرمينية عربها وعجمهأن فأتى تفليس مما يلي باب المرفص، فخرج إسحاق بن إسماعيل مولى بني أمية من تفليس إلى زيرك، فقابل عند الميدان، ووقف بغا على تل مشرف ينظر ما يصنع زيرك وأبوالعباس، فدعا بغا النفاطين، فضربوا المدينة بالنار، فاحرقوها وهي من خشب الصنوبر.
وأقبل إسحاق بن إسماعيل إلى المدينة، فرأى قد أحرقت قصره وجواريه وأحاطت به، فأتاه الأتراك، والمغاربة، فأخذوه أسيراً وأخذوا ابنه عمرأن فأتوا بهما بغأن فأمر بإسحاق فضربت عنقه، وصلبت جثته على نهر الكر، وكان شيخاً محدورأن ضخم الرأس، أحول، واحترق بالمدينة نحوخمسين ألف إنسان، وأسروا من سلم من النار، وسلبوا الموتى.
وأخذ أهل إسحاق ما سلم من ماله بصغدبيل، وهي مدينة حصينة حذاء تفليس بناها كسرى أنوشروان، وحصنها إسحاق، وجعل أمواله فيها مع امرأته ابنه صاحب السرير.
ثم إن بغا وجه زيرك إلى قلعة الحرزمان، وهي بين برذعة وتفليس، في جماعة من جنده ففتحهأن واخذ بطريقها أسيراً؛ ثم سار بغا إلى عيسى ابن يوسف، وهوفي قلعة كبيش، في كورة البيلقان، ففتحها وأخذه فحمله، وحمل معه أبا العباس الوارثي، واسمه سنباط بن أشوط، وحمل معاوية بن سهل بن سنباط بطريق أران.
ذكر مسير الروم إلى ديار مصرفي هذه السنة جاء ثلاثمائة مركب للروم مع ثلاثة رؤساء فأناخ أحدهم في مائة مركب بدمياط، وبينها وبين الشط شبيه بالبحيرة، يكون ماؤها إلى صدر الرجل، فمن جازها إلى الأرض أمن من مراكب البحر، فجازه قوم فسلموأن وغرق كثير من نساء وصبيان، ومن كان به قوة سار إلى مصر.
وكان على معونة مصر عنبسة بن إسحاق الضبي، فلما حضر العيد أمر الجند الذين بدمياط أن يحضروا مصر، فساروا منهأن فاتفق وصول الروم وهي فارغة من الجند فنهبوأن وأحرقوأن وسبوأن وأحرقوا جامعهأن وأخذوا ما بها من سلاح ومتاع، وقند، وغير ذلك، وسبوا من النساء المسلمات والذميات نحوستمائة امرأة، وأوقروا سفنهم من ذلك.
وكان عنبسة قد حبس بن الأكشف بدمياط، فكسر قيده، وخرج يقاتلهم، وتبعه جماعة، وقتل من الروم جماعة، وسارت الروم إلى أشنوم تنيس، وكان عليه سور وبابان من حديد قد عمله المعتصم، فنهبوا ما فيه من سلاح، وأخذوا البابين، ورجعوا ولم يعرض لهم أحد.
ذكر وفاة عبد الرحمن بن الحكم
وولاية ابنه محمدوفيها توفي عبد الرحمن بن الحكم بن هشام بن عبد الرحمن بن معاوية ابن هشام الأموي، صاحب الأندلس، في ربيع الآخر، وكان مولده سنة ست وسبعين ومائة، وولايته إحدى وثلاثين سنة وثلاثة أشهر.
وكان أسمر طويلأن أقنى، أعين، عظيم اللحية، مخضباً بالحناء، وخلف خمسة وأربعين ولداً ذكورأن وكان أديبأن شاعرأن وهومعدود في جملة من عشق جواريه، وكان يعشق جارية له اسمها طروب، وشهر بهأن وكان عالماً بعلوم الشريعة وغيرها من علوم الفلاسفة وغيرهم أيامه أيام عافية وسكون، وكثرت الأموال عنده، وكان بعيد الهمة واخترع قصورأن ومنتزهات كثيرة، وبنى الطرق، وزاد في الجامع بقرطبة رواقين، وتوفي قبل أن يستتم زخرفته، وأتمه ابنه، وبنى جوامع كثيرة بالأندلس.
ولما مات ملك ابنه محمد، فجرى على سيرة والده، وأتم بناء الجامع بقرطبة، وأمه تسمى بهتر، وولد له مائة ولد كلهم ذكور، وهوأول من أقام أبهة الملك بالأندلس، ورتب رسوم المملكة، وعلا عن التبذل للعامة، فكان يشبه بالوليد بن عبد الملك في أبهة الملك، وهوأول من جلب الماء العذب إلى قرطبة، وأدخله إليهأن وجعل لفصل الماء مصنعاً كبيراً يرده الناس.
ذكر عدة حوادثفي هذه السنة سار المتوكل نحوالمدائن، فدخل بغداد، وسار منها إلى المدائن، وغزا الصائفة على علي بن يحيى الأرمني.
وفيها مات إسحاق بن إبراهيم الحنظلي، المعروف بابن راهويه، وكان إماماً عالمأن وجرى له مع الشافعي مناظرة في بيوت مكة، وكان عمره سبعاً وسبعين سنة؛ ومحمد بن بكار المحدث.
حوادث سنة تسع وثلاثين ومائتينفي هذه السنة أمر المتوكل بأخذ أهل الذمة بلبس ذراعين عسليتين على الأقبية والدراريع، وبالاقتصار في مراكبهم على ركوب البغال والحمير دون الخيل والبراذين.
فيها نفى المتوكل علي بن الجهم إلى خراسان.
وفيها أمر المتوكل بهدم البيع المحدثة في الإسلام.
وفيها سير محمد بن عبد الرحمن جيشاً مع أخيه الحكم إلى قلعة رباح، وكان أهل طليطلة قد خربوا سورهأن وقتلوا كثيراً من أهلهأن وأصلح الحكم سورهأن وأعاد من فارقها من أهلها إليهأن وأصلح حالهأن وتقدم إلى طليطلة فأفسد في نواحيها وشعثهأن وسير محمد أيضاً جيشاً آخر إلى طليطلة، فلما قاربوها خرجت عليهم الجنود من المكامن، فانهزم العسكر، وأصيب أكثر من فيه.
وفيها مات أبوالوليد محمد بن أحمد بن أبي دؤاد القاضي ببغداد في ذي الحجة، وغزا الصائفة علي بن يحيى الأرمني.
وفيها حج جعفر بن دينار على الأحداث بطريق مكة والموسم، وحج بالناس هذه السنة عبد الله بن محمد بن داود بن عيسى بن موسى وكان والي مكة.
وفيها اتفق الشعانين للنصارى ويوم النيروز، وذلك يوم الأحد لعشرين ليلة خلت من ذي القعدة، فزعمت النصارى أنهما لم يجتمعا في الإسلام قط.
وفيها توفي محمود بن غيلان المروزي أبوأحمد، وهومن مشايخ البخاري ومسلم والترمذي.
حوادث سنة أربعين ومائتين
ذكر وثوب أهل حمص بعاملهمفي هذه السنة وثب أهل حمص بعاملهم أبي المغيث موسى بن إبراهيم الرافعي، وكان قتل رجلاً من رؤسائهم، فقتلوا جماعة من أصحابه، وأخرجوه، وأخرجوا عامل الخراج، فبعث المتوكل إليهم عتاب بن عتاب، ومحمد بن عبدويه الأنباري، وقال لعتاب: قل لهم إن أمير المؤمنين قد بدلكم بعاملكم، فإن أطاعوا فول عليهم محمد بن عبدويه، فإن أبوا فأقم وأعلمني، حتى أمدك برجال وفرسان.
فساروا إليهم، فوصلوا في ربيع الآخر، فرضوا بمحمد بن عبدويه، فعمل فيهم الأعاجيب، حتى أحوجهم إلى محاربته، على ما نذكره إن شاء الله تعالى.
ذكر الحرب بين المسلمين والفرنج بالأندلسوفي هذه السنة، في المحرم، كان بين المسلمين والفرنج حرب شديدة.
وسبب ذلك أن أهل طليطلة كانوا على ما ذكرنا من الخلاف على محمد ابن عبد الرحمن، صاحب الأندلس، وعلى أبيه من قبله، فلما كان الآن سار محمد في جيوشه إلى طليطلة، فلما سمع أهلها بذلك أرسلوا إلى ملك جليقية يستمدونه وإلى ملك بشكنس فأمداهم بالعساكر الكثيرة.
فلما سمع محمد بذلك، وكان قد قارب طليطلة، عبأ أصحابه، وقد كمن لهم الكمناء بناحية وادي سليط، وتقدم هوإليهم في قلة من العسكر، فلما رأى أهل طليطلة ذلك أعلموا الفرنج بقلة عددهم، فسارعوا إلى قتالهم، وطمعوا فيهم، فلما تراءى الجمعان، وانتشب القتال، خرجت الكمناء من كل جهة على المشركين، وأهل طليطلة، فقتل منهم ما لا يحصى، وجمع من الرؤوس ثمانية آلاف رأس فرقت في البلاد، فذكر أهل طليطلة أن عدة القتلى من الطائفتين عشرون ألف قتيل، وبقيت القتلى على وادي سليط دهراً طويلاً.
ذكر عدة حوادثفي هذه السنة عزل يحيى بن أكثم عن القضاء، وقبض منه ما مبلغه خمسة وسبعون ألف دينار، وأربعة آلاف جريت بالبصرة.
وفيها جعفر بن عبد الواحد بن جعفر بن سليمان بن علي قضاء القضاة؛ وحج بالناس هذه السنة عبد الله بن محمد بن داود، وكان على أحداث الموسم جعفر بن دينار.
وفيها توفي القاضي أبوعبد الله بن أبي دؤاد في المحرم بعد ابنه أبي الوليد بعشرين يومأن وكان داعية إلى القول بخلق القرآن وغيره من مذاهب المعتزلة، وأخذ ذلك عن بشر المريسي، وأخذه بشر من الجهم بن صفوان، وأخذه جهم من الجعد بن أدهم، وأخذه الجعد من أبان بن سمعان، وأخذه أبان من طالوت ابن أخت لبيد الأعصم وختنه، وأخذه طالوت من لبيد بن الأعصم اليهودي الذي سحر النبي، صلى الله عليه وسلم، وكان لبيد يقول بخلق التوراة، وأول من صنف في ذلك طالوت، وكان زنديقأن فأفشى الزندقة.
وفيها توفي قتيبة بن سعيد بن حميد أبورجاء الثقفي وله تسعون سنة، وهوخراساني من مشايخ البخاري، ومسلم، وأحمد بن حنبل، وغيرهم من الأئمة، وتوفي أبوثور إبراهيم بن خالد البغدادي الكلبي الفقيه، وهومن أصحاب الشافعي، وأبوعثمان محمد بن الشفعي، وكان قاضي الجزيرة جميعها، وروى عن أبيه، وعن ابن عنبسة، وقيل مات بعد سنة أربعين. وكان للشافعي ولد آخر اسمه محمد مات بمصر سنة إحدى وثلاثين ومائتين.
؟
حوادث سنة إحدى وأربعين ومائتين
ذكر وثوب أهل حمص بعاملهمفي هذه السنة وثب أهل حمص بعاملهم محمد بن عبدويه، وأعانهم عليه قوم من نصارى حمص، فكتب إلى المتوكل، فكتب إليه يأمره بمناهضتهم، وأمده بجند من دمشق والرملة، فظفر بهم، فضرب منهم رجلين من رؤسائهم حتى ماتا وصلبهما على باب حمص وسير ثمانية رجال المتوكل بإخراج النصارى منهأن وهدم كنائسهم، وبإدخال البيعة التي إلى جانب الجامع إلى الجامع، ففعل ذلك.
؟؟
ذكر الفداء بين المسلمين والروموفيها كان الفداء بين المسلمين والروم، بعد أن قتلت تدورة، ملكة الروم، من أسرى المسلمين اثني عشر ألفأن فإنها عرضت النصرانية على الأسرى، فمن تنصر جعلته أسوة من قبله من المنتصرة، ومن أبى قتلته، وأرسلت تطلب المفاداة لمن بقي منهم، فأرسل المتوكل شنيفاً الخادم القضاء من يقوم مقامه، فأذن له فحضره واستخلف على القضاء ابن أبي الشوارب، وهوشاب، ووقع الفداء على نهر اللامس، فكان أسرى المسلمين من الرجال سبع مائة وخمسة وثمانين رجلأن ومن النساء مائة وخمساً وعشرين امرأة.
وفيها جعل المتوكل كل كورة شمشاط عشرية وكانت خراجية.
ذكر غارات البجاة بمصروفيها أغارت البجاة على أرض مصر، وكانت قبل ذلك لا تغور بلاد الإسلام لهدنة قديمة، وقد ذكرناها فيما مضى، وفي بلادهم معادن يقاسمون المسلمين عليهأن ويؤدون إلى عمال مصر نحوالخمس.
فلما كانت أيام المتوكل امتنعت عن أداء ذلك، فكتب صاحب البريد بمصر بخبرهم، وأنهم قتلوا عدة من المسلمين ممن يعمل في المعادن، فهرب المسلمون منها خوفاً على أنفسهم، فأنكر المتوكل ذلك، فشاور في أمرهم، فذكر له أنهم أهل بادية، أصحاب إبل وماشية، وأن الوصول إلى بلادهم صعب لأنها مفاوز، وبين أرض الإسلام وبينها مسيرة شهر في أرض قفر وجبال وعرة، وأن كل من يدخلها من الجيوش يحتاج إلى أن يتزود لمدة يتوهم أنه يقيمها إلى أن يخرج إلى بلاد الإسلام، فإن جاوز تلك المدة هلك، وأخذتهم البجاة باليد، وأن أرضهم لا ترد على سلطان شيئاً.
فأمسك المتوكل عنهم، فطمعوا وزاد شرهم حتى خاف أهل الصعيد على أنفسهم منهم، فولى المتوكل محمد بن عبد الله القمي محاربتهم، وولاه معونة تلك الكور، وهي قفط والأقصر وأسنا وأرمنت وأسوان، وأمره بمحاربة البجاة، وكتب إلى عبسنة بن إسحاق الضبي، عامل حرب مصر، بإزاحة علته وإعطائه من الجند ما يحتاج إليه، ففعل ذلك.
وسار محمد إلى أرض البجاة وتبعه ممن يعمل في المعادن والمتطوعة عالم كثير، فبلغت عدتهم نحواً من عشرين ألفاً بين فارس وراجل، ووجه إلى القلزم، فحمل في البحر سبعة مراكب موقورة بالدقيق، والزيت، والتمر، والشعير، والسويق، وأمر أصحابه أن يوافوه بها في ساحل البحر مما يلي بلاد البجاة، وسار حتى جاوز المعادن التي يعمل فيها الذهب، وسار إلى حصونهم وقلاعهم، وخرج إليه ملكهم، واسمه علي بابأن في جيش كثير أضعاف من مع القمي، فكانت البجاة على الإبل، وهي إبل فرة تشبه المهاري، فتحاربوا أيامأن ولم يصدقهم علي بابا القتال لتطول الأيام، وتفنى أزواد المسلمين وعلوفاتهم، فيأخذهم بغير حرب، فأقبلت تلك المراكب التي فيها الأقوات في البحر، ففرق القمي ما كان فيها في أصحابه فامتنعوا فيها.
فلما رأى علي بابا ذلك صدقهم القتال، وجمع لهم، فالتقوا قتالاً شديدأن وكانت إبلهم ذعرة تنفر من كل شيء، فلما رأى القمي ذلك جمع كل جرس في عسكره وجعلها في أعناق خيله، ثم حملوا على البجاة، فنفرت إبلهم لأصوات الأجراس، فحملتهم على الجبال والأودية، وتبعهم المسلمون قتلاً وأسرأن حتى أدركهم الليل، وذلك أول سنة إحدى وأربعين ومائتين، ثم رجع إلى معسكره ولم يقدر على إحصاء القتلى لكثرتهم.
ثم إن ملكهم علي بابا طلب الأمان فأمنه على أن يرد مملكته وبلاده، فأدى إليهم الخراج للمدة التي كان منعهأن وهي أربع سنين، وسار مع القمي إلى المتوكل، واستخلف على مملكته ابنه بغش، فلما وصل إلى المتوكل خلع عليه وعلى أصحابه، وكسا جمله رحلاً كليحاً وجلال ديباج، وولى المتوكل البجاة طريق مصر، ما بين مصر ومكة، سعداً الخادم الإيتاخي، فولى الإيتاخي محمداً القمي، فرجع إليها ومعه علي بابا وهوعلى دينه، وكان معه صمن من حجارة كهيئة الصبي يسجد له.
؟
ذكر عدة حوادثوفيها مطر الناس بسامرا مطراً شديداً في آب.
وقيل فيها: إنه أنهي إلى المتوكل أن عيسى بن جعفر بن محمد بن عاصم، صاحب خان عاصم ببغداد، يشتم أبا بكر، وعمر، وعائشة، وحفصة، فكتب إلى محمد بن عبد الله بن طاهر أن يضربه بالسياط، فإذا مات ورمى به في دجلة، ففعل ذلك وألقي في دجلة. وفيها وقع بها الصدام فنفقت الدواب والبقر.
وفيها أغارت الروم على عين زربة، فأخذت من كان أسيراً من الزط مع نسائهم وذراريهم ودوابهم.
وفيها اكثر محمد، صاحب الأندلس، من الرجال بقلعة رباح، وتلك النواحي، ليقفوا على أهل طليطلة، وسير الجيوش إلى غزوالفرنج إلى موسى، فدخلوا بلادهم ووصلوا إلى ألبة والقلاع، وافتتحوا بعض حصونها وعادوا.
ومات في هذه السنة يعقوب بن إبراهيم، المعروف بقوصرة، صاحب بريد مصر والغرب، وحج بالناس عبد الله بن محمد بن داود، وحج جعفر ابن دينار، وهووالي الطريق وأحداث الموسم. وفيها كثر انقضاض النجوم، فكانت كثيرة لا تحصى، فبقيت ليلة من العشاء الآخرة إلى الصبح.
وفيها كانت بالري زلزلة شديدة هدمت المساكن، ومات تحتها خلق كثير لا يحصون، وبقيت تتردد فيها أربعين يوماً.
وفيها خرجت ريح من بلاد الترك، فقتلت خلقاً كثيرأن وكان يصيبهم بردها فيزكمون، فبلغت سرخس، ونيسابور، وهمذان، والري، فانتهت إلى حلوان.
وفيها توفي الإمام أحمد بن حنبل الشيباني الفقيه المحدث في شهر ربيع الأول.
؟
حوادث سنة اثنتين وأربعين ومائتينفي هذه السنة كانت زلازل هائلة بقومس ورساتيقها في شعبان، فتهدمت الدور، وهلك تحت الهدم بشر كثير، قيل كانت عدتهم خمسة وأربعين ألفاً وستة وتسعين نفسأن وكان أكثر ذلك بالدامغان، وكان بالشام، وفارس، وخراسان في هذه السنة زلازل، وأصوات منكرة، وكان باليمن مثل ذلك مع خسف.
وفيها خرجت الروم من ناحية سميساط بعد خروج علي بن يحيى الأرمني من الصائفة حتى قاربوا آمد، وخرجوا من الثغور والجزرية فانتهبوأن وأسروا نحواً من عشرة آلاف، وكان دخولهم من ناحية أرين قرية قريباس ثم رجعوا فخرج قريباس، وعمر بن عبد الله الأقطع، وقوم من المتطوعة في آثارهم، فلم يلحقوهم، فكتب المتوكل إلى علي بن يحيى الأرمني أن يسير إلى بلادهم شاتياً.
وفيها قتل المتوكل رجلاً عطارأن وكان نصرانياً فأسلم، فمكث مسلماً سنين كثيرة، ثم ارتد، واستتيب، فأبى الرجوع إلى الإسلام، فقتل وأحرق.
وفيها سير محمد بن عبد الرحمن بالأندلس جيشاً إلى بلد المشركين، فدخلوا إلى برشلونة، وحارب قلاعها وجازها إلى ما وراء أعمالهأن فغمنوا كثيرأن وافتتحوا حصناً من أعمال برشلونة يسمى طراجة، وهومن آخر حصون برشلونة.
وفيها مات أبوالعباس محمد بن الأغلب، أمير إفريقية، عاشر المحرم، كان عمره ستاً وثلاثين سنة، وولي بعده ابنه أبوإبراهيم أحمد بن محمد بن الأغلب، وقد ذكرنا ذلك سنة ست وعشرين ومائتين.
وفيها مات أبوحسان الزيادي قاضي الشرقية، ومات الحسن بن علي بن الجعد، قاضي مدينة المنصور، وحج بالناس عبد الصمد بن موسى بن محمد بن إبراهيم الإمام، وهوعلى مكة؛ وحج جعفر بن دينار على الطريق وأحداث الموسم؛ وتوفي القاضي يح بن أكثم التميمي بالربذة عائداً من الحج؛ ومحمد بن مقاتل الرازي، وأبوحصين يحيى بن سليم الرازي المحدث.
؟
حوادث سنة ثلاث وأربعين ومائتينوفي هذه السنة سار المتوكل إلى دمشق في ذي القعدة على طريق الموصل، فضحى ببلد فقال يزيد بن محمد المهلبي:
أظن الشام تشمت بالعراق ... إذا عزم الإمام على انطلاق
فإن يدع العراق وساكينه ... فقد تبلى المليحة بالطلاق
وفيها مات إبراهيم بن العباس بن محمد بن صول الصولي، وكان أديباً شاعرأن فولي ديوان الضياع الحسن بن مخلد الجراح، خليفة إبراهيم.
ومات عاصم بن منجور، وحج بالناس عبد الصمد بن موسى؛ وحج جعفر بن دينار وهووالي الطريق وأحداث الموسم.
وفيها خرج أهل طليطلة بجمعهم إلى كلبيرة وعليها مسعود بن عبد الله العريف، فخرج إليهم فيمن معه ن الجنود، فلقيهم، فقاتلهم، فانهزم أهل طليطلة، وقتل أكثرهم، وحمل إلى قرطبة سبع مائة رأس.
وفيها توفي شهيد بن عيسى بن شهيد الأندلسي، وكان من العلماء.
وفيها توفي يعقوب بن إسحاق بن يوسف المعروف بابن السكيت، النحوي الغوي، وقيل سنة أربع، وقيل خمس، وقيل ست وأربعين؛ والحارث ابن أسد المحاسبي أبوعبد الله الزاهد، وكان قد هجره الإمام أحمد بن حنبل لأجل الكلام، فاختفى لتعصب العامة لأحمد، فلم يصل عليه إلا أربعة نفر.
حوادث سنة أربع وأربعين ومائتينفي هذه السنة دخل المتوكل مدينة دمشق في صفر، وعزم على المقام بهأن ونقل دواوين الملك إليهأن وأمر بالبناء بهأن ثم استوبأ البلد وذلك بان هواءه بارد ندي، والماء ثقيل، والريح تهب فيها مع العصر فلا تزال تشتد حتى يمضي عامة الليل، وهي كثيرة البراغيث؛ وغلت الأسعار، وحال الثلج بين السابلة والميرة، فرجع إلى سامرأن وكان مقامه بدمشق شهرين وأيامأن فلما كان بها وجه بغا الكبير لغزوالروم، فغزا الصائفة فافتتح صملة.
وفيها عقد المتوكل لأبي الساج على طريق مكة مكان جعفر بن دينار، وقيل عقد له سنة اثنتين وأربعين وهوالصواب.
وفيها أتى المتوكل بحربة كانت للنبي، صلى اله عليه وسلم، وتسمى العنزة، فكانت لنجاشي، فأهداها للزبير بن العوام، وأهداها الزبير للنبي، صلى الله عليه وسلم، وهي التي كانت تركز بين يدي النبي، صلى اله عليه وسلم، في العيدين، فكان يحملها بين يديه صاحب الشرطة.
وفيها غضب المتوكل على بختيشوع الطبيب، وقبض ماله، ونفاه إلى البحرين.
وفيها اتفق عبد الأضحى والشعانين لنصارى، وعبد الفطر لليهود، في يوم واحد، وحج بالناس فيها عبد الصمد بن موسى.
وفيها توفي إسحاق بم موسى بن عبد الله بن موسى الأنصاري؛ وعلي بن حجر السعدي المروزي وهما إمامان في الحديث؛ ومحمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب؛ ومحمد بن عبد الله بن أبي عثمان بن عبد الله بن خالد بن أسيد ابن أبي العيص بن أمية القاضي في جمادى الأولى.
أسيد بفتح الهمزة.
حوادث سنة خمس وأربعين ومائتينفي هذه السنة أمر المتوكل ببناء الماخورة، وسماها الجعفرية، وأقطع القواد وأصحابه فيهأن وجد في بنائهأن وأنفق عليها فيما قل أكثر من ألفي ألف دينار، وجمع فيها القراء، فقرأوأن وحضرها أصحاب الملاهي، فوهب أكثر من ألفي ألف درهم، وكان يسميها هووأصحابه المتوكلية، وبنى فيها قصراً سماه لؤلؤة لم ير مثله في علوه، وحفر لها نهراً يسقي ما حولهأن فقتل المتوكل، فبطل حفر النهر، وأخربت الجعفرية.
وفيها زلزلت بلاد المغرب، فخربت الحصون، والمنازل، والقناطر، ففرق المتوكل ثلاثة آلاف ألف درهم فيمن أصيب بمنزله، وزلزل عسكر المهدي، والمدائن، وزلزلت أنطاكية فقتل بها خلق كثير، فسقط منها ألف وخمس مائة دار، وسقطج من سورها نيف وتسعون برجأن وسمعوا أصواتاً هائلة لا يحسنون وصفهأن وتقطع جبلها الأقرع وسقط في البحر.
وهاج البحر ذلك اليوم، وارتفع منه دخان أسود مظلم منتن، وغار منها نهر على فرسخ لا يدري أين ذهب، وسمع أهل سيس، فيما قيل، صيحة دائمة هائلة، فمات منها خلق كثير، فتزلزلت ديار الجزيرة، والثغور، وطرسوس وأدنة، وزلزلت الشام، فلم يسمع من أهل اللاذقية إلا اليسير، وهلك أهل جبلة.
وفيها غارت مسنيات عين مكة، فبلغ ثمن القربة ثمانين درهمأن فبعث المتوكل، مالأن وأنفق عليها.
وفيها مات إسحاق بن أبي إسرائيل، وهلال الرازي.
وفيها هلك نجاح بن سلمة، وكان سبب هلاكه أنه كان على ديوان التوقيع، وتتبع العمال، وكان على الضياع، فكان جميع العمال يتوقونه، ويقضون حوائجه، وكان المتوكل ربما نادمه، وكان الحسن بن مخلد، وموسى بن عبد الملك قد انقطعا إلى عبيد الله بن يحيى بن خاقان، وزير المتوكل، وكان الحسن على ديوان الضياع، وموسى على ديوان الخراج، فكتب نجاح بن سلمة فيهما رقعة إلى المتوكل أنهما خانا وقصرا وأنه يستخرج منها أربعين ألف ألف؛ فقال له المتوكل: بكر غداً حتى أدفعهما إليك. فغدا وقد رتب أصحابه لأخذهمأن فلقيه عبيد الله بن يحيى الوزير، فقال له: أنا أشير عليك بمصالحتهمأن وتكتب رقعة أنك كنت شاربأن وتكلمت ناسيأن وأنا أصلح بينكمأن وأصلح الحال عند أمير المؤمنين، ولم يزل يخدعه حتى كتب خطه بذلك.
فلما كتب خطه صرفه، واحضر الحسن وموسى، وعرفهما الحال، وأمرهما أن يكتبا في نجاح وأصحابه بألفي ألف دينار، ففعلأن وأخذ الرقعتين وأدخلهما على المتوكل، وقال: قد رجع نجاح عما قال، وهذه رقعة موسى والحسن ويتقبلان بما كتبأن فتأخذ ما ضمنا عليه، ثم تعطف عليهما فتأخذ منهما قريباً منه.
فسر المتوكل بذلك، وأمر بدفعه إليهمأن فأخذاه وأولاده، فأقروا بنحومائة أربعين ألف دينار سوى الغلات، والغرس، والضياع، وغير ذلك، فقبض ذلك أجمع، وضرب، ثم عصرت خصيتاه حتى مات، وأقر أولاده بعد الضرب بسبعين ألف دينار، سوى ما لهما من ملك وغيره، فأخذ الجميع وأخذ من وكلائه في جميع البلاد مال جزيل.
وفيها أغارت الروم على سميساط، فقتلوأن وسبوأن وأسردوأن خلقاً كثيرأن وغزا علي بن يحيى الأرمني الصائفة، ومنع أهل لؤلؤة رئيسهم من الصعود إليهأن فبعث إليهم ملك الروم بطريقاً يضمن لكل رجل منهم ألف دينار على أن يسلموا إليه لؤلؤة، فأصعدوا البطريق إليهم، ثم أعطوا أرزاقهم الفائتة وما أرادوأن فسلموا لؤلؤة والبطريق إلى بلكاجور، فسيره إلى المتوكل فبذل ملك الروم في فدائه ألف مسلم.
وحج بالناس محمد بن سليمان بن عبد الله بن محمد بن إبراهيم الإمام يعرف بالزيني وهووالي مكة.
وكان نيروز المتوكل الذي أرفق أهل الخراج بتأخيره إياه عنهم لإحدى عشرة خلت من شهر ربيع الأول، ولسبع خلت من حزيران، ولثمان وعشرين من أردبيهشت، فقال البحتري:
إن يوم النيروز عاد إلى العه ... د الذي كان سنه أردشير
ذكر خروج الكفار بالأندلس
إلى بلاد الإسلام
في هذه السنة خرج المجوس من بلاد الأندلس، في مراكب، إلى بلاد الإسلام، فأمر محمد بن عبد الرحمن، صاحب بلاد الإسلام، بإخراج العساكر إلى قتالهم، وأحرقت المسجد الجامع، ثم جازت إلى العدوة، فحلت بناكور، ثم عادت إلى الأندلس، فانهزم أهل تدمير، ودخلوا حصن أريوالة.
ثم تقدموا إلى حائط إفرنجة، وأغاروأن وأصابوا من النهب والسبي كثيراً ثم انصرفوأن فلقيتهم مراكب محمد، فقاتلوهم، فأحرقوا مركبين من مراكب الكفار، وأخذوا مركبين آخرين، فغمنوا ما فيهمأن فحمي الكفرة عند ذلك، وجدوا في القتال، فاستشهد جماعة من المسلمين، ومضت مراكب المجوس حتى وصلت إلى مدينة بنبلونة، فأصابوا صاحبها غرسية الفرنجي، فاقتدى نفسه منهم بتسعين ألف دينار.
وفيها غزا عامل طرسونة إلى بنبلونة، فافتتح حصن بيلسان وسبى أهله، ثم كانت على المسلمين في اليوم الثاني وقعة استشهد فيها جماعة.
ذكر الحرب بين البربر وابن الأغلب بإفريقيةفي هذه السنة كانت بين البربر وعسكر أبي إبراهيم أحمد بن محمد بن الأغلب وقعة عظيمة في جمادى الآخرة.
وسببها أن بربر لهان امتنعوا على عامل طرابلس من أداء عشورهم وصدقاتهم، وحاربوه فهزموه، فقصد لبدة فحصنهأن وسار إلى طرابلس، فسير إليه أحمد بن محمد الأمير جيشاً مع أخيه زيادة الله، فانهزم البربر، وقتل منهم خلق كثير، وسير زيادة الله الخيل في آثارهم، فقتل من أدرك منهم، وأسر جماعة، فضربت أعناقهم، وأحرق ما كان في عسكرهم، فأذعن البربر بعدهأن وأعطوا الرهن، وأدوا طاعتهم.
ذكر عدة حوادثفي هذه السنة توفي يعقوب بن إسحاق النحوي المعروف بابن السكيت، وكان سبب موته أنه اتصل بالمتوكل، فقال له: أيما أحب إليك المعتز والمؤيد، أوالحسن والحسين؟ فتنقص ابنيه، وذكر الحسن والحسين، عليهما السلام، بما همل أهل له، فأمر الأتراك فداسوا بطنه، فحمل إلى داره فمات.
وفيها توفي ذوالنون المصري في ذي العقدة؛ وأبوتراب النخشبي الصوفي، نهشته السباع فمات بالبادية؛ وأبوعلي الحسين بن علي، المعروف بالكرابيسي، صاحب الشافعي، وقيل مات سنة ثمان وأربعين؛ وسوار بن عبد الله القاضي العنبري، وكان قد عمي.
حوادث سنة ست وأربعين ومائتينوفيها غزا عمرو بن عبد الله الأقطع الصائفة، فأخرج سبعة عشر ألف راس، وغزا قريباس، وأخرج خمسة آلاف رأس، وغزا الفضل ابن قارن بحراً في عشرين مركبأن فافتتح حصن أنطاكية، وغزا بلكاجور، فغمن، وسبى، وغزا علي بن يحيى الأرمني، فأخرج خمسة آلاف رأس، ومن الدواب، والرمك، والحمير، ونحواً من عشرة آلاف رأس.
وفيها تحول المتوكل إلى الجعفرية.
وفيها كان الفداء على يد علي بن يحيى الأرمني، ففودي بألفين وثلاثمائة وسبعة وستين نفساً.
وفيها مطر أهل بغداد نيفاً وعشرين يومأن حتى نبت العشب فوق الاجاجير؛ وصلى المتوكل صلاة الفطر بالجعفرية، وورد الخبر أن سكة بناحية بلخ تعرف بسكة الدهاقين مطرت دماً عبيطاً؛ وحج بالناس هذه السنة محمد بن سليمان الزينبي، وضحى أهل سامرا يوم الاثنين على الرؤية، وأهل مكة يوم الثلاثاء.
وفيها سار محمد بن عبد الرحمن، صاحب الأندلس، في جيوش عظيمة، وأهبة كثيرة إلى بلد بنبلونة فوطئ بلادهأن ودوخهأن وخربهأن ونهبهأن وقتل فيها فأكثر، وافتتح حصن فيروس، وحصن فالحسن، وحصن القشتل، وأصاب فيه فرتون بن غرسية، فحبسه بقرطبة عشرين سنة، ثم أطلقه إلى بلده، وكان عمره لما مات ستاً وتسعين سنة، وكان مقام محمد بنبلونة اثنين وثلاثين يوماً.
وفيها توفي دعبل بن علي الخزاعي الشاع وكان مولده سنة ثمان وأربعين ومائة، وكان يتشيع.
وفيها توفي السري بن معاذ الشيباني بالري، وكان أميراً عليهأن حسن السيرة، من أهل الفضل؛ وتوفي أحمد بن إبراهيم الدورقي ببغداد، ومحمد بن سليمان الأسدي الملقب بكوين.
حوادث سنة سبع وأربعين ومائتين
ذكر مقتل المتوكلوفي هذه السنة قتل المتوكل، وكان سبب قتله أنه أمر بإنشاء الكتب بقبض ضياع وصيف بأصبهان والجبل، وإقطاعها الفتح بن خاقان، فكتبت وصارت إلى الخاتم، فبلغ ذلك وصيفأن وكان المتوكل أراد أن يصلي بالناس أول جمعة في رمضان، وشاع في الناس، واجتمعوا لذلك، وخرج بنوهاشم من بغداد لرفع القصص وكلامه إذا ركب.
فلما كان يوم الجمعة، وأراد الركوب للصلاة، قال له عبيد الله بن يحيى والفتح بن خاقان: إن الناس قد كثروا من أهل بيتك ون غيرهم، فبعض متظلم، وبعض طالب حاجة، وأمير المؤمنين يشكوضيق الصدر، وعلة به، فإن رأى أمير المؤمنين أن يأمر بعض ولاة العهود بالصلاة، ونكون معه، فليفعل.
فأمر المنتصر بالصلاة، فلما نهض للركوب قالا له: يا أمير المؤمنين، إن رأيت أن تأمر المعتز بالصالة، فقد اجتمع الناس لتشرفه بذلك، وقد بلغ الله به؛ وكان قد ولد للمعتز قبل ذلك ولد، فأمر المعتز، فركب فصلى بالناس، وأقام المنتصر في داره بالجعفرية، فزاد ذلك في إغرائه.
فلما فرغ المعتز من خطبيه قام إليه عبيد الله والفتح بن خاقان فقبلا يديه ورجليه، فلا فرغ من الصلاة انصرف ومعه الناس في موكب الخلافة، حتى دخل على أبيه، فأثنوا عليه عنده، فسره ذلك.
فلما كان عيد الفطر قال: مروا المنتصر يصلي بالناس! فقال له عبيد الله: قد كان الناس يتطلعون إلى رؤية أمير المؤمنين، واحتشدوا لذلك؛ فلم يركب؛ ولا يأمن إن هولم يركب اليوم، أن يرجف الناس بعلته، فإذا رأى أمير المؤمنين أن يسر الأولياء، ويكبت الأعداء بركوبه فليفعل.
فركب وقد وصف له الناس نحوأربعة أميال، وترجلوا بين يديه، فصلى، ورجع، فأخذ حفنة من التراب، فوضعها على رأسه وقال: إني رأيت كثرة هذا الجمع، ورأيتهم تحت يدي، فأحببت أن أتراضع لله؛ فلما كان اليوم الثالث افتصد، واشتهى لحم جزور، فأكله، وكان قد حضر عنده ابن الحفصي وغيره، فأكلوا بين يديه. قال: ولم يكن يوم أسر من ذلك اليوم، ودعا الندماء والمغنين، فحضروأن وأهدت له أم المعتز مطرف خز أخضر، لم ير الناس مثله، فنظر إليه، فأطال، وأكثر تعجبه منه، وأمر فقطع نصفين ورده عليهأن وقال لرسولها: والله إن نفسي لتحدثني أني لا ألبسه، وما احب أن يلبسه أحد بعدي، ولهذا أمرت بشقه.
قال فقلنا: نعيذك بالله أن تقول مثل هذا؛ قال: وأخذ في الشرب واللهو. ولج بأن يقول: أنا والله مفارقكم عن قليل! ولم يزل في لهوه وسروره إلى الليل.
وكان قد عزم هوالفتح أن يفتكا بكرة غد بالمنتصر ووصيف وبغا وغيرهم من قواد الأتراك، وقد كان المنتصر واعد الأتراك ووصيفاً وغيره على قتل المتوكل.
وكثر عبث المتوكل، قبل ذلك بيوم، بابنه المنتصر، مرة يشتمه، ومرة يسقيه فوق طاقته، ومرة يأمر بصفعه، ومرة يتهدده بالقتل، ثم قال للفتح: برئت من الله ومن قرابتي من رسول الله، صلى الله عليه وسلم، إن لم تلطمه يعني المنتصر فقام إليه فلطمه مرتين، ثم أمر يده على قفاه، ثم قال لمن حضره: اشهدوا عليّ جميعاً أني قد خلعت المستعجل يعني المنتصر ثم التفت إليه فقال: سميتك المنتصر، فسماك الناس، لحمقك، المنتظر، ثم صرت الآن المستعجل.
فقال المنتصر: لوأمرت بضرب عنقي كان أسهل عليّ مما تفعله بي؛ فقال: اسقوه، ثم أمر بالعشاء فأحضر، وذلك في جوف الليل، فخرج المنتصر من عنده، وأمر بناناً غلام أحمد بن يحيى أن يلحقه، وأخذ بيد زرافة الحاجب، وقال له: امض معي! فقال: إن أمير المؤمنين لم يمن، فقال: إنه قد أخذ منه النبيذ، والساعة يخرج بغا والندماء، وقد أحببت أن تجعل أمر ولدك إلي، فإن أوتامش سألني أن أزوج ولده من ابنتك، وابنك من ابنته؛ فقال: نحن عبيدك فمر بأمرك! فسار معه إلى حجرة هناك، وأكلا طعامأن فسمعا الضجة والصراخ، فقامأن وإذا بغا قد لقي المنتصر، فقال المنتصر: ما هذا؟ فقال: خير يا أمير المؤمنين، قال: ما تقول ويلك؟ قال: أعظم الله أجرك في سيدنا أمير المؤمنين، كان عباً لله دعاه فأجابه.
فجلس المنتصر، وأمر بباب البيت الذي قتل فيه المتوك فأغلق، وأغلقت الأبواب كلهأن وبعث إلى وصيف يأمره بإحضار المعتز والمؤيد عن رسالة المتوكل.
وأما كيفية قتل المتوكل، فإنه لما خرج المنتصر دعا المتوكل بالمائدة، وكان بغا الصغير المعروف بالشرابي قائماً عند الستر، وذلك اليوم كان نوبة بغا الكبير، وكان خليفته في الدار ابنه موسى، وموسى هوابن خالة المتوكل، وكان أبوه يومئذ بسميساط، فدخل بغا الصغير إلى المجلس، فأمر الندماء بالانصراف إلى حجرهم، فقال له الفتح: ليس هذا وقت انصرافهم، وأمير المؤمنين لم يرتفع؛ فقال بغا: إن أمير المؤمنين أمرني أنه إذا جاوز السبعة لا أترك أحدأن وقد شرب أربعة عشر رطلأن وحرم أمير المؤمنين خلف الستارة. وأخرجهم، فلم يبق إلا الفتح وعثعث، وأربعة من خدم الخاصة، وأبوأحمد بن المتوكل، وهوأخوالمؤيد لأمه.
وكان بغا الشرابي أغلق الأبواب كلهأن إلا باب الشط، ومنه دخل القوم الذين قتلوه، فبصر بهم أبوأحمد، فقال: ما هذا يا سفل! وإذا سيوف مسللة، فلما سمع المتوكل صوت أي أحمد رفع رأسه، فرآهم فقال: ما هذا يا بغا؟ فقال: هؤلاء رجال النوبة؛ فرجعوا إلى ورائهم عند كلامه، ولم يكن واجن وأصحابه وولد وصيف حضروا معهم، فقال لهم بغا: يا سفل! أنتم مقتولون لا محالة، فموتوا كراماً! فرجعوأن فابتدره بغلون فضربه على كتفه وأذنه فقده، فقال: مهلاً! قطع الله يدك، وأراد الوثوب به، واستقبله بيده، فضربها فأبانهأن وشاركه باغر، فقال الفتح: ويلكم! أمير المؤمنين... ورمى بنفسه على المتوكل، فبعجوه بسيوفهم، فصاح: الموت! وتنحى، فقتلوه.
وكانوا قالوا لوصيف ليحضر معهم، وقالوا: إنا نخاف؛ فقال: لا بأس عليكم، فقالوا له: أرسل معنا بعض ولدك، فأرسل معهم خمسة من ولده: صالحأن وأحمد، وعبد الله، ونصرأن وعبيد الله.
وقيل إن القوم لما دخلوا نظر إليهم عثعث، فقال للمتوكل: قد فرغنا من الأسد، والحيات، والعقارب، وصرنا إلى السيوف، وذلك أنه ربما أسلى الحية والعقرب والأسد، فلما ذكر عثعث السيوف قال: يا ويلك! أي سيوف؟ فما استتم كلامه حتى دخلوا عليه وقتلوه، وقتلوا الفتح، وخرجوا إلى المنتصر، فسلموا عليه بالخلافة، وقالوا: مات أمير المؤمنين، وقاموا علي رأس زرافة بالسيوف، وقالوا: بايع، فبايع.
وأرسل المنتصر إلى وصيف: إن الفتح قد قتل أبي فقتلته، فاحضر في وجوه أصحابك! فحضر هووأصحابه، فبايعوا. وكان عبيد الله بن يحيى في حجرته ينفذ الأمور ولا يعلم، وبين يديه جعفر بن حامد، إذ كلع عليه بعض الخدم فقال: ما يحسبك والدار سيف واحد؟ فأمر جعفراً بالنظر، فخرج، وعاد وأخبره أن المتوكل والفتح قتلأن فخرج فيمن عنده من خدمه وخاصته، فأخبر أن الأبواب مغلقة، وأخذ نحوالشط، فإذا أبوابه مغلقة، فأمر بكسر ثلاثة أبواب، وخرج إلى الشط، وركب في زورق، فأتى منزل المعتز، فسأل عنه، فلم يصادفه، فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، قتل نفسه وقتلني.
واجتمع إلى عبيد الله أصحابه غداة يوم الأربعاء، من الأبناء، والعجم، والأرمن والزواقيل، وغيرهم، فكانوا زهاء عشرة آلاف، وقيل كانوا ثلاثة عشر ألفأن وقيل ما بين خمسة آلاف إلى عشرة آلاف، فقالوا: ما اصطنعتنا إلا لهذا اليوم، فمرنا بأمرك، وأذن لنا منل على اللوم ونقتل المنتصر ومن معه! فأبى ذلك، وقال: المعتز في أيديهم.
وذكر عن علي بن يحيى المنجم أنه قال: كنت أقرأ على المتوكل، قبل قتله بأيام، كتاباً من كتب الملاحم، فوقفت على موضع فيه أن الخليفة العاشر يقتل في مجلسه، فتوقفت عن قراءته، فقال: مالك؟ فقلت: خير! قال: لا بد من أن تقرأه، فقرأته، وحدث عن ذكر الخلفاء، فقال: ليت شعري من هذا الشقي المقتول؟ قال أبوالوارث، قاضي نصيبين: رأيت في النوم آتياً وهويقول:
يا نائم العين في جثمان يقظان ... ما بال عينك لا تبكي بتهتان
أما رأيت صروف الدهر ما فعلت ... بالهاشمي وبالفتح بن خاقان؟
فأتى البريد بعد أيام بقتلهما.
وكان قتله ليلة الأربعاء لأربع خلون من شوال، وقيل ليلة الخميس؛ وكانت خلافته أربع عشرة سنة وعشرة أشهر وثلاثة أيام، وكان مولده بفم الصلح في شوال سنة ست ومائتين، وكان عمره نحوأربعين سنة.
وكان أسمر، حسن العينين، نحيفأن خفيف العارضين، ورثاه الشعراء فأكثروأن ومما قيل فيه قول علي بن الجهم:
عبيد أمير المؤمنين قتله ... وأعظم آفات الملوك عبيدها
بني هاشم صبرأن فكل مصيبة ... سيبلى على وجه الزمان جديدها
ذكر بعض سيرتهذكر أن أبا الشمط مروان بن أبي الجنوب قال: أنشدت المتوكل شعراً ذكرت فيه الرافضة فعقد لي على البحرين واليمامة، وخلع علي أربع خلع، وخلع علي المنتصر، وأمر لي المتوكل بثلاثة آلاف دينار، فنثرت علي، وأمر ابنه المنتصر وسعداً الإيتاخي أن يلقطاها لي، ففعلأن والشعر الذي قلته:
ملك الخليفة جعفر ... لدين والدنيا سلامه
لكم تراث محمد ... وبعد لكم تشفى الظلامة
يرجوالتراث بنوالبنا ... ت وما لهم فيها قلامه
والصهر ليس بوارث ... والبنت لا ترث الإمامه
ما للذين تنحلوا ... ميراثكم إلا الندامة
أخذ الوراثة أهلها ... فعلام لومكم علامه
لوكان حقكم لما ... قامت على الأنس الثيامه
ليس التراث لغيركم ... لا والإله، ولا كرامه
أصبحت بين محبكم ... والمبغضين لكم علامه
ثم نثر علي، بعد ذلك، لشعر قلته في هذا المعنى عشرة آلاف درهم.
وقال يحيى بن أكثم: حضرت المتوكل، فجرى بيني وبينه ذكر المأمون، فقلت بتفضيله، وتقريظه، ووصف محاسنه وعلمه ومعرفته قولاً كثيرأن لم يقع لموافقة من حضر، فقال المتوكل: كيف كان يقول في القرآن؟ فقلت: كان يقول: ما مع القرآن حاجة إلى علم فرض، ولا مع السنة وحشة إلى فعل أحد، ولا مع البيان والأفهام حجة لتعلم، ولا بعد الجحود للبرهان والحق إلا السيف، لظهور الحجة.
فقال المتوكل: لم أرد منك ما ذهبت إليه، فقال يحيى: القول بالمحاسن في المغيب فريضة على ذي نعمة.
قال: فا كان يقول خلال حديثه، فإن أمير المؤمنين المعتصم بالله، رحمه اله، كان يقوله وقد أنسيته؛ قال كان يقول: اللهم إني أحمدك على النعم التي لا يحصيها غيرك، وأستغفرك من الذنوب التي لا يحيط بها إلا عفوك.
قال: فما كان يقول إذا استحسن شيئأن أوبشر بشيء؟ فقد نسيناه؛ قال يحيى: كان يقول إن ذكر آلاء الله وكثرتهأن وتعداد نعمه، والحديث بها فرض من الله على أهلهأن وطاعة لأمره فيهأن وشكر له عليهأن فلا حمد لله العظيم الآلاء السابغ النعماء بما هوأهله ومستوجبه من محامده القاضية حقه، البالغة شكره، المانعة غيره، الموجبة مزيده على ما لا يحصيه تعدادنأن ولا يحيط به ذكرنا من ترادف منته، وتتابع فضله، ودوام طوله، حمد من يعلم أن ذلك منه، والشكر له عليه، فقال المتوكل: صدقت، هذا هوالكلام بعينه.
وقدم في هذه السنة محمد بن عبد الله بن طاهر من مكة في صفر فشكا ما ناله من الغم بما وقع من الخلاف في يوم النحر، فأمر المتوكل بإنفاذ خريطة من الباب إلى أهل الموسم برؤية هلال ذي الحجة، وأمر أن يقام على المشعر الحرام، وسائر المشاعر، الشمع مكان الزيت والنفط.
وفيها ماتت أم المتوكل في شهر ربيع الآخر، وصلى عليها المنتصر، ودفنت عند المسجد الجامع، وكان موتها قبل المتوكل بستة أشهر.
ذكر بيعة المنتصرقد ذكرنا قتل المتوكل، ومن بايع المنتصر أبا جعفر محمد بن جعفر المتوكل تلك الليلة، فلما أصبح يوم الأربعاء حضر الناس الجعفرية من القواد، والكتاب، والوجوه، والشاكرية، والجند، وغيرهم، فقرأ عليهم أحمد بن الخصيب كتاباً يخبر فيه عن المنتصر أن الفتح بن خاقان قتل المتوكل فقتله به، فبايع الناس، وحضر عبيد الله بن يحيى بن خاقان، فبايع وانصرف.
قيل وذكر عن أبي عثمان سعيد الصغير أنه قال: لما كانت الليلة التي قتل فيها المتوكل، كنا في الدار مع المنتصر، فكان كلما خرج الفتح خرج معه، وإذا رجع قام لقيامه، وإذا ركب أخذ بركابه، وسوى عليه ثيابه في سرجه.
وكان اتصل بنا الخبر أن عبيد الله بن يحيى قد أعد قوماً في طريق المنتصر، ليغتالوه عند انصرافه، وكان المتوكل قد أسمعه، وأحفظه، ووثب عليه، وانصرف غضبان، وانصرفنا معه إلى داره؛ وكان واعد الأتراك على قتل المتوكل إذا ثمل من النبيذ، قال: فلم ألبث أن جاءني رسوله أن احضر، فقد جاءت رسل أمير المؤمنين إلى الأمير ليركب. قال: فوقع في نفسي ما كنا سمعنا من اغتيال المنتصر، فركبت في سلاح وعدة، وجئت باب المنتصر، فإذا هم يموجون، وإذا واجن قد جاءه فأخبره أنهم قد فرغوا من المتوكل، فركب فلحقته في بعض الطريق وأما مرعوب، فرأى ما بي، فقال: ليس عليك بأس؛ أمير المؤمنين قد شرق بقدح شربه فمات، رحمه الله تعالى.
فشق علي، ومضينا ومعنا أحمد بن الخصيب وجماعة من القواد حتى دخلنا القصر، ووكل بالأبواب، فقلت له: يا أمير المؤمنين! لا ينبغي أن تفارقك مواليك في هذا الوقت. قال: أجل، وكن أنت خلف ظهري، فأحطنا به، وبايعه من حضر، وكل من جاء يوقف، حتى جاء سعيد الكبير، فأرسله خلف المؤيد، قال لي: امض أنت إلى المعتز حتى يحضر، فأرسلني، فمضيت وأنا آيس من نفسي، ومعي غلامان لي، فلما صرت إلى باب المعتز لم أجد به أحداً من الحرس والبوابين، فصرت إلى الباب الكبير، فدققته دقاً عنيفأن فأجبت بعد مدة: من أنت؟ فقلت: رسول أمير المؤمنين المنتصر؛ فمضى الرسول، وأبطأن وخفت، وضاقت علي الأرض، ثم فتح الباب، وخرج بيدون الخادم، وأغلق الباب، ثم سألني عن الخبر، فأخبرته أن المتوكل شرق بكأس شربه، فمات من ساعته، وأن الناس قد اجتمعوأن وبايعوا المنتصر، وقد أرسلني لأحضر الأمير المعتز ليبايع.
فدخل، ثم خرج، فادخلني على المعتز، فقال لي: ويلك ما الخبر؟ فأخبرته، وعزيته وبكيت وقلت: تحضر، وتكون في أول من يبايع، وتأخذ بقلب أخيك، فقال: حتى يصبح، فما زلت به أنا وبيدون حتى ركب، وسرنا وأنا أحدثه، فسألني عن عبيد الله بن يحيى، فقلت: هويأخذ البيعة على الناس، والفتح قد بايع، فأيس، وأتينا باب الخير، ففتح لنأن وصرنا إلى المنتصر، فلما رآه قربه، وعانقه، وعزاه، وأخذ البيعة عليه.
ثم وافى سعيد الكبير بالمؤيد، ففعل به مثل ذلك، فأصبح الناس، وأمر المنتصر بدفن المتوكل والفتح.
ولما أصبح الناس شاع الخبر في الماخورة، وهي المدينة التي كان بناها المتوكل، وفي أهل سامرأن بقتل المتوكل، فتوافى الجند والشاكرية بباب العامة وبالجعفرية، وغيرهم من الغوغاء والعامة، وكثر الناس، وتسامعوأن وركب بعضهم بعضأن وتكلموا في أمر البيعة، فخرج إليهم عتاب بن عتاب، وقيل زرافة، فوعدهم عن أمير المؤمنين المنتصر، فأسمعوه، فدخل عليه فأعلمه، فخرج المنتصر وبين يديه جماعة من المغاربة، فصاح بهم وقال: خذوهم! فدفعوهم إلى الأبواب، فازدحم الناس وركب بعضهم بعضأن فتفرقوا وقد مات منهم ستى أنفس.
ذكر ولاية خفاجة بن سفيان صقلية
وابنه محمد وغزواتهماقد ذكرنا سنة ست وثلاثين ومائتين أن أمير صقلية العباس توفي سنة سبع وأربعين، فلما توفي ولى الناس عليهم ابنه عبد الله بن العباس، وكتبوا إلى الأمير بإفريقية بذلك، وأخرج عبد اله السرايأن ففتح قلاعاً متعددة منها: جبل أبي مالك وقلعة الأرمنين وقلعة المشارعة، فبقي كذلك خمسة أشهر.
ووصل من إفريقية خفاجة بن سفيان أميراً على صقلية، فوصل في جمادى الأولى سنة ثمان وأربعين ومائتين، فأول سرية أخرجها سرية فيها ولده محمود، فقصد سرقوسة فغمن، وخرب وأحرق، وخرجوا إليه فقاتلهم فظفر، وعاد فاستأمن إليه أهل رغوس؛ وقد جاء سنة اثنتين وخمسين أن أهل رغوس استأمنوا فيهأن على ما نذكره، ولا نعلم أهذا اختلاف من المؤرخين أم هما غزاتان، ويكون أهلها قد غدروا بعد هذه الدفعة، والله أعلم.
وفي سنة خمسين ومائتين فتحت مدينة نوطس، وسبب ذلك أن بعض أهلها أخبر المسلمين بموضع دخلوا منه إلى البلد في المحرم، فغمنوا منها أموالاً جليلة، ثم فتحوا شكلة بعد حصار.
وفي سنة اثنتين وخمسين ومائتين سار خفاجة إلى سرقوسة، ثم إلى جبل النار، فأتاه رسل أهل طبرمين يطلبون الأمان، فأرسل إليهم امرأته وولده في ذلك، فتم الأمر، ثم غدروأن فأرسل خفاجة محمداً في جيش إليهأن ففتحها وسبى أهلها.
وفيها أيضاً سار خفاجة إلى رغوس، فطلب أهلها الأمان ليطلق رجل من أهلها بأموالهم، ودوابهم، ويغمن الباقي، ففعل وأخذ جميع ما في الحصن من مال، ورقيق، ودواب، وغير ذلك، وهادنه أهل الغيران وغيرهم، وافتتح حصوناً كثيرة، ثم مرض، فعاد إلى بلرم.
وفي سنة ثلاث وخمسين ومائتين سار خفاجة من بلرم إلى مدينة سرقوسة وقطانية، وخرب بلادهأن وأهلك زروعهأن وعاد وسارت سراياه إلى أرض صقلية، فغمنوا غنائم كثيرة.
وفي سنة أربع وخمسين ومائتين ار خفاجة في العشرين من ربيع الأول، وسير ابنه محمداً على الحراقات، وسر سرية إلى سرقوسة فغمنوأن وأتاهم الخبر أن بطريقاً قد سار من القسطنطينية في جمع كثير، وغمن المسلمون منهم غنائم كثيرة؛ ورحل خفاجة إلى سرقوسة فأفسد زرعهأن وغمن منهأن وعاد إلى بلرم، وسير ابنه محمداً في البحر، مستهل رجب، إلى مدينة غيطة، فحصرهأن وبث العساكر في نواحيهأن فغمن وشحن مراكبه بالغنائم، وانصرف إلى بلرم في شوال.
وفي سنة خمس وخمسين ومائتين سير خفاجة ابنه محمداً إلى مدينة طبرمين، وهي من أحسن مدن صقلية، فسار في صفر إليهأن وكان قد أتاهم من وعدهم أن يدخلهم إليها من طريق يعرفه، فسيره مع ولده، فلما قربوا منها تأخر محمد، وتقدم بعض عساكره رجالة مع الدليل، فأدخلهم المدينة، وملكوا بابها وسورهأن وشرعوا في السبي والغنائم، وتأخر محمد بن خفاجة فيمن معه من العسكر عن الوقت الذي وعدهم أنه يأتيهم فيه، فلما تأخر ظنوا أن العدوقد أوقع بهم فمنعهم من السبي، فخرجوا عنها منهزمين، ووصل محمد إلى باب المدينة ومن معه من العسكر، فرأى المسلمين قد خرجوا منهأن فعاد راجعاً.
وفيها في ربيه الأول خرج خفاجة وسار إلى مرسة، وسير ابنه في جماعة كثيرة إلى سرقوسة، فلقيه العدوفي جمع كثير فاقتتلوأن فوهن المسلمون، وقتل منهم، ورجعوا إلى خفاجة، فسار إلى سرقوسة فحصرهأن وأقام عليهأن وضيق على أهلهأن وأفسد بلادهأن وأهلك زرعهم، وعاد عنها يريد بلرم، فنزل بوادي الطين وسار منه ليلأن فاغتاله رجل من عسكره، فطعنه طعنة فقتله، وذلك مستهل رجب، وهرب الذي قتله إلى سرقوسة، وحمل خفاجة إلى بلرم، فدفن بها وولى الناس عليهم بعده ابنه محمداً وكتبوا بذلك إلى الأمير محمد بن أحمد، أمير إفريقية، فأقره على الولاية، وسير له العهد والخلع.
ذكر ولاية ابنه محمدلما قتل خفاجة استعمل الناس ابنه محمدأن وأقره بن أحمد بن الأغلب، صاحب القيروان، على ولايته، فسير جيشاً في سنة ست وخمسين ومائتين إلى مالطة، وكان الروم يحاصرونهأن فلما سمع الروم بمسيرهم رحلوا عنها.
وفي سنة سبع وخمسين ومائتين في رجب قتل الأمير محمد، قتله خدمه الخصيان وهربوأن فطلبهم الناس فأدركوهم فقتلوهم.
ذكر عدة حوادثوفيها ولي المنتصر أبا عمرة أحمد بن سعيد، مولى بني هاشم، بعد البيعة له بيوم، المظالم، فقال الشاعر:
يا ضيعة الإسلام لما ولي ... مظالم الناس أبوعمرة
صير مأموناً على أمة ... وليس مأموناً على بعره
وحج بالناس محمد بن سليمان الزينبي، واستعمل على دمشق عيسى بن محمد النوشري.
وفيها سار جيش للمسلمين بالأندلس إلى مدينة برشلونة، وهي للفرنج، فأوقعوا بأهلهأن فراسل صاحبها ملك الفرنج يستمده، فأرسل إليه جيشاً كثيفأن وأرسل المسلمون يستمدون، فأتاهم المدد، فنازلوا برشلونة، وقاتلوا قتالاً شديداً فملكوا أرباضهأن وبرجين من أبراج المدينة، فقتل من المشركين بها خلق كثير، وسلم المسلمون، وعادوا وقد غمنوا.
وفيها توفي أبوعثمان بكر بن محمد المازني النحوي، الإمام في العربية.
حوادث سنة ثمان وأربعين ومائتين
ذكر غزاة وصيف الرومفي هذه السنة أغزى المنتصر وصيفاً التركي إلى بلاد الروم؛ وكان سبب ذلك أنه كان بينه وبين أحمد بن الخصيب شحناء وتباغض، فحرض أحمد ابن الخصيب المنتصر على وصيف، وأشار عليه بإخراجه من عسكره للغزاة، فأمر المنتصر بإحضار وصيف، فلما حضر قال له: قد أتانا عن طاغية الروم أنه أقبل يريد الثغر، وهذا أمر لا يمكن الإمساك عنه، ولست آمنة أن يهلك كل ما مر به من بلاد الإسلام، وسقتل ويسبي، فإما شخصت أنت، وإما شخصت أنا.
فقال: بل أشخص أنأن يا أمير المؤمنين. فقال لأحمد بن الخصيب: انظر إلى ما يحتاج إليه وصيف فأتمه له. فقال: نعم، يا أمير المؤمنين! قال: ما نعم؟ قم الساعة! وقال لوصيف: مر كاتبك أن يوافقه على ما يحتاج إليه ويلزمه حتى يفرغ منه. فقاما.
ولم يزل أحمد بن الخصيب في جهازه، حتى خرج، وانتخب له الرجال، فكان معه اثنا عشر ألف رجل، وكان على مقدمته مزاحم بن خاقان، أخوالفتح، وكتب المنتصر إلى محمد بن عبد الله بن طاهر ببغداد يعلمه ذلك، ويأمره أن ينتدب الناس إلى الغزاة ويرغبهم فيهأن وأمر وصيفاً أن يوافي ثغر ملطية، وجعل على نفقات العسكر، والمغامن، والمقاسم أبا الوليد الحريري البجلي؛ ولما سار وصيف كتب إليه المنتصر يأمره بالمقام بالثغر أربع سنين يغزوفي أوقات الغزومنها إلى أن يأتيه رأيه.
ذكر خلع المعتز والمؤيدوفي هذه السنة خلع المعتز والمؤيد ابنا المتوكل من ولاية العهد؛ وكان سبب خلعهما أن المنتصر لما استقامت له الأمور، قال أحمد بن الخصيب لوصيف وبغا: إنا لا نأمن الحدثان، وأن يموت أمير المؤمنين، فيلي المعتز الخلافة، فيبيد خضراءنأن ولا يبقي منا باقية؛ والآن الرأي أن نعمل في خلع المعتز والمؤيد.
فجد الأتراك في ذلك، وألحوا على المنتصر، وقالوا: نخلعهما من الخلافة، ونبايع لابنك عبد الوهاب؛ فلم يزالوا به حتى أجابهم، وأحضر المعتز والمؤيد، بعد أربعين يوماً من خلافته، وجعلا في دار، فقال المعتز للمؤيد: يا أخي، قد أحضرنا للخلع؛ فقال: لا أظنه يفعل ذلك.
فبيمنا هما كذلك إذ جاءت الرسل بالخلع، فقال المؤيد: السمع والطاعة؛ فقال المعتز: ما كنت لأفعل، فإن أردتم القتل فشأنكم؛ فأعلموا المنتصر، ثم عادوا بغلظة وشدة، وأخذوا المعتز بعنف، وأدخلوه بيتأن وأغلقوه عليه الباب، فلما رأى المؤيد ذلك قال لهم بجرأة واستطالة: ما هذا يا كلاب؟ قد ضربتم على دمائنأن تثبون على مولاكم هذا الوثوب، دعوني وإياه حتى أكلمه! فسكتوا عنه، وأذنوا له في الاجتماع به بعد إذن من المنتصر بذلك.
فدخل عليه المؤيد وقال: يا جاهل تراهم نالوا من أبيك، وهوهو، ما نالوأن ثم تمتنع عليهم؟ اخلع ويلك، لا تراجعهم! فقال: وكيف أخلع وقد جرى في الآفاق؟ فقال: هذا ال أمر قتل أباك، وهويقتلك، وإن كان في سابق علم الله أن تلي لتلين. فقال: أفعل.
فخرج المؤيد وقال: قد أجاب إلى الخلع، فمضوأن وأعلموا المنتصر، وعادوا فشكروه، ومعهم كاتب، فجلس، فقال للمعتز: اكتب بخطك خلعك! فامتنع، فقال المؤيد لكاتب: هات قرطاسك! أملل علي ما شئت، فأملى عليه كتاباً إلى المنتصر يعلمه فيه ضعفه عن هذا الأمر، وأن لا يحل له أن يتقلده، وكره أن يأثم المتوكل بسببه، إذ لم يكن موضعاً له، ويسأله الخلع، ويعلمه أنه قد خلع نفسه، وأحل الناس من بيعته، فكتب ذلك، وقال للمعتز: اكتب! فأبى، فقال: اكتب ويلك فكتب وخرج الكاتب عنهمأن ثم دعاهمأن فدخلا على المنتصر، فأجلسهما وقال: هذا كتابكما؟ فقالا: نعم يا أمير المؤمنين. فقال لهمأن والأتراك وقوف: أتراني خلعتكما طعماً في أن أعيش حتى يكبر ولدي وأبايع له؟ والله ما طمعت في ذلك ساعة قط، وإذا لم يكن لي في ذلك طمع فوالله لأن يليها بنوأبي أحب إلي من أن يليها بنوعمي، ولكن هؤلاء، وأومأ إلى سائر الموالي ممن هوقائم عنده وقاعد، أحلوا علي في خلعكمأن فخفت إن لم أفعل أن يعترضكما بعضهم بحديدة فيأتي عليكمأن فما ترياني صانعاً إذن؟ أقتله! فوالله ما تفي دماؤهم كلهم بدم بعضكم. فكانت إجابتهم إلى ما سألوا أسه علي.
فقبلا يده وضمهمأن ثم أشهدا على أنفسهما القضاة، وبني هاشم، والقواد، ووجوه الناس، وغيرهم، بالخلع؟، وكتب بذلك المنتصر إلى محمد ابن عبد الله بن طاهر وإلى غيره.
ذكر موت المنتصرفي هذه السنة توفي المنتصر في يوم الأحد لخمس خلون من ربيع الآخر وقيل يوم السبت وكنيته أبوجعفر أحمد بن المتوكل على الله، وقيل كنيته أبوالعباس، وقيل أبوعبد الله.
وكانت علته الذبحة في حلقه أخذته يوم الخميس لخمس بقين من شهر ربيع الأول؛ وقيل كانت علته من ورم في معدته، ثم صعد إلى فؤاده فمات، وكانت علته ثلاثة أيام.
وقيل إنه وجد حرارة، فدعا بعض أطبائه، ففصده بمبضع مسموم، فمات منه، وانصرف الطبيب إلى منزله وقد وجد حرارة، فدعا تلميذاً ليفصده، ووضع مباضعه بين يديه ليستخير أجودهأن فاختار ذلك المبضع المسموم، وقد نسيه الطبيب، ففصده به، فلما فرغ نظر إليه فعرفه، فأيقن بالهلاك، ووصى من ساعته.
وقيل إنه كان وجد في رأسه علة، فقطر ابن الطيفوري في أذنه دهنأن فورم رأسه، فمات.
وقيل: بل سمه ابن الطيفوري في محاجمه فمات.
وقيل: كان كثير من الناس حين أفضت الخلافة إليه إلى أن مات يقولون: إمنا مدة حياته ستى اشهر، مدة شيرويه بن كسرى، قاتل أبيه؛ يقوله الخاصة والعامة.
وقيل إن المنتصر كان نائماً في بعض الأيام، فانتبه وهويبكي وينتحب، فسمعه عبد الله بن عمر البازيار، فأتاه، فسأله عن سبب بكائه، فقال: كنت نائمأن فرأيت فيما يرى النائم كأن المتوكل قد جاءني فقال: ويحك يا محمد! قتلتني، وظلمتني، وغبنتني خلافتي، والله لا متعت بها بعدي إلا أياماً يسيرة، ثم مصيرك إلى النار؛ فقال عبد الله: هذه رؤيأن وهي تصدق وتكذب، بل يعمرك الله، ويسرك، ادع بالنبيذ وخذ في اللهولا تعبأ بها. ففعل ذلك ولم يزل منكسراً إلى أن توفي.
قال بعضهم: وذكر أن المنتصر كان شاور في قتل أبيه جماعة من الفقهاء، وأعلمهم بمذاهبه، وحكى عنه أموراً قبيحة كرهت ذكرهأن فأشاروا بقتله، فكان كما ذكرنا بعضه.
وكان عمره خمساً وعشرين سنة وستة أشهر، وقيل أربعاً وعشرين سنة، وكانت خلافته ستة أشهر ويومين، وقيل كانت ستة أشهر سواء، وكانت وفاته بسامرأن فلما حضرته الوفاة أنشد:
وما فرحت نفسي بدنيا أخذتها ... ولكن إلى الرب الكريم أصير
وصلى عليه أحمد بن محمد بن المعتصم بسامرأن وبها كان مولده، وكان أعين، أقنى، ققصيرأن مهيبأن وهوأول خليفة من بني العباس عرف قبره، وذلك أن أمه طلبت إظهار قبره، وكانت أمه أم ولد رومية.
ذكر بعض سيرتهكان المنتصر عظيم الحلم، راجح العقل، غزير المعروف، راغباً في الخير، جوادأن كثير الإنصاف، حسن العشرة، وأمر الناس بزيارة قبر علي والحسين عليهما السلام، فأمن العلويين، وكانوا خائفين أيام أبيه، وأطلق وقوفهم، وأمر برد فدك إلى ولد الحسين والحسن ابني علي بن أبي طالب، عليه السلام.
وذكر أن المنتصر لما ولي الخلافة كان أول ما أحدث أن عزل صالح ابن علي عن المدينة واستعمل عليها علي بن الحسين بن إسماعيل بن العباس ابن محمد.
قال علي: فلما دخلت أودعه قال لي: يا علي! إني أوجهك إلى لحمي ودمي، ومد ساعده وقال: إلى هذا أوجه بك، فانظر كيف تكون للقوم، وكيف تعاملهم، يعني إلى آل أبي طالب. فقال: أرجوأن أمتثل أمر أمير المؤمنين، إن شاء الله تعالى، فقال: إذاً تسعد عندي.
ومن كلامه: والله ما عز ذوباطل ولوطلع القمر من جبينه، ولا ذل ذوحق ولوأصفق العالم عليه.
ذكر خلافة المستعينوفي هذه السنة بويع أحمد بن محمد بن المعتصم بالخلافة؛ وكان سبب ذلك أن المنتصر لما توفي اجتمع الموالي على الهارونية من الغد، وفيها بغا الكبير، وبغا الصغير، وأتامش، وغيرهم، فاستخلفوا قواد الأتراك، والمغاربة، والشروسنية على أن يرضوا بمن رضي به بغا الكبير، وبغا الصغير، وأتامش، وذلك بتدبير أحمد بن الخصيب، فحلفوأن وتشاوروأن وكرهوا أن يتولى الخلافة أحد من ولد المتوكل لئلا يغتالهم، واجتمعوا على أحمد بن محمد بن المعتصم، وقالوا: لا تخرج الخلافة من ولد مولانا المعتصم، فبايعوه ليلة الاثنين لست خلون من ربيع الآخر وهوابن ثمان وعشرين سنة، ويكنى أبا العباس، فاستكتب أحمد بن الخصيب، واستوزر أتامش.
فلما كان يوم الاثنين سار المستعين إلى دار العامة في زي الخلافة، وحمل إبراهيم بن إسحاق بين يديه الحربة، وصف واجن الأشروسني أصحابه صفين، وقام هووعدة من وجوه أصحابه، وحضر الدار أصحاب المراتب من العباسيين والطالبيين وغيرهم.
فبينا هم كذلك إذ جاءت صيحة من ناحية الشارع والسوق، وإذا نحومن خمسين فارساً ذكروا أنهم من أصحاب محمد بن عبد الله بن طاهر، ومعهم غيرهم من أخلاط الناس والغوغاء والسوقة، فشهروا السلاح، وصاحوا: نفير، يا منصور! وشدوا على أصحاب الأشروسني فتضعضعوأن وانضم بعضهم إلى بعض، وتحرك من على باب العامة من المبيضة والشاكرية، وكثروأن فحمل عليهم المغاربة، وبعض الأشروسنية، فهزمزهم حتى أدخلوهم درب زرافة، ثم نشبت الحرب بينهم، فقتل جماعة، وانصرف الأتراك بعد ثلاث ساعات وقد بايعوا المستعين هم ومن حضر من الهاشميين وغيرهم.
ودخل الغوغاء والمنتهبة دار العامة، فانتهبوا الخزانة التي فيها السلاح، والدروع، والجواشن، والسيوف، والتراس، وغير ذلك، وكان الذين نهبوا ذلك الغوغاء، وأصحاب الحمامات، وغلمان أصحاب الباقلي، وأصحاب الفقاع، فأتاهم بغا الكبير في جماعة فأجلوهم عن الخزانة، وقتلوا منهم عدة، وكثر القتل من الفريقين، وتحرك أهل السجن بسامرأن وهرب منهم جماعة، ثم وضع العطاء على البيعة، وبعث بكتاب البيعة إلى محمد بن عبد اله بن طاهر، فبايع له هووالناس ببغداد.
ذكر ابن مسكويه في كتاب تجارب الأمم أن المستعين أخوالمتوكل لأبيه، وليس هوكذلك، إمنا هوولد أخيه محمد بن المعتصم، والله أعلم.
ذكر عدة حوادثوفيها ورد على المستعين وفاة طاهر بن عبد الله بن طاهر بخراسان في رجب، فعقد المستعين لابنه محمد بن طاهر على خراسان، فلمحمد بن عبد الله بن طاهر على العراق، وجعل إليه الحرمين، والشرطة، ومعاون السواد، وأفرد به.
وفيها مات بغا الكبير، فعقد لابنه موسى على أعمال أبيه كلهأن وولى ديوان البريد.
وفيها وجه أبوجور التركي إلى أبي العمود الثعلبي، فقتله بكفرتوثي لخمس بقين من ربيع الآخر.
وفيها خرج عبيد الله بن يحيى بن خاقان إلى الحج، فوجه خلفه رسول ينفيه إلى برقة، ويمنعه من الحج.
وفيها أتباع المستعين من المعتز والمؤيد جميع مالهما وأشهدا عليهما القضاة والفقهاء، وكان الشراء باسم الحسن بن المخلد للمستعين، وترك للمعتز ما يتحصل منه في السنة عشرون ألف دينار، وللمؤيد ما يتحصل منه في السنة خمسة آلاف دينار، وجعلا في حجرة في الجوسق، ووكل بهمأن وكان الأتراك حين شغب الغوغاء أرادوا قتلهمأن فمنعهم أحمد بن الخصيب وقال: لا ذنب لهأن ولكن احبسوهمأن فحبسوهما.
وفيها غضب الموالي على أحمد بن الخصيب في جمادى الآخرة، واستصفى ماله ومال ولده، ونفي إلى إقريطش.
وفيها صرف علي بن يحيى الأرمني عن الثغور الشامية، وعقد له على أرمينية وأذربيجان في شهر رمضان.
وفيها شغب أهل حمص على كيدر عاملهم فأخرجوه، فزجه إليهم المستعين الفضل بن قارن، فأخذهم، فقتل منهم خلقاً كثيرأن وحمل منهم مائة من أعيانهم إلى سامرا.
وفيها غزا الصائفة وصيف، وكان مقيماً بالثغر الشامي، فدخل بلاد الروم، فافتتح حصن فرورية.
وفيها عقد المستعين لأتامش على مصر والمغرب، واتخذه وزيراً.
وفيها عقد لبغا الشرابي على حلوان وماسبذان ومهر جانقذق، وجعل المستعين شاهك الخادم على داره وكراعه، وحرمه، وحراسه، وخاص أموره، وقدمه وأتامش على جميع الناس.
وحج بالناس هذه السنة محمد بن سليمان الزينبي.
وفيها حكم محمد بن عمروأيام المنتصر. وخرج بناحية الموصل خارجي، فوجه إليه المنتصر إسحاق بن ثابت الفرغاني، فأسره مع عدة من أصحابه، فقتلوا وصلبوا.
وفيها تحرك يعقوب بن الليث الصفار من سجستان نحوهراة.
وفيها توفي عبد الرحمن بن عدويه أبومحمد الرافعي الزاهد، وكان مستجاب الدعوة، وهومن أهل إفريقية.
وفيها سارت سرية في الأندلس إلى ذي تروجة، وكان المشركون قد تطاولوا إلى ذلك الجانب فلقيتهم السرية، فأصابوا من المشركين، وقتلوا كثيراً منهم.
وفيها كان بصقلية سرايا للمسلمين، فغمنت وعادت، ولم يكن حرب بينهم تذكر.
وفيها توفي أبوكريب محمد بن العلاء الهمذاني الكوفي في جمادى الآخرة، وكان من مشايخ البخاري ومسلم، ومحمد بن حميد الرازي المحدث.
حوادث سنة تسع وأربعين ومائتين
ذكر غزو الروم
وقتل علي بن يحيى الأرمني
في هذه السنة غزا جعفر بن دينار الصائفة، فافتتح حصنأن ومطامير، واستأذنه عمر بن عبيد الله الأقطع في المسير إلى بلاد الروم، فأذن له، فسار في خلق كثير من أهل ملطية، فلقيه الملك ف جمع عظيم من الروم بمرج الأسقف، فحاربه محاربة شديدة قتل فيها من الفريقين خلق كثير.
ثم أحاطت به الروم، وهم خمسون ألفأن وقتل عمر وممن معه ألفان من المسلمين في منتصف رجب، فلما قتل عمر بن عبيد اله خرج الروم إلى الثغور الجزرية، وكلبوا عليها وعلى أموال المسلمين وحرمهم، فبلغ ذلك علي ابن يحيى وهوقافل من أرمينية إلى ميافارقين في جماعة من أهلهأن ومن أهل السلسلة، فنفر إليهم، فقتل في نحومن أربع مائة رجل وذلك في شهر رمضان.
ذكر الفتنة ببغدادوفيها شغب الجند والشاكرية ببغداد، وكان سبب ذلك أن الخبر لما اتصل بهم وبسامرا وما قرب منها بقتل عمر بن عبيد الله وعلي بن يحيى، وكانا من شجعان الإسلام، شديداً بأسهمأن عظيماً غناؤهما عن المسلمين في الثغور، شق ذلك عليهم مع قرب مقتل أحدهما من الآخر، وما لحقهم من استعظامهم قتل الأتراك لمتوكل، واستيلائهم على أمور المسلمين يقتلون من يريدون من الخلفاء، ويستخلفون من أحبوا من غير ديانة، ولا نظر للمسلمين.
فاجتمعت العامة ببغداد الصراخ، والنداء بالنفير، وانضم إليها الأبناء، والشاكرية تظهر أنها تطلب الأرزاق، وكان ذلك أول صفر، فتحوا السجون، وأخرجوا من فيهأن وأحرقوا أحد الجسرين وقطعوا الآخر، وانتهبوا دار بشر وإبراهيم ابني هارون، كاتبي محمد بن عبد الله، ثم أخرج أهل اليسار من بغداد وسامرا أموالاً كثيرة، ففرقوها فيمن نهض إلى الثغور، وأقبلت العامة من نواحي الجبال، وفارس، والأهواز، وغيرها لغزوالروم، فلم يأمر الخليفة في ذلك بشيء ولم يوجه عسكره.
ذكر الفتنة بسامراوفيها في ربيه الأول وثب نفر من الناس لا يدري من هم بسامرأن ففتحوا السجن، وأخرجوا من فيه، فبعث في طلبهم جماعة من الموالي، فوثب العامة بهم فهزموهم، فركب بغا وأتامش ووصيف وعامة الأتراك، فقتلوا من العامة جماعة، فرمي وصيف بحجر، فأمر بإحراق ذلك المكان، وانتهبت المغاربة، ثم سكن ذلك آخر النهار.
ذكر قتل أتامشفي هذه السنة قتل أتامش وكاتبه شجاع؛ وكان سبب ذلك أن المستعين أطلق يد والدته، ويد أتامش، وشاهك الخادم في بيوت الأموال، وباحهم فعل ما أرادوأن فكانت الأموال التي ترد من الآفاق يصير معظمها إلى هؤلاء الثلاثة؛ فأخذ أتامش أكثر ما في بيوت الأموال، وكان في حجره العباس بن المستعين، وكان ما فضل من هؤلاء الثلاثة أخذه أتامش للعباس فصرفه في نفقاته، وكانت الموالي تنظر إلى الأموال تؤخذ وهم في ضيقة، ووصيف وبغا بمعزل من ذلك، فأغريا الموالي بأتامش، وأحكما أمره، فاجتمعت الأتراك والفراعنة عليه، وخرج إليه منهم أهل الدور والكرخ، فعسكروا في ربيع الآخر، وزحفوا إليه وهوفي الجوسق مع المستعين، وبلغه الخبر، فأراد الهرب، فلم يمكنه، واستجار بالمستعين فلم يجره، فأقاموا على ذلك يومين ثم دخلوا الجوسق، وأخذوا أتامش فقتلوه، وقتلوا كاتبه شجاعأن ونهبت دور أتامش، فأخذوا منه أموالاً جمة وغير ذلك.
فلما قتل استوزر المستعين أبا صالح عبد الله بن محمد بن يزداد، وعزل الفضل بن مروان عن ديوان الخراج، وولاه عيسى بن فرخانشاه، وولي وصيف الأهواز، وبغا الصغير فلسطين، ثم غضب بغا الصغير على أبي صالح، فهرب إلى بغداد، فاستوزر المستعين محمد بن الفضل الجرجرائي، فجعل على ديوان الرسائل سعيد بن حميد، فقال الحمدوني:
لبس السيف سعيد بعدما ... كان ذا طمرين لا توبة له
إن لله لأيات، وذا ... آية له فينا منزله
ذكر عدة حوادثفيها قتل علي بن الجهم بن بدر الشاعر بقرب حلب، كان توجه إلى الثغر، فلقيه خيل لكلب، فقتلوه واخذوا ما معه، فقال وهوفي السياق:
أزيد في الليل ليل ... أم سال في الصبح سيل
ذكرت أهل دجيل ... وأين مني دجيل
وكان منزله بشارع دجيل.
وفيها عزل جعفر بن عبد الواحد عن القضاء، ووليه جعفر بن محمد ابن عثمان البرجمي الكوفي، وقيل كان ذلك سنة خمسين ومائتين.
وفيها أصاب أهل الري زلزلة شديدة ورجفة هدمت الدور، ومات خلق من أهلهأن وهرب الباقون فنزلوا ظاهر المدينة، وحج بالناس هذه السنة عبد الصمد بن موسى بن محمد بن إبراهيم الإمام، وهووالي مكة.
وفيها سير محمد، صاحب الأندلس، جيشاً مع ابنه إلى المدينة ألبة والقلاع من بلد الفرنج، فجالت الخيل في ذلك الثغر، وغمنت، وافتتحت بها حصوناً منيعة.
وفيها توفي أبوإبراهيم أحمد بن محمد بن الأغلب، صاحب إفريقية، ثالث عشر ذي القعدة، فلما مات ولى أخوه زيادة الله بن محمد بن الأغلب، فلما ولى زيادة الله أرسل إلى خفاجة بن سفيان، أمير صقلية، يعرفه موت أخيه، وأمره أن يقيم على ولايته.
حوادث سنة خمسين ومائتين
ذكر ظهور يحيى بن عمر الطالبي
ومقتلهفي هذه السنة ظهر يحيى بن عمر بن يحيى بن الحسين بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب المكنى بأبي الحسين، عليه السلام، بالكوفة، وكانت أمه فاطمة بنت الحسين بن عبد الله بن إسماعيل بن عبد الله بن جعفر ابن أبي طالب، رضي الله عنهم.
وكان سبب ذلك أن أبا الحسين نالته ضيقة، ولزمه دين ضاق به ذرعأن فلقي عمر بن فرج، وهويتولى أمر الطالبيين، عند مقدمه من خراسان، أيام المتوكل، فكلمه في صلته، فأغلظ له عمر القول، وحبسه، فلم يزل محبوساً حتى كفله أهله، فأطلق، فسار إلى بغداد، فأقام بها بحال سيئة، ثم رجع إلى سامرأن فلقي وصيفاً في رزق يجري له، فأغلظ له وصيف وقال: لأي شيء يجري على مثلك.
فانصرف عنه إلى الكوفة، وبها أيوب بن الحسن بن موسى بن جعفر بن سليمان الهاشمي، عامل محمد بن عبد الله بن طاهر، فجمع أبوالحسين جمعاً كثيراً من الأعراب وأهل الكوفة وأتى الفلوجة، فكتب صاحب البريد بخبره إلى محمد بن عبد الله بن طاهر، فكتب محمد إلى أيوب وعبد الله بن محمود السرخسي، عامله على معاون السواد، يأمرهما بالاجتماع على محاربة يحيى ابن عمر، فمضى يحيى بن عمر إلى بيت مال الكوفة يأخذ الذي فيه، وكان فيما قيل ألفي دينار وسبعين ألف درهم، وأظهر أمره بالكوفة، وفتح السجون واخرج من فيهأن وأخرج العمال عنهأن فلقيه عبد الله بن محمود السرخسي فيمن معه، فضربه يحيى بن عمر ضربة على وجهه أثخنه بهأن فانهزم عبد الله، واخذ أصحاب يحيى ما كان معهم من الدواب والمال.
وخرج يحيى إلى سواد الكوفة، وتبعه جماعة من الزيدية، وجماعة من أهل تلك النواحي إلى ظهر واسط، وأقام بالبستان، فكثر جمعه، فوجه محمد بن عبد الله إلى محاربته الحسين بن إسماعيل بن إبراهيم بن الحسين بن مصعب في جمع من أهل النجدة والقوة، فسار إليه، فنزل في وجهه لم يقدم عليه، فسار يحيى والحسين في أثره، حتى نزل الكوفة ولقيه عبد الرحمن ابن الخطاب المعروف بوجه الفلس، قبل دخولهأن فقاتله، وانهزم عبد الرحمن إلى ناحية شاهي، ووافاه الحسين، فنزلا بشاهي.
واجتمعت الزيدية إلى يحيى بن عمر، ودعا بالكوفة إلى الرضي من آل محمد، فاجتمع الناس إليه وأحبوه، وتولاه العامة من أهل بغداد، ولا يعلم أنهم يولون أحداً من بيته سواه، وبايعه جماعة من أهل الكوفة ممن له تدبير وبصيرة في تشيعهم، ودخل فيهم أخلاط لا ديانة لهم.
وأقام الحسين بن إسماعيل بشاهي، واستراح، واتصلت بهم الأمداد، وأقام يحيى بالكوفة يعد العدد، ويصلح السلاح، فأشار عليه جماعة من الزيدية، من لا علم لهم بالحرب، لمعالجة الحسين بن إسماعيل، وألحوا عليه، فزحف إليه ليلة الاثنين عشرة خلت من رجب، ومعه الهيضم العجلي وغيره، ورجالة من أهل الكوفة ليس لهم علم ولا شجاعة، وأسروا ليلتهم، وصبحوا الحسين وهومستريح، فثاروا بهم في الغلس، وحمل عليهم أصحاب الحسين فانهزموأن ووضعوا فيهم السيف، وكان أول أسير الهيضم العجلي، وانهزم رجالة أهل الكوفة، وأكثرهم بغير سلاح، فداستهم الخيل.
وانكشف العسكر عن يحيى بن عمر، وعليه جزشن، قد تقطر به فرسه، فوقف عليه ابن لخالد بن عمران، فقال له: خير، فلم يعرفه، وظنه رجلاً من أهل خراسان لما رأى عليه الجوشن، فأمر رجلأن فنزل إليه، فاخذ رأسه، وعرفه رجل كان معه، وسير الرأس إلى محمد بن عبد الله بن طاهر، وادعى قتله غير واحد، فسير محمد الرأس إلى المستعين، فنصب بسارما لحظة، ثم حطه، ورده إلى بغداد لينصب بهأن فلم يقدر محمد على ذلك لكثرة من اجتمع من الاس، فخاف أن يأخذوه فم ينصبه، وجعله في صندوق في بيت السلاح.
ووجه الحسين بن إسماعيل برؤوس من قتل، وبالأسرى، فحبسوا ببغداد، وكتب محمد بن عبد الله يسأل العفوعنهم، فأمر بتخليتهم، وأن تدفن الرؤوس ولا تنصب، ففعل ذلك.
ولما وصل الخبر بقتل يحيى جلس محمد بن عبد الله يهنأ بذلك، فدخل عليه داود بن الهيثم أبوهاشم الجعفري، فقال: أيها الأمير! إنك لتهنأ بقتل رجل لوكان رسول الله، صلى اله عليه وسلم، حياً ليعزي به. فما رد عليه محمد شيئأن فخرج داود وهويقول:
يا بني طاهر كلوه وبيئاً ... إن لحم النبي غير مري
إن وتراً يكون طالبه الل ... ه لوتر نجاحه بالحري
وأكثر الشعراء مراثي يحيى لما كان عليه من حسن السيرة والديانة، فمن ذلك قول بعضهم:
بكت الخيل شجوها بعد يحيى ... وبكاه المهند المصقول
وبكته العراق شرقاً وغرباً ... وبكاه الكتاب والتنزيل
والمصلى والبيت والركن والحج ... ر جميعاً له عليه عويل
كيف لم تسقط السماء علينا ... يوم قالوا: أبوالحسين قتيل
وبنات النبي يبدين شجواً ... موجعات دموعهن همول
قطعت وجهه سيوف الأعادي ... بأبي وجهه الوسيم، الجميل
إن يحيى أبقى بقلبي غليلاً ... سوف يودي بالجسم ذاك الغليل
قتله مذكر لقتل علي ... وحسين، ويوم أوذي الرسول
صلوات الإله وقفاً عليهم ... ما بكى موجع وحن ثكول
ذكر ظهور الحسن بن زيد العلويوفيها ظهر الحسن بن زيد بن محمد بن إسماعيل بن زيد بن الحسن بن الحسين بن علي بن أبي طالب، عليه السلام، بطبرستان. وكان سبب ظهوره أن محمد بن عبد الله بن طاهر لما ظفر بيحيى بن عمر أقطعه المستعين من ضواحي السلطان بطبرستان قطائع منها قطيعة قرب ثغر الديلم، وهما كلار وشالوس، وكان بحذائهما أرض يحتطب منها أهل تلك الناحية، وترعى فيها مواشيهم، ليس لأحد عليها ملك، إمنا هي موات، وهي ذات غياض، وأشجار، وكلأن فوجه محمد بن عبد الله نائبه لحيازة ما أقطع، واسمه جابر بن هارون النصراني، وعامل طبرستان يومئذ سليمان ابن عبد الله بن طاهر بن عبد الله بن طاهر خليفة محمد بن طاهر بن عبد الله بن طاهر، وكان الغالب على أمر سليمان محمد بن أوس البلخي، وقد فرق محمد هذا أولاده في مدن طبرستان، وهم أحداث سفهاء، فتأذى بهم الرعية وشكوا منهم، ومن أبيهم، ومن سليمان سوء السيرة.
ثم إن محمد بن أوس دخل بلاد الديلم، وهم مسالمون لأهل طبرستان، فسبى منهم وقتل، فساء ذلك أهل طبرستان، فلما قدم جابر بن هارون لحيازة ما أقطعه محمد بن عبد الله، عمد فحاز فيه ما اتصل به من ارض موات يرتفق بها الناس، وفيها حاز كلار وشالوس.
وكان في تلك الناحية يومئذ أخوان لهما بأس ونجدة يضبطنها ممن رامها من الديلم، مذكوران بإطعام الطعام والإفضال، يقال لأحدهما محمد، وللآخر جعفر، وهما ابنا رستم، فأنكر ما فعل جابر من حيازة الموات، وكانا مطاعين في تلك الناحية، فاستنهضا من أطاعهما لمنع جابر من حيازة ذلك الموات، فخافهما جابر، فهرب منهمأن فلحق بسليمان بن عبد الله، وخاف محمد وجعفر ومن معهما من عامل طبرستان، فراسلوا جيرانهم من الديلم يذكرونهم العهد الذي بينهم ويتعذرون فيما فعله محمد بن أوس بهم من السبي والقتل، فاتفقوا على المعاونة والمساعدة على حرب سليمان بن عبد الله وغيره.
ثم أرسل ابنا رستم ومن وافقهما إلى رجل من الطالبيين اسمه محمد بن إبراهيم، كان بطبرستان، يدعونه إلى البيعة له، فامتنع عليهم، وقال: لكني أدلكم على رجل منا هوأقوم بهذا الأمر مني، فدلهم على الحسن بن زيد، وهوبالري، فوجهوا إليه، عن رسالة محمد بن إبراهيم، يدعونه إلى طبرستان، فشخص إليهأن فأتاهم وقد صارت كلمة الديلم وأهل كلار وشالوس والرويان على بيعته، فبايعوه كلهم، وطردوا عمال ابن أوس عنهم، فلحقوا بسليمان ابن عبد الله، وانضم إلى الحسن بن زيد أيضاً جبال طبرستان كأصمغان، وقادوسيان، وليث بن قتاد، وجماعة من أهل السفح.
ثم تقدم الحسن ومن معه نحومدينة آمل، وهي أقرب المدن إليهم، واقبل ابن أوس من سارية ليدفعه عنهأن فاقتتلوا قتالاً شديدأن وخالف الحسن بن زيد في جماعة إلى آمل فدخلها.
فلما سمع ابن أوس الخبر، وهومشغول بحرب من يقاتله من أصحاب الحسن بن زيد، لم يكن له همة إلا النجاء بنفسه، فهرب، ولحق بسليمان إلى سارية، فلا استولى الحسن على آمل كثر جمعه، وأتاه كل طالب نهب وفتنة، وأقام بآمل أيامأن ثم سار نحوسارية لحرب سليمان بن عبد الله فخرج إليه سليمان، فالتقوا خارج مدينة سارية، ونشبت الحرب بينهم، فسار بعض قواد الحسن نحوسارية فدخلهأن فلما سمع سليمان الخبر انهزم هوومن معه، وترك أهله وعياله وثقله وكل ما له بسارية، واستولى الحسن وأصحابه على ذلك جميعه، فأما الحرم والأولاد فجعلهم الحسن في مركب وسيرهم إلى سليمان بجرجان، وأما المال فكان قد نهب وتفرق.
وقيل إن سليمان انهزم اختياراً لأن الطاهرية كلها كانت تتشيع، فلما أقبل الحسن بن زيد إلى طبرستان تأثم سليمان من قتاله لشدته في التشيع، وقال:
نبئت خيل ابن زيد أقبلت حيناً ... تريدنا لتحسينا الأمرينا
يا قوم إن كانت الأنباء صادقة ... فالويل لي ولجميع الطاهريينا
أما أنا فإذا اصطفت كتائبنا ... أكون من بينهم رأس الموالينا
فالعذر عند رسول الله منبسط ... إذا احتسبت دماء الفاطميينا
فلما التقوا انهزم سليمان؛ فلما اجتمعت طبرستان للحسن وجه إلى الري جنداً مع رجل من أهله، يقال له الحسن بن يزيد أيضأن فملكهأن وطرد عنها عامل الطاهرية، فاستخلف بها رجلاً من العلويين يقال له محمد بن جعفر، وانصرف عنها.
وورد الخبر على المستعين، ومدير أمره يومئذ وصيف، وكاتبه أحمد بن صالح بن شيرزاد، فوجه إسماعيل بن فراشة في جند إلى همذان، وأمره بالمقام بها ليمنع خيل الحسن عنهأن وأما ما عداها فإلى محمد بن عبد الله بن طاهر وعليه الذب عنه.
فلما استقر محمد بن جعفر الطالبي بالري ظهرت أمور كرهها أهل الري، ووجه محمد بن طاهر بن عبد الله قائداً من عنده يقال له محم ين ميكال في جمع من الجند إلى الري، ووهوأخوه الشاه بن ميكال، فالتقى هوومحمد بن جعفر الطالبي خارج الري، فأسر محمد بن جعفر، وانهزم جيشه، ودخل ابن ميكال الري، فأقام بهأن فوجه الحسن بن زيد عسكراً عليه قائد يقال له واجن، فلما صار إلى الري خرج إليه محمد بن ميكال، فالتقوأن فاقتتلوأن فانهزم ابن ميكال، والتجأ إلى الري معتصماً بهأن فاتبعه واجن وأصحابه حتى قتلوه، وصارت الري إلى أصحاب الحسن بن زيد.
فلما كان هذه السنة يوم عرفة ظهر بالري أحمد بن عيسى بن حسين الصغير ابن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، رضي اله عنه، وإدريس ابن موسى بن عبد الله بن موسى بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، فصلى أحمد بن عيسى بأهل الري صلاة العيد، ودعا للرضى من آل محمد، فحاربه محمد بن علي بن طاهر فانهزم محمد بن علي وسار إلى قزوين.
ذكر عدة حوادثوفيها غضب المستعين على جعفر بن عبد الواحد لأنه بعث إلى الشاكرية، فزعم وصيف أنه أفسدهم، فنفي إلى البصرة في ربيع الأول.
وفيها أسقطت مرتبة من كانت له مرتبة في دار العامة من بني أمية كأبي الشوارب والعثمانيين، وأخرج الحسن بن الأفشين من الحبس.
وفيها عقد لجعفر بن الفضل بن عيسى بن موسى المعروف ببشاشات على مكة.
وفيها وثب أهل حمص، وقوم من كلب، بعاملهم، وهوالفضل بن قارن أخومازيار بن قارن، فقتلوه، فوجه المستعين إلى حمص موسى بن بغا في رمضان، فلقيه أهلها فيما بين حمص والرستن، وحاربوه، فهزمهم، وافتتح حمص، وقتل من أهلها مقتلة عظيمة، وأحرقها وأسر جماعة من أهلها الأعيان.
وفيها مات جعفر بن أحمد بن عمار القاضي وأحمد بن عبد الكريم الحوراني التيمي، قاضي البصرة.
وفيها ولي أحمد بن الوزير قضاء سامرا. وفيها وثب الشاكرية والجند بفارس بعبد الله بن إسحاق بن إبراهيم، فانتبهوا منزله، وقتلوا محمد بن الحسن بن قارن، وهرب عبد الله بن إسحاق.
وفيها وجه محمد بن طاهر بفيلين وأصنام أتي بها من كابل، وحج بالناس جعفر بن الفضل بشاشات، وهووالي مكة.
وفيها توفي زيادة الله بن محمد بن الأغلب، أمير إفريقية، وكانت ولايته سنة واحدة وستة أيام فلما مات ملك بعده ابن أخيه محمد بن أبي إبراهيم أحمد بن محمد بن الأغلب.
وفيها توفي محمد بن الفضل الجرجرائي، وزير المتوكل، والفضل بن مروان، وزير المعتصم، وكان موته بسر من رأى؛ والخليع الشاعر الحسين ابن الضحاك، وكان مولده سنة اثنتين وستين ومائة، وهومشهور الأخبار والأشعار.
وفيها توفي الحارث بن مسكين قاضي مصر في ربيع الأول، وهومن ولد أبي بكر الثقفي؛ ونصر بن علي بن نصر بن علي الجهضمي الحافظ.
وفيها توفي أبوحاتم سهل بن محمد السختياني اللغوي، روى عن أبي زيد، والأصمعي، وأبي عبيدة، وقيل توفي سنة خمسين، والله تعالى بالغيب أعلم.
حوادث سنة إحدى وخمسين ومائتين
ذكر قتل باغر التركيوفي هذه السنة قتل باغر التركي، قتله وصيف وبغا.
وكان سبب ذلك أن باغراً كان أحد قتلة المتوكل، فزيد في أرزاقه، فأقطع قطائع، فكان مما أقطع قرى بسواد الكوفة، فتضمنها رجل من أهل باروسما بألفي دينار، فوثب رجل من أهل تلك الناحية، يقال له ابن مارمة، بوكيل لباغر، وتناوله، فحبس ابن مارمة، وقيد، ثم تخلص، وسار إلى سامرأن فلقي دليل بن يعقوب النصراني، وهويومئذ صاحب أمر بغا الشرابي والحاكم في الدولة، وكان ابن مارمة صديقاً له، وكان باغر أحد قواد بغأن فمنعه دليل من ظلم أحمد بن مارمة، فانتصف له منه، فغضب باغر وباين دليلاً.
وكان باغر شجاعاً يتقيه بغا وغيره، فحضر عند بغا في ذي الحجة من سنة خمسين وهوسكران، وبغا في الحمام، فدخل إليه وقال: من قتل دليلاً يقتل له؛ فقال له بغا: لوأردت ولدي ما منعتك منه. ولكن اصبر. فإن أمور الخلافة بيد دليل، وأقيم غيره، ثم افعل به ما تريد.
وأرسل بغا إلى دليل يأمره ألا يركب، وعرفه الخبر، وأقام في كتابته غيره، وتوهم باغر أنه قد عزله، فسكن بغر، ثم أصلح بينهما بغأن وباغر يتهدده، ولزم باغر خدمه المستعين، فقيل ذلك للمستعين.
فلما كان يوم نوبة بغا في منزله قال المستعين: أي شيء كان إلى إيتاخ من الخدمة؟ فأخبره وصيف، فقال: ينبغي أن تجعل هذه الأعمال إلى باغر. وسمع دليل ذلك، فركب إلى بغا فقال له: أنت في بيتك، وهم في تدبير عزلك، فإذا عزلت قتلت.
فركب بغا إلى دار الخليفة في يومه، وقال لوصيف: أردت أن تعزلني؟ فحلف أنه ما علم ما أراد الخليفة، فتعاقدا على تنحية باغر من الدار والحيلة عليه، فأرجفا له أنه يؤمر، ويخلع عليه، ويكون موضع بغا ووصيف؛ فأحس باغر ومن معه بالشر، فجمع إليه الجماعة الذين كانوا بايعوه على قتل المتوكل، ومعهم غيرهم، فجدد العهد عليهم في قتل المستعين وبغا ووصيف، وقال: نبايع على ابن المعتصم، أوابن الواثق، ويكون الأمر لنا كما هولهذين، فأجابوه إلى ذلك.
وانتهى الخبر إلى المستعين، فبعث إلى بغا ووصيف، وقال لهما: أنتما جعلتماني خليفة، ثم تريدان قتلي؟ فحلفا أنهما ما علما بذلك، فأعلمهما الخبر، فاتفق رأيهم باغر ورجلين من الأتراك معه، وحبسهم، فأحضروا باغراً فأقبل في عدة، فعدل به إلى حمام وحبس فيه.
وبلغ الخبر الأتراك، فوثبوا إلى اصطبل الخليفة، فانتهبوه وركبوا ما فيه، وحصروا الجوسق بالسلاح، فأمر بغا ووصيف بقتل باغر فقتل.
ذكر مسير المستعين إلى بغداد
فلما قتل باغر وانتهى خبر قتله إلى الأتراك المشغبين أقاموا على ما هم عليه، فانحدر المستعين وبغا ووصيف وشاهك الخادم واحمد بن صالح بن شيرزاد ودليل إلى بغداد في حراقة؛ فركب جماعة من قواد الأتراك إلى هؤلاء المشغبين فسألوهم الانصراف، فلم يفعلوأن فلا علموا بانحدار المستعين وبغا ووصيف ندموأن ثم قصدوا دار دليل، ودور أهله وجيرانه، فنهبوهأن حتى صاروا إلى أخذ الخشب وعليق الدواب؛ فلما قدموا بغداد مرض ابن مارمة، فعاده دليل وقال له: ما سبب علتك؟ قال: انتقض عقر القيد؛ فقال دليل: لئن عقرك القيد لقد نقضت الخلافة، وبغيت الفتنة؛ ومات ابن مارمة في تلك الأيام، وقال بعض الشعراء في ذلك:
لعمري لئن قتلوا باغراً ... لقد هاج باغر حرباً طحوناً
وفر الخليفة والقائدا ... ن بالليل يلتمسان السفينا
وصاحوا بميسان ملاحهم، ... فوافاهم يسبق الناظرينا
فألزمهم بطن حراقة ... وصوت مجاذيفهم سائرينا
وما كان ثدر ابن مارمة ... فتكسب فيه الحروب الديونا
ولكن دليل سعى سية ... فأخزى الإله بها العالمينا
فحل ببغداد قبل الشروق ... فحل بها منه ما يكرهونا
فليت السفينة لم تأتنا ... وغرقها الله والراكبينا
وأقبلت الترك والمعربون ... وجاء الفراغنة الدارعينا
تسير كراديسهم في السلاح ... يرجون خيلاص ورجلاً بنينا
فقام بحربهم عالم ... بأمر الحروب تولاه حينا
فجدد سوراً على الجانبي ... ن حتى أطاحهم أجمعينا
وأحكم أبوابها المصمتات ... تفت النفوس وتحمي العرينا
ومنع الأتراك الناس من الانحدار إلى بغداد، وأخذوا ملاحاً قد أكرى سفينته، فضربوه، وصلبوه على دقلهأن فامتنع أصحاب السفن من الانحدار إلا سراً. وكان وصول المستعين إلى بغداد لخمس خلون من المحرم من هذه السنة، فنزل على محمد بن عبد الله بن طاهر في داره، ثم وافى بغداد القواد، سوى جعفر الخياط، وسليمان بن يحيى بن معاذ، وقدمها جلة الكتاب والعمال وبني هاشم، وجماعة من أصحاب بغا ووصيف.
ذكر البيعة للمعتز باللهوفي هذه السنة بويع للمعتز بالله، وكان سبب البيعة أنه لما استقر المستعين ببغداد أتاه ماعة من قواد الأتراك المشغبين، فدخلوا عليه، وألقوا أنفسهم بين يديه، وجعلوا مناطقهم في أعناقهم تذللاً وخضوعأن وسألوه الصفح عنهم والرضا.
قال لهم: أنتم أهل بغي وفساد، واستقلال للنعم، ألم ترفعوا إليّ في أولادكم فألحقهم بكم، وهم نحومن ألفي غلام، وفي بناتكم فأمرت بتصييرهن في عداد المتزوجات، وهن نحومن أربعة آلاف، وغير ذلك كله أجبتكم إليه، وأدررت عليكم الأرزاق، فعملتم آنية الذهب والفضة، ومنعت نفسي لذتها وشهوتها إرادة لصلاحكم ورضاكم، وأنتم تزدادون بغياً وفساداً؛ فعادوا وتضرعوأن وسألوه العفو، فقال المستعين: قد عفوت عنكم ورضيت.
فقال له أحدهم واسمه بابي بك: فإن كنت قد رضيت فقم فاركب معنا إلى سامرأن فإن الأتراك ينتظرونك. فأمر محمد بن عبد الله بعض أصحابه فقام إليه فضربه! وقال محمد: هكذا يقال لأمير المؤمنين قم فاركب معنا! فضحك المستعين وقال: قوم عجم لا يعرفون حدود الكلام؛ وقال لهم المستعين: ترجعون إلى سامرأن فإن أرزاقكم دارة عليكم، وأنظر أنا في أمري. فانصرفوا آيسين منه، وأغضبهم ما كان من محمد بن عبد الله إلى بابي بك، وأخبروا من وراءهم خبرهم، وزادوأن وحرفوا تحريضاً لهم على خلعه، فاجتمع رأيهم على إخراج المعتز، وكان هووالمؤيد في حبس الجوسق، وعليهما من يحفظهمأن فأخرجوا المعتز من الحبس، وأخذوا من شعره، وكان قد كثر، وبايعوا له بالخلافة، وأمر للناس برزق عشرة أشهر للبيعة، فلم يتم المال، فأعطوا شهرين لقلة المال عندهم.
وكان المستعين خلف بيت المال بسامرا فيه نحوخمس مائة ألف دينار، وفي بيت مال أم المستعين قيمة ألف ألف دينار، وفي بيت مال العباس قيمة ستمائة ألف دينار. وكان فيمن أحضر للبيعة أبوأحمد بن الرشيد وبه نقرس، في محقة محمولأن فأمر بالبيعة فامتنع، وقال للمعتز: خرجت إلينا طائعأن فخلعتها ووزعمت أنك لا تقوم بها؛ فقال المعتز: أكرهت على ذلك، وخفت السيف. فقال أبوأحمد: ما علمنا أنك أكرهت، وقد بايعنا هذا الرجل، فنريد أن تطلق نساءنأن وتخرج عن أموالنأن ولا ندري ما يكون إن تركتني على أمري حتى يجتمع الناس، وإلا فهذا السيف. فتركه المعتز.
وكان ممن بايع إبراهيم الديرج، وعتاب بن عتاب، فأما عتاب فهرب إلى بغداد، وأما عتاب فهرب إلى بغداد، وأما الديرج فأقر على الشرط، واستعمل على الدواوين وبيت المال والكتابة وغير ذلك.
ولما اتصل بمحمد بن عبد الله خبر بيعة المعتز وتوجيه العمال أمر بقطع الميرة عن أهل سامرأن وكتب إلى مالك بن طوق في المسير إلى بغداد هووأهل بيته وجنده، وكتب إلى نجوبة بن قيس وهوعلى الأنبار في الاحتشاد والجمع، وإلى سليمان ين عمران الموصلي في منع السفن والميرة عن سامرأن فأخذت سفينة بغداد فيها أرز وغيره، فهرب الملاح وبقيت السفينة حتى غرقت.
وأمر المستعين محمد بن عبد الله بتحصين بغداد، فتقدم في ذلك، فأدير عليها السور من دجلة من باب الشماسية إلى سوق الثلاثاء، حتى أورده دجلة، وأمر حفر الخنادق من الجانبين جميعأن وجعل على كل باب قائدأن فبلغت النفقة على ذلك جميعه ثلاثمائة ألف وثلاثين ألف دينار؛ ونصب على الأبواب المنجنيقات والعرادات وشحن الأسوار، وفرض فرضاً للعيارين وجعل عليهم عريفاً اسمه يبنونه، وعمل لهم تراساً من البواري المقيرة، وأعطاهم المخالي ليجعلوا فيها الحجارة للرمي، وفرض أيضاً لقوم من خراسان قدموا حجاجاً فسئلوا المعونة فأعانوا.
وكتب المستعين إلى عمال الخراج بكل بلدة أن يكون حملهم الخراج والأموال إلى بغداد، لا يحمل منها إلى سامرا شيء، وكتب إلى الأتراك، والجند الذين بسامرا شيء، وكتب إلى الأتراك، والجند الذين بسامرأن يأمرهم بنقض بيعة المعتز، ومراجعة الوفاء له، ويذكرهم أياديه عندهم، وينهاهم عن المعصية والنكث.
ثم جرت بين المعتز ومحمد بن عبد الله مكاتبات ومراسلات يدعوالمعتز محمداً إلى المبايعة ويذكره ما كان المتوكل أخذ له عليه من البيعة بعد المنتصر، ومحمد يدعوالمعتز إلى الرجوع إلى طاعة المستعين، واحتج كل واحد منهما على صاحبه.
وأمر محمد بكسر القناطر، وشق المياه بسطوح الأنبار وبادوريا ليقطع الأتراك عن الأنبار، وكتب المستعين والمعتز إلى موسى بن بغأن كل واحد منهما يدعوه إلى نفسه، وكان بأطراف الشام، كان خرج لقتال أهل حمص، فانصرف إلى المعتز، وصار معه، وقدم عبد الله بن بغا الصغير من سامرا إلى المستعين، وكان قد تلف بعد أبيه، فاعتذر، وقال لأبيه: إمنا قدمت لأموت تحت ركابك. فأقام ببغداد أيامأن ثم هرب إلى سامرأن فاعتذر إلى المعتز، وقال: إمنا سرت إلى بغداد لأعلم أخبارهم وآتيك بها. فقبله المعتز، ورده إلى خدمته.
وورد الحسن بن الأفشين بغداد، فخلع عليه المستعين، وضم إليه جميعاً من الأشروسنية وغيرهم.
ذكر حصار المستعين ببغدادثم إن المعتز عقد لأخيه أبي احمد بن المتوكل، وهوالموفق، لسبع بقين من المحرم، على حرب المستعين، ومحمد بن عبد الله، وولاه ذلك، وضم إليه الجيش، وجعل إليه الأمور كلهأن وجعل التدبير إلى كلباتكين التركي، فسار في خمسين ألفاً من الأتراك والفراعنة، وألفين من المغاربة فلما بلغ عكبرا صلى بهأن وخطب للمعتز، وكتب بذلك إلى المعتز، فذكر أهل عكبرا أنهم كانوا على خوف شديد من مسير محمد بن عبد الله إليهم، ومحاربتهم، فانتهبوا القرى ما بين عكبرا وبغداد، فخربت الضياع، واخذ الناس في الطريق.
ولما وصل أبوأحمد إلى عكبرا هرب إليه جماعة كبيرة من أصحاب بغا الصغير، ووصل أبوأحمد وعسكره باب الشماسية لسبع خلون من صفر، فقال بعض البصريين، يعرف بباذنجانة:
يا بني طاهر أتتكم جنود ال ... له والموت بينها مشهور
وجيوش إمامهم أبوأح ... مد نعم المولى ونعم النصير
ولما نزل أبوأحمد بباب الشماسية ولى المستعين باب الشماسية الحسين ابن إسماعيل، وجعل من هناك من القواد تحت بده، فلم يزل هناك مدة الحرب إلى أن ساروا إلى الأنبار؛ فلما كان عاشر صفر وافت طلائع الأتراك إلى باب الشماسية، فوقفوا بالقرب منه، فوجه محمد بن عبد الله الحسين بن إسماعيل، والشاه بن ميكال، وبندار الطبري، فيمن معهم، وعزم على الركوب لقتالهم، فأتاه الشاه فأعلمه أن الأتراك لما عاينوا الأعلام والرايات قد أقبلت نحوهم رجعوا إلى معسكرهم، فترك محمد الركوب.
فلما كان الغد عزم محمد على توجيه الجيوش إلى القفص ليعرضهم هناك، وليرهب الأتراك، وركب ومعه وصيف وبغا في الدروع، ومضى معه الفقهاء والقضاة، وبعث إليهم يدعوهم إلى الرجوع عما هم عليه من الطغيان والعصيان، ويبذل هم الأمان على أن يكون المعتز ولي العهد بعد المستعين، فلم يجيبوأن ومضى نحوباب قطربل، فنزل على شاطئ دجلة هوووصيف وبغأن ولم يمكنه التقدم لكثرة الناس فانصرف.
فلما كان من الغد أتاه رسل وجه الفلس، وغيره من القواد، يعلمونه أن الترك قد دنوأن وضربوا مضربهم برقة الشماسية، وأرسل إليهم: لا تبدأوهم بقتال، وإن قاتلوكم فلا تقاتلوهم، وادفعوهم اليوم؛ فوافى باب الشماسية منهم اثنا عشر فارساً فرموا بالسهام، ولم يقاتلهم أحد، فلما طال مقامهم رماهم المنجنيقي بحجر، فقتل منهم رجلأن فأخذوه ورجعوا.
وقدم عبيد الله بن سليمان خليفة وصيف التركي من مكة في ثلاثمائة رجل، فخلع عليه محمد بن عبد الله، ووافى الأتراك في هذا اليوم باب الشماسية، فخرج الحسين بن إسماعيل ومن معه من القواد لمحاربتهم، فاقتتلوا وقتل من الفريقين، وجرح، وكانوا في القتلى والجرحى على السواء، وانهزم أهل بغداد، وثبت أصحاب الواري ثم انصرفوأن وأحضر الأتراك منجنيقاً فغلبهم عليه العامة، فأخذوه.
ثم سار جماعة من الأتراك إلى ناحية النهروان، فوجه محمد بن عبد الله قائدين من أصحابه في جماعة، وأمرهما بالمقام بتلك الناحية، وحفظها من الأتراك، فسار إليهم الأتراك، فقاتلوهم، فانهزم أصحاب محمد إلى بغداد، وأخذت دوابهم، فدخلوا بغداد منهزمين، وجه الارك برؤوس القتلى إلى سامرأن واستولوا على طريق خراسان، وانقطع الطريق عن بغداد.
ووجه المعتز عسكراً في الجانب الغربي فساروا إلى بغداد، وجازوا قطربل، فضربوا عسكرهم هناك، وذلك لاثنتي عشرة خلت من صفر؛ فلما كان من الغد وجه محمد بن عبد الله عسكراً إليهم، فلقيهم الشاه بن ميكال، فتحاربوأن فانهزم أصحاب المعتز، خرج عليهم كمين لمحمد بن عبد الله، فانهزموا ووضع أصحاب محمد فيهم السيف، فقتلوهم أكثر قتل، ولم يفلت منهم إلا القليل، ونهب عسكرهم جميعه، ومن سلم من القتل ألقى نفسه في دجلة ليعبر إلى عسكر أبي أحمد، فأخذه أصحاب السفن، وحملوا الأسرى والرؤوس في الزواريق، فنصب بعضها ببغداد.
وأمر محمد لمن أبلى في هذا اليوم بالأسورة، والخلع، والأموال، وطلبت المنهزمة، فبلغ بعضهم أوانأن وبعضهم بلغ سامرأن وكان عسكر المعتز أربعة آلاف، فقتل منهم ألفان، وغرق منهم جماعة، وأسر جماعة، فخلع محمد على جميع القواد، على كل قائد أربع خلع، وطوقاً وسواراً من ذهب، وكان عود أهل بغداد عنهم مع المغرب، وكان أكثر العمل في هذا اليوم للعيارين.
وركب محمد بن عبد الله بن طاهر لأثنتي عشرة بقيت من صفر إلى الشماسية، فأمر بهدم ما وراء سورها من الدور، والحوانيت، والبساتين، من باب الشماسية إلى ثلاثة أبواب، ليتسع على من يحارب.
وقدم مال من فارس والأهواز مع منكجور الاشروسني، فوجه أبوأحمد الأتراك لأخذه، فوجه محمد بن عبد الله جماعة لحفظ المال، فعدلوا بع عن الأتراك، فقدموا به بغداد، فلما علم الأتراك بذلك عدلوا نحوالنهروان، فقتلوا واحرقوا سفن اجسر، وهي عشرون سفينة، ورجعوا إلى سامرا.
وقدم محمد بن خالد بن يزيد بن مزيد، وكان المستعين قلده إمرة الثغور الجزرية، كان بمدينة بلد ينتظر الجنود وأمال ليسير إلى الثغور، فلما كان من أمر المستعين والأتراك ما ذكرنأن سار من بلد إلى بغداد على طريق الرقة في أصحابه وخاصته، وهم زهاء أربع مائة، فخلع عليه محمد بن عبد الله خمس خلع، ثم وجهه في جيش كثيف لمحاربة أيوب بن أحمد، فأخذ على طريق الفرات، فحاربه في نفر يسير، فهزم محمد وصار إلى ضيعته بالسواد، فلما سمع محمد بهزيمته قال: لا يفلح أحد من العرب إلا أن يكون معه نبي ينصره الله به.
وكانت للأتراك وقعة بباب الشماسية، فقاتلوا عليه قتالاً شديدأن حتى كشفوا من عليه ورموا ه المنجنيق بالنار والنفط، فلم يحرقه، ثم كثر الجند على الباب، فأزالهم عن موقفهم بعد قتلى وجرحى؛ ووجه محمد العرادات في السفن فرموهم بها رمياً شديدأن فقتلوا منهم نحومائة؛ وكان بعض المغاربة قد صار إلى السور، فرمى بكلاب، فتعلق به، فأخذه الموكلون بالسور ورفعوه فقتلوه، وألقوا رأسه إلى الأتراك، فرجعوا إلى معسكرهم.
وأراد بعض الموكلين بالسور أن يصيح: يا مستعين، يا منصور، فصاح: يا معتز، يا منصور، فظنوه من المغاربة فقتلوه.
وتقدم الأتراك، في بعض الأيام، إلى باب الشماسية، فرمي الدرغمان، مقدم المغاربة، بحجر منجنيق فقتله، وكان شجاعأن وكان بعض المغاربة يجيء فيكشف أسته، ويصيح، ويضرط، ثم يرجع، فرماه بعض أصحاب محمد، بسهم في دبره، فجرح من خلفه فخر ميتاً.
واجتمعت العامة بسامرا ونهبوا سوقي الجوهريين والصيارفة وغيرهمأن فشكا التجار ذلك إلى إبراهيم المؤيد، فقال لهم: كان ينبغي أن تحولوا متاعكم إلى منازلكم. ولم يصنع شيئأن ولا أنكر ذلك.
وقدم لثمان بقين من صفر جماعة من أهل الثغور يشكون بلكاجور، ويزعمون أن بيعة المعتز وردت عليه، فدعا الناس إلى بيعته، واخذ الناس بذلك، فمن امتنع ضربه وحبسه، وأنهم امتنعوا وهربوأن فقال وصيف: ما أظنه إلا ظن أن المستعين مات وقام المعتز، فقالوا: ما فعله إلا عن عمد؛ فورد كتاب بلكاجور لأربع بقين من صفر يذكر أنه كان بايع المعتز، فلما ورد كتاب المستعين بصحة الأمر جدد له البيعة، وأنه على السمع والطاعة، فأراد موسى بن بغا أن يسير إلى المستعين، فامتنع أصحابه الأتراك من موافقته على ذلك، وحاربوه، فقتل بينهم قتلى.
وقدم من البصرة عشر سفائن بحرية، في كل سفينة خمسة وأربعون رجلاً ما بين نفاط وغيره، فمرت إلى ناحية الشماسية، فرمى من فيها بالنيران إلى عسكر أبي أحمد، فانتقلوا إلى موضع لا ينالهم شيء من النار.
ولليلة بقيت من صفر تقدم الأتراك إلى أبواب بغداد، فقاتلوا عليهأن فقتل من الفريقين جماعة كثيرة، ودام القتال إلى العصر.
وفي ربيع الأول محمد بن عبد الله كافركونات وفرقها على العيارين، فخرجوا بها إلى أبواب بغداد، وقتلوا من الأتراك نحواً من خمسين رجلأن ولأربع عشرة خلت من ربيع الأول قدم مزاحم بن خاقان من ناحية الرقة، فتلقاه الناس ومعه زهاء ألف رجل، فلما وصل خلع عليه سبع خلع، وقلد سيفاً.
ووجه المعتز عسكراً يبلغون ثلاثة آلاف، فعسكروا بإزاء عسكر أبيأحمد بباب قطربل، وركب محمد بن عبد الله في عسكره، وخرج من النظارة خلق كثير، فحاذى عسكر أبي أحمد، فكانت بينهم في الماء جولة، وقتل من أصحاب أبي أحمد أكثر من خمسين رجلأن ومضى النظارة فجازوا العسكر بنصف فرسخ، فعبرت إليهم سفن لأبي أحمد، فنالت منهم، ورجع محمد بن عبد الله، وأمر ابن أبي عون برد الناس، فأمرهم بالعود، فاغلظوا له، فشتمهم وشتموه، وضرب رجلاً منهم فقتله، فحملت عليه العامة، فانكشف من بين أيديهم، فأخذ أصحاب أبي أحمد أربع سفائن، وأحرقوا سفينة فيها عرادة لأهل بغداد.
وسار العامة إلى دار ابن أبي عون لينهبوهأن وقالوا مايل الأتراك، فانهزم أصحابه، وكلموا محمداً في صرفه، ومنعهم من أخذ ماله.
ولإحدى عشرة خلت من ربيع الأول وصل عسكر المعتز الذي سيره إلى مقابل عسكر أخيه أبي أحمد عند عكبرأن فأخرج إليهم ابن طاهر عسكرأن فمضوا حتى بلغوا قطربل وبها كمين الأتراك، فأوقع بهم، ونشبت الحرب بينهم، وقتل بينهم جماعة، واندفع أصحاب محمد قليلاً إلى باب قطربل، والأتراك معهم، فخرج الناس إليهم، فدفعوا الأتراك حتى نحوهم، ثم رجعوا إلى أهل بغداد فقتلوا منهم خلقاً كثيرأن وقتل من الأتراك أيضاً خلق كثير، ثم تقدم الأتراك إلى باب القطيعة، فنقبوا السور، فقتل أهل بغداد أول خارج منه، وكان القتل ذلك اليوم أكثره في الأتراك، والجراح بالسهام في أهل بغداد.
وندب عبد الله بن عبد الله بن طاهر الناس، فخرجوا معه، وأمر الموكل بباب قطربل ألا يدع منهمزماً يدخله، ونشبت الحرب، فانهزم أصحاب عبد الله، وثبت أسد بن داود حتى قتل، وكان إغلاق الباب على المنهزمين أشد من الأتراك، فأخذوا منهم الأسرى، وقتلوا فأكثروأن وحملوا الأسرى والرؤوس إلى سامرأن فلما قربوا منها غطوا رؤوس الأسرى، فلما رآهم أهل سامرا بكوا وضجوأن وارتفعت أصواتهم، وأصوات نسائهم، فبلغ ذلك المعتز فكره أن تغلظ قلوب الناس عليه، فأمر لكل أسير بدينار، وأمر بالرؤوس فدفنت.
وقدم أبوالساج من طريق مكة لأربع بقين من ربيع الأول، فخلع عليه؛ وفي سلخ ربيع الأول جاء نفر من الأتراك إلى باب الشماسية، ومعهم كتاب من المعتز إلى محمد بن عبد الله، فاستأذنه أصحابه في أخذه، فأذن لهم، فإذا فيه تذكير محمد بما يجب عليه من حفظ العهد القديم، وأن الواجب كان عله أن يكون أول أول من يسعى في أمره ويؤكد خلافته. فما رد عليه محمد جواب الكتاب، وكانت وقعة بينهم لسبع خلون من ربيع الآخر، قتل من الأتراك سبع مائة ون أصحاب محمد ثلاثمائة.
وفي منتصف ربيع الآخر أمر أبوالساج، وعلي بن فراشة، وعلي بن حفص، بالمسير إلى المدائن، فقال أبوالساج لمحمد بن عبد الله: إن كنت تريد الجد مع هؤلاء القوم فلا تفرق قوادك، واجمعهم، حتى تهزم هذا العسكر المقيم بإزائك، فإذا فرغت منهم فما أقدرك على من بعدهم؛ فقال: إن لي تدبيرأن ويكفي اله إن شاء الله؛ فقال أبوالساج: السمع والطاعة وسار إلى المدائن وحفر خندقهأن وأمده محمد بثلاثة آلاف فارس وألفي راجل، وكتب المعتز إلى أخيه أبي أحمد يلومه لتقصير في قتال أهل بغداد، فكتب إليه في الجواب:
لأمر المنايا علينا طريق ... وللدهر فينا اتساع وضيق
وأيامنا عبرة للأنام ... فمنها البكور ومنها الطروق
ومنها هنات تشيب الوليد ... ويخذل فيها الصديق الصدوق
وفتنة دين لها ذروة ... تفوق العيون، وبحر عميق
قتال متين وسيف عتيد ... وخوف شديد، وحصن وثيق
وطول صياح لداعي الصباح ال ... سلاح السلاح فما يستفيق
فهذا طريح وهذا جريح ... وهذا حريق وهذا غريق
وهذا قتيل وهذا تليل ... وآخر يشدخه المنجنيق
هناك اغتصاب وثم انتهاب ... ودور خراب وكانت تروق
إذا ما شرعنا إلى مسلك ... وجدناه قد سد عنا الطريق
فيا لله نبلغ ما نرتجي ... وبالله ندفع ما لا نطيق
وهذه الأبيات لعلي بن أمية في فتنة الأمين والمأمون.
ذكر حال الأنباروسير محمد بن عبد اله إلى الأنبار نجومة بن قيس، فأقام بهأن وجمع بها نحواً من ألفي رجل، وأمده محمد بن عبد الله بألف وخمس ومائة، وشق الماء من الفرات إلى خندقهأن ففاض على الصحارى، فصار بطيحة واحدة وقطع القناطر، وسير المعتز جنداً مع علي الإسحاقي نحوالأنبار، فوصلوا ساعة وصلها مدد محمد وقد نزلوا ظاهرهأن فاقتتلوا أشد قتال، فانهزم مدد محمد بن عبد الله، ورجعوا في الطريق الذي جاءوا فيه إلى بغداد.
وكان نجوبة بالأنبار لم يخرج منهأن فلما بلغه هزيمة مدده، ومسير الأتراك إليه، عبر إلى الجانب الغربي، وقطع الجسر وسار نحوبغداد، فاختار محمد ابن عبد الله إنفاذ الحسين بن إسماعيل بن إبراهيم إلى الأنبار في جماعة من القواد والجند، فجهزهم، وأخرج لهم رزق أربعة أشهر، وخرج الجند، وعرضهم الحسين، وسار عن بغداد يوم الخميس لسبع بقين من جمادى الأولى، وتبعه الناس، والقواد، وبنوهاشم إلى الياسرية.
وكان أهل الأنبار لما دخلها الأتراك قد أمنوهم، ففتحوا دكاكينهم، وأسواقهم، ووافاهم سفن من الرقة تحمل الدقيق والزيت وغير ذلك، فانتهبها الأتراك وحملوها إلى منازلهم بسامرأن ووجهوا بالأسرى وبالرؤوس معها.
وسار الحسين حتى نزل دممأن ووافته طلائع الأتراك فوق دممأن فصف أصحابه مقابل الأتراك، بينهما نهر، وكان عسكره عشرة آلاف رجل، وكان الأتراك فوق دممأن فصف أصحابه؛ وكان الأتراك زهاء ألف رجل، فتراموا بالسهام، فجرح بينهم عدد، وعاد الأتراك إلى الأنبار، وتقدم الحسين فنزل بمكان يعرف بالقطيعة، واسع يحمل العسكر، فأقام فيه يومه، ثم عزم على الرحيل إلى قرب الأنبار، فأشار عليه القواد أن ينزل عسكره بهذا المكان بالقطيعة لسعته وحصانته، ويسير هووجنده جريدة، فإن كان الأمر له كان قادراً على نقل عسكره، وإن كان عليه رجع إلى عسكره وعاود عدوه، فلم يقبل منهم وسار من مكانه.
فلما بلغ المكان الذي يريد النزول به أمر الناس بالنزول، فأتت الأتراك جواسيسهم، وأعلموهم بمسيره وضيق مكانه، فأتاهم الأتراك والناس يحطون أثقالهم، فثار أهل العسكر وقاتلوهم فقتل بينهم قتلى من الفريقين، وحمل أصحاب الحسين عليهم فكشفوهم، وقتلوا منهم مقتلة عظيمة، وغرق منهم خلق كثير. وكان الأتراك قد كمنوا لهم كمينأن فخرج الكمين على بقية العسكر، فلم يكن لهم ملجأ إلا الفرات، وغرق من أصحابه خلق كثير، وقتل جماعة وأسر جماعة.
وأما الفرسان فهربوا لا يلوون على شيء، والقواد ينادونهم: الرجعة، فلم يرجع أحد، فخافوا على نفوسهم، فرجعوا يحمون أصحابهم، وأخذ الأتراك عسكر الحسين بما فيه من الأموال والخلع التي كانت معه، وسلم ما كان معه من سلاح في السفن، لأن الملاحين حذروا السفن، فسلم ما معهم من سلاح وغير ذلك، ووصل المنهزمون إلى الياسرية لست خلون من جمادى الآخرة، ولقي الحسين رجل من التجار ممن ذهبت أموالهم، فقال: الحمد لله الذي بيض وجهك، أصعدت في اثني عشر يومأن وانصرفت في يوم أحد! فتغافل عنه.
ولما اتصل خبر الهزيمة بمحمد بن عبد الله بن طاهر منع المنهزمين من دخول بغداد، ونادى: من وجدناه ببغداد من عسكر الحسين، بعد ثلاثة أيام، ضرب ثلاثمائة سوط، وأسقط من الديوان؛ فخرج الناس إلى الحسين بالياسرية، وأخرج إليهم ابن عبد الله جنداً آخر، وأعطاهم الأرزاق، وأمر بعض الناس ليعلم من قتل، ومن غرق، ومن سلم، ففعلوا ذلك.
وأتاهم كتاب بعض عيونهم من الأنبار يخبرهم أن القتلى كانت من الترك أكثر من مائتين، والجرحى نحوأربع مائة، وأن جميع من أسره الأتراك مائتان وعشرون رجلأن وأنه عد رؤوس القتلى فكانت سبعين رأسأن وكانوا أخذوا جماعة من أهل الأسواق فأطلقوهم؛ فرحل الحسين لأثنتي عشرة بقيت من جمادى الآخرة، وسار حتى عبر نهر أربق، فلما كان السبت لثمان خلون من رجب أتاه إنسان فأعلمه أن الأتراك يريدون العبور إليه في عدة مخاضات، فضربه، ووكل بمواضع المخاض رجلاً من قواده يقال له الحسين ابن علي بن يحيى الأرمني في مائتي رجل، فأتى الأتراك المخاضة، فرأوا الموكل بهأن فتركوها إلى مخاضة أخرى، فقاتلوهم، وصبر الحسين بن عي وبعث إلى الحسين بن إسماعيل أن الأتراك قد وافوا المخاضو، فقيل للرسول: الأمير نائم، فأرسل آخر، فقيل له: الأمير في المخرج، فأرسل آخر، فقيل له: الأمير قد عاد فنام، فعبر الأتراك، فقعد الحسين بن علي في زورق وانحدر، وهرب أصحابه منهزمين، وقتل الأتراك منهم وأسروا نحومائتين، وانحدرت عامة السفن فسلمت، وضع الأتراك السيف، وغرق خلق كثير من الناس، فوصل المنهزمون بغداد نصف الليل، ووافى بقيتهم في النهار، واستولى الأتراك على أثقالهم وأموالهم، وقتل عدة من قواد الحسين، فقال الهندواني في الحسين:
يا أحزم الناس راياً في تخلفه ... عن القتال خلطت الصفوبالكدر
لما رأيت سيوف الترك مصلتة ... علمت ما في سيوف الترك من قدر
فصرت مضجراً ذلاً ومنقصة ... والنجع يذهب بين العجز والضجر
ولحق فيها جماعة من الكتاب والقواد وبني هاشم بالمعتز، فمن بني هاشم علي ومحمد ابنا الواثق وغيرهما، ثم كانت بينهم عدة وقعات، وقتل فيها من الفريقين جماعة، ودخل الأتراك في بعض تلك الحروب إلى بغداد، ثم تكاثر الناس عليهم فأخرجوهم منها.
وجرى بين أبي الساج وجماعة من الأتراك وقعة فهزمهم أبوالساج، ثم واقعوا أخرى فتخلى عنه بعض أصحابه فانهزم، ودخل الأتراك المدائن؛ وخرجت الأتراك الذين بالأنبار في سواد بغداد من الجانب الغربي، حتى بلغوا صرصر وقصر ابن هبيرة.
وفي ذي القعدة كانت وقعة عظيمة، خرج محمد بن عبد الله بن طاهر في جميع القواد والعسكر، ونصب له قبة وجلس فيهأن واقتتل الناس قتالاً شديدأن فانهزمت الأتراك، ودخل أهل بغداد عسكرهم، وقتلوا منهم خلقاً كثيرأن وهربوا على وجوههم لا يلوون على شيء، فكلما جيء برأس يقول بغا: ذهبت الموالي، وساء ذلك من مع بغا ووصيف من الأتراك.
ووقف أبوأحمد بن المتوكل يرد الأتراك، ويخبرهم أنهم إن لم يرجعوا لم يبق لهم بقية، وتبعهم أهل بغداد إلى سامرأن فتراجعوا إليه، وإن بعض أهل بغداد رجعوا عن المنهزمين، فرأى أصحابهم أعلامهم، فظنوها أعلام الأتراك قد عادت، فانهزموا نحوبغداد مزدحمين، وتراجع الأتراك إلى عسكرهم، ولما علموا بهزيمة أهل بغداد، فتحملوا عليهم.
وفي ذي الحجة وجه أبوأحمد خمس سفائن مملوءة طعاماً ودقيقاً إلى ابن طاهر؛ وفي ذي الحجة علم الناس بما عليه ابن طاهر من خلع المستعين والبيعة للمعتز، ووجه قواده إلى أبي أحمد، فبايعوه للمعتز، وكانت العامة تظن أن الصلح جرى على أن الخليفة المستعين والمعتز ولي عهده.
وفي ذي الحجة أيضاً خرج رشيد بن كاوس أخوالأفشين، وكان موكلاً بباب السلامة، إلى الأتراك، وسار معهم إلى أبي أحمد، ثم عاد إلى أبواب بغداد يقول للناس: إن أمير المؤمنين المعتز، وأبا أحمد يقرآن عليكم السلام، ويقولان: من أطاعنا وصلناه، ومن أبى فهوأعلم.
فشتمه الناس، وعلموا بما عليه محمد بن عبد الله بن طاهر، فعبرت العامة إلى الجزيرة التي حذاء داره، فشتموه أقبح شتم، ثم ساروا إلى باب داره ففعلوا به مثل ذلك، وقاتلوه من على بابه حتى كشفوهم، ودخلوا دهليز داره، وأرادوا إحراق داره فلم يجدوا نارأن وبات منهم بالجزيرة جماعة يشتمونه وهويسمع، فلما ذكروا اسم أمه ضحك وقال: ما أدري كيف عرفوه وقد كان أكثر جواري أبي لا يعرفون اسمها. فما كان الغد فعلوا مثل ذلك، فسار محمد إلى المستعين وسأله أن يطلع إليهم ويسكنهم، ففعل، وقال لهم: أن محمداً لم يخلع ولم أتهمه، وعدهم أن يصلي بهم الجمعة، فانصرفوا.
ثم ترددت الرسل بين محمد بن عبد الله وبين أبي أحمد مع حماد بن إسحاق بن حماد بن يزيد، وثار قوم من رجالة الجند، وكثير من العامة، فطلب الجند أرزاقهم، وشكت العانة سوء الحال، وغلاء السعر، وقالوا: إما خرجت فقابلت، وإما تركتنا؛ فوعدهم الخروج، أوفتح باب الصلح، ثم جعل على الجسور وبالجزيرة وباب داره الرجال والخيل، فحضر الجزيرة بشر كثير، فطردوا من كان بهأن وقاتلوا الناس.
وأرسل محمد بن عبد الله إلى الجند يعدهم رزق شهرين، وأمرهم بالنزول، فأبوا وقالوا: لا نفعل حتى نعلم نحن والعامة على أي شيء نحن، فخرج إليهم بنفسه، فقالوا له: إن العامة قد اتهموك في خلع المستعين، والبيعة للمعتز، وتوجيهك القواد بعد القواد، ويخافون دخل الأتراك والمغاربة إليهم، فإن يفعلوا بهم كما عملوا في المدائن والأنبار، فهم يخافون على أنفسهم وأولادهم وأموالهم، وسألوا إخراج الخليفة إليهم ليروه ويكذبوا ما بلغهم، فلما رأى محمد ذلك سأل المستعين الخروج إليهم، فخرج إلى دار العامة، ودخل إليهم جماعة من الأنس، فنظروا إليه وخرجوا فأعلموا الناس الخبر، فلم ينتفعوا بذلك، فأمر المستعين بإلاق الأبواب، وصعد سطح دار العامة، ومحمد بن عبد الله معه، فرآه وعليه الناس وعليه البردة وبيده القضيب، فكلم الناس، وأقسم عليهم بحق البردة إلا انصرفوا فإنه آمن لا بأس عليه من محمد، فسألوه الركوب معهم والخروج من دار محمد لأنهم لا يأمنونه عليه، فوعدهم ذلك.
فلما رأى ابن طاهر فعلهم عزم على النقلة عن بغداد إلى المدائن، فأتاه وجوه الناس، وسألوه الصفح، واعتذروا بأن ذلك فعل الغوغاء والسفهاء، فرد عليهم رداً جميلأن وانتقل السمتعين عن داره في ذي الحجة، وأقام بدار رزق الخادم بالرصافة، وسار بين يديه محمد بن عبد الله بالحرية، فلما كان من الغد اجتمع الناس بالرصافة فأمروا القواد وبني هاشم بالمسير إلى دار محمد بن عبد الله والعود معه إذا ركب، ففعلوه ذلك، فركب محمد في جمع وتعبئة، ووقف للناس وعاتبهم، وحلف أنه ما يريد للمستعين، ولا لولي له، ولا لأحد من الناس سوءأن وأنه ما يريد إلا إصلاح أحوالهم، حتى بكى الناس ودعوا له.
وسار إلى المستعين، وكان ابن طاهر مجداً في أمر المستعين، حتى غيره عبيد الله بن يحيى بن خاقان، وقال له: إن هذا الذي تنصره، وتجد في أمره من أشد الناس نفاقأن وأخبثهم دينأن والله لقد أمر وصيفاً وبغا بقتلك، فاستعظما ذلك ولم يفعلاه، وإن كنت شاكاً في قولي فسل تخبره، وإن من ظاهر نفاقه أنه كان بسامرا لا يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم في صلاته، فلما صار إليك جهر بها مراءاة لك، وترك نصرة وليك، وصهرك، وتربيتك، ونحوذلك من كلام كلمه به، فقال محمد: أخزى الله هذأن ما يصلح لدين ولا لدنيا! ثم ظاهر عبيد الله بن يحيى بأحمد بن إسرائيل، والحسن بن مخلد.
فلما كان يوم الأضحى صلى المستعين بالناس، ثم حضر محمد بن عبد الله عند المستعين وعنده الفقهاء والقضاة، فقال له: قد كنت فارقتني على أن تنفذ أمري في كل ما أعزم عليه، وخطك عندي بذلك؛ فقال للمستعين: أحضر الرقعة، فاحضرهأن فإذا فيها ذكر الصلح، وليس فيها ذكر الخلع، فقال: نعم أمض الصلح، فخرج محمد إلى ظاهر باب الشماسية، فضرب به مضرب فنزل إليه ومعه جماعة من أصحابه، وجاء أبوأحمد في سميرية، فصعد إليه، فتناظرا طويلأن ثم خرجأن فجاء ابن طاهر إلى المستعين فأخبره أنه بذل له خمسين ألف دينار، ويقطع عليه ثلاثين ألف دينار، وعلى أن يكون مقامه بالمدينة، يتردد منها إلى مكة، ويخلع نفسه من الخلافة وأن يعطي بغا ولاية الحجاز جميعه، ويولى وصيف الجبل وماوالاه، وكون ثلث ما يجبى من المال لمحمد بن عبد الله وجند بغداد، والثلثان للموالي والأتراك، فامتنع المستعين من الإجابة إلى الخلع، وظن أن وصيفاً وبغا معه يكاشفانه، فقال: النطع والسيف؛ فقال له ابن طاهر: أما أنا فأقعد ولا بد لك من خلعها طائعاً أومكرهاً! فأجاب إلى الخلع.
وكان سبب إجابته إلى الخلع أن محمداً وبغا ووصيفاً لما ناظروه في الخلع أغلظ عليهم فقال وصيف: أنت أمرتنا بقتل باغر، فصرنا إلى ما نحن فيه، وأنت أمرتنا بقتل أتامش، وقلت أن محمداً ليس بناصح؛ وما زالوا يفزعونه؛ وقال محمد: وقد قلت لي إن أمرنا لا يصلح إلا باستراحتنا من هذين الاثنين؛ فلما رأى ذلك أذعن بالخلع، وكتب بما أراد لنفسه من الشروط، وذلك لإحدى عشرة خلت من ذي الحجة، وجمع محمد الفقهاء والقضاة، وأدخلهم على المستعين، وأشهدهم عليه أنه قد صير أمره إلى محمد ابن عبد اله، ثم أخذ منه جوهر الخلافة.
وبعث ابن طاهر إلى قواده ليوافوه، ومع كل قائد عشرة نفر من وجوه أصحابه، فأتوه فمناهم، وقال لهم: ما أردت بما فعلت إلا صلاحكم وحقن الدماء. وأمرهم بالخروج إلى المعتز في الشروط التي شرطها المستعين لنفسه ولقواده، يوقع المعتز عليها بخطة، ثم أخرجهم إلى المعتز، فمضوا إليه، فأجاب إلى ما طلبوا، ووقع عليه خطة، وشهدوا على إقراره، وخلع عليهم، ووجه معهم من يأخذ البيعة على المستعين، وحمل إلى المستعين أمه وعياله، عدما فتشوأن وأخذوا ما معهم. وكان دخل الرسل بغداد من عند المعتز لست خلون من المحرم سنة اثنتين وخمسين ومائتين.
ذكر غزو الفرنج بالأندلس
في هذه السنة سير محمد بن عبد الرحمن الأموي، صحب الأندلس، جيشاً مع ابنه المنذر إلى بلاد المشركين في جمادى الآخرة، فساروأن وقصدوا الملاحة، وكانت أموال لذريق بناحية ألبة والقلاع، فلما عم المسلمون بلدهم بالخراب والنهب، جمع لذريق عساكره، وسار يريدهم، فالتقوا بموضع يقال له فج المركوين، وبه تعرف هذه الغزاة، فاقتتلوأن فانهزم المشركون، إلا انهم لم يبعدوأن واجتمعوا بهضبة بالقرب من موضع المعركة، فتتبعهم المسلمون، وحملوا عليهم، واشتد القتال، فولى الفرنج منهزمين لا يلوون على شيء، وتبعهم المسلمون يقتلون ويأسرون.
وكانت هذه الوقعة ثاني عشر رجب، وكان عدد ما اخذ من رؤوس المشركين ألفين وأربع مائة واثنتين وتسعين رأساً، وكان فتحاً عظيماً وعاد المسلمون.
ذكر عدة حوادثفي هذه السنة رجع سليمان بن محمد، صرفه عبد الله بن طاهر، إلى طبرستان من جرجان بجمع كثير، وخيل وسلاح، فتنحى الحسن بن زيد عن طبرستان، ولحق بالديلم، ودخلها سليمان، وقصد سارية، وأتاه ابنان لقارن بن شهريار، وأتاه أهل آمل وغيرهم، منيبين مظهرين الندم، يسألون الصفح، فلقيهم بما أرادوأن ونهى أصحابه عن القتل والنهب والأذى.
وورد كتاب أسد بن جندان إلى محمد بن عبد الله يخبره أنه لقي علي ابن عبد الله الطالبي المسمى بالمرعشي، فيمن معه من رؤساء الجبل، فهزمه ودخل مدينة آمل، وفيها ظهر بأرمينية رجلان، فقاتلهما العلاء بن أحمد عامل بغا الشرابي، فهزمهمأن فصعدا قلعة هناك، فحصرهمأن ونصب عليها المجانيق، فهزما منهأن وخفي أمرهما عليه وملك القلعة.
وفيها حارب عيسى بن الشيخ الموفق الخارجي فهزمه وأسر الموفق.
وفيها ورد كتاب محمد بن طاهر بن عبد الله بخبر الطالبي الذي ظهر بالري، وما أعد له من العساكر المسيرة إليه، وظفر به، واسمه محمد بن جعفر، فأخذه أسيرأن ثم سار إلى الري بعد أسر محمد بن جعفر بن أحمد بن عيسى ابن الحسين الصغير ابن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، عليه السلام، وإدريس بن موسى بن عبد الله بن موسى بن عبد اله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، عليه السلام.
وفيها انهزم الحسن بن زيد من محمد بن طاهر، وكان لقيه في ثلاثين ألفأن وقتل من أصحابه أعيان الحسن ثلاثمائة رجل وأربعون رجلاً. وفيها خرج إسماعيل بن يوسف العلوي ابن أخت موسى بن عبد الله الحسني.
وفيها كانت وقعة بين محمد بن خالد بن يزيد، وأحمد المولد، وأيوب ابن أحمد بالسلير من أرض بني تغلب، فقتل بينهما جماعة كثيرة، فانهزم محمد ونهب متاعه.
وفيها غزا بلكاجور الروم، ففتح مطمورة، وغمن غنيمة كثيرة، وأسر جماعة من الروم.
وفيها ظهر بالكوفة رجل من الطالبيين اسمه الحسين بن أحمد بن حمزة ابن عبد الله بن الحسين بن علي بن أبي طالب، عليه السلام، واستخلف بها محمد بن جعفر بن حسن بن جعفر بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، عليه السلام، يكنى أبا أحمد، فوجه إليه المستعين مزاحم بن خاقان، وكان العلوي بسواد الكوفة في جماعة من بني أسد ومن الزيدية، وأجلى عنها عامل الخليفة وهوأحمد بن نصير بن حمزة بن مالك الخزاعي إلى قصر ابن هبيرة، واجتمع مزاحم وهشام بن أبي دلف العجلي، فسار مزاحم إلى الكوفة، فحمل أهل الكوفة العلوية على قتالهمأن وعدهم النصرة، فتقدم مزاحم وقاتلهم، وكان قد سير قائداً معه جماعة، فأتى أهل الكوفة من ورائهم، فأطبقوا عليهم، فلم يفلت منهم واحد، ودخل الكوفة، فرماه أهلها بالحجارة، فأحرقها بالنار، فاحترق منها سبعة أسواق حتى خرجت النار إلى السبيع، ثم هجم على الدار التي فيها العلوي، فهرب، وأقام مزاحم بالكوفة، فأتاه كتاب المعتز يدعوه إليه، فسار إليه.
وفيها ظهر إنسان علوي بناحية نينوى من أرض العراق، فلقيه هشام بن أبي دلف في شهر رمضان، فقتل من أصحاب العلوي جماعة وهرب فدخلالكوفة.
وفيها ظهر الحسين بن أحمد بن إسماعيل بن محمد بن إسماعيل الأرقط بن محمد بن علي بن الحسين بن علي، المعروف بالكركي، بناحية قزوين، وزنجان، فطرد عمال طاهر عنها.
وفيها قطعت بنوعقيل طريق جدة، فحاربهم جعفر بشاشات فقتل من أهل مكة نحوثلاثمائة رجل، فغلت الأسعار بمكة، وأغارت الأعراب على القرى.
وفيها ظهر إسماعيل بن يوسف بن إبراهيم بن عبد الله بن الحسن بن الحسن ابن علي بن أبي طالب بمكة، فهرب جعفر بشاشات، وانتهب إسماعيل منزله ومنازل أصحاب السلطان، وقتل الجند وجماعة من أهل مكة، واخذ ما كان حمل لإصلاح القبر من المال وما في الكعبة وخزائنها من الذهب والفضة وغير ذلك، وأخذ كسوة الكعبة، وأخذ من الناس نحواً من مائتي ألف دينار، وخرج منها بعد أن نهبهأن وأحرق بعضها في ربيع الأول بعد خمسين يوماً وسار إلى المدينة، فتوارى عاملهأن ثم رجع إسماعيل إلى مكة في رجب فحصرهم حتى تماوت أهلها جوعاً وعطشأن وبلغ الخبز ثلاث أوراق بدرهم، واللحم رطل بأربعة دراهم، وشربة ماء بثلاثة دراهم، ولقي أهل مكة منه كل بلاء.
ثم سار إلى جدة بعد مقام سبعة وخمسين يوماً فحبس عن الناس الطعام واخذ الأموال التي للتجار وأصحاب المراكب، ثم وافى إسماعيل عرفة وبها محمد بن أحمد بن عيسى بن المنصور الملقب بكعب البقر، وعيسى بن محمد المخزومي صاحب جيش مكة، كان المعتز وجههما إليهأن بعرفة ليلاً ولا نهارأن ووقف إسماعيل وأصحابه، ثم رجع إلى جدة فأفنى أموالها.
وفيها مات سري السقطي الزاهد، وإسحاق بن منصور بن بهرام أبويعقوب الكوشج، الحافظ النيسابوري، توفي في جمادى الأولى، وله مسند يروى عنه.
حوادث سنة اثنتين وخمسين ومائتين
ذكر خلع المستعينفي هذه السنة خلع المستعين أحمد بن محمد بن المعتصم نفسه من الخلافة، وبايع للمعتز بالله بن المتوكل، وخطب للمعتز ببغداد يوم الجمعة لأربع خلون من المحرم، وأخذ له البيعة على كل من بها من الجند.
وكان ابن طاهر قد دخل على المستعين ومعه سير بن حميد، وقد كتب شروط الأمان، فقال له: يا أمير المؤمنين! قد كتب سعيد كتاب الشروط، فأكده غاية التوكيد، فنقرأه عليك لتسمعه. فقال المستعين: لا حاجة لي إلى توكيدهأن فما القوم بأعلم بالله منكن ولقد أكدت على نفسك قبلهم فكان ما علمت. فما رد عليه محمد شيئاً.
فلما بايع المستعين للمعتز، وأشهد عليه بذلك، نقل من الرصافة إلى قصر الحسن بن سهل بالمحرم ومعه عياله وأهله جميعأن ووكل بهم، وأخذ منه البردة، والقضيب، والخاتم، ووجه مع عبد الله بن طاهر، ومنع المستعين من الخروج إلى مكة، فاختار المقام بالبصرة، فقيل له: إن البصرة وبية، فقال: هي أوبأ أوترك الخلافة! ولست خلون من المحرم دخل بغداد أكثر من مائتي سفينة فيها صنوف التجارات وغمن كثير.
وفيها سير المستعين إلى واسط، واستوزر المعتز أحمد بن أبي إسرائيل، وخلع عليه، ورجع أبوأحمد إلى سامرا لاثنتي عشرة خلت من المحرم، فقال بعض الشعراء في خلع المستعين:
خلع الخليفة أحمد بن محمد ... وسيقتل التالي له أويخلع
ويزول ملك بني أبيه ولا يرى ... أحد تملك منهم يستمتع
إيهاً بني العباس إن سبيلكم ... في قتل أعبدكم سبيل مهيع
رقعتم دنياكم فتمزقت ... بكم الحياة تمزقاً لا يرقع
وقال الشعراء في خلعه كالبحتري، ومحمد بن مروان بن أبي الجنوب وغيرهما فأكثروا.
وفيها لسبع بقين من المحرم انصرف أبوالساج ديوداد بن ديودست إلى بغداد، فقلده محمد ين عبد الله معاون ما سقى الفرات من السواد، فسير نوابه إليها لطرد الأتراك والمغاربة عنهأن ثم سار أبوالساج إلى الكوفة.
ذكر حال وصيف وبغاوفيها كتب المعتز إلى محمد بن عبد الله في إسقاط اسم وصيف وبغا ومن معهما من الدواوين؛ وكان محمد بن أبي عون، وهوأحد قواد محمد بن عبد الله، قد وعد أبا أحمد أن يقتل بغا ووصيفأن فعقد له المعتز على اليمامة، والبحرين، والبصرة، فكتب قوم من أصحاب بغا ووصيف إليهما بذلك، وحذروهما محمد بن عبد الله، فركبا إلى محمد، وعرفاه ما ضمنه ابن أبي عون من قتلهمأن وقال بغا: إن القوم قد غدروأن وخالفوا ما فارقونا عليه، والله لوأرادوا أن يقتلونا ما قدروا عليه.
فكفه وصيف وقال: نحن نقعد في بيوتنا حتى يجيء من يقتلنا! ورجعا إلى منازلهما وجمعا جندهما ووجه وصيف أخته سعاد إلى المؤيد، وكان في حجرهأن فكلم المؤيد المعتز في الرضاء عنه، فرضي عن وصيف، وكتب إليه بذلك؛ وتلكم أبوأحمد بن المتوكل في بغأن فكتب إليه بالرضاء عنه، وهما ببغداد، ثم تكلم الأتراك إحضارهما إلى سامرأن فكتب إليهما بذلك، وكتب إلى محمد بن عبد الله ليمنعهما من ذلك، فأتاهما كتاب إحضارهمأن فأرسلاه إلى محمد بن عبد الله يستأذنانه، وخرج وصيف وبغا وفرسانهما وأولادهما في نحوأربع مائة إنسان، وخلفا الثقل والعيال، فوجه ابن طاهر إلى باب الشماسية من يمنعهم، فمضوا إلى باب خراسان، وخرجوا منه، ووصلا سامرأن ورجعا إلى منزلهما من الخدمة، وخلع عليهمأن وعقد لهما على أعمالهمأن ورد البريد إلى موسى بن بغا الكبير.
ذكر الفتنة بين جند بغداد ومحمد بن عبد اللهوفي هذه السنة كانت وقعة بين جند بغداد وأصحاب محمد بن عبد الله بن طاهر.
وكان سبب ذلك أن الشاكرية وأصحاب الفروض اجتمعوا إلى دار محمد يطلبون أرزاقهم في رمضان، فقال لهم: إني كتبت إلى أمير المؤمنين في إطلاق أرزاقكم، فكتب في الجواب: إن كنت تريد الجند لنفسك فأعطهم أرزاقهم، وإن كنت تريدهم لنا فلا حاجة لنا فيهم؛ فشغبوا عليه، واخرج لهم ألفي دينار، ففرقت فيهم، فسكتوا.
ثم اجتمعوا في رمضان أيضاً، ومعهم الأعلام والطبول، وضربوا الخيام على باب حرب، وعلى باب الشماسية وغيرهمأن وبنوا بيوتاً من بواري وقصب، وباتوا ليلتهم، فلما أصبحوا كثر جمعهم، واحضر محمد أصحابه، فباتوا في داره، وشحن داره بالرجال، واجتمع إلى أولئك المشغبين خلق كثير، بباب حرب، بالسلاح والأعلام والطبول، ورئيسهم أبوالقاسم عبدون بن الموفق، وكان من نواب عبيد الله بن يحيى بن خاقان، فحثهم على طلب أرزاقهم وفائتهم.
فلما كان يوم الجمعة أرادوا أن يمنعوا الخطيب من الدعاء لمعتز، فعلم الخطيب ذلك، فاعتذر بمرض لحقه، ولم يخطب، فمضوا يريدون الجسر، فوجه إليهم ابن طاهر عدة من قواده في جماعة من الفرسان والرجال، فاقتتلوأن فقتل بينهم قتلى، ودفعوا أصحاب ابن طاهر عن الجسر؛ فلما رأى الذين بالجانب الشرقي أن أصحابهم أزالوا أصحاب ابن طاهر عن الجسر حملوا يريدون العبور إلى أصحابهم، وكان ابن طاهر قد أعد سفينة فيها شوك وقصب، فألقى فيها النار، وأرسلها إلى الجسر الأعلى فأحرقت سفنه، وقطعته، وصارت إلى الجسر الآخر، فأدركها أهل الجانب الغربي، فغرقوهأن عبر من في الجانب الشرقي إلى الغربي، ودفعوا أصحاب ابن طاهر إلى باب داره، وقتل بينهم نحوعشرة أنفس، ونهب العامة مجلس الشرط، وأخذوا منه شيئاً كثيراً من أصناف المتاع.
ولما رأى ابن طاهر أن الجند قد ظهروا على أصحابه أمر بالحوانيت التي على باب الجسر أن تحرق، فاحترق للتجار متاع كثير، فحالت النار بين الفريقين، ورجع الجند إلى معسكرهم بباب حرب، وجمع ابن طاهر عامة أصحابه، وعبأهم تعبئة الحرب خوفاً من رجعة الجند، فلم يمن لهم عودة. فأتاه في بعض الأيام رجلان من الجند، فدلاه على عورة القوم، فأمر لهما بمائتي دينار، وأمر الشاه بن ميكال وغيره من القواد في جماعة بالمسير إليهم، فسار إلى تلك الناحية، وكان أبوالقاسم، وابن الخليل، وهما المقدمان على الجند، قد خافا مضي ذينك الرجلين، وقد تفرق الناس عنهمأن فسار كل واحد منهما إلى ناحية؛ وأما ابن الخليل فإنه لقي الشاه بن ميكال ومن معه، فصاح بهم، وصاح ه أصحاب محمد، وصار في وسطهم، فقتل؛ وأما أبوالقاسم فإنه اختفى، فدل عليه فأخذ وحمل إلى ابن طاهر، وتفرق الجند من باب حرب، ورجعوا منازلهم، وقيد أبوالقاسم وضرب ضرباً مبرحأن فمات منه في رمضان.
ذكر خلع المؤيد وموتهفي رجب خلع المعتز أخاه المؤيد من ولاية العهد بعده؛ وكان سببه أن العلاء بن أحمد، عامل أرمينية، بعث إلى المؤيد بخمسة آلاف دينار ليصلح بها أمره، فبعث عيسى بن فرخانشاه إليها فأخذهأن فأعزى المؤيد الأتراك بعيسى، وخالفهم المغاربة، فبعث المعتز إلى المؤيد وأبي احمد، فأخذهما وحبسهمأن وقيد المؤيد، وأدر العطاء للأتراك والمغاربة.
وقيل إنه ضربه أربعين مقرعة، وخلعه بسامرأن وأخذ خطه بخلع نفسه، وكانت وفاته أيضاً في رجب لثمان بقين من الشهر.
وكان سبب موته أن امرأة من نساء الأتراك أعلمت محمد بن راشد أن الأتراك يريدون إخراج المؤيد من الحبس، فأنهى ذلك إلى المعتز، فذكر موسى ابن بغا عنه فقال: ما أرادوه، إمنا أرادوا أن يخرجوا أبا أحمد بن المتوكل لأنسهم به وكان في الحرب التي كانت؛ فلما كان من الغد دعا بالقضاة والفقهاء والوجوه، فأخرج المؤيد إليهم ميتاً لا أثر به، ولا جرح، وحمل إلى أمه، ومعه كفنه، وأمرت بدفنه، فقيل إنه أدرج في لحاف سمور ومسك طرفاه حتى مات؛ وقيل إنه أقعد في الثلج، وجعل على رأسه منه كثير، فجمد برداً؛ ولما مات المؤيد نقل أخوه أبوأحمد إلى محبسه، وكانا لأب وأم.
ذكر قتل المستعينولما أراد قتل المستعين أحمد بن محمد بن المعتصم، كتب إلى محمد ابن عبد الله يأمره بتسليم المستعين إلى سيما الخادم، فكتب محمد إلى الموكلين بالمستعين بواسط في تسليمه إليه، وأرسل أحمد بن طولون في تسليمه، فأخذه أحمد وسار به إلى القاطول، فسلمه إلى سعيد بن صالح، فأدخله سعيد منزله، وضربه حتى مات.
وقيل: بل جعل في رجله حجراً وألقاه في دجلة، وقيل: كان قد حمل معه داية له تعادله، فلما أخذه سعيد ضربه بالسيف، فصاح، وصاحت دايته، ثم قتل وقتلت المرأة معه، وحمل رأسه إلى المعتز، وهويلعب بالشطرنج، فقيل: هذا رأس المخلوع! فقال: ضعوه حتى أفرغ من الدستّ فلما فرغ نظر إليه، وأمر بدفنه، وأمر لسعيد بخمسين ألف درهم، وولاه معونة البصرة.
ذكر الفتنة بين الأتراك والمغاربةوفي هذه السنة مستهل رجب كانت الفتنة بين الأتراك والمغاربة.
وسببها أن الأتراك وثبوا بعيسى بن فرخانشاه، فضربوه، واخذوا دابته، واجتمعت المغاربة مع محمد بن راشد، ونصر بن سعد، وغلبوا الأتراك على الجوسق، وأخرجوهم منه، وقالوا لهم: كل يوم تقتلون خليفة، وتخلعون آخر، وتعملون وزيراً.
وصار الجوسق وبيت المال في أيدي المغاربة، وأخذوا الدواب التي كان تركها الأتراك، فاجتمع الأتراك وأرسلوا إلى من بالكرخ والدور منهم، فاجتمعوا وتلاقوا هم والمغاربة، وأعان الغوغاء والشاكرية المغاربة، فضعف الأتراك وانقادوأن فأصلح جعفر بن عبد الواحد بينهم؛ على أن يحدثوا شيئأن وكل موضع يكون فيه رجل من الفريقين يكون فيه رجل من الفريق الآخر؛ فمكثوا مديدة، ثم اجتمع الأتراك وقالوا: نطلب هذين الرأسين، فإن ظفرنا بهما فلا أحد ينطق. فبلغ الخبر باجتماع الأتراك إلى محمد بن راشد ونصر بن سعد، فخرجا إلى منزل محمد بن غرون ليكونا عنده حتى يسكن الأتراك ثم يرجعا إلى جمعهمأن فغمز بهما إلى الأتراك، فأخذوهما فقتلوهمأن فبلغ ذلك المعتز، فأراد قتل ابن غرون، فكلم فيه فنفاه إلى بغداد.
ذكر خروج مساور بالبوازيجفي هذه السنة في رجب خرج مساور بن عبد الحميد بن مساور الشاري البجلي الموصلي بالبوازيج، وإلى جده ينسب فندق مساور بالموصل.
وكان سبب خروجه أن شرطة الموصل، وكان يتولاها لبني عمران، وأمراء الموصل، لزموا إنساناً اسمه حسين بن بكير، فأخذ ابناً لمساور هذا اسمه حوثرة، فحبسه بالحديثة، وكان حوثرة جميلأن فكان حسين هذا يخرجه من الحبس ليلاً ويحضره عنده، ويرده إلى الحبس نهارأن فكتب حوثرة إلى أبيه مساور، وهوبالبوازيج، يقول له: أنا بالنهار محبوس وبالليل عروس، فغضب لذلك، وقلق، وخرج، وبايعه جماعة، وقصد الحديثة، فاختفى حسين بن بكير، وأخرج مساور ابنه حوثرة من الحبس، وكثر جمعه من الأكراد والأعراب، وسار إلى الموصل فنزل بالجانب الشرقي.
وكان الوالي عليها عقبة بن محمد بن جعفر بن محمد بن الأشعث بن أهبان الخزاعي، وأهبان يقال إنه مكلم الذئب، وله صحبة، فوافقه عقبة من الجانب الغربي، فعبر دجلة رجلان ن أهل الموصل إلى مساور، فقاتلأن فقتلا وعاد مساور، وكره القتال؛ وكان حوثرة بن مساور معهم فسمع يقول:
أنا الغلام البجلي الشاري ... أخرجني جوركم من داري
ذكر عدة حوادثفي هذه السنة حمل محمد بن علي بن خلف العطار، وجماعة من الطالبيين، إلى سامرأن فيهم: أبوأحمد محمد بن جعفر بن الحسن بن جعفر بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، وأبوهاشم داود بن القاسم الجعفري في شعبان.
وكان سبب ذلك أن رجلاً من الطالبيين سار من بغداد في جماعة من الشاكرية إلى ناحية الكوفة، وكانت من أعمال أبي الساج، وكان مقيماً ببغداد، فأمر محمد بن عبد الله بالمسير إلى الكوفة، فقدم بين يديه خليفته عبد الرحمن إلى الكوفة، فلما صار إليها رمي بالحجارة، وظنوه جاء لحرب العلوي، فقال: لست بعامل، إمنا أنا رجل وجهت لحرب الأعراب؛ فكفوا عنه.
وكان أبوأحمد الطالبي المذكور قد ولاه المعتز الكوفة، بعدما هزم مزاحم ابن خاقان العلوي الذي كان وجه لقتاله بهأن وقد تقدم ذكره، فعاث أبوأحمد فيهأن وآذى الناس، وأخذ أموالهم وضياعهم، فلما أقام عبد الرحمن بالكوفة لاطفه واستماله، حتى خالطه أبوأحمد، وآكله وشاربه، حتى سار به ثم خرج متنزها إلى بستان، فأمسى وقد عبأ له عبد الرحمن أصحابه، فقيده وسيره إلى بغداد في ربيع الآخر، ووجدت مع ابن أخ لمحمد بن علي بن خلف العطار كتب من الحسن بن زيد، فكتب بخبره إلى المعتز، فكتب إلى محمد بن عبد الله حمله وحمل الطالبيين المذكورين إلى سامرأن فحملوا جميعاً.
وفيها ولي الحسين بن أبي الشوارب قضاء القضاة.
وفيها توجه أوالساج إلى طريق خراسان من قبل محمد بن عبد الله.
وفيها عقد لعيسى بن الشيخ على الرملة وأوفد خليفته أبا المغرا إليهأن وعيسى هذا شيباني، وهوعيسى بن الشيخ بن السليل، من ولد جساس بن مرة بن ذهل بن شيبان، واستولى على فلسطين جميعهأن فلما كان من الأتراك بالعراق ما ذكرناه تغلب على دمشق وأعمالهأن وقطع ما كان يحمل من الشام إلى الخليفة، واستبد بالأموال.
وفيها كتب وصيف إلى عبد العزيز بن أبي دلف العجلي بتوليته الجبل، وبعث إليه بخلع، فتولى ذلك من قبله.
وفيها قتل محمد بن عمروالشاري بديار ربيعة، قتله خليفة لأيوب بن أحمد في ذي القعدة.
وفيها أغار جستان صاحب الديلم مع أحمد بن عيسى بن أحمد العلوي، والحسين بن أحمد الكوكبي، على الري فقتلوا وسبوأن وكان بها عبد الله بن عزيز، فهرب منهأن فصالحهم أهل الري على ألفي ألف درهم، فارتحلوا عنهأن وعاد ابن عزيز فأخذ أحمد بن عيسى وبعث به إلى نيسابور.
وفيها مات إسماعيل بن يوسف الطالبي الذي كان فعل بمكة ما فعل.
وفيها حج بالناس محمد بن أحمد بن عيسى بن المنصور.
وفيها سير محمد بن عبد الرحمن صاحب الأندلس جيشاً إلى بلاد العدو، فقصدوا ألبة، والقلاع، ومدينة مانة وقتلوا من أهلها عدداً كثيرأن ثم قفل الجيش سالمين.
وفيها توفي محمد بن بشار بندار، وأبوموسى محمد بن المثنى الزمن البصريان، وهما مشايخ البخاري، ومسلم، في الصحيح، وكان مولد بندار سنة سبع وستين ومائة.
حوادث سنة ثلاث وخمسين ومائتين
ذكر أخذ كرج من ابن أبي دلففيها عقد المعتز لموسى بن بغا الكبير في رجب على الجبل، فسار على مقدمته مفلح، فلقيه عبد العزيز بن أبي دلف خارج همذان، فتحاربأن وكان مع عبد العزيز أكثر من عشرين ألفاً من الصعاليك وغيرهم، فانهزم عبد العزيز وقتل أصحابه.
فلما كان في رمضان سار مفلح نحوكرج، وجعل له كمينين، ووجه عبد العزيز عسكراً فيه أربعة آلاف، فقاتلهم مفلح، وخرج الكمينان على أصحاب عبد العزيز، فانهزموأن وقتلوأن وأسروأن وأقبل عبد العزيز ليعين أصحابه، فانهزم بانهزامهم، وترك كرج، ومضى إلى قلعة له يقال لها زر، فتحصن بهأن ودخل مفلح كرج فأخذ أهل عبد العزيز وفيهم والدته.
ذكر قتل وصيفوفيها قتل وصيف؛ وكان سبب قتله أن الأتراك والفراعنة والأشروسنية شغبوأن وطلبوا أرزاقهم لأربعة أشهر، فخرج إليهم بغا ووصيف وسيمأن فكلمهم وصيف فقال لهم: خذوا التراب، ليس عندنا مال. قال بغا: نعم! نسأل أمير المؤمنين ونتناظر في دار أشناس. فدخلوا دار أشناس.
ومضى سيما وبغا إلى المعتز، وبقي وصيف في أيديهم، فوثب عليه بعضهم فضربه بالسيف، ووجأه آخر بسكين، ثم ضربوه بالطبرزينات حتى قتلوه، وأخذوا رأسه ونصبوه على محراك تنور؛ وجعل المعتز ما كان إلى وصيف إلى بغا الشرابي، وهوبغا الصغير، وألبسه التاج الوشاحين.
ذكر قتل بندار الطبري
وفيها قتل بندار الطبري، وكان سب قتله أن مساور بن عبد الحميد الموصلي الخارجي لما خرج بالبوازيج، كما ذكرنأن وكان طريق خراسان إلى بندار، ومظفر بن سيسل، وكانا بالدسكرة، أتى الخبر إلى بندار بمسير مساور إلى كرخ جدان، فقال المظفر في المسير إليه؛ فقال للمظفر: قد أمسينأن وغداً العيد، فإذا قضينا العيد سرنا إليه. فسار ندار طمعاً في أن يكون الظفر له، فسار ليلأن حتى أشرف على عسكر مساور، فأشار عليه بعض أصحابه أن يبيتهم، فأبى وقال: حتى أراهم ويروني، فأحس به الخوارج، فركبوأن واقتتلوا.
وكان مع بندار ثلاثمائة فارس، ومع الخوارج سبع مائة، فاشتد القتال بينهم، وحمل الخوارج حملة اقتطعوا من أصحاب بندار أكثر من مائة، فصبروا لهم، وقاتلوهم، حتى قتلوا جميعأن فانهزم بندار وأصحابه، وجعل الخوارج يقطعونهم قطعة بعد قطعة، فقتلوهم. وأمعن بندار في الهرب، فطلبوه، فلحقوه، فقتلوه، ونصبوا رأسه ونجا من أصحابه نحومن خمسين رجلاً وقتل مائة. وأتى الخبر إلى المظفر، فرحل نحوبغداد، وسار مساور نحوحلوان، فقاتله أهلهأن فقتل منهم أربع مائة إنسان، وقتلوا من أصحابه جماعة، وقتل عدة من حجاج خراسان كانوا بحلوان، وأعانوا أهلهأن ثم انصرفوا عنه. وقال ابن مساور في ذلك:
فجعت العراق بندارها ... وحزت البلاد بأقطارها
وحلوان صبحتها غارة ... فقبلت أغرار غرارها
وعقبة بالموصل أحجرته ... وطوقته الذل في كارها
ذكر موت محمد بن عبد الله بن طاهروفي ليلة أربع عشرة من ذي الحجة انخسف القمر جميعه؛ ومع انتهاء خسوفه مات محمد بن عبد الله بن طاهر بن الحسين، وكانت علته التي مات بها قروحاً أصابته في حلقه ورأسه فذبحته، وكانت تدخل فيها الفتايل.
ولما اشتد مرضه كتب إلى عماله وأصحابه بتفويض ما إليه من الولاية إلى أخيه عبيد الله بن طاهر، فلما مات تنازع ابنه وأخوه عبيد الله الصلاة عليه، فصلى عليه ابنه، وتنازع عبيد الله وأصحاب طاهر، حتى سلوا السيوف، ورموا بالحجارة، ومالت العامة مع أصحاب طاهر، وعبر عبيد الله إلى داره بالجانب الشرقي، فعبر معه القواد لاستخلاف محمد، فكان أوصاه على أعماله، ثم وه المعتز بعد ذلك الخلع إلى عبيد الله، فأمر عبيد الله للذي أتاه بالخلع بخمسين ألف درهم.
ذكر الفتنة بأعمال الموصلي هذه السنة كانت حرب بين سليمان بن عمران الأزدي وبين عنزة.
وسببها أن سليمان اشترى ناحية من المرج، فطلب منه إنسان من عنزة اسمه برهونة الشفعة، فلم يجبه إليهأن فسار برهونة إلى عنزة، وهم بين الزابين، فاستجار بهم وببني شيبان، واجتمع معه جمع كثير، ونهبوا الأعمال فأسرفوا.
وجمع سليمان لهم بالموصل، وسار إليهم، فعبر الزاب، وكانت بينهم حرب شديدة، وقتل فيها كثير، وكان الظفر لسليمان، فقتل منهم بباب شمعون مقتلة عظيمة، وأدخل من رؤوسهم إلى الموصل أكثر من مائتي رأس، فقال حفص بن عمروالباهلي قصيدة يذكر فيها الوقعة أولها:
شهدت مواقفنا نزار فأحمدت ... كرات كل سميدع قمقمام
جاؤوا وجئنا لا نفيتم صلنا ... ضرباً يطيح جماجم الأجسام
وهي طويلة.
وفيها كان أيضاً بأعمال الموصل فتنة وحرب قتل فيها الحباب بن بكير التليدي؛ وسبب ذلك أن محمد بن عبد الله بن السيد بن أنس التليدي الأزدي كان اشترى قريتين كان رهنهما محمد بن علي التليدي عنده، وكره صاحبهما أن يشتريهمأن فشكا ذلك إلى الحباب بن بكير، فقال الحباب له: ائتني بكتاب من بغا لأمنع عنهما؛ وأعطاه دواب ونفقة، وانحدر إلى سر من رأى، وأحضر كتاباً من بغا إلى الحباب يأمره بكف يد محمد بن عبد الله بن السيد عن القريتين، ففعل ذلك، وأرسل إليهما من منع محمدأن فجرت بينهم مراسلات واصطلحوا.
فبيمنا محمد بن عبد الله بن السيد والحباب بالبستان على شراب لهمأن ومعهما قينة، قال لها الحباب غني بهذا الشعر:
متى تجمع القلب الزكي وصارماً ... وأنفاً حمياً تجتنبك المظالم
كذبتم وبيت الله لا تأخذونها ... مراغمة ما دام للسيف قائم
ولا صلح حتى تقرع البيض بالقنا ... ويضرب بالبيض الخفاف الجماجم
وافترقا وقد حقد كل واحد منهما على صاحبه، وأعاد الحباب التوكيل بالقريتين، فجمع محمد جمعأن وترددت الرسل في الصلح، وأجابا إلى ذلك، وفرق محمد جمعه، فأبلغ محمد أن الحباب قال: لوكان مع محمد أربعة لما أجاب إلى الصلح، فغضب لذلك، وجمع جمعاً كثيرأن وسار مبادراً إلى الحباب، فخرج إليه الحباب غير مستعد، فاقتتلوا فقتل الحباب ومعه ابن له وجمع من أصحابه، وكان ذلك في ذي القعدة من هذه السنة.
ذكر عدة حوادثفيها نفي أبو أحمد بن المتوكل إلى البصرة، ثم رد إلى بغداد، فانزل في الجانب الشرقي بقصر دينار، ونفي أيضاً علي بن المعتصم إلى واسط، ثم رد إلى بغداد. وفيها مات مزاحم بن خاقان بمصر في ذي الحجة؛ وحج بالناس عبد الله ابن محمد بن سليمان الزينبي. وفيها غزا محمد بن معاذ من ناحية ملطية، فانهزم وأسر.
وفيها التقى موسى بن بغا والكوكبي العلوي عند قزوين، فانهزم الكوكبي ولحق بالديلم، وكان سبب الهزيمة أنهم اصطفوا لقتال جعل أصحاب الكوكبي تروسهم في وجوههم، فيتقون بها سهام أصحاب موسى، فلما رأى موسى أن سهام أصحابه لا تصل إليهم مع فعلهم، أمر بما معه من النفط أن يصب في الأرض، ثم أمر أصحابه بالاستطراد لهم، ففعلوا ذلك، فظن الكوكبي وأصحابه أنهم قد انهزموأن فتبعهم، فلما توسطوا النفط أمر موسى بالنار فألقيت فيه، فالتهب من تحت أقدامهم، فجعلت تحرقهم، فانهزموأن فتبعهم موسى، ودخل قزوين.
وفيها في ذي الحجة لقي مساور الخارجي عسكراً لخليفة مقدمهم حطرمس بناحية جلولاء، فهزمه مساور.
وفيها سار جيش المسلمين من الأندلس إلى بلاد المشركين، فافتتحوا حصون جرنيق، وحاصروا فوتب وغلب على اكثر أسوارها.
ذكر ابتداء دولة يعقوب الصفار وملكه هراة وبوشنجوكان يعقوب بن الليث وأخوه عمرويعملان الصفر بسجستان، ويظهران الزهد والتقشف. وكان في أيامهما رجل من أهل سجستان يظهر التطوع بقتال الخوارج، يقال له: صالح المطوعي، فصحبه يعقوب، وقاتل معه، فحظي عنده، فجعله صالح مقام الخليفة عنه، ثم هلك صالح، وقام مقامه إنسان آخر اسمه درهم، فصار يعقوب مع درهم كما كان مع صالح قبله.
ثم إن صاحب خراسان احتال لدرهم لما عظم شأنه وكثر أتباعه، حتى ظفر به وحمله إلى بغداد فحبسه بهأن ثم أطلق، وخدم الخليفة بغداد.
وعظم أمر يعقوب بعد اخذ درهم، وصار متولي أمر المتطوعة مكان درهم، وقام بحاربة الشراة، فظفر بهم، وأكثر القتل فيهم، حتى كاد يفنيهم، وخرب قراهم، وأطاعه أصحابه بمكره، وحسن حاله، ورأيه، طاعة لم يطيعوها أحداً كان قبله، واشتدت شوكته، فغلب على سجستان، وأظهر التمسك بطاعة الخليفة، وكاتبه، وصدر عن أمره، وأظهر أنه هوأمره بقتال أتباعه، فخرج عن حد طلب الشراة، وصار يتناول أصحاب أمير خراسان للخليفة.
ثم سار من سجستان إلى هراة، من خراسان، هذه السنة، ليملكهأن وكان أمير خراسان محمد بن طاهر بن عبد الله بن طاهر بن الحسين، وعامله على هراة محمد بن أوس الأنباري، فخرج منها لمحاربة يعقوب في تعبئة حسنة، وبأس شديد، وزي جميل، فتحاربا واقتتلا قتالاً شديدأن فانهزم ابن أوس، وملك يعقوب هراة وبوشنج، وصارت المدينتان في يده، فعظم أمره حينئذ، وهابه أمير خراسان وغيره من أصحاب الأطراف.
حوادث سنة أربع وخمسين ومائتين
ذكر مقتل بغا الشرابيوفيها قتل بغا الشرابي؛ وكان سبب قتله أنه كان يحرض المعتز على المسير إلى بغداد، والمعتز يأبى ذلك ويكرهه، فاتفق أن بغا اشتغل بتزويج ابنته من صالح بن وصيف، فركب المعتز ومعه أحمد بن إسرائيل إلى كرخ سامرأن إلى بابكيال التركي ومن معه من المنحرفين عن بغا.
وكان سبب انحرافه عنه أنهما كانا على شراب لهمأن فعربد أحدهما على الآخر، فاختفى بابكيال من بغأن فلما أتاه المعتز اجتمع معه أهل الكرخ وأهل الدور ثم أقبلوا مع المعتز إلى الجوسق بسامرأن وبلغ ذلك بغأن فخرج في غلمانه وهم زهاء خمس مائة إنسان من ولده وقواده، فسار إلى السن، فشكا أصحابه بعضهم إلى بعض ما هم فيه من العسف، وأنهم خرجوا بغير مضارب ولا ما يلبسونه في البرد، وأنهم في شتاء، فأتاه بعض أصحابه وأخبره بقولهم، فقال: دعني حتى أنظر الليلة.
فلما جن عليه الليل ركب في زورق، ومعه خادمان، وشيء من المال الذي صحبه، وكان قد صحه تسع عشرة بدرة دنانير، ومائة بدرة دراهم، ولم يحمل معه سلاحأن ولا سكينأن ولا شيئأن ولم يعلم به أحد من عسكره.
وكان المعتز في غيبة بغأن لا ينام إلا في ثيابه وعليه السلاح، فسار بغا إلى الجسر في الثلث الأول من الليل، فبعث الموكلون بالجسر ينظرون من هو، فصاح بالغلام فرجع، وخرج بغا في البستان الخاقاني، فلحقه عدة من الموكلين، فوقف لهم بغا وقال: أنا بغأن إما أن تذهبوا معي إلى صالح بن وصيف، وإما أن تصيروا معي حتى أحسن إليكم. فتوكل به بعضهم، وأرسلوا إلى المعتز بالخبر، فأمر بقتله، فقتل، وحمل رأسه إلى المعتز، ونصب بسامرأن وبغداد، وأحرقت المغاربة جسده، وكان أراد أن يختفي عند صالح بن وصيف، فإذا اشتغل الناس بالعيد، وكان قد قرب، وخرج هووصالح ووثبوا بالمعتز.
ذكر ابتداء حال أحمد بن طولونكانت ديار مصر قد أقطعها بابكيال، وهومن أكابر قواد الأتراك، وكان مقيماً بالحضرة، واستخلف بها من ينوب عنه بها.
وكان طولون والد أحمد بن طولون أيضاً من الأتراك، وقد نشأ هو، بعد والده، على طريقة مستقيمة، وسيرة حسنة، فالتمس بابكيال من يستخلفه بمصير، فأشير عليه بأحمد بن طولون، لما ظهر عنه من حسن السيرة، فولاه وسيره إليها.
وكان بها ابن المدبر على الخراج، وقد تحكم في البلد، فلما قدمها أحمد كف يد ابن المدبر، واستولى على البلد؛ وكان بابكيال قد استعمل أحمد بن طولون على مصر وحدها سوى باقي الأعمال كالإسكندرية وغيرهأن فلما قتل المهدي بابكيال وصارت مصر لياركوج التركي، وكان بينه وبين أحمد ابن طولون مودة متأكدة استعمله على ديار مصر جميعها، فقوي أمره، وعلا شأنه ودامت أيامه، ( ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذوالفضل العظيم) الحديد: 21.
ذكر وقعة بين مساور الخارجي وبين عسكر الموصلكان مساور بن عبد الحميد قد استولى على اكثر أعمال الموصل وقوي أمره، فجمع له الحسن بن أيوب بن أمد بن عمر بن الخطاب العدوي التغلبي، وكان خليفة أبيه بالموصل، عسكراً كثيراً منهم حمدان بن حمدون، جد الأمراء الحمدانية، وغيره، وسار إلى مساور وعبر إليه نهر الزاب، فتأخر عنه مساور عن موضعه، ونزل بموضع يقال له وادي الذيات، وهوواد عميق، فسار الحسن في طلبه، فالتقوا في جمادى الأولى، واقتتلوأن واشتد القتال، فانهزم عسكر الموصل، وكثر القتل فيهم، وسقط كثير منهم في الوادي فهلك فيه أكثر من القتلى، ونجا الحسن فوصل إلى حزة من أعمال إربل اليوم، ونجا محمد بن علي بن السيد، فظن الخوارج أنه الحسن فتبعوه، وكان فارساً شجاعأن فقاتلهم، فقتل، واشتد أمر مساور وعظم شأنه وخافه الناس.
ذكر عدة حوادثفي هذه السنة توفي أبوأحمد بن الرشيد، وهوعم الواثق والمتوكل، وعم أبي المنتصر والمستعين والمعتز، وكان معه من الخلفاء إخوته الأمين، والمأمون، والمعتصم، وابنا أخيه الواثق والمتوكل ابنا المعصتم، وأبناء ابني أخيه، وهم المنتصر، والمستعين، والمعتز.
وفيها في جمادى الآخرة توفي علي بن محمد بن علي بن موسى بن جعفر ابن محمد بن علي بن الحسين بن علي أبي طالب، عليه السلام، بسامرأن وهوأحد من يعتقد الإمامية إمامته، وصلى عليه أبوأحمد بن المتوكل، وكان مولده سنة اثنتي عشرة ومائتين.
وفيها عقد صالح بن وصيف لديوداد على ديار مصر، وقنسرين والعواصم.
وفيها أوقع مفلح بأهل قم، فقتل منهم مقتلة عظيمة.
وفيها عاود أهل ماردة من بلاد الخلاف على محمد بن محمد بن عبد الرحمن، صاحب الأندلس، وسبب ذلك أنهم خالفوا قديماً على أبيه، فظفر بهم، وتفرق كثير من أهلهأن فلما كان الآن تجمع إليها من كان فارقها، فعادوا إلى الخلاف والعصيان، فسار محمد إليهم، وحصرهم، وضيق عليهم، فانقادوا إلى التسليم والطاعة، فنقلهم وأموالهم إلى قرطبة، وهدم سور ماردة، وحصن بها الموضع الذي كان يسكنه العمال دون غيرهم.
وفيها هلك أردون بن ردمير، صاحب جليقية من الأندلس، وولي مكانه أدفونش، وهوابن اثنتي عشرة سنة.
وفيها انكسف القمر كسوفاً كلياً لم يبق منه شيء ظاهر.
وفيها كان ببلاد قحط شديد، تتابع عليهم من سنة إحدى وخمسين إلى سنة خمس وخمسين، وكشف الله عنهم.
وفيها وصل دلف بن عبد العزيز بن أبي دلف العجلي إلى الأهواز، وجند يسابور، وتستر فجبى بها مائتي ألف دينار، ثم انصرف، وكان والده أمره بذلك.
وفي رمضان سار نوشرى إلى مساور الشاري، فلقيه، فهزمه، وقتل من أصحابه جماعة كثيرة.
وحج بالناس علي بن الحسين بن إسماعيل بن عباس بن محمد.
وفيها توفي أبوالوليد بن عبد الملك بن قطن النحوي القيرواني بهأن وكان إماماً في النحوواللغة، وإماماً بالعربية، قيل مات خمس وخمسين وهوأصح.
حوادث سنة خمس وخمسين ومائتين
ذكر استيلاء يعقوب بن الليث الصفار على كرمانوفيها استولى يعقوب بن الليث الصفار على كرمان؛ وسبب ذلك أن علي ابن الحسين بن شبل كان على فارس، فكتب إلى المعتز يطلب كرمان، ويذكر عجز الطاهرية، وأن يعقوب قد غلبهم على سجستان، وكان علي بن الحسين قد تباطأ بحمل خراج فارس، فكتب إليه المعتز بولاية كرمان، وكتب إلى يعقوب ابن الليث بولايتها أيضأن يلتمس إغراء كل واحد منهما بصاحبه ليسقط مؤونة الهالك عنه، وينفرد بالآخر.
وكان كل واحد منهما يظهر طاعة لا حقيقة لهأن والمعتز يعلم ذلك منهمأن فأرسل علي بن الحسين طوق بن المغلس إلى كرمان، وسار يعقوب إليهأن فسبقه طوق واستولى عليهأن وأقبل يعقوب حتى بقي بينه وبين كرمان مرحلة، فأقام بها شهرين لا يتقدم إلى طوق، ولا طوق يخرج إليه، فلما طال ذلك عليه أظهر الارتحال إلى سجستان، فارتحل مرحلتين، وبلغ طوقاً ارتحاله فظن أنه قد بدا له في حربه، وترك كرمان، فوضع آلة الحرب، وقعد للأكل والشرب والملاهي.
واتصل يعقوب إقبال طوق على الشرب، فكر راجعأن فطوى المرحلتين في يوم واحد، فلم يشعر طوق إلا بغبرة عسكره، فقال: ما هذا؟ فقيل: غبرة المواشي، فلم يكن بأسرع من موافاة يعقوب، فأحاط به وأصحابه، فذهب أصحابه يريدون المناهضة والدفع عن أنفسهم، فقال يعقوب لأصحابه: أفرجوا لقوم! فمروا هاربين، وخلوا كل ما لهم، وأسر يعقوب طوقاً.
وكان علي بن الحسين قد سير مع طوق في صناديق قيوداً ليقيد بها من يأخذه من أصحاب يعقوب، وفي صناديق أطوقه وأسورة ليعطيها أهل البلاء من أصحاب نفسه، فلما غمن يعقوب عسكرهم رأى ذلك، فقال: ما هذا ياطوق؟ فأخبره، فأخذ الاطوقة والأسورة فأعطاها أصحابه، وأخذ القيود والأغلال فقيد بها أصحاب علي! ولما أخرج يد طوق ليضع فيها الغل رآها يعقوب وعليها عصابة، فسأله عنهأن فقال: أصابتني حرارة فقصدتها. فأمر بنزع خف نفسه، فتساقط منه كسر خبز يابسة، فقال: يا طوق! هذا خفي لم أنزعه منذ شهرين من رجلي، وخبزي في خفي منه آكل، وأنت جالس في الشرب؟ ثم دخل كرمان وملكها مع سجستان.
ذكر ملك يعقوب فارسوفيهأن رابع جمادى الأولى، ملك يعقوب بن الليث فارس، ولما بلغ علي بن الحسين بن شبل بفارس ما فعله يعقوب بطوق أيقن بمجيئه إليه، وكان علي بشيراز، فجمع جيشه وسار إلى مضيق خارج شيراز، من أحد جانبيه جبل لا يسلك، ومن الجانب الآخر بهر لا يخاض، فأقام على رأس المضيق، وهوضيق ممره لا يسلكه إلا واحد بعد واحد، وهوعلى طرف البر، وقال: إن يعقوب لا يقدر على الجواز إلينا فرجع.
وأقبل يعقوب حتى دنا من ذلك المضيق فنزل على ميل منه، وسار وحده ومعه رجل آخر فنظر إلى ذلك المضيق والعسكر وأصحاب علي بن الحسين يسبونه وهوساكت، ثم رجع إلى أصحابه؛ فلما كان الغد الظهر سار بأصحابه حتى صار إلى طرف المضيق ممايلي كرمان، فأمر أصحابه بالنزول وحط الأثقال، ففعلوأن وركبوا دوابهم عريأن واخذ كلباً كان معه فألقاه في الماء، فجعل يسبح إلى جانب عسكر علي بن الحسين، وكان علي بن الحسين وأصحابه قد ركبوا ينظرون إلى فعله، ويضحكون منه.
وألقى يعقوب نفسه وأصحابه في الماء على خيلهم، وبأيديهم الرماح، يسيرون خلف الكلب، فلما رأى علي بن الحسين أن يعقوب قد قطع عامة النهر تحير في أمره، وانتقض عليه تدبيره، وخرج أصحابه يعقوب من وراء أصحاب علي، فلما خرج أوائلهم هرب أصحابه إلى مدينة شيراز، لأنهم كانوا يصيرون، إذا خرج يعقوب وأصحابه، بين جيش يعقوب والمضيق، ولا يجدون ملجأن فانهزموأن فسقط علي بن الحسين عن دابته، كبا به الفرس، فاخذ أسيرأن وأتي به إلى يعقوب، فقيده فلما أصبح نهب أصحاب دار علي ودور أصحابه، وأخذ ما في بيوت الأموال وبي الخراج ورجع إلى سجستان.
وقيل إنه جرى بين يعقوب الصفار وبين علي بن الحسين، بعد عبوره النهر، حرب شديدة، وذلك أن علياً كان قد جمع عنده جمعاً جمعاً كثيراً من الموالي والأكراد وغيرهم، بلغت عدتهم خمسة عشر ألفاً بين فارس وراجل، فعبأ أصحابه ميمنة وميسرة، وقلباً ووقف هوفي القلب وأقبل الصفار فعبر النهر، فلما صار مع علي على أرض واحدة حمل هووعسكره حملة واحدة على عسكر علي، فثبتوا لهم، ثم حمل ثانية لهم عن مواقفهم، وصدقهم في الحرب، فانهزموا على وجوههم لا يلوي أحد على أحد.
وتبعهم علي يصيح بهم، ويناشدهم الله ليرجعوأن أوليقفوأن فلم يلتفت إليه أحد وقتل الرجالة قتلاً ذريعأن وأقبل المنهزمون إلى باب شيراز مع العصر، فازدحموا في الأبواب، فتفرقوا في نواحي فارس، وبلغ بعضهم في هزيمته إلى الأهواز.
فلما رأى الصفار ما لقوا من القتل أمر بالكف عنهم، ولولا ذلك لقتلوا عن آخرهم. وكان القتل خمسة آلاف قتي، وأصاب علي بن الحسين ثلاث جراحات، ثم أخذ أسيراً لما عرفوه، ودخل الصفار إلى شيراز، وطاف بالمدينة، ونادى بالأمان فأطمأن الناس، وعذب علياً بأنواع العذاب، وأخذ من أمواله ألف بدرة، وقيل أربع مائة بدرة، ومن السلاح والأفراس، وغير ذلك ما لا يحد، وكتب إلى الخليفة بطاعته، وأهدى له هدية جليلة منها عشرة بيزان بيض، وباز أبلق صيني، ومائة من مسك وغيرها من الطرائف، وعاد إلى سجستان ومعه علي، وطوق، تحت الأستظهار، فلما فارق بلاد فارس أرسل الخليفة عمالة إليها.
ذكر خلع المعتز وموتهوفيهأن في يوم الأربعاء لثلاث، بقين من رجب، خلع المعتز، لليلتين خلتا من شعبان ظهر موته.
وكان سبب خلعه أن الأتراك لما فعلوا بالكتاب ما ذكرناه، ولم يحصل منهم مال، ساروا إلى المعتز يطلبون أرزاقهم، وقالوا: أعطنا أرزاقنا حتى نقتل صالح بن وصيف، فلم يكن عنده ما يعطيهم، فزلوا معه إلى خمسين ألف دينار، فأرسل المعتز إلى أمه يسألها أن تعطيه مالاً ليعطيهم، فأرسلت إليه: ما عندي شيء.
فلما رأى الأتراك أنهم لا يحصل لهم من المعتز شيء، ولا من أمه، وليس في بيت المال شيء، اتفقت كلمتهم، وكلمة المغاربة، والفراغنة، على خلع المعتز، فساروا إليه وصاحوأن فدخل إليه صالح، ومحمد بن بغا المعروف بأبي نصر، وبابكيال في السلاح، فجلسوا على بابه، وبعثوا إليه أن اخرج إلينأن فقال: قد شربت أمس دواء، وقد أفرط في العمل، فإن كان أمر لا بد منه فليدخل بعضكم! وهويظن أن أمره واقف على حاله، فدخل إليه جماعة منهم، فجروه برجله إلى باب الحجرة، وضربوه بالدبابيس، وخرقوا قميصه، وأقاموه في الشمس في الدار فكان برفع رجلاً ويضع أخرى لشدة الحر، وكان بعضهم يلطمه وهويتقي بيده، وأدخلوه حجرة، وأحضروا ابن أبي الشوارب وجماعة أشهدوهم على خلعه، وشهدوا على صالح بن وصيف أن للمعتز وأمه وولده وأخته الأمان.
وكانت أمه قد اتخذت في دارها سربأن فخرجت منه هي وأخت المعتز، وكانوا أخذوا عليها الطريق، ومنعوا أحداً يجوز إليهأن وسلموا المعتز إلى من يعذبه، فمنعه الطعام والشراب ثلاثة أيام، فطلب حسوة من ماء البئر، فمنعوه، ثم أدخلوه سردابأن وجصصوا عليه فمات، فلما مات اشهدوا على موته بني هاشم والقواد، وأنه لا أثر فيه، ودفنوه مع المنتصر.
وكانت خلافته من لدن بويع إلى أن خلع أربع سنين وستة أشهر وثلاثة وعشرين يوماً، وكان عمره كله أربعاً وعشرين سنة؛ وكان أبيض، أسود الشعر، كثيفه، حسن العينين والوجه، أحمر الوجنتين، حسن الجسم طويلاً؛ وكان مولده بسر من رأى، وكان فصيحأن فمن كلامه لما سار المستعين إلى بغداد، وقد أحضر جماعة للرأي، فقال لهم: أما تنظرون إلى هذه العصابة التي ذاع نفاقها؟ الهمج، العصاة، الأوغاد الذين لا مسكة بهم، ولا اختيار لهم، ولا تمييز معهم، قد زين لهم تقم الخطأ سوء أعمالهم، فهم الأقلون وإن كثروأن والمذمومون إذا ذكروأن وقد علمت أنه لا يصلح لقود الجيوش، وسد الثقور، وإبرام الأمور، وتدبير الأقاليم، إلا رجل قد تكاملت فيه خصال أربع: حزم يتقي به عند موارد الأمور حقائق مصادرهأن وعلم يحجزه عن التهور والتعزير في الأشياء إلا مع إمكان فرصتهأن وشجاعة لا تفضها الملمات مع تواتر حوائجهأن وجود يهون تبذير الأموال عند سؤالهأن وسرعة مكافأة الإحسان، إلى صالح الأعوان، وثقل الوطأة على أهل الزيغ والعدوان، والاستعداد لحوادث إذ لا تؤمن حوادث الزمان.
وأما الاثنتان فإسقاط الحجاب عن الرعية، والحكم بين القوي والضعيف بالسوية.
وأما الواحد فالتيقظ للأمور، وقد اخترت لهم رجلاً من موالي أحدهم شديد الشكيمة، ماضي العزيمة، لا تبطره السراء، ولا تدهشه الضراء، ولا يهاب ما وراءه، ولا يهوله ما يلقاه، فهوكالحريش في أصل الإسلام إن حرك حمل، وإن نهش قتل؛ عدته عتيدة، ونعمته شديدة، يلقى الجيش في النفر القليل العديد، بقلب أشد من الحديد؛ طالب للثأر لا تفله العساكر، باسل البأس، ومقتضب الأنفاس، لا يعوزه ما طلب، ولا يفوته من هرب؛ واري الزناد مضطلع العماد، لا تشرهه الرغائب، ولا تعجزه النوائب، وإن ولي كفى، وإن قال وفى؛ وإن نازل فبطل، وإن قال فعل؛ ظله لوليه ظليل، وبأسه في الهياج عليه دليل، يفوق من ساماه، ويعجز من ناواه، ويتعب من جاراه، وينعش من والاه.
ذكر خلافة المهتديوفي يوم الأربعاء لليلة بقيت من رجب بويع لمحمد بن الواثق، ولقب بالمهتدي بالله؛ وكان يكنى أب عبد الله، وأمه رومية، وكانت تسمى قرب، ولم يقبل بيعة أحد، فأتي بالمعتز فخلع نفسه، وأقر بالعجز عما أسند إليه، وبالرغبة في تسليمها إلى ابن الواثق، فبايعه الخاصة والعامة.
ذكر الشغب ببغدادوفي هذه السنة شغبت العامة ببغداد سلخ رجب، ووثبوا بسليمان بن عبد الله.
وكان سببه أن كتاب المهتدي ورد سلخ رجب إلى سليمان يأمره بأخذ البيعة له؛ وكان أبوأحمد بن المتوكل ببغداد، وكان المعتز قد سيره إليهأن كما تقدم، فأرسل سليمان إليه، فأخذه إلى داره.
وسمع من ببغداد من الجند والعامة بأمر المعتز، فاجتمعوا إلى باب دار سليمان، فقاتلهم أصحابه، وقيل لهم: ما يرد علينا من سامرا خبر، فانصرفوا.
ورجعوا الغد، وهويوم الجمعة، على ذلك، وخطب للمعتز ببغداد، فانصرفوأن وبكروا يوم السبت، فهجموا على دار سليمان، ونادوا باسم أبي أحمد، ودعوا إلى بيعته، وسألوا سليمان أن يريهم أبا أحمد، فأظهره لهم، ووعدهم أن يصير إلى محتهم إن تأخر عنهم ما يحبون، فانصرفوا بعد أن أكدوا عليه في حفظ أبي أحمد.
ثم أرسل إليهم من سامرا مال ففرق فيهم، فرضوأن وبايعوا للمهتدي لسبع خلون من شعبان وسكنت الفتنة.
ذكر ظهور قبيحة أم المعتزقد ذكرنا استتارها عند قتل ابنها؛ وكان السبب في هربها وظهورها أنها كانت قد واطأت النفر من الكتاب الذين أوقع بهم صالح على الفتك بصالح، فلما أوقع بهم، وعذبهم، علمت أنهم لا يكتمون عنه شيئأن فأيقنت بالهلاك، فعملت في الخلاص، وأخرجت ما في الخزائن إلى خارج الجوسق من الأموال، والجواهر، وغيرهأن فأودعته، واحتالت، فحفرت سرباً في حجرة لها إلى موضع يفوت التفتيش، فلما خرجت الحادثة على المعتز بادرت فخرجت في ذلك السرب، فلما فرغوا من المعتز طلبوها فلم يجدوهأن ورأوا السرب فخرجوا منه، فلم يقفوا على خبرهأن وبحثوا عنها فلم يظفروا بها.
ثم إنها فكرت فرأت أن ابنها قتل، وأن الذي تختفي عنده يطمع في مالها وفي نفسهأن ويتقرب بها إلى صالح، فأرسلت امرأة عطارة إلى صالح ابن وصيف، فتوسطت الحال بينهمأن وظهرت في رمضان، وكانت لها أموال ببغداد، فأحضرتهأن وهي مقدار خمسمائة ألف دينار، وظفروا لها بخزائن تحت الأرض فيها أموال كثيرة، ومن جملتها دار تحت الأرض، وجدوا فيها ألف ألف دينار وثلاثمائة ألف دينار، ووجدوأن في سفط، قدر مكوك زمرد لم ير الناس مثله؛ وفي سفط آخر مقدار مكوك من اللؤلؤ الكبار؛ وفي سفط مقدار كيلجة من الياقوت الأحمر الذي لم يوجد مثله، فحمل الجميع إلى صالح، فسبهأن وقال: عرضت ابنها للقتل في خمسين ألف دينار، وعندها هذه الأموال كلها!.
ثم سارت قبيحة إلى مكه، فسعت وهي تدعوبصوت عال على صالح ابن وصيف، وتقول: اللهم أخز صالحاً كما هتك ستري، وقتل ولدي، وشتت شملي، وأخذ مالي، وغربني عن بلدي، وركب الفاحشة مني وأقامت بمكة.
وكان المتوكل سماها قبيحة لحسنها وجمالهأن كما يسمى الأسود كافوراً. قال: وكانت أم المهتدي قد ماتت قبل استخلافه، وكانت تحت المستعين، فلما قتل جعلها المعتز في قصر الرصافة، فماتت، فلما ولي المهتدي قال: أما أنا فليس لي أم أحتاج لها غلة عشرة آلاف دينار في كل سنة لجواريهأن وخدمهأن والمتصلين بهأن وما أريد إلا القوت لنفسي وولدي، وما أريد فضلاً إلا لإخوتي، فإن الضائقة قد مستهم.
ذكر قتل أحمد بن إسرائيل وأبي نوحوفيها قتل أحمد بن إسرائيل، وكان صالح قد عذبه بعد أن أخذه وأخذ ماله، ومال الحسن بن مخلد، ثم أمر بضربه وضرب أبي نوح ضرب التلف، كل واحد منهما خمس مائة سوط، فماتا ودفنأن وبقي الحسن بن مخلد في الحبس. ولما بلغ المهتدي ضربهما قال: أما عقوبة إلا السوط والقتل، أما يكفي الحبس؟ إنا لله وإنا إليه راجعون! يكرر ذلك مراراً.
ذكر ولاية سليمان بن عبد الله بن طاهر بغداد وشغب الجند والعامة بها وفي رمضان وثب عامة بغداد وجندها بمحمد بن أوس البلخي.
وكان السبب في ذلك أن محمد بن أوس قدم من خراسان مع سليمان بن عبد الله بن طاهر على الجيش القادمين من خراسان، وعلى الصعاليك الذين معهم، ولم تكن أسماؤهم في ديوان العراق؛ وكانت العادة أن يقام لمن يقدم من خراسان بالعراق ما كان لهم بخراسان، ويكون وجه ذلك من دخل ضياع ورثة طاهر بن الحسين، ويكتب إلى خراسان ليعطي الورثة من بيت المال عوضه.
فلما سمع عبيد الله بن عبد الله بقدوم سليمان إلى العراق، ومصير الأمر إليه، أخذ ما في بيت مال الورثة، وأخذ نجوماً لم تحل، وسار، فأقام بالجويب، في شرقي دجلة، ثم انتقل إلى غربيها؛ فقدم سليمان فرأى بيت مال الورثة فارغأن فضاقت عليه الدنيأن وأعطى أصحابه من أموال جند بغداد، وتحرك الجند والشاكرية في كلب الأرزاق.
وكان الذين قدموا مع محمد بن أوس من خراسان قد اساؤوا مجاورة أهل بغداد، وجاهروا بالفاحشة، وتعرضوا للحرم والغلمان بالقهر، فامتلأوا عليهم غيظاً وحنقأن فاتفق العامة مع الجند، وثاروأن وأتوا سجن بغداد، عند باب الشام، فكسروا بابه، وأطلقوا من فيه، وجرت حرب بين القادمين مع ابن أوس وبين أهل بغداد، فعبر ابن أوس وأصحابه وأولاده إلى الجزيرة، وتصايح الناس: من أراد النهب فيلحق بنا! فقيل إنه عبر إلى الجزيرة من العامة أكثر من مائة ألف نفس، وأتاهم الجند في السلاح، فهرب ابن أوس إلى منزله، فتبعه الناس، فتحاربوا نصف نهار حرباً شديدة، وجرح ابن أوس، وانهزم هووأصحابه، وتبعه الناس حتى أخرجوهم من باب الشماسية، وانتهبوا منزله وجميع ما كان فيه، فقيل: كان قيمة ذلك ألفي ألف درهم، وأخذوا له من الأمتعة ما لا حد عليه، ونهب أهل بغداد منازل الصعاليك من أصحابه.
فأرسل سليمان بن عبد الله إلى ابن أوس يأمره بالمسير إلى خراسان، ويعلمه أنه لا طريق له إلى العود إلى بغداد، فرحل إلى النهروان، فنهب وأفسد، ثم أتى بابكيال التركي، كتب إليه ولاة طريق خراسان في ذي القعدة، وكان مساور بن عبد الحميد قد استخلف رجلاً اسمه موسى بالدسكرة ونواحيهأن في ثلاثمائة رجل، وإليه ما بين حلوان والسوس على طريق خراسان وبطن جوخى.
وفيها أمر المهتدي بإخراج القيان والمغنين من سامرأن ونفاهم عنهأن وأمر أيضاً بقتل السباع التي كانت بدار السلطان، وطرد الكلاب؛ ورد المظالم، وجلس للعامة، ولما ولي كانت الدينا كلها بالفتن منسوخة.
ذكر استيلاء مفلح على طبرستان وعوده عنهافي هذه السنة سار مفلح إلى طبرستان، فحارب الحسن بن زيد العلوي، فانهزم الحسن ولحق بالديلم، ودخل مفلح البلد، وأحرق منازل الحسن، وسار إلى الديلم في طلبه، ثم عاد عن طبرستان بعد أن دخلهأن وهزم الحسن ابن زيد العلوي، وعاد موسى بن بغا من الري.
وسبب ذلك أن قبيحة أم المعتز لما رأت اضطراب الأتراك كتبت إلى موسى تسأله القدوم عليهم، وأملت أن يصل قبل أن يفرط في ولدها فارط، فعزم موسى على الانصراف، وكتب إلى مفلح يأمره بالانصراف عن طبرستان إليه بالري، فورد كتابه إلى مفلح وهوقد توجه إلى أرض الديلم في طلب الحسن بن زيد العلوي، فلما أتاه الكتاب رجع، فأتاه من كان هرب من الحسن من أهل طبرستان، ورجوا العود إلى بيوتهم، وقالوا له: ما سبب عودك؟ فأخبرهم بكتاب الأمير إليه بعزم عليه، ولم يتهيأ لموسى المسير عن الري حتى أتاه خبر المعتز والبيعة للمعتدي، فبايعوا المهتدي.
ثم إن الموالي الذين مع موسى بلغهم ما أخذ صالح بن وصيف من أموال الكتاب وأسلاب المعتز، فحسدوا المقيمين بسامرأن فدعوا موسى بن بغا بالانصراف، وقدم عليهم مفلح وهوبالري فسار نحوسامرأن فكتب إليه المهتدي يأمره بالعود إلى الري ولزوم ذلك الثغر، فلم يفعل، فأرسل إليه رجلين من بني هاشم يعرفانه ضيق الأموال عنده، ويحذرانه غلبة العلويين على ما يجعله خلفه، لم يسمع ذلك.
وكان صالح بن وصيف يعظم على المهتدي انصرافه، وينسبه إلى المعصية والخلاف، ويتبرأ إلى المهتدي من فعله، ولما أتى الرسل موسى ضج الموالي، وكادوا أن يثبتوا بالرسل، ورد موسى الجواب يعتذر بتخلف من معه عن الرجوع إلى قوله دون ورود باب أمير المؤمنين، ويحتج بما عاين الرسل، وأنه إن تخلف عنهم قتلوه، وسير مع الرسل جماعة من أصحابه، فقدموا سامرا سنة ست وخمسين ومائتين.
ذكر استيلاء مساور على الموصللما انهزم عسكر الموصل من مساور الخارجي، كما ذكرناه، قوي أمره، وكثر أتباعه، فسار من موضعه وقصد الموصل، فنزل بظاهرها عند الدير الأعلى، فاستتر أمير البلد منه، وهوعبد الله بن سليمان، لضعفه عن مقاتلته، ولم يدفعه أهل الموصل لميلهم إلى الخلاف، فوجه مساور جمعاً إلى دار عبد الله أمير البلد، فأحرقهأن ودخل مساور الموصل بغير حرب، فلم يعرض لأحد.
وحضرت الجمعة، فدخل المسجد الجامع، وحضر الناس، أومن حضر منهم، فصعد المنبر وخطب عليه، فقال في خطبته: اللهم أصلحنأن وأصلح ولاتنا! ولما دخل في الصلاة جعل إبهاميه في أذنيه، ثم كبر ست تكبيرات، ثم قرأ بعد ذلك، ولما خطب جعل على درج المنبر من أصحابه من يحرسه بالسيوف، وكذلك في الصلاة، لأنه خاف من أهل الموصل؛ ثم فارق الموصل، ولم يقدم على المقام بها لكثرة أهلهأن وسار إلى الحديثة لأنه كان اتخذها دار هجرته.
ذكر أول خروج صاحب الزنجوفي شوال خرج في فرات البصرة رجل، وزعم أنه علي بن محمد بن أمد بن عيسى بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، عليه السلام، وجمع الزنج الذين كانوا سيكنون السباخ، وعبر دجلة، فنزل الديناري.
قال أبوجعفر: وكان اسمه، فيما ذكر، علي بن محمد بن عبد الرحيم، ونسبه في عبد القيس، وأمه ابنة علي بن رحيب بن محمد بن حكيم من بني أسد بن خزيمة من قرى الري، وكن يقول: جدي محمد بن حكيم من أهل الكوفة أحد الخارجين على هشام بن عبد الملك مع زيد بن علي بن الحسين، فلما قتل زيد هرب فلحق بالري، فجاء إلى قرية ورزنين وأقام بها. وإن أبا أبيه عبد الرحيم رجل من عبد القيس، كان مولده بالطالقان، وقدم العراق، واشترى جارية سندية، وأولدها محمداً أباه، وكان متصلاً قبل بجماعة من حشاية المنتصر، منهم غامن الشطرنجي، وسعيد الصغير، وكان معاشه منهم ومن أصحاب السلطان، وكان يمدحهم ويستميحهم بشعره، منهم، ومن غيرهم.
ثم إنه شخص من سامرا سنة تسع وأربعين ومائتين إلى البحرين، فادعى بها أنه علي بن عبد الله بن محمد بن الفضل بن الحسن بن عبيد الله بن العباس بن علي بن أبي طالب، ودعا الناس بهجر إلى طاعته، فاتبعه جماعة كثيرة من أهلها ومن غيرهم، فجرى بين الطائفتين عصبية قتل فيها جماعة.
وكان أهل البحرين قد أحلوه بمحل نبي، وجبى الخراج، ونفذ فيهم حكمه، وقاتلوا أصحاب السلطان بسببه، فوتر منهم جماعة، فتنكروا به، فانتقل عنهم إلى الإحساء، ونزل على قوم من بني سعد بن تميم يقال لهم: بنوالشماس، وأقام فيهم، وفي صحبته جماعة من البحرين منهم: يحيى ابن محمد الأزرق البحراني، وسليمان بن جامع، وهوقائد جيشه.
وكان ينتقل بالبادية، فذكر عنه أنه قال: أوتيت في تلك الأيام بالبادية آيات من آيات إمامتي ظاهرة للناس، منها أني لقنت سوراً من القرآن، فجرى بها لساني في ساعة، وحفظتها في دفعة واحدة، منها: سبحان، والكهف، وصاد، ومنها أني فكرت في الموضع الذي أقصده حيث أتيت في البلاد، فأظلتني غمامة، وخوطبت منهأن فقيل لي: اقصد البصرة.
وقيل عنه إنه قال لأهل البادية: إنه يحيا به عمر العلوي، أبوالحسن، المقتول بناحية الكوفة، فخدع أهلهأن فأتاه منهم جماعة كثيرة، فزحف بهم إلى الردم، من البحرين، كانت بينهم وقعة عظيمة، وكانت الهزيمة عليه وعلى أصحابه، قتلوا قتلاً كثيرأن فتفرقت العرب عنه.
فلما تفرقت عنه سار فنزل البصرة في بني ضبيعة، فاتبعه منهم جماعة كبيرة منهم: علي بن أبان المهلبي، وكان قدومه البصرة سنة أربع وخمسين ومائتين، ومحمد بن رجاء الحضاري عاملهأن ووافق ذلك فتنة أهل البصرة بالبلالية، والسعدية. وطمع في إحدى الطائفتين أن تميل إليه، فأرسل إليهم يدعوهم، فلم يجبه أحد من أهل البلد، وطلبه ابن رجاء، فهرب، فحبس جماعة ممن كانوا يميلون إليه، منهم: ابنه، وزوجته، وابنة له، وجارية حامل منه. وسار يريد بغداد، ومعه من أصحابه محمد بن سلم، ويحيى بن محمد، وسليمان بن جامع، ومرقس القريعي؛ فلما صار بالبطيحة نذر بهم رجل كان يلي أمرهأن اسمه عمير بن عمار، فحملهم إلى محمد بن أبي عون، عامل واسط، فخلص منه هووأصحابه، فدخل بغداد، فأقام بها حولأن فانتسب إلى محمد بن أحمد بن عيسى بن زسد، فزعم بها أنه ظهر له آيات عرف بها ما في ضمائر أصحابه، وما يفعل كل واحد منهم، فاستمال جماعة من أهل بغداد منهم: جعفر بن محمد الصوحاني من ولد يزيد بن صوحان، ومحمد بن القاسم، ومشرق، ورقيق، غلاماً يحيى بن عبد الرحمن، فسمى مشرقاً حمزة، وكناه أبا أحمد، وسمى رقيقاً جعفرأن وكناه أبا الفضل.
وعزل محمد بن رجاء عن البصرة، فوثب رؤساء والسعدية، فأخرجوا من في الحبوس، فخلص أهله فيهم؛ فلما بلغه خلاص أهله رجع إلى البصرة، وكان رجوعه في رمضان سنة خمس وخمسين ومائتين، ومعه علي بن أبان، ويحيى بن محمد، وسليمان، ومشرق، ورقيق، فوافوا البصرة، فنزل بقصر القرشي على نهر يعرف بعمود ابن المنجم، واظهر أنه وكيل لولد الواثق في بيع السباخ، فأقام هنالك.
وذكر ريحان أحد غلمان السورجيين، وهوأول من صحبه منهم، أنه قال: كنت موكلاً بغلمان مولاي أنقل لهم الدقيق، فأخذني أصحابه، فساروا بي إليه، وأرموني أن أسلم عليه بالإمرة، ففعلت، فسألني عن الموضع الذي جئت منه، فأخبرته، وسألني عن أخبار البصرة، فقلت: لا علم لي؛ وسألني عن غلمان السورجيين، وعن أحوالهم، وما يجري لهم، فأعلمته فدعاني إلى ما هوعليه، فأجبته، فقال: احتل فيمن قدرت عليه من الغلمان، وأقبل بهم إلي، ووعدني أن يقودني على من آتيه به، واستحلفني أن لا أعلم أحداً بموضعه، وأن أرجع إليه، وخلى سبيلي.
وعدت إليه من الغداة، وقد أتاه جماعة من غلمان الدباشين، فكتب في حريرة: (إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة) التوبة: 111؛ وجعلها في رأس مردي، وما زال يدعوغلمان أهل البصرة، ويقبلون إليه للخلاص من الرق والتعب، فاجتمع عنده منهم خلق كثير، فخطبهم، ووعدهم أن يقودهم ويملكهم الأموال، وحلف لهم بالإيمان أن لا يغدر بهم، ولا يخذلهم، ولا يدع شيئاً من الإحسان إلا أتى به إليهم؛ فأتاه مواليهم، وبذلوا له على كل عبد خمسة دنانير ليسلم إليه عبده، بطح أصحابهم، وأمر كل من عنده من العبيد؛ فضربوا مواليهم، أووكيلهم، كل سيد خمسمائة سوط، ثم أطلقهم فمضوا نحوالبصرة.
ثم ركب في سفن هناك، فعبر دجيلاً إلى نهر ميمون، فأقام هناك، ولم يزل هذا دأبه يتجمع إليه السودان إلى يوم الفطر، فخطبهم، وصلى بهم، وذكرهم ما كانوا فيه من الشقاء وسوء الحال، وأن الله تعالى أبعدهم من ذلك، وأنه يريد أن يرفع أقدارهم، ويملكهم العبيد والأموال.
فلما كان بعد يومين رأى أصحابه الحميري، فقاتلوه حتى أخرجوه من دجلة، واستأمن إلى صاحب الزنج رجل من رؤساء الزنج يكنى بأبي صالح، ويعرف بالقصير، في ثلاثمائة من الزنج، فلما كثروا جعل القواد فيهم منهم، وقال لهم: كل من أتى منكم برجل فهومضموم إليه.
وكان ابن أبي عون قد نقل من واسط إلى ولاية الأبلة وكور دجلة، وسار قائد الزنج إلى المحمدية، فلما نزلها وافاه أصحاب ابن أبي عون، فصاح الزنج: السلاح، وقاموأن وكان فيهم فتح الحجام، فقام واخذ طبقاً كان بين يديه، فلقيه رجل من لاسورجيين يقال له بلبل، فلما رآه فتح حمل عليه، وحذفه بالطبق الذي بيده، فرمى سلاحه وولى هاربأن وانهزم صحابه، وكانوا أربعة آلاف، وقتل منهم جماعة، ومات بعضهم عطشأن وأسر منهم، وأمر بضرب أعناقهم.
ثم سار إلى القادسية، فنهبها أصحابه بأمره، وما زال يتردد إلى أنهار البصرة، فوجد بعض السودان داراً لبعض بني هاشم، وفيها سلاح بالسيب، فانتهبوه، فصار معهم ما يقاتلون به، فأتاه، وهوبالسيب، جماعة من أهل البصرة يقاتلونه، فوجه يحيى بن محمد في خمسمائة رجل، فلقوا البصريين، فانهزم البصريون منهم، وأخذوا سلاحهم، ثم قاتل طائفة أخرى عند قرية تعرف بقرية اليهود، فهزمهم أيضأن وأثبت أصحابه في الصحراء.
ثم أسرى إلى الجعفرية، فوضع في أهلها السيف، فقتل أكثرهم، وأتى منهم بأسرى فأطلقهم، ولقي جيشاً كبيراً للبصريين مع رئيس اسمه عقيل، فهزمهم، وقتل منهم خلقاً كثيرأن وكان معهم سفن، فهبت عليها ريح فألقتها إلى الشط، فنزل الزنج وقتلوا من وجدوا فيهأن وغمنوا ما فيهأن وكان مع الرئيس سفن، فركبها ونجأن فأنفذ صاحب الزنج فأخذها ونهب ما فيهأن ثم نهب القرية المعروفة بالمهلبية وأحرقهأن وأفسد في الأرض وعاث.
ثم ليه قائد من قواد الأتراك يقال له: أبوهلال في أربعة آلاف مقاتل على نهر الريان، فاقتتلوأن وحمل السودان عليه حملة صادقة، فقتلوا صاحب علمه، فانهزم هووأصحابه، وتبعهم السودان، فقتلوا من أصحاب أبي هلال أكثر من ألف وخمس مائة رجل، وأخذوا منهم أسرى فأمر بقتلهم.
ثم إنه أتاه من أخبره أن الزينبي قد أعد له الخيول، والمتطوعة، والبلالية، والسعدية، وهم خلق كثير، وقد أعدوا الحبال من يأخذونه من السودان، والمقدم عليهم أبومنصور، وهوأحد موالي الهاشميين، فأرسل علي ابن أبان في مائة أسود ليأتيه بخبرهم، فلقي طائفة منهم، فهزمهم، وصار من معهم من العبيد إلى علي بن أبان.
وأرسل طائفة أخرى من أصحابه، فأتوا إلى موضع فيه ألف وتسع مائة سفينة، ومعها من يحفظهأن فلما أرادوا الزنج هربوا عنهأن فأخذ الزنج السفن وأتوا بها إلى صاحبهم، فلما أتوه قعد على نشز من الأرض.
وكان في السفن قوم حجاج أرادوا أن يسلكوا طريق البصرة، فناظرهم، فصدقوه على قوله، وقالوا له: لوكان معنا فضل نفقة لأقمنا معك؛ فأطلقهم، وأرسل طليعة تأتيه بخبر ذلك العسكر، فأتاه خبرهم أنهم قد أتوه في خلق كثير، فأمر محمد بن سالم، وعلي بن أبان أن يقعدا لهم بالنخل، وقعد هوعلى جبل مشرف، فلم يلبث أن طلعت الأعلام والرجال، فأمر الزنج فكبروأن وحملوا عليهم، وحملت الخيول، فتراجع الزنج حتى بلغوا الجبل الذي هوعليه، ثم حملوأن فثبتوا لهم، وقتل من الزنج فتح الحجام، وصدق الزنج الحملة، فأخذوهم بين أيديهم، وخرج محمد بن سالم وعلي بن أبان، وحملوا عليهم فقتلوا منهم، وانهزم الناس، وذهبوا كل وذهب، وتبعهم السودان إلى نهر بيان، فوقعوا في الوحل، فقتلهم السودان، وغرق كثير منهم.
وأتى الخبر إلى الزنوج بأن لهم كميناً فساروا إليه، فإذا الكمين في أكثر من ألف من المغاربة، فقاتلهم قتالاَ شديدأن ثم حمل السودان عليهم، فقتلوهم أجمعين واخذوا سلاحهم.
ثم وجه أصحابه فرأوا مائتي سفينة فيها دقيق فأخذوه، ومتاعاً فنهبوه، ونهب المعلي بن أيوب ثم سار، فرأى مسلحة الزينبي فقاتلوه، فقاتلهم، فقتلهم أجمعين، فكانوا مائتين؛ ثم سار فنهب قرية ميزران، ورأى فيها جمعاً من الزنج ففرقهم على قواده؛ ثم سار، فلقيه ستمائة فارس مع سليمان ابن أخي الزينبي، ولم يقاتله، فأرسل من ينهب، فأتوه بغمن وبقر، فذبحوا وأكلوأن وفرق أصحابه في انتهاب ما هناك.
ثم إن صاحب الزنج سار يريد البصرة، حتى إذا قابل النهر المعروف بالرياحي أتاه قوم من السودان فأعلموه أنهم رأوا في الرياحي بارقة، فلم يلبث إلا يسيراً حتى نادى السودان: السلاح السلاح، وأمر علي بن أبان بالعبور إليهم، فعبر في ثلاثمائة رجل، وقال له: إن احتجت إلى مدد فاستمدني، فلما مضى علي صاح الزنج: السلاح السلاح، لحركة رأوها في جهة أخرى، فوجه محمد بن سالم، فرأى جمعأن فقاتلهم من وقت الظهر إلى آخر وقت العصر، ثم حمل الزنوج حملة صادقة، فهزموهم، وقتلوا من أهل البصرة والأعراب زهاء خمس مائة، ورجعوا إلى صاحبهم.
ثم أقبل علي بن أبان في أصحابه، وقد هزموا من بإزائهم، وقتلوا منهم، ومعه رأس ابن أبي الليث البلالي القواريري من أعيان البلالية، ثم سار من الغد عن ذلك المكان، ونهى أصحابه عن دخول البصرة، فتسرع بعضهم، فلقيهم أهل البصرة في جمع عظيم، وانتهى الخبر إليه فوجه محمد بن سالم، وعلي بن أبان، ومشرقأن وخلقاً كثيرأن وجاء هويسايرهم فلقوا البصريين، فأرسل إلى أصحابه ليتأخر عن المكان الذي هم فيه، فتراجعوأن فأكب عليهم أهل البصرة فانهزموأن وذلك عند العصر، ووقع الزنوج في نهر كبير، ونهر شيطان، وقتل منهم جماعة، وغرق جماعة، وتفرق الباقون، وتخلف صاحبهم عنهم، وبقي في نفر يسير، فنجاه الله تعالى.
ثم لقيهم وهم متحيرون لفقده، وسأل عن أصحابه، فإذا ليس معه إلا خمس مائة رجل، فأمر بالنفخ في البوق الذي يجتمعون لصوته، فلم يأته أحد، وكان أهل البصرة قد انتهبوا السفن التي كانت للزنوج، وبها متاعهم، فلما أصبح رأى أصحابه في ألف رجل، وأرسل محمد بن سالم إلى أهل البصرة يعظهم، ويعلمهم ما الذي دعاه إلى الخروج، فقتلوه.
فلما كان يوم الاثنين لأربع خلون من ذي القعدة جمع أهل البصرة وحشدوا لما رأوا من ظهورهم عليه، وانتدب لذلك رجل يعرف بحماز لاساجي، وكان من غزاة البحر، وله علم في ركوب السفن، فجمع المتطوعة، ورماة الأهداف، وأهل المسجد الجامع، ومن خف معه من البلالية والسعدية، ومن أحب النظر من غيرهم، وشحن ثلاثة مراكب، وشذوات مقابلة، وجعلوا يزدحمون، ومضى جمهور الناس رجالة، منهم من معه سلاح، ومنهم نظارة، فدخلت المراكب في المد، والرجالة على شاطئ النهر.
فلما علم صاحب الزنج بذلك وجه طائفة من أصحابه مع زريق الأصبهاني، في شرقي النهر، كمينأن وطائفة مع شبل، وحسين الحمامي، في غريبة، كمينأن وأمر علي بن أبان أن يلقى أهل البصرة، وأن يستتر هوومن معه يتراسهم، ولا يقاتل حتى تظهر أصحابه، وتقدم إلى الكمينين، إذ جاوزهم أهل البصرة، أن يخرجوأن ويصيحوا بالناس، وبقي هوفي نفر يسير من أصحابه، وقد هاله ما رأى من كثرة الجمع، فسار أصحابه إليهم، وظهر الكمينان من جانبي النهر ومن وراء السفن، والرجالة، فضربوا من ولى من الرجالة والنظارة، فغرقت طائفة، وقتلت طائفة، وهرب الباقون إلى الشط، فأدركهم السيف، فمن ثبت ومن ألقى نفسه في الماء غرق، فهلك أكثر ذلك الجمع، فلم ينج إلى الشريد، وكثر المفقودون من أهل البصرة، وعلا العويل من نسائهم، وهذا يوم البيداء الذي أعظمه الناس.
وكان فيمن قتل جماعة من بني هاشم وغيرهم في خلق كثير لا يحصى، وجمعت للخبيث الرؤوس، فأتاه جماعة من أولياء المقتولين، فأعطاهم ما عرفوأن وجمع الرؤوس التي لم تطلب، وجعلها في خزينة، فأطلقها فوافت البصرة، فجاء الناس واخذوا كل ما عرفوه منهأن وقوي بعد هذا اليوم، وتمكن الرعب في قلوب أهل البصرة منه، وأمسكوا عن حربه.
وكتب الناس إلى الخليفة بخبر ما كان، فوجه إليهم جعلان التركي مددأن وأمر أبا الأحوص الباهلي بالمسير إلى الأبلة واليأن وأمده بقائد من الأتراك يقال له جريح؛ وأما الخبيث صاحب الزنج فإنه انصرف بأصحابه إلى سبخة من آخر النهار، وهي سبخة أبي قرة، وبث أصحابه يميناً وشمالاً للغارة والنهب، فهذا ما كان منه في هذه السنة.
ذكر عدة حوادثفي هذه السنة كانت وقعة بين عسكر الخليفة وبين مساور الشاري، فانهزم عسكر الخليفة.
وفيها مات المعلى بن أيوب.
وفيها ولي سليمان بن عبد الله بن طاهر بغداد والسواد في ربيع الأول، وكان قدومه من خراسان فيه أيضأن فسار إلى المعتز، فخلع عليه، وسار إلى بغداد، فقال ابن الرومي:
من عذيري من الخلائق ضلوا ... في سليمان عن سواء السبيل
عوضوه، بعد الهزيمة، بغدا ... د كأن قد أتى بفتح جليل
من يخوض الردى إذا كان من ف ... ر أثابوه بالجزاء الجميل
يعني هزيمة سليمان من الحسن بن زيد العلوي.
وفيها أخذ صالح بن وصيف أحمد بن إسرائيل، والحسن بن مخلد، وأبا نوح عيسى بن إبراهيم، فقيدهم، وطالبهم بالأموال.
وكان سببه أن الأتراك طلبوا أرزاقهم، فقال صالح للمعتز: هؤلاء يطلبون أرزاقهم، وليس في بيت المال شيء، وقد ذهب هؤلاء الكتاب بالأموال، وكان أحمد وزير المعتز، والحسين وزير أم المعتز، وقال له أحمد بن إسرائيل: يا عاصي ابن العاصي، فتراجعا الكلام، فسقط صالح مغشياً عليه، فرش على وجهه الماء.
وبلغ ذلك أصحابه، وهم بالباب، فصاحوا صيحة واحدة، واخترطوا سيوفهم، ودخلوا على المعتز، فدخل وتركهم، وأخذ صالح أحمد بن إسرائيل، وابن مخلد، وعيسى، فأثقلهم بالحديد، وحملهم إلى داره، فقال المعتز لصالح: قبل أن يحملهم: هب لي أحمد، فإنه كاتبي، فلم يفعل، ثم ضربهم، واخذ خطوطهم بمال جزيل قسط عليهم، ولم يحصل منهم شيء، وقام جعفر بن حمود بالأمر والنهي.
وفيهأن في رجب، ظهر عيسى بن جعفر وعلي بن زيد الحسنيان بالكوفة، فقتلا بها عبد الله بن محمد بن داود بن عيسى.
وفيهأن في ذي القعدة، حبس الحسن بن محمد بن أبي الشوارب القاضي، وولي عبد الرحمن بن نائل قضاء سامرا في ذي الحجة؛ وحج بالناس علي بن الحسين بن العباس بن محمد بن علي بن عبد اله بن العباس.
وفيها ظهر بمصر إنسان علوي ذكر أنه أحمد بن محمد بن عبد الله بن إبراهيم بن طباطبا، وكان ظهوره بين الرقة والإسكندرية، وسار إلى الصعيد، وكثر أتباعه، وادعى الخلافة، فسير إليه أحمد بن طولون جيشأن فقاتلوه، وانهزم أصحابه عنه، وثبت هوفقتل، وحمل رأسه إلى مصر.
وفيها توجه خفاجة بن سفيان أمير صقلية في رجب، وولي بعده ابنه ممد، وتقدم ذكر ذلك سنة سبع وأربعين ومائتين؛ ولما ولي محمد سير عمه عبد الله بن سفيان إلى سرقوسة فأهلك زرعها وعاد.
وفيها توفي أبوأحمد عمر بن شمر بن حمدويه الهروي اللغوي، وكان إماماً في الأشعار، وروى عن ابن الأعرابي والرياشي وغيرهما.
وفيها توفي محمد بن كرام بن عراف بن خزانة بن البراء، صاحب المقالة المشهورة في التشبيه، وكان موته بالشام، وهومن سجستان.
وفيها توفي الزبير بن بكار بن عبد الله بن مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير قاضي مكة، وكان سقط من سطح، فمكث يومين ومات وكان عمره أربعاً وثمانين سنة؛ وعبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، صاحب المسند، توفي في ذي الحجة وعمره خمس وسبعون سنة، وأبوعمران عمروبن بحر الجاحظ، وهومن متكلمي المعتزلة، وعلي بن المثنى بن يحيى بن عيسى الموصلي والد أبي يعلي، صاحب المسند.
وفيها توفي محمد سحنون الفقيه المالكي القيرواني بها.
حوادث سنة ست وخمسين ومائتين
ذكر وصول موسى بن بغا إلى سامرا واختفاء صالحوفيها في قاني عشر المحرم دخل موسى بن بغا إلى سامرا وقد عبأ أصحابه، واختفى صالح بن وصيف، وسار موسى إلى الجوسق، والمهتدي جالس للمظالم، فأعلم بمكان موسى، فأمسك ساعة عن الإذن له، ثم أذن له ولمن معه، فدخلوأن فتناظروأن وأقاموا المهتدي من مجلسه، وحملوه على دابة من دواب الشاكرية، وانتهبوا ما كان في الجوسق، وأدخلوا المهتدي دار ياجور. وكان سبب أخذه أن بعضهم قال: إمنا سبب هذه المطاولة حيلة عليكم حتى يكسبكم صالح بجيشه؛ فخافوا من ذلك، فأخذوه، فلما أخذوه قال لموسى بن بغا: اتق الله، ويحك، فإنك قد ركبت أمراً عظيماً؛ فقال له موسى: وتربة المتوكل ما نريد إلا خيراً؛ ولوأراد به خيراً لقال وتربة المعتصم والواثق؛ ثم أخذوا عليه العهود أن لا يمايل صالحأن ولا يضمر لهم إلا مثل ما يظهر؛ ثم جددوا له البيعة، ثم أصبحوأن وأرسلوا إلى صالح ليحضر ويطالبوه بدماء الكتاب، والأموال التي للمعتز وأسلابه، فوعدهم؛ فلما كان الليل رأى أن أصحابه قد تفرقوا ولم يبق إلا بعضهم، فهرب واختفى.
ذكر قتل صالح بن وصيفوفيها قتل صالح بن وصيف لثمان بقين من صفر؛ وكان سبه أن المهتدي لما كان لثلاث بقين من المحرم أظهر كتاباً زعم أن امرأة دفعته إلى سيما الشرابي، وقالت: إن فيه نصيحة، وإن منزلها بمكان كذأن فإن طلبوني فأنا فيه. وطلبت المرأة فلم توجد، وقيل إنه لم يدر من ألقى الكتاب.
ودعا المهتدي القواد، وسليمان بن وه، فأراهم الكتاب، فزعم سليمان أنه خط صالح، فقرأه على القواد، فإذا أنه مستخف بسارمأن وإمنا استتر طلباً للسلامة وإبقاء الموالي، وطلباً لانقطاع الفتن، وذكر ما صار إليه من أموال الكتاب، وأم المعتز، وجهة خروجهأن ويدل فيه على قوة نفسه؛ فلما فرغوا من قراءته وصله المهتدي بالحث على الصلح، والاتفاق، والنهي عن التباغض والتباين، فاتهمه الأتراك بأنه يعرف مكان صالح ويميل إليه، وطال الكلام بينهم في ذلك.
فلما كان الغد اجتمعوا بدار موسى من بغا داخل الجوسق، واتفقوا على خلع المهتدي، فقال لهم بابكيال: إنكم قتلتم ابن المتوكل، وهوحسن الوجه، سخي الكف، فاضل النفس، وتريدون قتل هذأن وهومسلم يصوم ولا يشرب النبيذ، من غير ذنب! والله لئن قتلتم هذا لأحقن بخراسان لأشيع أمركم هناك.
فاتصل الخبر بالمهتدي، فتحول من مجلسه متقلداً سيفأن وقد لبس ثياباً نظافاً وتطيب، ثم أمر بإدخالهم عليه، فدخلوا فقال لهم: بلغني ما أنتم عليه، ولست كمن تقدمني، مثل المستعين أمر بإدخالهم عليه، فدخلوا فقال لهم: بلغني ما أنتم عليه، ولست كمن تقدمني، مثل المستعين والمعتز، والله ما خرجت إليكم إلا وأنا متحنط، وقد أوصيت إلى أخي بولدي، وهذا سيفي والله لأضربن بهخ ما استمسك قائمة بيدي، والله لئن سقط منس شعرة ليهلكن وليذهبن أكثركم.
كم هذا الخلاف على الخلفاء، والإقدام، والجرأة على اله! سواء عليكم من قصد الإبقاء عليكم، ومن كان إذا بلغه هذا منكم دعا بالنبيذ فشربه مسروراً بمكروهكم، حتى تعلموا أنه وصل إلى شيء من دنياكم، أما إنكم لتعلمون أن بعض المتصلين بكم أيسر من جماعة من أهلي وولدي سوأة لكم، يقولون: إني أعلم بمكان صالح، وهل هوإلا رجل من الموالي؟ فكيف الإقامة معه إذا ساء رأيكم فيه؟ وإذا أبرمتم الصلح فيه كان ذلك ما أنفذه لجميعكم، وإن أبيتم فشأنكم، واطلبوا صالحأن وأما أنا فما أعلم مكانه.
قالوا: فاحلف لنا على ذلك! قال: أما اليمين فنعم، ولكنها تكون بحضرة بني هاشم والقضاة غداً إذا صليت الجمعة، ثم قال لبابكيال ولمحمد بن بغا: قد حضرتما ما عمله صالح في أموال الكتاب وأم المعتز، فإن أخذ منه شيئاً فقد أخذتما مثله. فأحفظهما ذلك؛ ثم أرادوا خلعه، وإمنا منعهم خوف الاضطراب وقلة الأموال، فأتاهم مال من فارس عشرة آلاف ألف درهم وخمس مائة ألف درهم، فلما كان سلخ المحرم اتشر الخبر في العامة أن القوم قد اتفقوا على خلع المهتدي والفتك به، وأنهم قد أهقوه، وكتبوا الرقاع ورموها في الطريق والمساجد، مكتوب فيها: يا معشر المسلمين ادعوا الله لخليفتكم العدل، الرضأن المضاهي لعمر بن الخطاب، أن ينصره على عدوه، ويكفيه مؤونة ظالمه، وتتم النعمة عليه، وعلى هذه الأمة ببقائه، فإن الأتراك قد أخذوه بأن يخلع نفسه، وهويعذب منذ أيام، وصلى الله على محمد.
فلما كان يوم الأربعاء لأربع خلون من صفر تحرك الموالي بالكرخ والدور، وبعثوا إلى المهتدي، وسألوه أن يرسل إليهم بعض إخوته ليحملوه رسالة، فوجه إليهم أخاه أبا القاسم عبد الله، فذكروا له أنهم سامعون مطيعون، وأنهم بلغهم أن موسى، وبابكيال، وجماعة معهمأن يريدونه على الخلع، وأنهم يبذلون دماءهم دون ذلك وما هم دون ذلك، وشكوا تأخر أرزاقهم، وما صار من الأقطاع، والزيادات، والرسوم إلى قوادهم التي قد أجحفت بالخراج والضياع، وما قد اخذوا النساء والدخلاء، فكتبوا بذلك كتابأن فحمله إلى المهتدي وكتب جوابه بخطه: قد فهمت كتابكم، وسرني ما ذكرتم من طاعتكم، فأحسن الله جزاءكم، وأما ما ذكرتم من خلتكم وحاجتكم فعزيز علي ذلك، ولوددت، والله، أن صلاحكم يهيأ بأن لا آكل ولا اشرب ولا أطعم ولدي إلا القوت، ولا أكسوه إلا ستر العورة، وأنتم تعلمون ما صار إلي من الأموال، وأما ما ذكرتم من الإقطاعات وغيرها فأنا أنظر في ذلك وأصرفه إلى محبتكم إن شاء الله تعالى.
فقرأوا الكتاب وكتبوأن بعد الدعاء، يسألون أن يرد الأمور في الخاص والعام إلى أمير المؤمنين، لا يعترض عليه معترض، وأن يرد رسومهم إلى ما كانت عليه أيام المستعين، وهوأن يكون على كل تسعة عريف، وعلى كل خمسين خليفة، وعلى كل مائة قائد، وأن يسقط النساء والزيادات، ولا يدخل مولى في ماله ولا غيره، وأن يوضع لهم العطاء كل شهرين، وأن تبطل الإقطاعات؛ وذكروا أنهم سائرون إلى بابه ليقضي حوائجهم، وإن بلغهم أن أحداً اعترض عليه أخذوا رأسه، وإن سقط من رأس أمير المؤمنين شعرة قتلوا بها موسى بن بغا وبابكيال وياجور وغيرهم.
وأرسلوا الكتاب مع أبي القاسم، وتحولوا إلى سامرأن فاضطرب القواد جداً؛ وقد كان المهتدي قعد للمظالم، وعنده الفقهاء والقضاة، وقام القواد في مراتبهم، فدخل أبوالقاسم إليه بالكتاب، فقرأه للقواد قراءة ظاهرة، وفيهم موسى، وكتب جوابه بخطه، فأجابهم إلى ما سألوأن ودفعه إلى أبي القاسم، فقال أبوالقاسم لموسى بن بغا وبابكيال ومحمد بن بغا: وجهوا معي رسلاً يعتذرون إليهم عنكم؛ فوجهوا معه رسلأن فوصلوا إلى الأتراك، وهم زهاء ألف فارس، وثلاثة آلاف راجل، وذلك لخمس خلون من صفر، فأوصل الكتاب، وقال: إن أمير المؤمنين قد أجابكم إلى ما سألتم، وقال لهم: هؤلاء رسل القواد إليكم، ويعتذرون من شيء إن كان بلغكم عنهم، وهم يقولون إمنا أنتم إخوة، وأنتم منا وغلينأن واعتذر عنهم.
فكتبوا إلى المهتدي يطلبون خمسة توقيعات، توقيعاً بخط الزيادات، وتوقيعاً برد الإقطاعات، وتوقيعاً بإخراج الموالي البرانيين من الخاصة إلى البرانيين، وتوقيعاً برد الرسوم إلى ما كانت عليه أيام المستعين، وتوقيعاً برد البلاجي، ثم يجعل أمير المؤمنين الجيش إلى أحد إخوته أوغيرهم ممن يرى ليرفع إليه أمورهم، ولا يكون رجلاً من الموالي، وأن يحاسب صالح بن وصيف، وموسى بن بغا عما عندهما من الأموال ويجعل لهم العطاء كل شهرين، لا يرضيهم إلا ذلك، ودفعوا الكتاب إلى أبي القاسم وكتبوا كتاباً آخر إلى القواد موسى وغيره ذكروا فيه أنهم كتبوا إلى أمير المؤمنين بما كتبوأن وأنه لا يمنعهم شيئاً مما طلبوا إلا أن يعترضوا عليه، وأنهم إن فعلوا ذلك لم يوافقوهم، وأن أمير المؤمنين إن شاكه شوكة، وأخذ من رأسه شعرة، وأخذوا رؤوسهم جميعأن ولا يقنعهم إلا أن يظهر صالح، ويجتمع هووموسى ابن بغا حتى ينظر أين الأموال.
فلما قرأ المهتدي التوقيعات الخمسة على ما سألوأن وسيرها إليهم مع أبي القاسم وقت المغرب، وكتب إليهم بإجابتهم إلى ما طلبوأن وكتب إليهم موسى بن بغا كذلك، وأذن في ظهور صالح، وذكر أنه أخوه وابن عمه، وانه ما أراد ما يكرهون، فلما قرأوا الكتابين قالوا: قد أمسينأن وغداً نعرفكم رأينأن فافترقوا.
فلما كان الغد ركب موسى من دار الخليفة، ومعه من عسكره ألف وخمس مائة رجل، فوقف على طريقهم، وأتاهم أبوالقاسم، فلم يعقل منهم جواباً إلا كل طائفة يقولون شيئأن فلما طال الكلام انصرف أبوالقاسم، فاجتاز بموسى بن بغا وهوفي أصحابه، فانصرف معه.
ثم أمر المعتدي محمد بن بغا أن يسير إليهم مع أخيه أبي القاسم، فسار في خمس مائة فارس، ورجع موسى إلى مكانه بكرة، وتقدم أبوالقاسم ومحمد بن بغا فواعدهم عن المهتدي، وأعطياهم توقيعاً فيه أمان صالح بن وصيف، موكداً غاية التوكيد، فطلبوا أن يكون موسى في مرتبة بغا الكبير، وصالح في مرتبة أبيه، ويكون الجيش في يد من هوفي يده، وأن يظهر صالح ابن وصيف، ويوضع لهم العطاء، ثم اختلفوأن فقال قوم: قد رضينا؛ وقال قوم: لم نرض؛ فانصرف أبوالقاسم ومحمد بن بغاعبى ذلك، وتفرق الناس إلى الكرخ والدور وسامرا.
فلما كان الغد ركب بنووصيف في جماعة معهم، وتنادوا: السلاح، ونهبوا دواب العامة، وعسكروا بسامرأن وتعلقوا بأبي القاسم، وقالوا: نريد صالحاً! وبلغ ذلك المهتدي، فقال لموسى: يطلبون صالحاً مني كأني أنا أخفيته، إن كان عندهم فينبغي لهم أن يظهروه.
ثم ركب موسى ومن معه من القواد، فاجتمع الناس إليه، فبلغ عسكره أربعة آلاف فارس، وعسكروأن وتفرق الأتراك ومن معهم، ولم يكن لكرخيين ولا للدوريين في هذا اليوم حركة، وجد موسى ومن معه في طلب ابن وصيف، واتهموا جماعة به، فلم يكن عندهم، ثم إن غلاماً دخل داراً وطلب ماء لشربه، فسمع قائلاً يقول: أيها الأمير تنح، فإن غلاماً يطلب ماء، فسمع الغلام الكلام، فجاء إلى عيار فأخبره، فاخذ معه ثلاثة نفر، وجاء إلى صالح، وبيده مرآة ومشط، وهويسرح لحيته، فأخذه، فتضرع إليه، فقال: لا يمكنني تركك ولكني أمر بك على ديار أهلك وقوادك وأصحابك، فإن اعترضك منهم اثنان أطلقتك.
فأخرج حافياً ليس على رأسه شيء، والعامة تعدوخلفه، وهوعلى برذون بأكاف، فأتوا به نحوالجوسق، فضربه بعض أصحاب موسى على عاتقه، ثم قتلوه، وأخذوا رأسه، وتركوا جثته، ووافوا به دار المهتدي قبل المغرب، فقالوا له في ذلك، فقال: واروه، ثم حمل رأسه وطيف به على قناة، ونودي عليه: هذا جزاء من قتل مولاه.
ولما قتل أنزل رأس بغا الصغير، وسلم إلى أهله ليدفنوه، لما قتل صالح قال السلولي لموسى بن بغا:
ونلت وترك من فرعون حين طغى ... وحيث إذ جئت يا موسى على قدر
ثلاثة كلهم باغ أخوحسد ... برميك بالظلم والعدوان عن وتر
وصيف في الكرخ ممثول به، وبغا ... بالجسر محترق بالنار والشرر
وصالح بن وصيف بعد منعفر ... بالحير جثته والروح في سقر
ذكر اختلاف الخوارج على مساورفي هذه السنة خالف إنسان من الخوارج اسمه عبيدة من بني زهير العمروي على مساور.
وسبب ذلك أنه خالفه في توبة المخطئ، فقال مساور: نقبل توبته؛ وقال عبيدة: لا نقبل، فجمع عبيدة جمعاً كثيراً وسار إلى مساور، وتقدم إليه مساور من الحديثة، فالتقوا بنواحي جهينة، بالقرب من الموصل، في جمادى الأولى سنة سبع وخمسين، واقتتلوا أشد قتال، فترجل من عنده، ومعه جماعة من أصحابه، وعرقبوا دوابهم، فقتل عبيدة وانهزم جمعه، فقتل أكثرهم، واستولى مساور على كثير من العراق، ومنع الأموال عن الخليفة، فضاقت على الجند أرزاقهم، فاضطرهم ذلك إلى أن سار إليه موسى بن بغا وبابكيال وغيرهما في عسكر عظيم، فوصلوا إلى السن فأقاموا به، ثم عادوا إلى سامرأن لما نذكره من خلع المهتدي.
فلما ولي المعتمد الخلافة سير مفلحاً إلى قتال مساور في عسكر كبير، حسن العدة، فلما قارب الحديثة فارقها مساور وقصد جبلين يقال لأحدهما زيني، وللآخر عامر، وهما بالقرب من الحديثة، فتبعه مفلح، فعطف عليه مساور وهوفي أربعة آلاف فارس، فاقتتل هوومفلح.
وكان مساور قد انصرف عن حرب عبيدة وقد جمع كثيراً من أصحابه، فلقوا مفلحاً بجبل زيني، فلم يصل مفلح منه إلى ما يريده، فصعد رأس الجبل فاحتمى به، ونزل مفلح في أصل الجبل، وجرى بينهما وقعات كثيرة، ثم أصبحوا يومأن وطلبوا مساورأن فلم يجدوه، وكان قد نزل ليلاً من غير الوجه الذي فيه مفلخ، لما أيس من الظفر لضعف أصحابه من الجراح، فحيث لم يره مفلح سار إلى الموصل، فسار إلى ديار ربيعة سنجار، ونصيبين، والخابور، فنظر في أمرها ثم عاد إلى الموصل، فاحسن السيرة في أهلهأن ورجع عنها في رجب متأهباً للقاء مساور.
فلما قارب الحديثة فارقها مساور، وكان قد عاد إليها عند غيبة مفلح، فتبعه مفلح، فكان مساور يرحل عن المنزل، فينزله مفلح، فلما طال الأمر على مفلح وتوغل في الجبال والشعاب والمضايق وراء مساور، ولحق الجيش الذي معه مشقة ونصب، عاد عنه، فتبعه مساور يقفوأثره، ويأخذ كل من ينقطع عن ساقه العسكر، فرجع إليه طائفة منهم فقاتلوه، ثم عادوا ولحقوا مفلحأن ووصلوا الحديثة، فأقام بها مفلح أيامأن وانحدر أول شهر رمضان إلى سامرأن فاستولى حينئذ مساور على البلاد، وجبى خراجهأن وقويت شوكته، واشتد أمره.
ذكر خلع المهتدي وموتهفي رجب، الخامس عشر منه خلع المهتدي، وتوفي لاثنتي عشرة ليلة بقيت منه.
وكان السبب في ذلك أن أهل الكرخ والدور من الأتراك، الذين تقدم ذكرهم، تحركوا في أول رجب لطلب أرزاقهم، فوجه المهتدي إليهم أخاه أبا القاسم، وكيغلغ وغيرهمأن فسكنوهم، فرجعوأن وبلغ أبا نصر محمد بن بغا أن المهتدي قال للأتراك: إن الأموال عند محمد وموسى ابني بغأن فهرب إلى أخيه وهوبالسن مقابل مساور الشاري، فكتب المهتدي إليه أربعة كتب يعطيه الأمان، فرجع هووأخوه حيسون، فحبسهمأن ومعهما كيغلغ، وطولب أبونصر محمد بن بغا بالأموال، فقبض من وكيله خمسة عشر ألف دينار، وقتل لثلاث خلون من رجب، ورمي به من بئر فأنتن، فأخرجوه إلى منزله، وصلى عليه الحسن بن المأمون.
وكتب المهتدي إلى موسى بن بغأن لما حبس أخاه، أن يسلم العسكر إلى بابكيال ويرجع إليه، وكتب إلى بابكيال أن يتسلم العسكر، ويقوم بحرب مساور الشاري، وقتل موسى بن بغا ومفلح، فسار بابكيال بالكتاب إلى موسى، فقرأه عليه وقال: لست أفرح بهذأن فإنه تدبير علينا جميعنأن فما ترى؟ فقال موسى: أرى أن تسير إلى سامرأن وتخبره أنك في طاعته ونصرته علي وعلى مفلح، فهويطمئن إليك، ثم تدبر في قتله.
فأقبل إلى سامرأن فوصلها ومعه ياركوج، وأسارتكين، وسيما الطويل، وغيرهم، فدخلوا دار الخلافة لاثنتي عشرة مضت من رجب، فحبس بابكيال وصرف الباقين، فاجتمع أصحاب بابكيال وغيرهم من الأتراك، وقالوا: لم حبس قائدنأن ولم قتل أبونصر بن بغا؟ وكان عند المهتدي صالح بن علي بن يعقوب بن المنصور، فشاوره فيه، فقال له: إنه لم يبلغ أحد من آبائك ما بلغته من الشجاعة، وقد كان أبومسلم أعظم شأناً عند أهل خراسان من هذا عند أصحابه، وقد كان فيهم من يعبده، فما كان إلا طرح رأسه حتى سكتوأن فلوفعلت مثل ذلك سكنوا.
فركب المهتدي، وقد جمع له جميع المغاربة، والفراغنة، فصير في الميمنة مسروراً البلخي، وفي الميسرة ياركوج، ووقف هوفي القلب مع أسارتكين وطبايغوأن وغيرهما من القواد، فأمر بقتل بابكيال، وألقى رأسه إليهم عتاب بن عتاب، فحملوا على عتاب فقتلوه، وعطفت ميمنة المهتدي وميسرته بمن فيها من الأتراك، فصاروا مع إخوانهم الأتراك، فانهزم الباقون عن المهتدي، وقتل جماعة من الفريقين، فقيل: قتل سبع مائة وثمانون رجلأن وقيل: قتل من الأتراك نحوأربعة آلاف، وقيل: ألفان، وقيل: ألف.
وقتل من أصحاب المهتدي خلق كثير، وولى منهزمأن وبيده السيف وهوينادي: يا معشر المسلمين! أنا أمير المؤمنين، قاتلوا عن خليفتكم! فلم يجبه أحد من العامة إلى ذلك، فسار إلى باب السجن، فأطلق من فيه وهويظن أنهم يعينونه، فهربوا ولم يعنه أحد، فسار إلى دار احمد بن جميل، صاحب الشرطة، فدخلها وهم في أثره، فدخلوا عليه وأخرجوه، وساروا به إلى الجوسق على بغل، فحبس عند أحمد بن خاقان، وقبل المهتدي يده، فيما قيل، مراراً عديدة، وجرى بينهم وبينه، وهومحبوس، كلام كثير أرادوه فيه على الخلع، فأبى واستسلم للقتل، فقالوا: إنه كتب بخطة رقعة لموسى بن بغأن وبابكيال، وجماعة من القواد، أنه لا يغدر بهم، ولا يغتالهم، ولا يفتك بهم، ولا يهم بذلك، وانه متى فعل ذلك فهم في حل من بيعته، والأمر إليهم يقعدون من شاءوا.
فاستحلوا بذلك تقضي أمره، فداسوا خصيتيه، وصفقوه فمات، وأشهدوا على موته أنه سليم به أثر، ودفن بمقبرة المنتصر.
وقيل: كان سبب خلعه وموته أن أهل الكرخ والدور اجتمعوا وطلبوا أن يدخلوا إلى المهتدي، ويكلموه حاجاتهم، فدخلوا الدار، وفيها أبونصر محمد بن بغا وغيره من القواد، فخرج أبونصر منهأن ودخل أهل الكرخ والدور، وشكوا حالهم إلى المهتدي، وهم في أربعة آلاف، وطلبوا منه أن يعزل منهم أمراءهم، وأن يصير الأمر إلى أخوته، وأن يأخذ القواد وكتابهم بالمال الذي صار إليهم، فوعدهم بإجابتهم إلى ما سألوه، فأقاموا يومهم في الدار، فحمل المهتدي إليهم ما يأكلون.
وسار محمد بن بغا إلى المحمدية، وأصبحوا من الغد يطلبون ما سألوه،فقيل لهم: إن هذا أمر صعب، وإخراج الأمر عن يد هؤلاء القواد ليس بسهل، فكيف إذا جمع إليه مطالبتهم بالأموال؟ فانظروا في أموركم، فإن كنتم تصبرون على هذا الأمر إلى أن نبلغ غايته، وإلا فأمير المؤمنين يحسن لكم النظر؛ فأبوا إلا ما سألوه، فدعوا إلى أيمان البيعة على أن يقيموا على هذا القول، وأن يقاتلوا من قاتلهم، وينصحوا أمير المؤمنين، فأجابوا إلى ذلك، فأخذت عليهم أيمان البيعة.
ثم كتبوا إلى أبي نصر عن أنفسهم، وعن المهتدي ينكرون خروجه عن الدار بغير سبب، وأنهم إمنا قصدوا ليشكوا حالهم، ولما رأوا الدار فارغة أقاموا فيهأن فرجع فحضر عند المهتدي، فقبل رجله ويده ووقف، فسأله عن الأموال وما يقوله الأتراك، فقال: وما أنا والأموال؟ قال: وهل هي إلا عندك وعند أخيك وأصحابكما؟ ثم أخذوا بيد محمد وحبسوه، وكتبوا إلى موسى بن بغا ومفلح بالانصراف إلى سامرأن وتسليم العسكر إلى قواد ذكروهم، وكتبوا إلى الأتراك الصغار في تسلم العسكر منهمأن وكروا ما جرى لهم، وقالوا: إن أجاب موسى ومفلح إلى ما أمرا به من الإقبال إلى سامرا وتسليم العسكر، وإلا فشدوهما وثاقأن واحملوهما إلى الباب.
وأجرى المهتدي على من أخذت عليه البيعة كل رجل درهمين، فلما وصلت الكتب إلى عسكر موسى أخذها موسى، وقرئت عليه وعلى الناس، وأخذوا عليهم البيعة بالنصرة لهم، وساروا نحوسامرأن فنزلوا عند قنطرة الرقيق لإحدى عشرة ليلة خلت من رجب، وخرج المهتدي وعرض الناس. وعاد من يومه، وأصبح الناس من الغد وقد دخل من أصحاب موسى زهاء ألف فارس، منهم كوبكين وغيره، وعاد وخرج المهتدي فصف أصحابه، وفيهم من أتى من أصحاب موسى، وترددت الرسل بينهم وبين موسى يريد أن يولي ناحية ينصرف إليها وأصحاب المهتدي يريدون أن تجيء إليهم ليناظرهم على الأموال، فلم يتفقوا على شيء.
وانصرف عن موسى خلق كثير من أصحابه، فعدل هوومفلح يريدان طريق خراسان، وأقبل بابكيال وجماعة من القواد، فوصلوا إلى المهتدي، فسلموأن وأمرهم بالانصراف، وحبس بابكيال وقتله، ولم يتحرك أحد، ولا تغير شيء إلا تغيراً يسيرأن وكان ذلك يوم السبت.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

كتاب { متن الدرة المضيئة في السيرة}الدرة المضية

    كتاب { متن الدرة المضيئة في السيرة}الدرة المضية بسم الله الرحمن الرحيم وبه ثقتي  ----------------- قال الشيخ الإمام الحبر الحافظ أبو...